ولد الإمام موسى الكاظم ( عليه السلام ) يومَ الأحد السابعَ من شهر صفر سنة 128 هجرية في الأبواء[1] بين مكة والمدينة المنوّرة . أبوه : الإمامُ جعفرٌ الصادق ؛ السادسُ من أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) . أمّه : حميدة ؛ جارية من البربر ، كانت امرأة على قدر كبير من الأدب والخلق ؛ قال فيها الإمامُ الصادق : حميدة مصفّاة من الأدناس كسبيكة الذهب . نشأ الإمام الكاظم في أحضان أبيه ، وأدّبه فأحسن تأديبه . أطلق الناسُ عليه ألقاباً عديدة تدلّ على صفاته الأخلاقية ؛ منها : الصابر ، العبد الصالح ، الأمين ، ولكنه اشتهر بلقب ( الكاظم ) ، لأنه كان يكظم غضبه . أمضى الإمام مع والده عشرين سنة ، وعاش بعد والده 34 سنة . . قضى نصفها في السجون المظلمة . من كلام الإمام الكاظم عليه السلام - (المؤمن مثل كفتى الميزان ، كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه ) - (من عقل قنع بما يكفيه، و من قنع بما يكفيه استغنى ) - ( من كف غضبه عن الناس كف الله عنه عذاب يوم القيامة ) - ( عونك للضعيف من أفضل الصدقة )...عظم الله لكم الاجر واحسن لكم العزاء)
أسباب سجن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) لابد لنا من الحديث عن الأسباب التي دعت الرشيد لسجن الإمام موسى (عليه السلام)، واعتقاله في غياهب السجون، وظلمات الطوامير بعيداً عن أهله ووطنه، ومحروماً من الالتقاء بشيعته، ولعل ذلك - فيما نحسب - من أقسى المحن والخطوب التي عاناها في حياته.ونعتقد بأن القراء يهمهم الإطلاع - قبل كل شيء - على الأسباب التي سجن من أجلها الإمام، والتعرف على دور محنته الكبرى أيام اضطهاده في سجن الطاغية هارون، وسنذكر ذلك كله مشفوعاً بالتفصيل، وفيما يلي بعض علل اعتقاله. 1 - سمو شخصية الإمام الإمام موسى (عليه السلام) من ألمع الشخصيات الإسلامية في ذلك العصر فهو من أئمة المسلمين، وأحد أوصياء الرسول (صلى الله عليه وآله) على أمته، كما دان بإمامته جمهور كبير من المسلمين، وقد أجمع المسلمون على اختلاف مذاهبهم وقد تحدث الناس في عصره عن علومه وتقواه وورعه ومكارمه، وكان هارون نفسه ممن يجله ويعتقد بأن الخلافة الإسلامية هو أولى بها منه كما حدث بذلك المأمون، فقد قال لندمائه:أتدرون من علمني التشيع؟ فانبروا جميعاً قائلين: لا والله ما نعلم.
