مدرسة الشعراء المحافظين (أحمد شوقي والرصافي ومن عاصرهم) على الرغم من ان النقد العربي القديم، اطلق مصطلح الشعر المحدث والشاعر المحدث خلال المعركة النقدية التي حدثت بين ابي تمام وخصومه، وبين كل شاعر محدث وآخر، إلا ان مصطلح الحداثة لم تتضح دلالته الحقيقية الا في العصر الحديث وفي النقد الغربي على وجه الدقة. ولابد لنا هنا من التشديد على اننا لا نستطيع ان نفصل الحداثة العربية في العصر الحديث عن حداثة العالم الغربي، لأن التفاعل والتبادل من خصائص الثقافة العربية وقد اغنى هذان العاملان هذه الثقافة. بمعنى ان الحداثة العربية متأثرة الى حد كبير بإنجازات الحداثة الغربية، الامر الذي يبعث على القول إن هناك تبعية إبداعية تتزامن مع التبعية العامة التي تعيشها الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، لدرجة دفعت باحثا إلى القول إن الحداثة العربية "كالصدى لأصوات بعيدة سواء كانت العلاقة بين الصدى ومصدره مباشرة أو غير مباشرة" ودفعت آخر الى القول ان "استيراد الحداثة في الحياة والأدب أمر مشروع، وهو شبيه باستيراد وسائل الصناعة ووسائل الدفاع والمدارس الأدبية". مما تقدم نفهم ان الحداثة في جوهرها ثورة حضارية شاملة، لايمكن فصلها عن السياقات الاجتماعية والتاريخية والحضارية والاكتفاء بالنظر اليها بوصفها ظاهرة ثقافية او شعرية معزولة بذاتها. وتستدعي التحولات الخطيرة التي شهدتها الأمة العربية تحولاً في الثقافة، اذ بدأت معالم التغيير والتحول تظهر على الساحة العربية مع بدء ما يسمى بعصر النهضة العربية أو عصر التنوير . هذا العصر الذي بدأ يشهد تشكيل بنيات جديدة على انقاض بنيات العصر الوسيط. وتوشك الحركة الأدبية أن تجمع على ان حملة نابليون على مصر عام 1798 كانت بداية حداثة النهضة العربية. واما نهضة العراق فاختلف الباحثون فيها، فمنهم من يرى ان العصر الحديث بدأ في منتصف القرن التاسع عشر، ومنهم من يرى ان مطلع القرن العشرين هو البداية الحقيقية لحركة الحداثة وبالذات منذ كتابة الدستور العثماني 1908. وفي هذه المرحلة شاع مصطلح الشعر الحديث، وان الحداثة مفهوم الحديث، وقد تحول الشعر نفسه بفعل التحولات الحضارية النهضوية، وتغيّر الشعر في شكله ومضمونه وفي تجربته الحديثة بشكل عام، ولا سبيل الى الحديث إلا ببعث القديم واحيائه من جديد، لان الجديد يجب ان يكون من صميم الماضي، إنه اتصال به وانفصال عنه في الوقت نفسه، بمعنى ان التجديد ليس محاكاة للقديم وانما القديم سيولد مرة ثانية في حلية جديدة. في ضمن هذا المفهوم حاول عدد من شعراء النهضة أن يحيوا الماضي من اجل الحاضر والمستقبل، وأن يتصلوا بحداثة العالم الغربي الوافدة على الوطن العربي منذ اوائل القرن التاسع عشر، وكان الثلث الأخير من القرن التاسع عشر البداية الحقيقية لحداثة النهضة. فكان (البارودي) الذي وصفه بعض الباحثين بأنه رائد الشعر الحديث، ومن جاء بعده من الشعراء العرب مثل (أحمد شوقي ، وحافظ ابراهيم، ومطران والرصافي والزهاوي) وغيرهم يشهدون التحول الذي حدث في الحياة العربية، لذلك سعوا نحو إحداث التغيير والتجديد في محاولاتهم الاحيائية في الشعر. وافلح (البارودي) في استغلال إمكانات الشعر العربي القديم، ولم يكن مقلداً له، وانما عمل جاهداً على ان يرجع للشعر جزالته ونصاعته ورصانته. وكأنه يقوم بدور الرقيب المحافظ على الشعر. وان كان قد حاكى القدماء في اغراضهم وطريقة عرضهم للموضوعات وفي اسلوبهم، وفي معانيهم، لكن كان له تجديد واضح في شعره من حيث التعبير عن شعوره وعن مشاهداته، وعدّه (طه حسين) "اول المجددين في الشعر المصري الحديث" وقال (العقاد) عنه: "وكأنما البارودي هنا ممثل قدير لبس دور الشاعر البدوي فوفاه لغة وشعوراً وزيا وحركة، فخلقه خلقاً جديداً وجعل له تمثالاً من نفسه وحياته واصبح مبتكراً في الدور الذي أخذه كما يبتكر الممثل في انتحال أدواره وأبطاله، فهو فنان خالق في اتباعه كما يكون المرء فناناً خالقاً في ابتداعه" وبهذا كان (البارودي) حقاً منقذاً للشعر العربي الحديث من عثرة الاساليب الركيكة، وكان شعره حجر الزاوية لبنيان الكلاسيكية المحدثة في الشعر العربي، وبذلك اعطى (البارودي) للشعر العربي دفعة جديدة مكنته من النهوض ورد اليه الحياة والروح. وقد اعجب الشباب الناشئ في تلك المرحلة بدور (البارودي) النهضوي، وعلى رأسهم (احمد شوقي وحافظ ابراهيم، وخليل مطران) وغيرهم من الشعراء الذين اضطلعوا بهذه النهضة التي اشعلها (البارودي) وقد ظهرت مدرستهم باسم مدرسة المحافظين، التي تمثل انحيازاً تاماً الى نهضة (البارودي) وتجديده في الشعر، وعرفوا بالمحافظين لانهم استطاعوا ان يحافظوا على الصياغة وعلى الشكل الهيكلي للقصيدة العربية كما هي في عصور ازدهار الشعر العربي.
