بحث في كلية التربية للعلوم الإنسانية بعنوان هيكلة النص الشعري عند بلند الحيدري، دراسة اسلوبية في تجربة الحداثة للأستاذ المساعد الدكتور فرحان بدري الحربي
 التاريخ :  15/03/2016 22:31:36  , تصنيف الخبـر  كلية التربية للعلوم الانسانية
Share |

 كتـب بواسطـة  عقيل محمد صالح  
 عدد المشاهدات  1600

صدر للأستاذ المساعد الدكتور فرحان بدري الحربي أستاذ النقد الحديث في كلية التربية للعلوم الإنسانية بحث بعنوان هيكلة النص الشعري عند بلند الحيدري، دراسة اسلوبية في تجربة الحداثة حيث تناول البحث :-
كلمات مفتاحيه:
اسلوبية، شعر، الحداثة ، بلند الحيدري ، هيكلة، بنية، الصورة ،مفاعلة الحدث ،  الجملة ألأدبية ، العلاقات المفصلية.
ملخص: 
  مفهوم الريادة لايعني إلغاء القواعد الشعرية الموروثة بقدر ما يعني تطوير العناصر ألأكثر أهميَة في الشعر ،وعن اهمية تلك التجربة كشف البحث أن الشعر الحر،بحسب تجربة بلند الحيدري ، تتوافر فيه المرونة الكافية للتعبير بحيث يتخلص فيه الشاعر من قيد القافية و يتمكن من تنويع ألإيقاع تبعا للفكرة و العاطفة ، و هو استجابة موفقة لمتطلبات الواقع الاجتماعي و الفكري في وقتها .وقد وجدنا أن تجربة الحيدري الشعرية من التجارب الريادية المهمة وقد تم فحص هذه التجربة  ووجدنا أن اهم ما يمتميز به  شعره أن لغته تلتزم اللهجة الجادة ، و الموقف الشعري عنه لايتغير بين الحزن و السخرية و الفكاهة مما يميزه عن غيره من زملائه في الريادة لهذه الحركة .
توطئة في:
تجربة الحداثة والريادة في شعر التفعيلة ( الحر ) 
        ظهرت حركة الشعر الحر في أدبنا المعاصر بعد منتصف الأربعينيات من القرن العشرين وهي مزودة بتجارب تستحق الثناء في بعضها .وان ريادة بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي لم تكن محاولة( فوضوية ) بل كانت تجربة واعية للواقع الأدبي للأمة العربية وهي استجابة جديدة فرضها تطور الحياة الجديدة وهي ميلاد شعر جديد لم ينقطع عن تراثه الذي غذاه بالحس الفني على الرغم من تأثره ، أي الشعر الجديد ، بالآداب  الأوربية وهو ما يعني استيعاب متغيرات المرحلة وما تقتضيه ظروف المعاصرة الحضارية بين الثقافة العربية والثقافات العالمية الأخرى .( ) 
وكان العراق مهد القصيدة الجديدة (الحرة) يحتوي ظروف اختلاقها فالحرب العالمية الثانية التي داهمت بمشاكلها المعقدة المجتمع العراقي وأحوال هذا المجتمع العامة بماضيه البدائي وطابعه القروي في ثقافته والثقافة العصرية قصيرة العمر في وقتها ، أوجدت تحديات جعلت الجيل الجديد وشاعره في المقدمة لم يملك الا ان يركب موجة الأحزان واليأس والتمرد على الأوضاع العامة ، سياسية واجتماعية وفكرية ، وهو يجد في الجواهري وجيله منافساً خطيراً يسد عليه الابواب الى الجمهور والشهرة.( ) إذ  كان شعر الجواهري موقفا محافظا يقف ضد أية محاولة لم تكتمل عوامل نضجها و يمنع ما كان يمكن أن تؤدي إليه الهولة المفرطة في تجربة الزهاوي و الرصافي من انحلال و تردي للشعر في العراق . وهذا يعني ان قصيدة الشعر الحر جاءت استجابة مناسبة لواقع اجتماعي وفكري للإنسان العربي في تلك الفترة .
