انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

جماعة أبولو

Share |
الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 4
أستاذ المادة صفاء عبيد حسين علي       19/12/2012 09:34:14
جماعة أبولو
مفهوم الشعر:
حدد (ابو شادي) مفهومه للشعر في مقدمته لديوانه (الشفق الباكي) قائلاً: "الشعر في رأيي هو تعبير الحنان بين الحواس والطبيعة، هو لغة الجاذبية وان تنوع بيانها. هو أوحدي الاصل في المنشأ والغاية وصفاً وغزلاً ومداعبة ورثاء ووعظاً وقصصاً وتمثيلاً وفلسفة وتصويراً". فـ(ابو شادي) اشار بمفهومه هذا الى حنان التعاطف بين الانسان والطبيعة، وهذا هو حنان رومانسي خالص، لان الشعر "تفاعل بين الحواس ومؤثرات الطبيعة". وهذا المفهوم قريب الى حدٍ ما من قول الشاعر الانجليزي (جون كيتس) الذي قال:
"ياشعراء العاطفة والمرح
لقد تركتم أرواحكم على الارض!
ألكم أرواح في السماء ايضاً،
تعيش حياة ثانية في بقاع جديدة؟
نعم وإن ارواحكم تلك التي في السماء
لتتصل بأفلاك الشمس والقمر،
بضجة الينابيع العجيبة،
وأحاديث الأصوات الراعدة،
بهمس اشجار السماء"
ان قول (كيتس) هذا اشارة واضحة الى اندماج ارواح الشعراء بمظاهر الطبيعة كلها، وهذا ما تأثر به (ابو شادي) عندما اشار الى ان الشعر هو التفاعل بين الحواس ومظاهر الطبيعة. ومن هنا فالشعر عنده قائم على عملية تراسل الحواس التي قال بها الشاعر الفرنسي (بودلير) والتي تعد أحدى خصائص المدرسة الرمزية الفرنسية، وبذا فالشعر تمثيل منفتح على اشياء كثيرة ومنها الطبيعة، بصورة يقظة.
ان مفهوم (ابي شادي) للشعر يرتفع الى مستوى الفكر، لأنه لا يقتصر على العاطفة فقط، وانما يزاوج بين العاطفة والفكر، ويظهر ذلك من خلال دمجه الشعر بالمعرفة حيث قال: "فما الالهام سوى أثر الخبرة والعرفان والمواهب في الفن، ولا شأن له باعجوبة ملكية أو شيطانية ولا بالوحي المزعوم". ومن هنا نلمح انه يؤمن بمبدأ الصناعة في الشعر، ويتفق مع ما نادى به (بن جونسون) الذي آمن بإخضاع الملكة المبدعة لسلطان الصناعة، والعمل عن تدبر ودراية وعرفان، وهذا هو مذهبه في الشعر. وكذلك اكد كل من (شلي) و(ادجار الن بو) و(اندريه جيد) ان الفن هو صناعة شاقة. ومثلما استقى (ابو شادي) مفهومه للشعر من المراجع الغربية، نراه يذهب مذهب نقادنا القدامى في ان الشعر صناعة ومران، كما اشار اليه ابن (سلام) ، و(الجاحظ) ، و(قدامة بن جعفر) ، و(القاضي الجرجاني) و(ابو هلال العسكري) ، وغيرهم من القدامى الذين جعلوا من الشعر صناعة وثقافة يختص بها الشعراء. ويتفق ايضاً مع (العقاد) في العصر الحديث الذي جعل من الشعر صناعة توليد العواطف.