الكلاسيكية :ماقيل من شعر على سنة إلا قدمين حيث كان لهذا الشعر أصول في الشكل والمضمون وفي نهجهم وطرق تفكيرهم وعواطفهم وفهمهم للحقائق، فهل الكلاسيكية العربية شبيهة بالكلاسيكية الغربية ؟ الكلاسيكية الغربية تعني: نزعة الأجيال والمحاكاة للأعمال السالفة ،والعناية بالأسلوب واحكام الصفة والالتزام بالمألوف الشائع.أما الكلاسيكية العربية فتعني العودة إلى التراث الأدبي والمخزون الثقافي بمختلف اتجاهاته الدينية والسياسية والأدبية وتتجلى بإعادة النظر والتراث وحفظه حتى تترسخ طرائقه بالذهن فينسج الشعراء على منوالها .وإبداع الجديد في الأدب اعتماداً على المحفوظ من التراث بطرائقه وأساليبه وهي دعوة إلى محاكاة القدماء وليس نسخهم. وإحياء القديم ترافقه إحياء للقيم والمثل العربية . وإلقاء الأضواء على التراث الفكري والفلسفي والدين والطب في الحضارة العربية ومقارنتها بالحضارة الوافدة في الغرب .والتركيز على أمرين : *إعادة النظر في اللغة العربية وتخليصها من الشوائب. *إعادة النظر في القصص والاهتمام بمضامين الشعر وإحياء الشخصيات العربية التاريخية وإدخال فنون جديدة في الأدب كالمسرح والرواية والملحمة. وقد سمي الشعراء بالكلاسيكيين :لأنهم حاولوا إن الأساليب والأنماط القديمة وهذه التسمية تحاول ان تطبق على مقاييس الأدب الغربي .وكانت خصائص الكلاسيكية: 1- منهج القصيدة:الوقوف على الإطلال والغزل و وصف الناقة ومشقات الرحيل وهموم الشاعر حتى الوصول إلى الغرض الذي كان في الغالب مدحاً أو معاناة أو مغامرة و خواطر في الحياة أو الموت أو موضوعاً متناولاً في البيئة الواقعية المعاصرة. 2- التعبير عن المثال المطلق:انطلاق الشاعر في رسم صورة ومعالجته وموضوعاته من الأوصاف المطلقة النهائية والكاملة التي تظهر تامة إذ إنها تمثل خلاصة ما قيل قبله في هذا الموضوع مضافاً إليها إبداعه . 3- تكرار المضامين العمومية:فقد كان قديماً الممدوح واحد يتكرر في شعر النابغة والأخطل والفرزدق والمتنبي وحبيبة امرؤ ألقيس تبدو ذاتها في حبيبة عمر بن أبي ربيعة وذلك يعني تصيد المعاني العمومية وقد تجلى ذلك في شعر النهضة العربية إذ عبر هؤلاء عن إنسان عام مطلق فوق الزمان والمكان. 4- اللغة الكلاسيكية :العناية بصياغة اللغة واختيار اللفظية التمثيلية لواقع محسوس يعاني منه الشاعر والواضحة التي تعبر عن حالة نفسية داخلية والغامضة عبر معادلة عقلية شبه واعية يستعمل فيها التشبيه وأدواته والإيجاز والبعد عن الأوصاف . 5- العقل أو الحكمة والخاطرة والمثل: راح الاتباعيون العرب يعبون من تجارب أسلافهم ويعيدون الصوغ والمضمون في قالب عقلاني وإطلاق الموضوعية المؤكدة على الدائم والعام والثابت والمتخطي أطر المكان والزمان والفرد والجماعة ليطال كل الناس. ومن الكلاسيكيين :أحمد شوقي،الذي كان يمثل تاريخيا المرحلة الممتدة من 1869 و 1932م.ومن مظاهر شعره:-اعجابه الكبير بالشعراء العرب القدماء أمثال أبي نواس وأبي فراس الحمداني وأبي العلاء المعري وأبي العتاهية والعباس بن الأحنف وهذا الإعجاب يتجلى فيما ذكره في مقدمة ديوانه (الشوقيات) الذي صدر عام 1972 بعد حفلة تكريم له وفيها قال له حافظ إبراهيم في قصيدة مطلعها: أمير القوافي قد أتيت مبايعاً وهذي وفود الشرق قد بايعت معي وتشبـّهه بالكثير من مظاهر حياة أبي نواس الخاصة فشرب الخمر وسمي داره في القاهرة بكرمة ابن هانئ تشبها به . ونظم قصائد على غراره ومدح الملوك مثله ولازم الخديوي كما لازم أبو نواس الخلفاء (الرشيد والأمين والمأمون) . ومعارضته الكثير من الشعر العربي في قصائده نظراً لإعجابه بها كمعارضته لابن زيدون والصنوبري وهذا يعني انه نظم الشعر على طريقتها. ومحاولته تقليد المتنبي ويجعله القطب الذي يدوره شعره حوله وبخاصة في طريقة نظمه وتعقيد كلامه وحكمته وحياته . فضلا عن إنه قد اعتنى شوقي بدراسة الأدب العربي وعيونه ففهم أسرار الصنعة وعرف أصولها فقّلد الأقدمين وهذا التقليد لايعني التخلف والنسخ بل التفوق والإبداع . ويؤكد بعض النقاد ان (شوقي) هو "أول من حاول التجديد بمعناه الدقيق في الأدب العربي بل في الشعر العربي"، لكن محاولته هذه جاءت ناقصة ، فقد تناولت وصف المخترعات الحديثة كظواهر عصرية و"ليس المهم بالنسبة للتجديد هو ملاحظة شواهد العصر ولكن المهم هو فهم روح العصر". كان بروز (شوقي) في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين اعظم حدث شعري في الشرق العربي، اذ عمل على ترسيخ حركة النهضة الشعرية ووثق الصلة بين الشعر العربي الحديث وجذوره الاولى، وبذلك يكون قد اعاد للشعر العربي ما فقده من قوة التوهج والحيوية، وهما اهم صفات الشعر القديم. وبهذا الدور يكون (شوقي) امتداداً (للبارودي). واستطاع ايضاً ان يبث في شعره الروح العربية الحديثة، فهو لم يكن