وبذلك يقول الشاعر بلند الحيدري ( كان ثمة أنين وصراع وعويل يتسلل إلينا من خلال ركام اوربا الجريحة شعراً ونثراً كالشعر وقصصا فيها ثورة وفيها نقمة وفيها ما بلغت النظر من غرابة واثارة . وهنا كان الفنان او الشاعر منا يحاول ان يجد ما تراكم في نفسه من قلق وهلع وخيبة متسعاً جديداً في الادب والفن ليثبت فيه قيماً جديدة ونظرة جديدة الى الحياة تتناسب مع احاسيسه وتفهمه العاطفي لمشاكل العالم المحيط به . . . . في هذا الجزء او المقطع من عصرنا المتأزم القاسي ولد شعرنا الحديث )( ) .وكانت تجربة الشعر الحر في الحداثة حركة واعية في جهد روادها النظري  فالثورة الشعرية الجديدة على القواعد الكلاسيكية لا تعني الالغاء او التحطيم بقدر ما تعني ان اولئك الشعراء ( طوروا العناصر التي اعتقدنا انها اصبحت فاسدة )( )  كما يقول شاعرنا بلند الحيدري . ويؤكد رواد هذه الحركة أن الشعر الحر ( ليس حراً من قيد القافية فحسب بل انه ايضا اكثر مرونة . انه يمكِن الشاعر من تنويع الايقاع تبعاً للفكرة والعاطفة ).( )
( ولعل لتسلط الذوق الكلاسي والنظرة التقديسية لتقاليد الشعر الموروثة أثرا في حرص الشاعر الجديد على التأكيد " بأن القديم قد أخذ ما هو بحاجة اليه فهو لايرفض القديم ولكنه يريد الجديد الذي يمثل احاسيسه ومشاعر عصره " )( ) .
وهكذا نستطيع التأكيد مرة اخرى أن الشعر الحر كان استجابة موفقة لواقع مأزوم اجتماعياً وسياسياً وفكرياً فمثلت حركته حلاً لاشكالية الانسان في وجوده .
و لنا بعد ذلك ان نكشف نمط الإبداع الشعري في تجربة الريادة عند بلند الحيدري إذ نرى أن الوعي النظري لأبعاد التجربة الشعرية قد ينعكس تقنيا في افق النص بما يقوم عليه من عنصر العاطفة و الخيال المولِد للصورة في النسيج اللفظي للنص ، ومن خلال ذلك نحاول التعرف الى التحول في آلة الفن الشعري و مدى إستجابة الشاعر لتغيُر المضمون الذي اشرنا إليه أثر تحول الموقف الشعري بعد تغير الواقع عموما . 

أسلوبية النص الشعري
يتوجه هذا المبحث الى دراسة لغة الحيدري الشعرية ليكتشف نمط العلاقة بين الجملة اللغوية و الجملة الادبية في هيكل النص الشعري وهو تطبيق اسلوبي بنيوي في نماذج معينة يمكن تعميم نتائجه على مستوى الديوان .
وفيه يكون العمل في مستويين من مستويات التحليل اللغوي هما التركيب و الدلالة .
ولا يخفى ما للتحليل اللغوي من اهمية  في الدراسة الموضوعية في المناهج النقدية الموجهة الى النص الادبي .
فان محاولة الكشف عن البنية التركيبية للنصوص الشعرية عن طريق فحص النسيج اللغوي الذي تألفت منه يعني تحليل الخلايا اللغوية وكشف مستويات التنظيم ( أي العلاقات ) المختلفة في بنية النص . ( ). 
