نوقشت في كلية التربية للعلوم الإنسانية وعلى قاعة الدكتور علي جواد الطاهر اطروحة الدكتوراه الموسومة (الاحتياط للمعنى في العربية) للطالب كاظم إبراهيم عبيس السلطاني و تتقصى هذه الدراسة استخدام الاحتياط للمعنى في العربية حيث يجيء الكلام في النصوص اللغوية مُكوَّنًا من جُملٍ متنوعة، تُفيد معنى، وإفادة المعنى تقتضي وضوح القصد وتجنُّب الخطأ وذلك بإتمامه وإزالة اللبس والإبهام والاحتمال عنه. وإذا كان الأمر كذلك فمن البديهي أنْ يحتاط متكلِّمُ اللغة لكلامه مخافة الخطأ والزلل، فيقيّده بقيودٍ لفظيَّةٍ ومعنويَّةٍ تكون صارفةً للذهن عن أنْ يُظنَّ بالمعنى غير المُراد. واحتياط المُتكلِّم للمعنى لا يأتي من فراغ، وإنَّما لغايةٍ اقتضتها ظروف القول وذلك لتدارك معنى كلامه عند إحساسه بخروجه عن القصد أو إبهامه وغموضه إلى غير ذلك، فهو دليل فطنته وذكائه بإيضاح ما أبهم وإتمام ما يُوهم النقص، وتخصيص ما يوحي بالعموم. وتأتي أهمية هذه الدراسة من أنَّها تُظهر اهتمام العرب بالمعنى وصونه من كلِّ ما يُوهم النقص فيه، زيادة على أنَّها تستند إلى باب من أبواب كتاب الخصائص لابن جنّي وهو (باب الاحتياط)، الذي ضمّنه مسائل لغويَّةً عدَّة تدلّ على احتياط العرب للمعنى في كلامهم، وترك الباب مفتوحًا لمن أراد البحث والاستقصاء فيه. وقد تناول التمهيد مفهوم الاحتياط في اللغة والاصطلاح والتأصيل له، والفرق بينه وبين الحذر، وغاياته وطرائقه، ومرادفته: الاحتراز والاحتراس. وخصص الفصل الأول للاحتياط الصوتي الصرفي للمعنى، وقد جمع بينهما في فصلٍ واحد للتداخل الكبير بين المباحث الصوتية والصرفية، وقد قسم على أربعة مباحث، وتناول الفصل الثاني: الاحتياط النحوي للمعنى وقد قسم على أربعة مباحث. أمَّا الفصل الثالث فقد خصص للاحتياط البلاغي والدلالي للمعنى وقد قسم على ثلاثة مباحث، درس في المبحث الأول الاحتياط للمعنى بأساليب البيان، وقد تم توضيح الغاية من الاحتياط للمعنى بأسلوب التشبيه والمجاز والكناية، أما المبحث الثاني فدرس فيه الغاية من الاحتياط للمعنى بالتتميم والإيغال، وفي المبحث الثالث درس الغاية من الاحتياط للمعنى بالحمل على المعنى وخصص للحمل على الدلالة الصريحة للفظ، والحمل على معنى العموم، والحمل على معنى الخصوص. أما الخاتمة فتطرقت الى أهم نتائج البحث ومن أبرزها:
أوّلاً: إنَّ الاحتياط مصطلحٌ فقهيٌّ سبقَ إليه المفسِّرون، ثمَّ انتقل إلى المباحث اللغوية، وأوَّل من درسه بوصفه ظاهرةً لغويَّةً ابنُ جني في كتابه الخصائص، إذ أفرد له بابًا سمّاه: باب الاحتياط، ضمَّنه نصوصًا لغويَّة يحتاطُ فيها للمعنى مخافة الخطأ والزلل.
ثانيًا: يرد الاحتياط في اللغة بمعانٍ عدّة أهمّها: الحفظ والصون، والأخذ بالأحزم، والأخذ بأوثق الوجوه، أمَّا في الاصطلاح فقد عُرِّف تعريفاتٍ عدَّةً لا تخرجُ كثيرًا عن المعنى اللغوي للفظ، ويمكن لنا أنْ نُعرِّفَه بأنَّه: أسلوبٌ يلجأ إليه المُتكلِّم لتدارك معنى كلامه عند شعوره بنقصٍ فيه أو لخروجه عن القصد أو لغموضه وإبهامه أو لأيِّ سببٍ آخر، فيقيِّده بما يحفظ ذلك المعنى ويصونه من الخطأ والزلل والعيب، ويأمن اللبس والظنَّ والاحتمال، وذلك بالأخذ بأوثق الوجوه.
ثالثًا: أثبت البحث أنَّ الغايةَ من الاحتياط للمعنى بالوقف على أحد مقاطع الكلام والابتداء بآخر هي إمّا لدفع تداخل المعاني وإمَّا للفصل بين الوحدات الصرفيَّة وإمَّا لأمن اللبس بالإدغام إلى غير ذلك.
رابعًا: إنَّ الغاية من الاحتياط للمعنى بتعانق الوقف بين مقطعين بينهما مُراقبة على التضادِّ هي دفع اضطراب المعنى بضياع أحد المعنيين، ذلك أنَّ الوقف على المقطعين معًا يجعل المقطع الأول متَّصلاً بما قبله ومُنقطعًا عمّا بعده، والوقف على المقطع الثاني يجعله منقطعًا عمَّا قبله وعمَّا بعده فيُصبح حشوًا لا معنى له ولا مُسوِّغ لإثباته، وهذا ليس مُرادًا إنَّما المرادُ اشتراكُ المعنيين.