مقلداً للشعراء القدامى، بل كان قريباً من روحهم في إيقاعاته واندفاعه العاطفي، وبالوقت نفسه يتطلع الى الروح العربية الحديثة، وعلى هذا النحو كوّن (شوقي) لنفسه اسلوباً اصيلاً، لايتحرر من القديم، ولكنه في الوقت نفسه يعبر عن الشاعر وعصره ووصف المخترعات، وهو اسلوب يقوم على الجزالة والرصانة، وتمكن من الصنعة، وقد اعترف بذلك اشد ناقديه. واستطاع (شوقي) ان يجدد في الشعر، متأثراً بـ(لافونتين) واساطيره، و(هيجو) وشعره التاريخي. إلا ان تجديده الحقيقي يكمن في اقتحامه عالم المسرح الشعري، وتخليق هذا الجنس الادبي المستحدث في الأدب العربي الحديث، وهذا مايدل على انه لم يقف عند حدود القديم، بل كان شاعراً مجدداً، وحاول ان يبدع، ولكن في حدود الاسلوب العربي الأصيل ، وفي حدود امكانياته هو الشخصية والثقافية. ليس بدعاً ان نحسب احمد شوقي اسطورة من اساطير الشعر العربي الخالد وأحد شعرائه الكبار فهذا الرجل العربي الذكي اليوناني الشركسي والذي عاش في بيئةٍ تغلب على لسان اهلها اللغات الاجنبية وقد ترنم بشعر عربي بليغ جمع فيه جزالة اللغة وفصاحة الكلام وقلما نجد ان شاعراً قد وصل الى قمة المجد الشعري من الشعراء المعاصرين له وان الكلمات تذكرت هذا الشاعر العظيم وتعتز به كل الاعتزاز وان شاعرنا قد تمثلت في قصائده الشعرية السمات الاتية: 1. ان الشاعر قد اكثر من نظم القصائد التي تتناول الاغراض الشعرية وخاصة المديح. 2. لقد أولى الموضوعات التاريخية اهتماماً كبيراً فسجّل معظم الاحداث التي حدثت في عصره سواء في مصر أو الاقطار العربية الاخرى كما ان هذا الشاعر قد تفاعل مع تلك الاحداث تفاعلاً ايجابياً. 3. ضمّنه شعره مقطوعات كثيرة وبشكل خاص تلك القصائد التي نظمها للاطفال والتلاميذ تحكي قصصاً وطرائف على لسان الحيوانات وكان هذا اللون من الشعر مهملاً ولكن عند وجوده في فرنسا للدراسة قد تأثر بأغلب الشعراء الفرنسيين الذين كتبوا هذا اللون من الشعر. 4. تغلب على قصائده الحنين الى الوطن بشكل طاغٍ ممزوجة بعاطفةٍ خاصة وهذه القصائد متمثلة بقصائده التي كتبها في الاندلس بعد نفيه. 5. اشتهر في بداية هذا القرن كشاعر وكان بالنسبة الى تلك الحقبة ومقارنةً بمعاصريه من الشعراء مميزاً ومجيداً لذا فقد لقبه الشعراء بلقب جديد الا وهو امير الشعراء وكان ذلك عام 1927. 6. ان الشاعر احمد شوقي حاول ان يتلخص من الضعف الذي اصاب الشعر العربي في العصور المتأخرة وذلك من خلال الشكل والمضمون حيث اعاد للقضية العربية رونقها واصالتها. 7. ساهم بشكل فاعل مع شعراء اخرين كالبارودي وحافظ ابراهيم والزهاوي والرصافي وغيرهم في ارساء اسس النهضة الشعرية الحديثة. 8. كان يمثل مع زملائه مرحلة توسطت بين تقليد العصور المتأخرة والتجديد الذي بدأ يظهر جلياً منذ اوائل الثلاثينات وأثر بالوقت نفسه على الشعراء المعاصرين في الحقبة الممتدة بين منتصف الاربعينات واوائل الخمسينات. 9. نظم لوناً جديداً تمثل في مسرحيات شعرية منها كليوباترا وعنترة ومجنون ليلي وعلي بيك الكبير. والملاحظ تأريخياً ان هذا اللون من الشعر (التمثيلي) – كما يذكر بعض النقاد - ان له اصولا قديمة في شعرنا العربي والبعض الاخر ينفي وجود هذا اللون من الشعر في العصور العربية المختلفة ولكن هناك بعض القصائد الشعرية الغزلية منها على وجه الخصوص كان فيها الحوار يدور بين الحبيب والحبيبة كما نرى في قصائد عمر بن ابي ربيعة وعنترة بن شداد وامريء القيس ومهما يكن من أمر فان هذه القصائد لا يمكن ان نعدها شعراً تمثيلياً كالتي نظمها الشاعر احمد شوقي ولا يصدق هذا القول بان تلك القصائد يمكن ان تنساب الى ما يسمى بالشعر التمثيلي فلهذا اللون خصائصه الخاصة وهو فن مقتبس عن الغرب ولم يكن للعرب باع به. من هنا فإن الشاعر احمد شوقي يكاد ان يكون هو مخترع الشعر التمثيلي في شعرنا الحديث وقد اثر ذلك على جملة من الشعراء المعاصرين كخالد الشواف ومحمد علي الخفاجي وعبد الرحمن الشرقاوي في مصر كما ان البياتي ونزار قباني وعبد الرزاق عبد الواحد لديهم مسرحيات شعرية فيها حوار مباشر كما ان فيها راوي الذي يعد لولب الاحداث المسرحية الشعرية ولكن هذا اللون يكاد ان يكون وجوده متفاوتاً بين قطر وآخر وفي بعض الاحيان لم يؤلف به شاعر معين. وكان (حافظ ابراهيم) قريباً من (البارودي) في مذهبه الشعري، فنراه يرتبط بالتراث شكلاً ومضموناً، ويعمل على بعثه بشكل اكثر حيوية وتفاعلاً مع روح العصر، وبذلك ذهب يتغنى بكل شيء يحدث، واخذ يصف المخترعات مثل (شوقي)، وكأنهم يرون في ذلك مجاراة لروح العصر وهو بذلك كان مجدداً ولكن في المقدار الذي استطاع به ان يكون مجدداً، وهذا التغيير والتجديد الذي احدثه جاء نتيجة استجابته للعصر والبيئة، وشعوراً منه بأن عليه رسالة اصلاحية يجب ابلاغها، وهذا ما يدل على انه شاعر ملتزم