   و في نظرة عامة نجد ان لغة الحيدري التي تلتزم اللهجة الجادة ، اذ يخلو شعره من أي روح فكاهة مثلما هو حال ( ادونيس ) و ( حاوي ) بحيث لا يتغير الموقف الشعري عنده ، وهذه مزية يتفرد بها  هذا النموذج من الشعراء ، جعلت تجربته الريادية ذات خصوصية في الابداع تميزه عن غيره مثل السياب و نازك اذ يتغير الموقف الشعري عندهم بين الحزن و السخرية و الفكاهة الى حد معين . ( ) .وتلك الملاحظة تكون غالبة او عامة  في دواوينه التي زامنت حركاته الحياتية كلها منذ : خفقة الطين ، الى : حوار الابعاد ، مرورا بأغاني المدينة الميتة وخطوات في الغربة . وهذان الاخيران يرسمان تجربتين مهمتين في تمييز حركته الشعرية وترسيخ  ثوابتها المطلقة خصوصا في التزام قضية الانسان ووجوده كما فهمها بعد ثورة عام 1958 .   وقد يكون التحول الحقيقي له مع ديوانه: جئتم مع الفجر ، الذي صدر عام 1960 وصار معه الى الايمان بالانسان وكان بداية التفاعل مع المجتمع والايمان بنضال الانسان من اجل آماله .( ).
ولأجل الضبط المعرفي في المنهج الأسلوبي الذي نحاول تطبيقه و هو منهج موضوعي في التقويم النقدي،نوجه البحث في خطوات أربعة كما يأتي :
1- بنية الصورة ، 2- مفاعلة الحدث ، 3- الجملة ألأدبية و هيكلة النص ،4- نظام العلاقات المفصلية. 
   ونسعى في دراستنا بهذه الخطوات الى معرفة النظام الفني لهياكل النصوص الشعرية ، وكشف الملامح الأسلوبية ألأكثر اهمية عند الشاعر ، و نحاول تحليل مواقفه الشعرية في ضوء الحقائق الفنية هذه بحيث نجد سبلا للكشف عن العلاقة بين النظام النظري ألإفتراضي في الوعي المعرفي عنده والتطبيق الواقعي في التجربة الشعرية .

   أ- بنية الصورة : 
    من خلال القراءة نلاحظ ان جملته اللغوية تميل الى القصر و الحيوية من خلال الاستعمال المتقن للاستعارة .وهنا نريد الاستعارة بمعناها الواسع عندما لا نقصرها على مسالة اللفظ بل ننظر اليها على انها تعنى بتشكيل انماط جديدة من العلاقات بين الافكار وتشير الى عملية التبادل بين النصوص و العبارات ( ) وهذا يعني اننا نحِمل مصطلح الاستعارة دلالة واسعة ولا نقتصر على تعريفها المنهجي التعليمي بوصفها تشبيه ناقص .
وهذه المزية في التصوير الشعري اخرجت الحيدري من نظام المقارنة الضيق الذي يحمله التشبيه الى ماهو ابعد منه في حمل جرثومة المعنى او نواته ،فمثلا في بداية الديوان يقول :
                      ( سكر الليل باللظى المخمور ، واقشعرت معالم الديجور .. ، فهش ستار… ، و راى الليل شمعة تتلاشى ، في دموع تمرغت بالنور ، اطلقت ضوءها الكئيب فاغفى  ، فوق ظلين ، هوّما في السرير ).  ( )
فيكون الليل قد سكر و اللظى قد ثمل وكل من الفعل وما اسند اليه بعيد في وضعه اللغوي عن فاعله في الحقل الدلالي لكن حركة الروح المطلقة في فضاء البث الشعري جعلته يكتشف علاقة من نوع معين ما بين ركني الاستعارة .
وهذا اكثر ما كان في ديوانه الاول ( خفقة الطين ) الذي قال عنه الناقد عبد الجبار عباس : انه بلور تجربته الاولى التي تأثر فيها بالرومانسية او عبر بها عن رومانسيته استجابة لظرفه النفسي والاجتماعي .( ) 
ففي همس الطريق يقول : 
                      (في كل ذرة صمت ، تنمو وتخفق فكرة ، والف شيء وشيء هنا يقدس سره)0( ) 
فالصمت اصبح له تجسيم في الذرة واصبحت له حركة حياة ( تخفق وتنمو ). وهكذا نلاحظ ان التشبيه قد يكون معدوما وحتى ان وُجد فهو يأتي بأسلوب يوحي بالخبر المسبق من خلال التشبيه الذي يتخلص من معظم اركانه ليقترب من الاستعارة في تكوينه كما في قوله :( وآخالها نشوى يسيرها المجون ولا تعي ، نشوى تدنس جسمها في مخدع ، وتهينه  في مخدع ، وتذل حبا طاهرا قدست فيه توجعي ).( )
فالاداة هنا ( فعل ) ماض ناقص يفيد التشبيه ( أخالها ) وهي كأنها نشوى وفعلا اصبحت نشوى تقريرا في الفعل الماضي في الجملة الثانية .

     ب- مفاعلة الحدث
     وفي جانب اخر تاتي حركة اسلوبية اخرى غير التصوير وهي ما نتج عن استعمال العطف وخصوصا بالواو مما افاد التراكم في البث الشعري بحيث يخشى المتلقي في الوهلة الاولى من التشتت والتشظي لولا افق الشاعر المؤدلج على وفق الحالة النفسية المركبة التي يعشها بحيث يستطيع قراءة الحدث منسجما مع تموجات الالفاظ في جمله الشعرية .
ومثال ذلك قوله :
             (يا حبُّ قد ذبلت عروقي ، والتظى فيها الهرم ، ومضى الشباب عُصافة لاذت ، بزوبعة الالم ، والدهر ايقظ في دمي المخمور مأساة العدم ، يا حب قد مات الشباب وكنت من خلانه ……الخ ). ( ) 
فالفعل (الحدث)  متسلسل ومتنام بطريقة لا توحي بالتراكم البعيد عن وجود الانسان بل بالتوالي و التزايد مع التوقف لاسترجاع القوى في مواصلة التحدي في عموم وحدات الحدث في الوقت ذاته      اذ نستطيع ان ننظر الى صيرورة الحدث  في الالفاظ على النحو الاتي : 
ذبول – هرم – مضي // الم = ايقاظ – عدم = موت .
أي هناك تراسل ثم تظافر ثم تصدي وتقابل وبعدها انحدار في التساوي . 
وهو ما يوضح الفكرة الوجودية التي بنيت عليها القصيدة عند الحيدري . 
     ان الرومانسية اليائسة علامة واضحة في الديوان الاول وتبرز من خلال الاسلوب الاخباري  ( التقريرية ) المندمج في اسلوب النداء المؤدلج بطريقة فنية لاتوحي بالطلب البسيط المباشر بل توحي بالبث المباشر في خطاب الشاعر الذي لم يكن موجها الى مخاطب اخر بقدر مايكون موجها الى ذاته الشاعرة على الاكثر او قد ياتي مضمنا باسلوب التشخيص مثل ماجاء في 
المثال السابق في خطابه ( الحب ) : 
(ياحب …….. ) ( )
    جـ – الجملة الادبية وهيكلة النص
لو حاولنا قراءة نص مثل ( حدثيني ) وفرزنا انواع الجمل في نسيجه اللغوي وانواع الروابط اللفظية بينها وقرنّاها بتسلسل الجمل في النص كما هو آت : 
التسلسل                 النوع                الرابط             الجملة 
1-                   طلبية                ( بداية )          حدثيني عن حياتي الماضية 
2-                   خبرية              عطف /حرف      فهي انوار الشباب المندثر 
3-                   طلبية              عطف / حرف      واعيدي لي صدى اياميه 
                                                                 يوم رفت فوق امال غرر  
4-                   طلبية               بداية / وصل              جدديها ……   
                                        على المعنى 
                                    من خلال الضمير 
5-                   طلبية             عطف                       وابعثيها …. ثانية 
6-                   خبرية            وصل / ضمير مستتر      أ- ذكريات (أي هي ذكريات )
                                                                       ب-تتمطى في خور 
                                                                     جـ- حطمتها كف دهر عاتية لم تدع              
                                                                     غير شتات من صور  
( نموذج رقم(1) )
لاكتشفنا أن الرومانسية تكون علامة واضحة في هذا النص من ديوانه ألأول و تبرز من خلال ألأسلوب ألإخباري ( التقريرية) المندمج في اسلوب النداء المحول بطريقة فنية بحيث يوحي بالبث المباشر ( ألإخبار ) بدلا من الطاب .