ويظهر مفهوم (الشابي) للشعر برسالة بعثها الى صديقه (محمد الحليوي) قال فيها: "الشعر ياصاحبي هو ما تسمعه وتبصره في ضجّة الريح وهدير البحار وفي نسمة الورد الحائرة يدمدم فوقها النحل ويرفرف حولها الفراش، وفي النغمة المرددة يُرسلها في الفضاء الفسيح". ف(الشابي) يرى الشعر تصويراً وتعبيراً، تصويراً صادقاً لهذه الحياة في كل ميادينها، وتعبيراً صحيحاً عن تلك الصور. ويشترك في تكوينه انفعالات الشاعر وما يتأثر به من حوله. ولهذا جعل مفهومه قائماً على الحياة نفسها فيقول في الشعر انه : "الحياة نفسها .. في حُسنها ودمامتها، في صمتها وضجّتها، في هدوئها وثورتها، في كل صورة من صورها ولون من ألوانها". وبذلك يكون (الشابي) قد تأثر بمفهوم (وردزورث) للشعر الذي عده ضرباً "من ضروب المعرفة بأسرها. هو الاول والآخر، فإنه باقٍ على الزمان ما بقي قلب الانسان". ونفهم ايضاً من مفهوم (الشابي) للشعر، انه قائم من اجل فكرة ارادة الحياة، التي احسها (الشابي) وتبلورت عنده خلال تأثره بصاحب هذه الفكرة وهو الفيلسوف الالماني (نيتشه). وينطبق مفهومه على الشعر الوجداني عامة، وقد عبر عن ذلك شعراً اذ قال:
ياشعرُ ، انت فـمُ الشعـو ر وصرخة الـروح الكئيب
ياشعر، أنت صَدأى نحيـ ب القلـب والصّبّ الغـريب
ياشعر ، أنت مـــدامعُ عَلِقـتْ بأهـداب الحيــاة
يـاشعـر، أنت دم تفجّـ ـر مـن دموع الكائنــاتْ
ياشعر، يالحنَ الــوجو د الحي يالغَـــة المـلائك!
ولما كان الشعر هو لغة الملائك، فمصدره اذاً الالهام، وبهذا نراه متأثراً بالادب الوجداني العربي ، الذي جعل من الالهام مصدراً للشعر، فالعرب عرفوا الالهام وعبروا عنه بالشياطين تارة، وبالجن تارة اخرى لكن (الشابي) يربطه بالوحي الخير المستمد من الملائكة. ورغبة (الشابي) في تمثيل الجانب الحي من الحياة وفي السعي نحوه شعراً وفكراً، واضحة هنا بجلاء.
ولم يحدد (الياس ابو شبكة) مفهوماً معيناً للشعر، وقال هذا صراحة في مقدمته لديوانه (افاعي الفردوس) اذ قال: "لا أكتب هذه المقدمة لأحدد الشعر، أو لأعلم الشاعر كيف ينبغي له أن يشعر، أو لأجيء بنظرية أتعصب لها وأعلن لأجلها حرباً" غير ان الشعر هو "كائن حي تحتشد فيه الطبيعة والحياة، فلا يقاس ولا يوزن" فـ(أبو شبكة) يرفض المذاهب والنظريات التي تقوم على الشعر، لأنه يراها لا تقع إلا على هامش الادب، ولا تمت للجوهري بأية علاقة، والشعر هو الفن الذي يعبر عن الحياة، والحياة بطبيعتها لا تحمل هوية محددة، ولذلك صعب قياسه.
ان مفهومه للشعر اقرب الى اطلاق الشعر من عواهنه، وربطه بما هو حي ومتجدد، ويبدو من رفضه للنظريات والمذاهب انه متأثر بـ(فكتور هيجو) الذي قال: "لا قواعد ولا مذاهب إلا مذاهب الطبيعة التي تهيمن على الفن كله والا القواعد الخاصة التي تعطي شروطاً خاصة لكل موضوع" وعلى الرغم من رفضه لتحديد الشعر، إلا ان هناك صورة معينة في نفسه للشعر، ولا بأس "فالطبيعة قيثارة الشاعر، وعبثاً يحاول الشاعر البحث عن اوتاره في غير هذه القيثارة". ويذهب بذلك مذهب (هيجو) الذي يرى أنه "ليس للشاعر من مثال سوى الطبيعة". ومن هنا كانت لدى الطبيعة عند (أبي شبكة) "أسرار لطيفة لايدركها الحس مهما دق، بل يشعر بها اذا قويت النفس [...] فالوحي يقوم على صفاء المزاج الطبيعي وقوة مادة النور في النفس" أن (أبا شبكة) يضع حداً واضحاً بين الطبيعة الساحرة وصرامة الاشياء، وقد اشار (ابو شبكة) الى دور الوحي في تكوين الشعر اذ قال: "إذا كان الوحي حالة من حالات النفس عند تأثرها المباشر بقدرة خارقة وشئنا أن ننكر هذه الحالة انكرنا جوهر النفس ذاته –انكرنا مبدأ الحياة، وأية غضاضة على الشاعر أن يكون وسيطاً لهذه القدرة الخارقة؟ فالأنبياء كانوا يتسقطون كلام الله. والقدرة الخارقة ليست منفصلة عن الانسان، فهي جوهر لنفسه [...] والنفس قوة لم يدرك كنهها لتحد، فكيف ننفي الوحي الشعري ما دامت النفس مصهر الشعور". ان ايمانه بالوحي ودوره في الشعر، فكرة قديمة، قال بها النقاد اليونانيون، ويظهر ذلك من خلال إجابة (ايون) عن استدراج (سقراط) في محاورته، حتى يصرح (ايون) بأن الشاعر لا يصدر عن قواعد فنية معينة، ولا عن مبادئ عقلية خاصة، بل عن نوع من النشوة الفنية يغيب فيه عن شعوره، وهو ما يسميه (افلاطون) بـ(الإلهام)، وهو مصدر إلهي محض. وبذلك نرى ان مفهوم الشعر عند النقاد اليونانيين قائم على الالهام، وهو مفهوم يتناسب مع نشأة الشعر الاولى وارتباطه بسحر الكلمات المستخدمة في الطقوس الدينية والسحرية. ويلتقي (ابو شبكة) مع الرومانسيين الذين يرون ان مصدر الشعر هو الالهام، واللاشعور هو منبع الشعر الاصيل، ومن الأدباء الرومانسيين (بوالو) الذي نفى ان يكون هناك شعر بدون وحي. ويلتقي مع (نوفالس) الذي قال: "ليس الشعر ثوباً يكسوه المؤلف فكرته بعد ان يتصور هذه الفكره، فالشعر لايروى، ولا يبحث بل انه ينبجس مباشرة من القلب". وهذه الفكرة قديمة قدم الشعر العربي آمن بها كثير من الشعراء والنقاد العرب القدامى. وبذلك نرى ان التقاء شاعرنا العربي الحديث مع نقاد وأدباء الغرب والعرب كان قائماً على ان مصدر الشعر هو الالهام.



جماعة أبولو
غاية الشعر ودور الشاعر:
ينصب بحث (ابي شادي) (الشعر والشاعر - بحث فلسفي) حول غاية الشعر ورسالة الشاعر ومكانته، ففيه عدّ التجديد في صفاته ومكانته جزءاً من التحديث في بُنية الشعر ونلمس ذلك من خلال السياقات العامة، اذ يرى ان غرض الشعر هو غرض نبيل بالدرجة الاساس، وهذه النظرة تفسر لنا مبدأ التعاون الاجتماعي الذي عمل (ابو شادي) طوال حياته على تحقيقه. ولهذا جعل هدف الشعر عاملاً من عوامل القوة، وله مآرب شتى لخدمة الحياة. ودور الشاعر هو دور الرسول ويصفه بأنه "رسول في قومه فالشاعر بفطرته يجب ان يكون حساساً سريع التلبية بقدر مسؤوليته العامة ويقوم بأعبائها فخليق بالشاعر ان يكون أول ناقد لنفسه" وطالب الشاعر ان يكون شعره بياناً من بيان قومه، ولا يرتفع عن مستوى آذانهم ومداركهم لكي لايكون غريباً عنهم. وبذلك يلتقي مع (شللي) الذي جعل من الشعر "صورة الحياة ذاتها معبرة عنها في حقيقتها الخالدة" ويلتقي ايضاً مع الشاعر الناقد (اليوت) الذي قال "لا الشاعر ولا العالم يمتلك الاقتناع الكافي الذي يعينه على الاستمرار في عمله دون أن يكون فيه فائدة للمجتمع" كما يلتقي مع رأي (ماثيوارنولد) الذي جعل الشعر نقداً للحياة.
ويجعل (الشابي) من غاية الشعر غاية تصويرية وتعبيرية عن الحياة في مختلف ميادينها وفي كل صورة من صورها، والفنان "المخلص لفنه لايعبر بفنه إلا عن أرفع صور الحياة وأسماها"، والشاعر هو القوة الخلاقة والمبدعة، التي تصور الكون والحياة، وتعبر عنهما في قوة عجيبة وإبداع ساحر، وشعر الشاعر قطعة من فؤاده، وشعلة من روحه، يصور العاطفة ابدع تصوير، ويعبر عن اعماق النفس في صفاء واشراق، ومسرحه الحياة، ومعينه الجمال، وحيويته صدق الشعور، اما مطمحه فالبقاء والارتقاء. وبهذا يكون (الشابي) قريباً من فكر الرومانسيين من مثل (شللي) الذي جعل الشعر هو الحياة ذاتها.