لكن ليس الالتزام بمفهومه الحديث، واستطاع ان يقترب من الشعب وبشكل ملفت للنظر. وربما فتح (خليل مطران) آفاقاً جديدة للشعر والشعراء الذين عاصروه، طالباً منهم ان يعالجوا الطازج من الموضوعات، وان يعبروا عن احاسيسهم وافكارهم الخاصة، وان يعكسوا في شعرهم الحياة العصرية. ويقول بذلك مشدداً على (عصرنة) الشعر: "أريد ان يكون شعرنا مرآة صادقة لعصرنا في مختلف انواع رقيه" ان عملية الخلق والابداع في الشعر اذاً تقوم على العصرية، عند مطران، وهذا ما يجعلنا نقول عنه انه شاعر فهم عملية التحديث فهماً عصرياً. ان محاولات مطران التجديدية كانت محاولات تختلف بعض الشيء عن محاولات شعراء النهضة، لأنها كانت محاولات واعية تصدر عن ادراك كامل لضرورة ادخال التغيير الى جسم الادب العربي لكي يساير روح العصر، وقد عبر عن ضرورة إحداث هذا التجديد، ولكن بصورة متدرجة ونامية فيقول: "مهدتُ الطريق للتجديد قبولاً في دوائر أدبية كانت ضيقة ثم أخذت تتسع إلى ما وراء ظني، وستستمر في الاتساع بحكم العصر وحاجاته والعلم ومقتضياته والفن ومستحدثاته". بمعنى ان التجديد شمل شكل القصيدة ومضمونها. ومن انجازاته الحداثوية التي اصبحت فيما بعد عنصراً ثابتاً من عناصر الشعر الحديث ، تشديده على الوحدة العضوية في القصيدة، حيث تتلاحق احداث القصيدة حتى تبلغ الذروة. وطالب بضرورة توافرها في القصيدة العربية الحديثة. واستحدث ايضاً القصص الدرامي الذي يتصل بالحياة والانسان ، وبتأثير مباشر من الغرب، ولاسيما الأدب الفرنسي، ويكون بذلك قد حقق حلم الكثير من شعراء العرب الذين غاب عنهم هذا النوع من الشعر، ذو الطابع الرومانسي والتاريخي. وكان وراء لجوئه لمثل هذا النوع من الشعر رغبته في التعبير عن الأفكار الخاصة التي تمس المجتمع وحريته المقيدة. وبتجديده هذا تقدم الشعر العربي خطوة الى الامام. وعلى الرغم من تجديده وعصريته بقي مغلقاً عند حدود تجربته، بمعنى انه لم يستطع الانفصال عن القديم، بل كان يجري في شعره والى جانبه تيار الجديد الذي جاء له من التأثير الغربي. ويؤكد مطران ارتباطه بالقديم ورغبته في إحداث التجديد فيقول: "أتابع السابقين في الاحتفاظ بأصول اللغة، وعدم التفريط فيها، [...] أما الأمنية الكبرى التي كانت تجيش بي، فهي أن ادخل كل جديد في شعرنا العربي" فالتجديد هو الذي يحافظ على اللغة وحيويتها، لكن دون الانفصال التام عن اصولها، وانما الانفكاك من القيود الجامدة التي لا تلائم العصر الحديث. مما تقدم ، نرى ان (مطران) قد حقق انقلاباً ولو جزئياً في الشعر العربي، وهذا ما جعل معظم الباحثين يصفونه بريادة التجديد في عصره. اذ جعله (طه حسين) سيد جميع شعراء العرب دون منازع، واكد (مندور) ريادة مطران في الشعر، وقال آخر انه اول شاعر عربي عكس النزعات الحديثة، وتحرر من جمود التقليد ، وإنه كان السلف الطيب لشعراء المدارس التي تبعته. ولد الهدى فالكائنات ضياء…للشاعر أحمد شوقي وُلِدَ الهُدى فَالكائِناتُ ضِياءُ *** وَفَمُ الزَمانِ تَبَسُّمٌ وَثَناءُ الروحُ وَالمَلَأُ المَلائِكُ حَولَهُ *** لِلدينِ وَالدُنيا بِهِ بُشَراءُ وَالعَرشُ يَزهو وَالحَظيرَةُ تَزدَهي *** وَالمُنتَهى وَالسِدرَةُ العَصماءُ وَحَديقَةُ الفُرقانِ ضاحِكَةُ الرُبا *** بِالتُرجُمانِ شَذِيَّةٌ غَنّاءُ وَالوَحيُ يَقطُرُ سَلسَلًا مِن سَلسَلٍ *** وَاللَوحُ وَالقَلَمُ البَديعُ رُواءُ نُظِمَت أَسامي الرُسلِ فَهيَ صَحيفَةٌ *** في اللَوحِ وَاسمُ مُحَمَّدٍ طُغَراءُ اسمُ الجَلالَةِ في بَديعِ حُروفِهِ *** أَلِفٌ هُنالِكَ وَاسمُ طَهَ الباءُ يا خَيرَ مَن جاءَ الوُجودَ تَحِيَّةً *** مِن مُرسَلينَ إِلى الهُدى بِكَ جاؤوا بَيتُ النَبِيّينَ الَّذي لا يَلتَقي *** إِلّا الحَنائِفُ فيهِ وَالحُنَفاءُ خَيرُ الأُبُوَّةِ حازَهُمْ لَكَ آدَمٌ *** دونَ الأَنامِ وَأَحرَزَت حَوّاءُ هُم أَدرَكوا عِزَّ النُبُوَّةِ وَانتَهَت *** فيها إِلَيكَ العِزَّةُ القَعساءُ خُلِقَت لِبَيتِكَ وَهوَ مَخلوقٌ لَها *** إِنَّ العَظائِمَ كُفؤُها العُظَماءُ بِكَ بَشَّرَ اللَهُ السَماءَ فَزُيِّنَت *** وَتَضَوَّعَت مِسكًا بِكَ الغَبراءُ وَبَدا مُحَيّاكَ الَّذي قَسَماتُهُ *** حَقٌّ وَغُرَّتُهُ هُدىً وَحَياءُ وَعَلَيهِ مِن نورِ النُبُوَّةِ رَونَقٌ *** وَمِنَ الخَليلِ وَهَديِهِ سيماءُ أَثنى المَسيحُ عَلَيهِ خَلفَ سَمائِهِ *** وَتَهَلَّلَت وَاهتَزَّتِ العَذراءُ يَومٌ يَتيهُ عَلى الزَمانِ صَباحُهُ *** وَمَساؤُهُ بِمُحَمَّدٍ وَضّاءُ الحَقُّ عالي الرُكنِ فيهِ مُظَفَّرٌ *** في المُلكِ لا يَعلو عَلَيهِ لِواءُ ذُعِرَت عُروشُ الظالِمينَ فَزُلزِلَت *** وَعَلَت عَلى تيجانِهِم أَصداءُ وَالنارُ خاوِيَةُ الجَوانِبِ حَولَهُمْ *** خَمَدَت ذَوائِبُها وَغاضَ الماءُ وَالآيُ تَترى وَالخَوارِقُ جَمَّةٌ *** جِبريلُ رَوّاحٌ بِها غَدّاءُ نِعمَ اليَتيمُ بَدَت مَخايِلُ فَضلِهِ *** وَاليُتمُ رِزقٌ بَعضُهُ وَذَكاءُ في المَهدِ يُستَسقى الحَيا بِرَجائِهِ *** وَبِقَصدِهِ تُستَدفَعُ البَأساءُ بِسِوى الأَمانَةِ في الصِبا وَالصِدقِ لَم *** يَعرِفهُ أَهلُ الصِدقِ وَالأُمَناءُ يا مَن لَهُ الأَخلاقُ ما تَهوى العُلا *** مِنها وَما يَتَعَشَّقُ الكُبَراءُ لَو لَم تُقِم دينًا لَقامَت وَحدَها *** دينًا تُضيءُ بِنورِهِ الآناءُ زانَتكَ في الخُلُقِ العَظيمِ شَمائِلٌ *** يُغرى بِهِنَّ وَيولَعُ الكُرَماءُ أَمّا الجَمالُ فَأَنتَ شَمسُ سَمائِهِ *** وَمَلاحَةُ الصِدّيقِ مِنكَ أَياءُ وَالحُسنُ مِن كَرَمِ الوُجوهِ وَخَيرُهُ *** ما أوتِيَ القُوّادُ وَالزُعَماءُ فَإِذا سَخَوتَ بَلَغتَ بِالجودِ المَدى *** وَفَعَلتَ ما لا تَفعَلُ الأَنواءُ وَإِذا عَفَوتَ فَقادِرًا وَمُقَدَّرًا *** لا يَستَهينُ بِعَفوِكَ الجُهَلاءُ وَإِذا رَحِمتَ فَأَنتَ أُمٌّ أَو أَبٌ *** هَذانِ في الدُنيا هُما الرُحَماءُ وَإِذا غَضِبتَ فَإِنَّما هِيَ غَضبَةٌ *** في الحَقِّ لا ضِغنٌ وَلا بَغضاءُ وَإِذا رَضيتَ فَذاكَ في مَرضاتِهِ *** وَرِضا الكَثيرِ تَحَلُّمٌ وَرِياءُ وَإِذا خَطَبتَ فَلِلمَنابِرِ هِزَّةٌ *** تَعرو النَدِيَّ وَلِلقُلوبِ بُكاءُ وَإِذا قَضَيتَ فَلا ارتِيابَ كَأَنَّما *** جاءَ الخُصومَ مِنَ السَماءِ قَضاءُ وَإِذا حَمَيتَ الماءَ لَم يورَد وَلَو *** أَنَّ القَياصِرَ وَالمُلوكَ ظِماءُ وَإِذا أَجَرتَ فَأَنتَ بَيتُ اللهِ لَم *** يَدخُل عَلَيهِ المُستَجيرَ عَداءُ وَإِذا مَلَكتَ النَفسَ قُمتَ بِبِرِّها *** وَلَوَ اَنَّ ما مَلَكَت يَداكَ الشاءُ وَإِذا بَنَيتَ فَخَيرُ زَوجٍ عِشرَةً *** وَإِذا ابتَنَيتَ فَدونَكَ الآباءُ وَإِذا صَحِبتَ رَأى الوَفاءَ مُجَسَّمًا *** في بُردِكَ الأَصحابُ وَالخُلَطاءُ وَإِذا أَخَذتَ العَهدَ أَو أَعطَيتَهُ *** فَجَميعُ عَهدِكَ ذِمَّةٌ وَوَفاءُ وَإِذا مَشَيتَ إِلى العِدا فَغَضَنفَرٌ *** وَإِذا جَرَيتَ فَإِنَّكَ النَكباءُ وَتَمُدُّ حِلمَكَ لِلسَفيهِ مُدارِيًا *** حَتّى يَضيقَ بِعَرضِكَ السُفَهاءُ في كُلِّ نَفسٍ مِن سُطاكَ مَهابَةٌ *** وَلِكُلِّ نَفسٍ في نَداكَ رَجاءُ وَالرَأيُ لَم يُنضَ المُهَنَّدُ دونَهُ *** كَالسَيفِ لَم تَضرِب بِهِ الآراءُ يأَيُّها الأُمِيُّ حَسبُكَ رُتبَةً *** في العِلمِ أَن دانَت بِكَ العُلَماءُ الذِكرُ آيَةُ رَبِّكَ الكُبرى الَّتي *** فيها لِباغي المُعجِزاتِ غَناءُ صَدرُ البَيانِ لَهُ إِذا التَقَتِ اللُغى *** وَتَقَدَّمَ البُلَغاءُ وَالفُصَحاءُ نُسِخَت بِهِ التَوراةُ وَهيَ وَضيئَةٌ *** وَتَخَلَّفَ الإِنجيلُ وَهوَ ذُكاءُ لَمّا تَمَشّى في الحِجازِ حَكيمُهُ *** فُضَّت عُكاظُ بِهِ وَقامَ حِراءُ أَزرى بِمَنطِقِ أَهلِهِ وَبَيانِهِمْ *** وَحيٌ يُقَصِّرُ دونَهُ البُلَغاءُ حَسَدوا فَقالوا شاعِرٌ أَو ساحِرٌ *** وَمِنَ الحَسودِ يَكونُ الاستِهزاءُ قَد نالَ بِالهادي الكَريمِ وَبِالهُدى *** ما لَم تَنَل مِن سُؤدُدٍ سيناءُ أَمسى كَأَنَّكَ مِن جَلالِكَ أُمَّةٌ *** وَكَأَنَّهُ مِن أُنسِهِ بَيداءُ يوحى إِلَيكَ الفَوزُ في ظُلُماتِهِ *** مُتَتابِعًا تُجلى بِهِ الظَلماءُ دينٌ يُشَيَّدُ آيَةً في آيَةٍ *** لَبِناتُهُ السوراتُ وَالأَدواءُ الحَقُّ فيهِ هُوَ الأَساسُ وَكَيفَ لا *** وَاللهُ جَلَّ جَلالُهُ البَنّاءُ أَمّا حَديثُكَ في العُقولِ فَمَشرَعٌ *** وَالعِلمُ وَالحِكَمُ الغَوالي الماءُ هُوَ صِبغَةُ الفُرقانِ نَفحَةُ قُدسِهِ *** وَالسينُ مِن سَوراتِهِ وَالراءُ جَرَتِ الفَصاحَةُ مِن يَنابيعَ النُهى *** مِن دَوحِهِ وَتَفَجَّرَ الإِنشاءُ في بَحرِهِ لِلسابِحينَ بِهِ عَلى *** أَدَبِ الحَياةِ وَعِلمِها إِرساءُ أَتَتِ الدُهورُ عَلى سُلافَتِهِ وَلَم *** تَفنَ السُلافُ وَلا سَلا النُدَماءُ بِكَ يا ابنَ عَبدِ اللهِ قامَت سَمحَةٌ *** بِالحَقِّ مِن مَلَلِ الهُدى غَرّاءُ بُنِيَت عَلى التَوحيدِ وَهيَ حَقيقَةٌ *** نادى بِها سُقراطُ وَالقُدَماءُ وَجَدَ الزُعافَ مِنَ السُمومِ لِأَجلِها *** كَالشَهدِ ثُمَّ تَتابَعَ الشُهَداءُ وَمَشى عَلى وَجهِ الزَمانِ بِنورِها *** كُهّانُ وادي النيلِ وَالعُرَفاءُ إيزيسُ ذاتُ المُلكِ حينَ تَوَحَّدَت *** أَخَذَت قِوامَ أُمورِها الأَشياءُ لَمّا دَعَوتَ الناسَ لَبّى عاقِلٌ *** وَأَصَمَّ مِنكَ الجاهِلينَ نِداءُ أَبَوا الخُروجَ إِلَيكَ مِن أَوهامِهِمْ *** وَالناسُ في أَوهامِهِمْ سُجَناءُ وَمِنَ العُقولِ جَداوِلٌ وَجَلامِدٌ *** وَمِنَ النُفوسِ حَرائِرٌ وَإِماءُ داءُ الجَماعَةِ مِن أَرِسطاليسَ لَم *** يوصَف لَهُ حَتّى أَتَيتَ دَواءُ فَرَسَمتَ بَعدَكَ لِلعِبادِ حُكومَةً *** لا سوقَةٌ فيها