  -------------------------------

وعند متابعة حركات النص من خلال معاني جمله الشعرية كما يأتي :

الحركة  الجملة اللغوية(المتن ) الاطار الخارجي(الهامش) 
التسلسل         الجملة نوع الهامش وموقعه
الاولى  1- حدثيني … 1-          2- فهي..  تظليل في اطار الصورة 
الثانية  3- واعيدي … 2-         3-يوم رفت.  تظليل في الصورة من الداخل 
الثالثة  4- جديدها … 3-          5-وابعثيها تظليل في داخل الصورة
الرابعه  6- ذكريات … 4- 6-ذكريات
                   تتمطى
                   حطمتها     وفي داخلها ثلاث حركات للتظليل في اطار الصورة 
( نموذج رقم(2) )
نجد ان المقطع الشعري مؤلف من اربع حركات لفظية رئيسة وسبع حركات تكميلية تؤطر تلك الجملة وتظلل مساحتها بالوان الانفعال الداخلي المخزون في الذاكرة الشاعرة .
وان الخطاب في هذا المقطع مباشر موجه الى مخاطب بوساطة ضمير افقي المسار لكن حركات الوجود كانت تعارضه بالشكل الاتي : 
الحركه  نوعها  توجهها  الجملة 
الاولى  عدمية  ماض  1-2 .  عن حياتي الماضية
        فهي انوار الشباب المندثر 
الثانية  استمرار وتجديد  ماض / حاضر  3- صدى اياميه ، يوم رفت فوق امال غرر
الثالثة  عدمية  ماض  6- أ- تتمطى في صور 
     ب-حطمتها كف دهر
    جـ – شتات من صور 
( نموذج رقم(3) )
  
 وفي الحركة الثانية نلاحظ ان التجديد (الاستمرار)  يكون في تضاد مع كلمة صدى  التي توحي بالعدمية وهكذا نجد ان العدمية غالبة  قياسا على الاستمرار المتضاد في داخله مع العدمية نفسها .
ومن هذا الجانب نلاحظ ان تلك الحركات الثلاث كانت في اربع جمل من ضمن البناء اللفظي العام ( نموذج رقم(1) ) ولكن المثير فيها ان تلك الحركات كانت قد وقعت في ما اسميناه ظلال الصورة ( نموذج رقم(2) ) وليست في الجمل الرئيسة التي تؤلف الركن الاساس من النص في صوره الكلامية .
ومع ذلك كان الحدث قد تجسد فعلا من خلال حركات الوجود التي تسيطر على الاطار بحيث اخذت دورا رئيسا في النص فاستطاعت ان تجعل الطلب مرتبطاً بالزمن الماضي فما جاءت الجملة الطلبية الا لتكون مفتاحا لخبر هو المقصود في الفعل الشعري .
وان ذلك يتضح ايضا في قصيدة ( همس الطريق ) .( )
د- نظام العلاقات المفصلية
    اما من ناحية بناء الجمل الادبية وعلاقاتها البينية في هيكلة النص فنجد ان الجملة اللفظية التي 
سبق تحليل اجزائها يرتبط بعضها مع بعض من حيث اللفظ ، بوساطة الفصل بالعطف واحيانا بالوصل
في المعنى الداخلي لتؤلف جملا ادبية يمكن النظر اليها بوصفها وحدات مستقلة نسبيا . و الجملة الادبية كما يقول الدكتور الغذامي ( اصغر وحدة ادبية في نظام الشيفرة  اللغوية للجنس الادبي المدروس ) ( ) وهي اكبر حجما من الجملة النحوية واكثر اهمية منها لانها تتخذ من المعنى الادبي مظهرا لبنيتها بحيث يمكن الوقوف عندها بوصفها قولا ادبيا قائما بذاته.
فعندما يقول الحيدري : 
         ( حديثيني عن حياتي الماضية) .
    يمكن ان نجد استقلالا جزئيا لهذه البنية النحوية ،  يمكننا معه الوقوف عليها في الكلام بحسب تعريف الجملة في النحو .
