نشر الدكتور صلاح خلف مشاي والأستاذ المساعد مشتاق طالب حسين الخفاجي السياسة الاقتصادية لليابان تجاه دول جنوب
شرق آسيا (1951-1978) في مجلة التربية الأساسية جامعة بابل , إذ أوضح الباحثان أن السياسة الاقتصادية الخارجية اليابانية
تجاه دول جنوب شرق آسيا شكلت عاملاً أساسياً من عوامل صعود اليابان السريع كقوة اقتصادية
مهيمنة في آسيا في مدة ما بعد الحرب العالمية الثانية. كما انها ساهمت بإحداث تحولات
جوهرية في الاقتصاد الاقليمي والدولي، هذا الأمر أدى الى دحض العديد من النظريات، وتقليل
الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية.
ومن أجل فهم وتقدير السياسة الاقتصادية اليابانية
في منطقة جنوب شرق آسيا، كان لابد من مراجعة لدور تلك السياسة بعد الحرب العالمية الثانية،
والظروف الدولية التي تحركت اليابان خلالها, فتم اختيار عام 1951 ليكون بداية للدراسة
كونه شهد توقيع معاهدة السلام في سان فرانسيسكو بين اليابان والولايات المتحدة الامريكية
كما انه شكل مرحلة اعادة بناء الاقتصاد الياباني في حين اختير عام 1978 ليكون نهاية
للدراسة لانه شهد انتهاء فترة حكم رئيس الوزراء الياباني تاكيو فوكادا Takeo Fukuda فضلا عن انه مثل مرحلة تجاوز
الاقتصاد الياباني للمرحلة الاقليمية والانطلاق نحو الاقتصاد العالمي. فكان المبحث
الأول (التمهيدي) استعراض للتطورات الاقتصادية لليابان ابان مدة الاحتلال الامريكي
1945-ايلول 1951، وابرز الاجراءات التي اتخذتها سلطات الاحتلال لتفتيت اقتصاد ذلك البلد
المتمثلة بحل الشركات الكبرى اليابانية( الزايبتسو)، وما ابرز التحولات التي طرأت على الساحة الدولية بعد
عام 1948 لتجبر الولايات المتحدة الامريكية على تغير سياستها وتعيد بناء الاقتصاد الياباني
وصولا الى توقيع معاهدة السلام مع اليابان في سان فرانسيسكو ( ايلول عام 1951) لتنهي
بها مرحلة الاحتلال وشروط الاستسلام وتبدأ مرحلة اعادة البناء الاقتصادي في اليابان.
ومع بداية مرحلة النهوض الياباني جاء المبحث الثاني ليسلط الضوء على استخدام
السياسيين اليابانيين للعامل الاقتصادي في السياسة ونشأة ما عرف بالسياسة الاقتصادية
اليابانية تجاه جنوب شرق اسيا تشرين الاول 1951-1978 وماهي ابرز عوامل نجاح تلك السياسة
على المستوى الداخلي والمتمثلة بمجلس الوزراء Council of ministers ووزارة التجارة الدولية والصناعة Ministry of International Trade and Industry ووكالة التخطيط الاقتصادي Economic Planning Agency وعلى المستوى الخارجي والذي
تمثل ايضا بمصرف التنمية الاسيوي (Asien Development bank ) والبنك الدولي والأدوات الدبلوماسية (وزارة
الخارجية) والادوات الاقتصادية، اذ ركز هذا المبحث على أبرز مهام هذه العوامل وواجباتها
ودورها في السياسة الاقتصادية الخارجية لليابان.
في حين جاء المبحث الثالث ليتطرق الى التطبيق
العملي لسياسة اليابان الاقتصادية تجاه جنوب شرق اسيا تشرين الاول 1951-1978 وتم تقسيمه
الى مرحلتين الاولى تبدأ مع استكمال مرحلة رئيس الوزراء الياباني يوشيدا شيجيرو والى
انتهاء مدة حكم رئيس الوزراء هاياتو ايكيدا(1960-9 تشرين الثاني 1964) اما الثانية تبدأ بتولي اسكو ساتو (10 تشرين الثاني1964-1972)
منصب رئاسة الوزراء وتنتهي بنهاية فترة حكم تاكيو فوكادا (1976-1978) وخلال المرحلتين
تم استعراض اجراءات الحكومات اليابانية من اجل تشجيع التجارة مع دول جنوب شرق اسيا
وكذلك تتبع تلك التجارة من خلال التعويضات والقروض والمساعدات والاستثمارات التي منحتها
اليابان لدول جنوب شرق اسيا كما تضمن المبحث العديد من الجداول الاحصائية التي تبين
حجم تلك المساعدات.