وَلا أُمَراءُ اللهُ فَوقَ الخَلقِ فيها وَحدَهُ *** وَالناسُ تَحتَ لِوائِها أَكفاءُ وَالدينُ يُسرٌ وَالخِلافَةُ بَيعَةٌ *** وَالأَمرُ شورى وَالحُقوقُ قَضاءُ الإِشتِراكِيّونَ أَنتَ إِمامُهُمْ *** لَولا دَعاوي القَومِ وَالغُلَواءُ داوَيتَ مُتَّئِدًا وَداوَوا ظَفرَةً *** وَأَخَفُّ مِن بَعضِ الدَواءِ الداءُ الحَربُ في حَقٍّ لَدَيكَ شَريعَةٌ *** وَمِنَ السُمومِ الناقِعاتِ دَواءُ وَالبِرُّ عِندَكَ ذِمَّةٌ وَفَريضَةٌ *** لا مِنَّةٌ مَمنونَةٌ وَجَباءُ جاءَت فَوَحَّدَتِ الزَكاةُ سَبيلَهُ *** حَتّى التَقى الكُرَماءُ وَالبُخَلاءُ أَنصَفَت أَهلَ الفَقرِ مِن أَهلِ الغِنى *** فَالكُلُّ في حَقِّ الحَياةِ سَواءُ فَلَوَ اَنَّ إِنسانًا تَخَيَّرَ مِلَّةً *** ما اختارَ إِلّا دينَكَ الفُقَراءُ يأَيُّها المُسرى بِهِ شَرَفًا إِلى *** ما لا تَنالُ الشَمسُ وَالجَوزاءُ يَتَساءَلونَ وَأَنتَ أَطهَرُ هَيكَلٍ *** بِالروحِ أَم بِالهَيكَلِ الإِسراءُ بِهِما سَمَوتَ مُطَهَّرَينِ كِلاهُما *** نورٌ وَرَيحانِيَّةٌ وَبَهاءُ فَضلٌ عَلَيكَ لِذي الجَلالِ وَمِنَّةٌ *** وَاللهُ يَفعَلُ ما يَرى وَيَشاءُ تَغشى الغُيوبَ مِنَ العَوالِمِ كُلَّما *** طُوِيَت سَماءٌ قُلِّدَتكَ سَماءُ في كُلِّ مِنطَقَةٍ حَواشي نورُها *** نونٌ وَأَنتَ النُقطَةُ الزَهراءُ أَنتَ الجَمالُ بِها وَأَنتَ المُجتَلى *** وَالكَفُّ وَالمِرآةُ وَالحَسناءُ اللهُ هَيَّأَ مِن حَظيرَةِ قُدسِهِ *** نَزُلًا لِذاتِكَ لَم يَجُزهُ عَلاءُ العَرشُ تَحتَكَ سُدَّةً وَقَوائِمًا *** وَمَناكِبُ الروحِ الأَمينِ وِطاءُ وَالرُسلُ دونَ العَرشِ لَم يُؤذَن لَهُمْ *** حاشا لِغَيرِكَ مَوعِدٌ وَلِقاءُ الخَيلُ تَأبى غَيرَ أَحمَدَ حامِيًا *** وَبِها إِذا ذُكِرَ اسمُهُ خُيَلاءُ شَيخُ الفَوارِسِ يَعلَمونَ مَكانَهُ *** إِن هَيَّجَت آسادَها الهَيجاءُ وَإِذا تَصَدّى لِلظُبا فَمُهَنَّدٌ *** أَو لِلرِماحِ فَصَعدَةٌ سَمراءُ وَإِذا رَمى عَن قَوسِهِ فَيَمينُهُ *** قَدَرٌ وَما تُرمى اليَمينُ قَضاءُ مِن كُلِّ داعي الحَقِّ هِمَّةُ سَيفِهِ *** فَلِسَيفِهِ في الراسِياتِ مَضاءُ ساقي الجَريحِ وَمُطعِمُ الأَسرى وَمَن *** أَمِنَت سَنابِكَ خَيلِهِ الأَشلاءُ إِنَّ الشَجاعَةَ في الرِجالِ غَلاظَةٌ *** ما لَم تَزِنها رَأفَةٌ وَسَخاءُ وَالحَربُ مِن شَرَفِ الشُعوبِ فَإِن بَغَوا *** فَالمَجدُ مِمّا يَدَّعونَ بَراءُ وَالحَربُ يَبعَثُها القَوِيُّ تَجَبُّرًا *** وَيَنوءُ تَحتَ بَلائِها الضُعَفاءُ كَم مِن غُزاةٍ لِلرَسولِ كَريمَةٍ *** فيها رِضىً لِلحَقِّ أَو إِعلاءُ كانَت لِجُندِ اللهِ فيها شِدَّةٌ *** في إِثرِها لِلعالَمينَ رَخاءُ ضَرَبوا الضَلالَةَ ضَربَةٌ ذَهَبَت بِها *** فَعَلى الجَهالَةِ وَالضَلالِ عَفاءُ دَعَموا عَلى الحَربِ السَلامَ وَطالَما *** حَقَنَت دِماءً في الزَمانِ دِماءُ الحَقُّ عِرضُ اللهِ كلُّ أَبِيَّةٍ *** بَينَ النُفوسِ حِمىً لَهُ وَوِقارُ هَل كانَ حَولَ مُحَمَّدٍ مِن قَومِهِ *** إِلا صَبِيٌّ واحِدٌ وَنِساءُ فَدَعا فَلَبّى في القَبائِلِ عُصبَةٌ *** مُستَضعَفونَ قَلائِلٌ أَنضاءُ رَدّوا بِبَأسِ العَزمِ عَنهُ مِنَ الأَذى *** ما لا تَرُدُّ الصَخرَةُ الصَمّاءُ وَالحَقُّ وَالإيمانُ إِن صُبّا عَلى *** بُردٍ فَفيهِ كَتيبَةٌ خَرساءُ نَسَفوا بِناءَ الشِركِ فَهوَ خَرائِبٌ *** وَاستَأصَلوا الأَصنامَ فَهيَ هَباءُ يَمشونَ تُغضي الأَرضُ مِنهُمْ هَيبَةً *** وَبِهِمْ حِيالَ نَعيمِها إِغضاءُ حَتّى إِذا فُتِحَت لَهُمْ أَطرافُها *** لَم يُطغِهِمْ تَرَفٌ وَلا نَعماءُ يا مَن لَهُ عِزُّ الشَفاعَةِ وَحدَهُ *** وَهوَ المُنَزَّهُ ما لَهُ شُفَعاءُ عَرشُ القِيامَةِ أَنتَ تَحتَ لِوائِهِ *** وَالحَوضُ أَنتَ حِيالَهُ السَقاءُ تَروي وَتَسقي الصالِحينَ ثَوابَهُمْ *** وَالصالِحاتُ ذَخائِرٌ وَجَزاءُ أَلِمِثلِ هَذا ذُقتَ في الدُنيا الطَوى *** وَانشَقَّ مِن خَلَقٍ عَلَيكَ رِداءُ لي في مَديحِكَ يا رَسولُ عَرائِسٌ *** تُيِّمنَ فيكَ وَشاقَهُنَّ جَلاءُ هُنَّ الحِسانُ فَإِن قَبِلتَ تَكَرُّمًا *** فَمُهورُهُنَّ شَفاعَةٌ حَسناءُ أَنتَ الَّذي نَظَمَ البَرِيَّةَ دينُهُ *** ماذا يَقولُ وَيَنظُمُ الشُعَراءُ المُصلِحونَ أَصابِعٌ جُمِعَت يَدًا *** هِيَ أَنتَ بَل أَنتَ اليَدُ البَيضاءُ ما جِئتُ بابَكَ مادِحًا بَل داعِيًا *** وَمِنَ المَديحِ تَضَرُّعٌ وَدُعاءُ أَدعوكَ عَن قَومي الضِعافِ لِأَزمَةٍ *** في مِثلِها يُلقى عَلَيكَ رَجاءُ أَدرى رَسولُ اللهِ أَنَّ نُفوسَهُمْ *** رَكِبَت هَواها وَالقُلوبُ هَواءُ مُتَفَكِّكونَ فَما تَضُمُّ نُفوسَهُمْ *** ثِقَةٌ وَلا جَمَعَ القُلوبَ صَفاءُ رَقَدوا وَغَرَّهُمُ نَعيمٌ باطِلٌ *** وَنَعيمُ قَومٍ في القُيودِ بَلاءُ ظَلَموا شَريعَتَكَ الَّتي نِلنا بِها *** ما لَم يَنَل في رومَةَ الفُقَهاءُ مَشَتِ الحَضارَةُ في سَناها وَاهتَدى *** في الدينِ وَالدُنيا بِها السُعَداءُ صَلّى عَلَيكَ اللهُ ما صَحِبَ الدُجى *** حادٍ وَحَنَّت بِالفَلا وَجناءُ وَاستَقبَلَ الرِضوانَ في غُرُفاتِهِمْ *** بِجِنانِ عَدنٍ آلُكَ السُمَحاءُ خَيرُ الوَسائِلِ مَن يَقَع مِنهُم عَلى *** سَبَبٍ إِلَيكَ فَحَسبِيَ الزَهراءُ