لكن مع اكمال البث الشعري في قوله التالي :
(فهي انوار الشباب المندثر)
تكون العلاقة لفظية بين الجملتين وتكونان جزئين في جملة ادبية مستقلة . بوساطة العطف تأتي جملة اخرى مؤلفة من مقطعين ايضا : 
(واعيدي لي صدى اياميه
يوم رقت فوق امال غرر )
وهكذا يتراكم البث في الطلب ليكتمل مع الخبر في هيئة صور من الشتات التي خلفتها كف الدهر العاتية كما يقول وعند اكتمال المقطع الشعري نجده قد الف جملة ادبية مستقلة نسبيا ويعود عن طريق التداعي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الفكرة ليكمل عملية التعداد و التنويع بما ينسجم مع موقفه النفسي المأزوم ليبني مقطعا ثانيا غير بعيد عن الاول  : 
    (حدثيني عن ليالينا الطوال ، و الهوى ينشر دنياه علينا ، نتغنى فوق شطآن خيال ، يتهادى ، باسما في ناظرينا) . 
  ويتضح فيه الاسلوب البنائي نفسه في تشكيل الجملة الادبية ويؤسس الحيدري بناءا  دراميا شعريا خاصا من خلال تكثيف الحدث وايجاد حبكة خاصة في عقدة تبين السبب الذي بني عليه النص ،في وسطه ، من خلال التكرار بحيث يجعل القارئ ( المتلقي ) غير بعيد عنه فيتصور ان ذلك من نتاج تراكمات الفكرة الاولى في النص ، اذ يقول : 
       (حدثيني  ، فعسى انسى همومي ، بعض حين ، بين همس الذكريات ؛)

    وفي هذا المقطع تتجه الجملة الى الخبر المباشر ولاتكون التقريرية  خللا في البناء الشعري بل تجعل طاقة البث في خدمة الحدث الشعري فالتصوير يتجه الى ازمة الحدث وليس الى الوصف
التقريري الجامد اذ يقول : 
     (بين همس الذكريات ، سأمت نفسي اكتئابي … وذهولا سل من عمري  الحياة ) .
فهمس الذكريات والذهول هما ركنا الحدث الرئيسين وليس المهم ما جَراه من سأمٍ وخيبة امل .
وترتبط الجمل بعضها مع بعض الى نهاية النص في المقطع الثاني نفسه الذي نجده يتالف من خمس جمل تفتتح بالطلب وترتسم بالخبر المعبر عن الحدث النفسي العميق في الذاكرة لينفتح النص اخيرا على امل هو من مخزونات الذاكرة ايضا لكي لايكون عن التقرير بعيدا في الخبر اذ يقول :      
(حدثيني ،ودعيني مسلما ، راسي المكدود ما بين يديك ، وارسلي الذكرى لحونا حوّما ، كطيور اطلقت من شفتيك ، ضم جنحاها شبابا اهيما ، كم تمشى حالما في ناظريك ، ولكم … ،لامس دنياه ..الظما ، لغرام ، فأرتوى ،من ناهديك ) . ( )
وهكذا تتبين صورة البناء الشعري القائمة على بداية ووسط ونهاية . وان ذلك النموذج البنائي يمكن تعميمه اذ نجده غالبا في قصائده ونستطيع مكاشفة أي نص في الديوان لنرى ذلك ماثلا فيها ولننظر  على سبيل المثال قصيدته (طاحونة) في ديوانه الثاني اغاني المدينة الميتة  . 



الخاتمة و النتائج
    تم من خلال البحث الكشف عن نموذج مهم في ريادة الشعر الحر في العراق بعد ان بيَن الباحث مفهوم الشعر الحر في نظر رواده ، فهو لايعني إلغاء القواعد الشعرية الموروثة بقدر ما يعني تطوير العناصر ألأكثر أهميَة في الشعر ،وعن اهمية تلك التجربة كشف أن الشعر الحر تتوافر فيه المرونة الكافية للتعبير بحيث يتخلص فيه الشاعر من قيد القافية و يتمكن من تنويع ألإيقاع تبعا للفكرة و العاطفة ، و هو استجابة موفقة لمتطلبات الواقع الاجتماعي و الفكري في وقتها .