علمني ذلك الرشيد. فقالوا: كيف ذلك؟ والرشيد كان يقتل أهل هذا البيت!! قال: كان يقتلهم على الملك لأن الملك عقيم. ثم أخذ يحدثهم عن ذلك قائلاً: لقد حججت معه سنة فلما انتهى إلى المدينة قال: لا يدخل عليَّ رجل من أهلها أو من المكيين سواء كانوا من أبناء المهاجرين والأنصار أو من بني هاشم حتى يعرّفني بنسبه وأسرته، فأقبلت إليه الوفود تترى وهي تعرّف الحاجب بأنسابها، فيأذن لها، وكان يمنحها العطاء حسب مكانتها ومنزلتها، وفي ذات يوم أقبل الفضل بن الربيع حاجبه وهو يقول له: رجل على الباب، زعم أنه موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام). فلما سمع ذلك هارون أمر جلساءه بالوقار والهدوء، ثم قال لرئيس تشريفاته:ائذن له، ولا ينزل إلا على بساطي. وأقبل الإمام (عليه السلام) وقد وصفه المأمون فقال: إنه شيخ قد انهكته العبادة كأنه شن بال قد كلم السجود وجهه، فلما رآه هارون قام إليه وأراد الإمام أن ينزل عن دابته، فصاح الرشيد لا والله إلا على بساطي فمنعه الحجاب من الترجل، ونظرنا إليه بالإجلال والإعظام، وسار راكباً إلى البساط، والحجاب وكبار القوم محدقون به، واستقبله هارون، فقبل وجهه وعينيه، وأخذ بيده حتى صيره في صدر مجلسه وأقبل يسأله عن أحواله ويحدثه، ثم قال له: يا أبا الحسن، ما عليك من العيال؟ قال الإمام: يزيدون على الخمسمائة. قال هارون: أولاد كلهم؟ قال الإمام: لا، أكثرهم موالي وحشمي، فأما الولد فلي نيف وثلاثون ثم بيّن له عدد الذكور والإناث. فقال هارون: لم لا تزوّج النسوة من بني عمومتهن؟ قال الإمام: اليد تقصر عن ذلك.قال هارون: فما حال الضيعة؟ قال الإمام: تعطي في وقت وتمنع في آخر.قال هارون: فهل عليك دين؟ قال الإمام: نعم. قال هارون: كم؟ قال الإمام: نحو من عشرة آلاف دينار. قال هارون: يا بن العم، أنا أعطيك من المال ما تزوّج به أولادك وتعمر به الضياع.قال الإمام: وصلتك رحم يا بن العم، وشكر الله لك هذه النية الجميلة، والرحم ماسة واشجة، والنسب واحد، والعباس عم النبي (صلى الله عليه وآله) وصنو أبيه، وعم علي بن أبي طالب (عليه السلام) وصنو أبيه، وما أبعدك الله من أن تفعل ذلك، وقد بسط يدك، وأكرم عنصرك، وأعلى محتدك. فقال هارون: أفعل ذلك يا أبا الحسن، وكرامة. فقال له
الإمام: إن الله عز وجل قد فرض على ولاة العهد أن ينعشوا فقراء الأمة، ويقضوا على الغارمين، ويؤدوا عن المثقل ويكسوا العاري، وأنت أولى من يفعل ذلك.قال هارون: أفعل ذلك يا أبا الحسن. ثم انصرف الإمام (عليه السلام). فقام هارون تكريماً له فقبّل ما بين عينيه ووجهه ثم التفت إلى أولاده فقال لهم: قوموا بين يدي عمكم وسيدكم، وخذوا بركابه وسووا عليه ثيابه وشيعوه إلى منزله، فانطلقوا مع الإمام بخدمته وأسرّ (عليه السلام) إلى المأمون فبشره بالخلافة وأوصاه بالإحسان إلى ولده. ولما فرغوا من القيام بخدمة الإمام وإيصاله إلى داره، قال المأمون: كنت أجرأ ولد أبي عليه، فلما خلا المجلس قلت له: يا أمير المؤمنين، من هذا الرجل؟ الذي عظمته وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته وأقعدته في صدر المجلس، وجلست دونه ثم أمرتنا بأخذ الركاب له. قال هارون: هذا إمام الناس وحجة الله على خلقه وخليفته على عباده. قال المأمون: يا أمير المؤمنين أو ليست هذه الصفات كلها لك وفيك؟ قال هارون: أنا إمام الجماعة في الظاهر بالغلبة والقهر وموسى بن جعفر إمام حق، والله يا بني إنه لأحق بمقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) مني ومن الخلق جميعاً، ووالله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عينيك فإن الملك عقيم. وبقي هارون في يثرب مدة من الزمن، فلما أزمع على الرحيل منها أمر للإمام بصلة ضئيلة قدرها مائتا دينار، وأوصى الفضل بن الربيع أن يعتذر له عند الإمام، فانبرى إليه المأمون وهو