وفي العراق حمل (الزهاوي) و(الرصافي) راية التجديد النهضوية في الشعر، اذ كانا يسيطران على المشهد الشعري العراقي في العقود الأولى من القرن العشرين وبوساطتهما استطاع الشعر العراقي الحديث ان ينال اهمية على المستوى العربي الشامل. ودعا (الزهاوي) الى التجديد والثورة على القديم، وربما كان اسبق من الشعراء في تصوره الجديد في الشعر في القرن العشرين، وقد خصص طائفة من شعره للحديث عن الجديد في الشعر والشعراء. ومعنى الجديد عنده هو "ان ينظم الشاعر عن شعور عصري صادق يختلج في نفسه لا عن تقليد، وذلك ما كان يفعله شعراء الجاهلية، وإن كان شعورهم محدوداً ، فالجديد في القديم والحديث إذا لم يسبقه إليه أحد". والجديد كما قال (الزهاوي) هو "أحسن ما تنزع اليه النفس الوثابة ولو لم يتجدد الليل والنهار لملهما الناظر: سئمتُ كل قديــم عرفته في حياتــي إنْ كان عندك شيء من الجديد فهــات ولا أريد بالتجديد أن يقلد الشاعر العربي شعراء الغرب في شعورهم فإنّ لكل أمة شعوراً خاصاً بها لاتحس به أمة اخرى كالموسيقى". وتشديد (الزهاوي) على الشعور الخاص بالأمة، هو تشديد على اثر الشاعر المجدد الذي يكتشف في هذا الشعور ساحات من الفعل الانساني، غير ان (الزهاوي) يبالغ ويتطرف عندما يشدد على التجديد، وتطرفه ينبع من حس نقدي واضح، ان الشعر لابدّ ان يلحق بالعصر، ولابد ان يلبي حاجات النفس المتجددة، ولابد ان يواكب جديد الحياة نفسه، ففي تقسيمه لمن يمارسون الادب، قال عن الشعراء: "يسيرون مع رقي العلم جنباً الى جنب، ويستحبون الشعر خلواً من المبالغات، منطبقاً على الطبيعة، مع المحافظة على الشعور العربي الذي هو قوام شخصيته". وعاب (الزهاوي) تقليد الشعراء فقال عن التقليد: إنه "ذميم سواء كان تقليداً لشعراء العرب الأقدمين او لشعراء الغرب المحدثين"، وقال عن نفسه "وانزع ان امشي بشعري في سبيل الحياة والطبيعة متجنباً المبالغات وكل ما ليس حقيقياً". ان معيار جودة الجديد اذاً هو مطابقته الحقيقة: والشعر بالمعنى المطابق للحقيقة يكبر وان الطبيعة وحدها هي الاولى بالتقليد. ان الجديد الذي يعنيه (الزهاوي) هو "ماكان مشبعاً بالشعور العصري" ولعنايته بالشعور العصري راح يدعو الى الشعر العصري الذي ينم احياناً عن جعل الغرض حداً فاصلاً بين القديم والجديد، وذلك يجعل كل ما يحيط بالشاعر مادة للشعر. ان الشعر العصري هو الذي يستلهم فيه ناظمه شخصيته هو، وبيئته، وعصره، وظروفه، وقد بين (الزهاوي) هذه النواحي في تحديده لهذا الشعر فقال: "وقد اختلف الأدباء في تعريف الشعر العصري غير اني ارجح... كونه شعور الشاعر المتولد من فعل للمحيط كبير التأثير في روحه فيبرزه في صورة الفاظ موزونة تعرب عنه فلا يكون الا صادقاً لا تشينه مبالغة وسهلاً ليس عليه من التكلف ما يذهب بصفائه وروعته وهذا هو الشعر الحقيقي في كل عصر واذا كان هناك اختلاف فهو متولد من اختلاف المؤثرات بحسب العصور" والشاعر العصري يقول هذا الشعر "بدواع عصرية اكثرها اجتماعي كأن يشاهد ظلامة فيصورها في شعره داعياً بذلك الأمة الى ازالتها وعدم تكرار أمثالها كما يفعل الغربيون في رواياتهم أو يرى عادة شائنة للمجتمع فيقبحها بتصوير ما يلحقه من الاضرار بسببها وهذا ايضاً مما وفاه حقه الروائيون الاخلاقيون في الغرب" وعليه فالشعر العصري هو ما استجاب لدواعٍ عصرية، وهذا ما يجعله يمثل العصر، وتقدمه العلمي، لذلك قيد (الزهاوي) الشعر العصري بالحقائق العلمية الحديثة في شعره. ويبدو ان النظرة التي ترى في الشعر وسيلة تعليمية هي التي دعت الى عدّ الحقائق العلمية والافكار المجردة من الدواعي العصرية، التي يجدر نظمها ودرجها في باب الشعر العصري. حتى ان (رفائيل بطي) جعل شعر (الزهاوي) من اعلى طبقات الشعر العصري لان "مذهبه فيه مذهب العالم يريد تقييد الحقائق العلمية بسلاسل النظم، والفيلسوف يصف الحياة ووجوهها بشعر عال، والحكيم الاجتماعي يضع قواعد العمران في ابيات مرصفة القوافي محكمة الاوزان" وبذلك نعلم ان (الزهاوي) اشد جيله حماساً للتجديد، وانه كان يمثل "ظاهرة حضارية خاصة"، وكان من طليعة الرواد الذين مهدوا لنهضة الشعر وتحريره من القديم الذي اعتراه والمصنوعات التقليدية التي غدت محوره. اما (الرصافي) فكالزهاوي في حماسته للتجديد والدعوة الى الشعر العصري، وكان من طليعة جيله في كسر طوق التقليد والرجعية في التفكير والتعبير. واستطاع ان يخرج بالشعر الى الحياة العصرية، وبلغة عصرية جديدة تتسع للحاجات الجديدة يقول: واجود الشعر ما يكسـوه قائلــه بوشي ذا العصر لا الخالي من العصر لا يحسن الشعـر إلا وهو مبتكــر وأيّ حسن لشعـر غير مبتكـــر؟ ورفض (الرصافي) التقليد في الادب فقال: "إنّ التقليد إنْ كان في الامور العقلية قبيحاً فهو في المسائل الأدبية اقبح" فـ(الرصافي) يرفض التقليد لأنه كان يتطلع الى المستقبلية التي تتطلع نحو المستقبل، وترفض الالتفات الى الماضي. ولكن (الرصافي) على دراية تامة ان تحقيق كل الجديد في الشعر مهمة صعبة جداً، وهذا ما جعل الشعر يكتسب طابعاً محدوداً في رؤيته للحياة. يقول (الرصافي) في ذلك: "ان الشعر الحديث لم يزل في اتجاهاته محدوداً ايضاً ، فهناك من مناحي الحياة ونواحيها مالم يجرؤ الشعر بعد على تصويره. واكبر مانع يمنعه عن ذلك هو التقاليد البالية والعادات السقيمة التي تقيده وتقيد الحرية الفكرية بقيود وثيقة، ونحن لم نزل في مجتمع يتعاطى في السر ما يراه معيباً في العلانية ويفعل في طي الخفاء افعالاً يرى الجهر فيها بالقول معيباً". وهذا ما جعل دعوة رواد النهضة لم تتجاوز رواسب القديم. وحتى دعوتهم لم تتجاوز الى أبنية النص الشعري كلها، وانما تناولت الموضوع فقط، وهذا ما جعل الخصيصة الجوهرية لحداثة النهضة في عقودها الاولى تنصب حول المضمون فقط. وبالتالي فان دعوتهم اصبحت مقصورة في رؤيتها، تلك الرؤية التي تقوم اساساً على الفصل بين الذات والموضوع، وبين الشكل والمضمون، مما ابقى روح القديم سارية في قصائدهم. ولم يستطيعوا ان يتجاوزوا مرتكزات المعرفة التقليدية. كما ان محاولاتهم التجديدية لم تأخذ مكانها الحقيقي لانهم فشلوا في تطبيقها لعوامل مختلفة منها ثقافية وسياسية واجتماعية سادت عصرهم. ومما تقدم، نجد أن هؤلاء الرواد النهضويين العرب لم يتمكنوا من خلق حركة شعرية بمفهومها الحديث، ولعل ذلك يعود إلى أن الحضارة لم تستقر في نفوس هؤلاء النهضويين وعقولهم بشكل عميق وقوي، ولم يستطيعوا تحويلها الى جزء من نفوسهم وعقولهم في صياغة شعرية جديدة ومن يتابع "شعراء عصر الاحياء يجد استسلاماً للماضي، ويلحظ أنهم يجترون المعاني القديمة، ولا يكادون يعايشون الحياة المعاصرة- في بعض فئاتهم- أدنى معايشة". وبعد متابعنا لجذور الحداثة العربية نصبح مضطرين لطرح سؤال: هل شهد الوطن العربي حداثة شبيهة بحداثة العالم الغربي، ويجعلنا قادرين على ان نصفه بالمجتمع الحديث بحدود وملامح المجتمع الأوروبي الحديث نفسه أو ان الحداثة العربية لم تأت بعد؟ للاجابة عن ذلك كتبنا الفصول القادمة التي تناولنا فيها الحركات والمدارس التي تلت مدرسة الاحياء هذه. قصيدة الأرملة المرضعة
لقيتها ليتني ما كنت ألقاها********** تمشي وقد أثقل الاملاق ممشاها أثوابها رثة والرجل حافية********** والدمع تذرفها في الخد عيناها
بكت من الفقر فاحمرت مدامعها ********** واصفر كالورس من جوع محياها
مات الذي كان يحميها ويسعدها********** فالدهر من بعده بالفقر أشقاها
الموت أفجعها والفقر اوجعها ********** والهم انحلها والغم اضناها
فمنظر الحزن مشهود بمنظرها********** والبؤس مرآه مقرون بمرآها
كر الجديدين قد ابلى عباءتها********** فانشق أسفلها وانشق أعلاها
ومزق الدهر؟،ويل الدهر مئزرها ********** حتى بدا من شقوق الثوب جنباها
تمشي بأطمارها والبرد يلسعها ********** كأنه عقرب شالت زباناها
حتى غدا جسمها بالبرود مرتجفا ********** كالغصن في الريح واصطكت ثناياها
تمشي وتحمل باليسرى وليدتها ********** حملاً على الصدر مدعوماً بيمناها
ما تصنع الام في تربيب طفلتها ********** إن مسها الضر حتى جف ثدياها
ما بالها وهي طول الليل باكية ********** والام ساهرة تبكي لمبكاها
تبكي لتشكوا من داء الم بها ********** ولست افهم منها كنه شكواها
كانت مصيبتها بالفقر واحدةً ********** وموت والدها باليتم ثناها
هذا الذي في طريقي كنت اسمعه ********** منها فأثر في نفسي واشجاها
حتى دنوت اليها وهي ماشية********** وادمعي اوسعت في الخد مجراها
وقلت يا اخت مهلاً انني رجل********** اشارك الناس طراً في بلاياها
سمعت يا اخت شكوى تهمسين بها********** في قالة اوجعت قلبي بفحواها
هل تسمح الاخت ان اشاطرها********** مافي يدي الان استرضي به الله
ثم اجتذبت لها من جيبي ملحفتي********** دراهم كنت استبقي بقاياها
فارسلت نضرةً رعشاء راجفةً********** ترمي السهام وقلبي من رماياها
واجهشت ثم قالت وهي باكيةً********** واه لمثلك من ذي رقة واها
لو عم في الناس انصاف ومرحمة********** لم تشكي ارملة ضيقا بدنياها
اولى الانام يعطف الناس ارملة********** واشرف الناس من في المال واساها
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم
|