وفيه وجدنا أن تجربة الحيدري الشعرية من التجارب الريادية المهمة وقد تم فحص هذه التجربة  ووجد أن الملاحظة العامة في شعره هي أن لغته تلتزم اللهجة الجادة ، و الموقف الشعري عنه لايتغير بين الحزن و السخرية و الفكاهة مما يميزه عن غيره من زملائه في الريادة لهذه الحركة .
  وفيما يخص الملاحظات الأسلوبية الخاصة ببناء النص الشعري عنده فقد وجدنا اللآتي :
1 – في بنية الصورة الشعرية وجدنا ان الجملة اللغوية تميل الى القصر و ألفاظه تزخر بالحيوية في حمل الدلالة من خلال ألاستعمال المتقن للاستعارة ، فتخرج الصورة عنده من نظام المقارنة الضيق في حمل المعنى في التشبيه الى الاستعارة التي تعني اختصار المعنى في أقل قدر ممكن من ألألفاظ . 
2 – في مفاعلة الحدث وجدنا أنَ هناك تطابق بين نظام إجراء الفعل ووجود ألإنسان في الكون فهناك التوالي ثم التزايد ثم التوقف و الاسترجاع للمواصلة أي أن الحدث الشعري مبني على فكرة وجودية في ذهن الشاعر و ان الحدث الشعري منسجم و تموجات الفعل النحوي (اللفظي) في الجملة الشعرية .
3 – إن الرومانسية تكون علامة واضحة عنده و تبرز من خلال ألأسلوب ألإخباري الذي يرتبط بالبث المباشر ( المباشرة في الفعل الشعري ) .
4 - و نجد في نظام الحركة الشعرية أن ألإنفعال الداخلي المخزون في الذاكرة الشاعرة يلوِن مساحة النص في جمله الرئيسة و يظلل توابعها ، وفيه نجد أن العدمية غالبة في التقدير قياسا على الاستمرار المتضاد في داخله مع العدمية أيضا .
5 – ان الانفعال الداخلي المخزون في ذاكرة الشاعر يطغى على مساحة الحدث اللغوي (الفعل) من خلال ما يفرضه نظام بناء الجمل من حركة تكميلية تكِون إطارا للحركة الرئيسة في البيت الشعري .
6 – إن الخطاب الشعري عنده موجه الى مخاطب بعينه بوساطة ضمير أفقي المسار ، وان حركات الوجود كانت تعارضه ، وهي في النهاية تفضي الى العدم .
7 – فيما يخص بناء الجملة الادبية وهيكلة النص وجدنا أن الجمل اللفظية ترتبط بعضها مع بعض من حيث اللفظ فتؤلِف جملا أدبية يمكن النظر إليها على أنها وحدات مستقلَة و ترتبط الجمل الأدبية بعضها مع بعض بوساطة العطف على ألأغلب و ان المقطع الشعري يؤلف جملة أدبية مستقلة نسبيا ، وان صورة البناء الشعري عند الحيدري تقوم على بداية و وسط و نهاية . 

      مصادر البحث

1- الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث . د. سلمى الخضراء الجيوسي . مركز     
          دراسات الوحدة العربية . ط1 . 2001 .
2- تطور الشعر العربي الحديث في العراق . د. علي عباس علوان . وزارة الاعلام . بغداد .          
        1975 . 
3- الخطيئة والتكفير . د. محمد عبد الله الغذامي . النادي الثقافي . جده . السعودية ط1 . 1985 
4- ديوان بلند الحيدري .دار العودة . بيروت . ط2 . 1980 .
5- شعراء معاصرون.مصطفى السحرتي ،و هلال ناجي .دار الكرنك. القاهرة. 1962.
6- مجلة العرب والفكر العالمي . بيروت . العدد13- 14 . سنة 1991 .
7- مستقبل الشعر العربي وقضايا نقدية . د. عناد غزوان . دار الشؤون الثقافية العامة . بغداد . 1994.
8- نظرية البنائية في النقد الادبي . صلاح فضل.دار الشؤون الثقافية العامة. بغداد1981.