مستغرب من قلة صلته مع كثرة تعظيمه وتقديره له قائلاً: يا أمير المؤمنين: تعطي أبناء المهاجرين والأنصار، وسائر قريش وبني هاشم، ومن لا يعرف نسبه خمسة آلاف دينار، وتعطي موسى بن جعفر وقد عظمته وأجللته مائتي دينار أخس عطية أعطيتها أحداً من الناس. فثار هارون وصاح في وجهه قائلاً: اسكت، لا أم لك، فإني لو أعطيت هذا ما ضمنته له ما كنت آمنه أن يضرب وجهي بمائة ألف سيف من شيعته ومواليه، وفقر هذا وأهل بيته أسلم لي ولكم من بسط أيديهم(1). ودلت هذه الرواية بوضوح على اعتقاد هارون بإمامة الإمام موسى (عليه السلام) وأنه خليفة الله في أرضه وحجته على عباده، وأن الخلافة الإسلامية من حقوقه الخاصة، وأنه ليس هناك أحد أولى بها منه، ولكن الذي دعاه ودعا غيره إلى سلبها منه ومن آبائه هو حب الدنيا فالملك عقيم، كما كشف هارون بحديثه عن السبب في حرمانه للإمام من عطائه حسب منزلته، وهو خوفه من انتفاضة الإمام وخروجه عليه إن تحسنت حالته الاقتصادية،
وهذه هي الحرب الاقتصادية التي تستعملها بعض الدول مع خصومها لأجل إنهاكها وإضعافها. لقد كان الرشيد يعلم بمكانة الإمام، ويعتقد أنه خليفة الله على عباده وأنه وارث علوم الأنبياء، وكان يسأله عما يجري بعده من الأحداث فكان (عليه السلام) يخبره بذلك، وقد سأله عن الأمين والمأمون فأخبره بما يقع بينهما فحزّ ذلك في نفسه، وتألم أشد الألم وأقساه. فقد روى الأصمعي قال: دخلت على الرشيد، وكنت قد غبت عنه بالبصرة حولاً فسلمت عليه بالخلافة، فأومأ لي بالجلوس قريباً منه فجلست قريباً، ثم نهضت، فأومأ لي أن أجلس فجلست حتى خف الناس ثم قال لي: يا أصمعي ألا تحب أن ترى محمداً وعبد الله ابني؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين، إني لأحب ذلك، وما أردت القصد إلا إليهما لأسلم عليهما.. وأمر الرشيد بإحضارهما، فأقبلا حتى وقفا على أبيهما وسلما عليه بالخلافة، فأومأ لهما بالجلوس، فجلس محمد عن يمينه، وعبد الله على يساره ثم أمرني بمطارحتهما الأدب فكنت لا ألقي عليهما شيئاً في فنون الأدب إلا أجابا فيه، وأصابا..فقال الرشيد: كيف ترى أدبهما؟ فقلت: يا أمير المؤمنين ما رأيت مثلهما في ذكائهما، وجودة فهمهما وذهنهما، أطال الله بقاءهما، ورزق الله الأمة من رأفتهما وعطفهما. فأخذهما الرشيد وضمهما إلى صدره، وسبقته عبرته فبكى حتى انحدرت دموعه على لحيته، ثم أذن لهما في القيام فنهضا، وقال: يا أصمعي كيف بهما إذا ظهر تعاديهما، وبدا تباغضهما، ووقع بأسهما بينهما، حتى تسفك الدماء، ويود كثير من الأحياء أنهما كانا موتى...؟!فبهر الأصمعي من ذلك وقال له:يا أمير المؤمنين هذا شيء قضى به المنجمون عند مولدهما أو شيء أثرته العلماء في أمرهما!! فقال الرشيد وهو واثق بما يقول: لا بل شيء أثرته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء في أمرهما...قال المأمون: كان الرشيد قد سمع جميع ما يجري بيننا من موسى بن جعفر(2). إن علم الرشيد بمنزلة الإمام، وبما تذهب إليه طائفة من المسلمين من القول بإمامته هو الذي أثار أحقاده وأضغانه عليه، ودعاه إلى زجّه في ظلمات سجونه.
قم وانعى من هو بالسجون قتيل وانثر دموعك فالمصاب جليل
واعلن حدادك وارتدي ثوب الاسى فالحزن في ليل الامام طويل
كتب بواسطة / ريام حامد الصالحي /// وحدة التعليم الالكتروني