وتوصلت الدراسة الى مجموعة من الاستنتاجات:
1. حاولت
هذه الدراسة تسليط الضوء على ابرز الجوانب التي جعلت الكثير من الدول الغربية تصف اليابان
بالمعجزة الاقتصادية إلا وهو استخدام الجانب الاقتصادي كمفتاح لسياسة اليابان الخارجية
تجاه الدول الاسيوية فبعد ان كانت هذه الاقطار ترى في اليابان المستعمر الاكبر في المنطقة
فتتحاشى التعامل معه اصبحت بعد ذلك تسعى للتعامل معه .
2. لم
تكن السياسة الاقتصادية اليابانية هذه لتنجح لولا استغلالها لبعض الظروف الاقليمية
والدولية فضلا عن تطورات المشهد السياسي بين اليابان والولايات المتحدة الامريكية,
ومن خلال البحث في هذه الدراسة تم التوصل الى جملة من الاستنتاجات ، وهي ان التحالف
الأمني بين اليابان والولايات المتحدة الامريكية شكل المضلة الدولية والإقليمية التي
احتمت بها اليابان ومكنتها من استخدام وإنجاح سياستها الاقتصادية تجاه جنوب شرق اسيا.
3. إن
الفرضية التي تعد القوة العسكرية هي الأساس والوحيد لتوزيع القوة بين دول العالم قد
سقطت بعد الحرب العالمية الثانية الى حد كبير وحل محلها القدرة الاقتصادية كعامل فعال ايضا الى جانب العامل
العسكري لتوزيع القوة في النظام الدولي هو الامر الذي ادركته اليابان وعملت جاهدة على
تطبيقه في مجال سياستها الخارجية ولاسيما تجاه دول جنوب شرق اسيا.
4. استخدام
القدرة الاقتصادية التي تملكها اليابان في تطوير علاقاتها الدولية ولاسيما الاسيوية
هو اسلوب جديد على القارة الاسيوية فكانت اليابان هي الاولى اسيويا.
5. تمكنت
اليابان عن طريق استخدام السياسة الاقتصادية كمنهاج للتعامل في سياستها الخارجية مع
الدول الاسيوية ان تزيل غبار السلوك الاستعماري الذي انتهجته اثناء الحرب العالمية
الثانية تجاه تلك الدول.
6. لم
يكن استخدام اليابان للأسلوب الاقتصادي في السياسة الخارجية وليد الصدفة بل انها استخدمته
ايضا قبل الحرب العالمية الثانية عندما رفعت شعار منطقة الازدهار المشترك في اسيا وقامت
بتطبيقه باستخدام القوة العسكرية وهو الامر الذي اثبت فشله ولذلك تحاشت اليابان هذه
المرة كل ما من شانه توتير العلاقات بينها وبين الدول الاسيوية.
7. ان
اهم عوامل نجاح السياسة الاقتصادية اليابانية تجاه دول جنوب شرق اسيا انها انتهجت اسلوب
الحياد في كافة المشاكل العسكرية التي حثت في المنطقة.
8. استفادت
اليابان من الحرب الكورية والحرب الفيتنامية الامريكية ومرحلة المنافسة بين الصين الشعبية
والاتحاد السوفيتي فساهمت هذه الأحداث في انجاح سياستها الاقتصادية وكذلك انعاش اقتصادها
الداخلي.
9. ان
استقرار الاوضاع الاقتصادية والسياسية الداخلية في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية
انعكس ايجابا على سياستها الاقتصادية الخارجية .
10. لم
يكن امام اليابان سوى استخدام الجانب الاقتصادي كأسلوب للتعامل مع الدول الاسيوية لاسيما
بعد ان منعتها الولايات المتحدة من تطوير الجانب العسكري الياباني بموجب اتفاقية الامن
المعقودة بين الطرفين عام 1951.