وغاية الشعر عند (ابي شبكة) غير محددة، بحدود معينة، او عقيدة ما، ويتجه بها ايضاً الى الحياة، وهذا يشير الى ان الشاعر يحمل عبر شعره صوراً عن بيئته ومجتمعه وزمانه لان الشاعر –كما يرى- لسان الحياة بكل جوانبها، فهو رسول قومه وقائدهم، ونراه ينقل رأياً لـ(بول فاليري) مفاده ان الشاعر فاعل وليس منفعلاً، وله قدرة خارقة في اجتياز المجهول، والقدرة في عرف (فاليري) هي النفس، والنفس قوة لم يدرك كنهها لتحد، وفهم (ابو شبكة) بأن الشاعر هو نفس متجددة، ومتطورة ، ولها امكانية وقدرة، في تصوير الحياة، وبذلك يذهب مذهب (فكتور هيجو) الذي جعل من الشاعر قائد قومه يسير امامهم ويهديهم سواء السبيل فهو صدى لكلام الله. ومثلما اتفق شعراء ابولو مع ادباء الغرب في غاية الشعر ورسالة الشاعر، فإنهم بذلك لم يبتعدوا عن تعاليم (مطران) الإصلاحية وآراء (العقاد) حول غرض الشعر في الحياة وآراء (جبران) وتعاليمه القيمة، مجسدين بذلك رغبتهم في ان يتمثلوا- ويتمثل الشعراء الآخرون- بصورة متفتحة وبحسّ يقظ- روح الحياة الحية بما يتواءم مع العصر والبيئة اللذين يعيش فيهما الشاعر.
الوحدة العضوية:

تحدث (ابو شادي) عن الوحدة العضوية في الجزء الثاني من كتابه (قطرة من يراع في الادب والاجتماع)، مؤكداً ان القصيدة وحدة لايمكن ان نفصل فيها بين الشكل والمضمون. ويرى ان القصيدة تقوم على مجموعة من العناصر ومن المستحيل الفصل بينها، لأن الشاعر عندما ينظم القصيدة ينظمها كُلاّ، ويتأملها كُلاّ، ولا يتناول عنصراً منها دون الآخر. ولم يكتف (ابو شادي) بحديثه هذا عن وحدة القصيدة، اذ نراه يضع بحثاً طويلاً بعنوان (النقد والشعر) في ديوانه (الشفق الباكي) مشيراً الى الوحدة قائلاً: "أما انا فقد آمنت –بعد تأمل نقدي طويل في شعري وفي شعر غيري- بأن هناك ما يصح أن يسمى (بالتبادل) وهو تعويض الكل للجزء، وكذلك تعويض الجزء للكل: بمعنى أنه يجب نقد الأثر الفني، (القصيدة مثلاً) كوحدة لا تتجزأ بحيث يوجّه النقد الى جوهرها ولبّها [...] ولا يتأثر الناقد الفني [...] إلاّ بالجوهر وحده، ولا يكون ما عدا هذا الجوهر إلاّ معيناً على إبرازه" فـ(ابو شادي) يرى ان القصيدة وحدة لا تتجزأ ، وهو يقترب بمفهومه عنها من مفهوم (وردزورث) عن وحدة الأثر الفني، الذي يرى فيه أنه يجب ان يكون عملاً كاملاً، وقد صاغ مفهومه هذا فقال :
"بواسطة الابداع البطيء تكسب التعبير خطوطاً ومادة حتى تؤدي وظيفتها وهي أشبه بقوة النمو العضوي أو روح الحياة في شكل كامل"
فالنمو العضوي الذي جاء بمفهوم (وردزورث) هو اشارة الى الشكل التام لبُنية أي عمل فني، وان ابداع القصيدة عنده يكمن في تلاحم اجزاء وعناصر هذا العمل.
ولم يخصص (الشابي) حديثا عن الوحدة العضوية في كتاباته النقدية النظرية، ولكن اهتمامه بالخيال الشعري هو الذي يحقق الوحدة العضوية، لانه عن -طريق الخيال – كما يرى (كولردج) "يتمكن الشاعر أو الفنان من خلق كل عضوي حي ومعنى هذا انه حيث يوجد الخيال تتحقق الوحدة العضوية ويصبح لكل عمل فني شكله الخاص الذي يميزه، والذي ينبع من باطنه، وينساب في اطرافه جميعاً فيلونها بلون عام مشترك"، وعلى هذا الاساس رأت (سلمى الجيوسي) ان (الشابي) حقق نجاحاً في الوحدة العضوية في قصائده، اذ كانت جميع قصائده تحافظ على النمو العضوي الذي يتطور على نحو عالٍ، ويعتمد بذلك على عناصرها جميعها.
اما اهتمام (ابي شبكة) بالوحدة العضوية فيظهر جلياً في مفهومه للشعر، عندما جعل الشعر ينزل مرتدياً ثوبه الكامل الذي لا يتجزأ من الشعور، والشعر –كما يرى- له عناصر متساوية تجري كلها في حلبة واحدة، فلا الفكرة تنحط عن الموسيقى ولا الصورة عن الفكرة. بمعنى ان القصيدة وحدة فنية لها عناصرها المختلفة، غير انها متماسكة ومتوازية في الشكل والمضمون. وهذا المفهوم عن الوحدة استقاه (ابو شبكة) من مفهوم (فكتور هيجو) الذي جعل الوحدة العضوية قائمة على وحدة البنية الفكرية وانها ليست في شكل الافكار، وانما في الافكار ذاتها. ومفهوم شعراء ابولو عن الوحدة مرده المرجع الغربي والفكر الرومانسي خاصة وآراء شعراء وأدباء هذا المذهب عن الوحدة العضوية في القصيدة الحديثة ومردّه الآخر المرجع العربي القديم والحديث. فمفهوم (ابي شادي) عن الوحدة العضوية لا يبتعد عن مفهوم (ابن طباطبا) الذي قال عنها: "ينبغي للشاعر ان يتأمل تأليف شعره وتنسيق أبياته ويقف على حسن تجاورها أو قبحه فيلائم بينها لتنتظم معانيها ويتصل كلامه فيها، ولا يجعل بين ما قد ابتدأ وصفه أو بين تمامه فصلاً من حشو ليس من جنس ماهو فيه، فينسى السامع المعنى الذي يسوق القول اليه، كما أنه يحترز من ذلك في كل بيت، فلا يباعد كلمة عن أختها ولا يحجز بينها وبين تمامها بحشو يشينها" فـ(التناسق) الذي اشار اليه (ابن طباطبا) قديما لايبتعد عن (التبادل) الذي اطلقه (ابو شادي) حديثاً. ونجد أيضاً ان رأي (ابي شبكة) عن الوحدة العضوية للقصيدة لايخرج عن عمود الشعر العربي القديم، الذي قال به (المرزوقي) الذي يرى ان الشعر الذي يتوفر فيه مبدأ التحام النظم والتئامه، يوشك ان تكون القصيدة منه كالبيت والبيت كالكلمة، تسالماً وتقارباً لاجزائه وحديثاً، فإن شعراء أبولو يشددون على وحدة القصيدة العضوية كما نادى بها (خليل مطران) ، ومدرسة الديوان، ومدرسة المهجر.
وخير ما يتجلى في الوحدة العضوية عندهم من مفهومهم للحداثة هو ابراز جانبي التنامي الحي والتساند الهادف الى الرقي.












مفهوم الحداثة في المستوى الايقاعي:
آثرت جماعة ابولو الشكل المقطعي مزدوجاً ومربعاً ومخمساً بديلاً من الشكل القديم الذي يحصر القصيدة بوزن واحد وقافية واحدة. ان الموسيقى في الشعر عنصر مهم، لكنها ليست بالعنصر الاساس في الشعر كما يراها (ابو شادي)، لأن جوهر الشعر عنده هو التعبير عن إيقاع الحياة المتناوب والمتغير، ويشبه (ابو شادي) الدارسين والشعراء الذين يجعلون الموسيقى اهم عنصر من عناصر بُنية القصيدة بالبدائيون. لان الأذهان المثقفة يمكن أن تأسرها الصورة في القصيدة، من دون الحاجة الى عنصر الموسيقى.
ولما كانت رغبة (ابي شادي) في خلق موسيقى وايقاع جديدين، يسمحان بحرية التعبير، طرح الشكل القديم، واستخدم عوضاً عنه شكلاً جديداً يحتوي موسيقى جديدة. ليتمكن من ان يستمد موسيقاه من تجاوب روحه بين الفن والحياة أذ ان "الحياة في ذاتها ايقاع"، فليس هناك داعٍ من استخدام موسيقى الشعر القديم.
وبذلك ندرك ان الاوزان والقوافي اصبحت عبئاً ثقيل ومفروضاً على الشعر الحديث عند (ابي شادي)، وهذا صحيح فهو يقول: "ولكن ما نعيبه هو عبودية الشعر للموسيقى حيثما ينبغي ان تكون للشعر سيادته فبدل استهواء المشاعر بالاوزان وبالقوافي الرتيبة وحدها، نرى أن الشعر جدير بأن تكون له ذاتيته المستقلة الجميلة المؤثرة، وان يكون الاستهواء والتأثير الوجداني منه ذاتياً، أي من ايحاء المعاني ومن روعة الخيال، لا من الموسيقى اللفظية اولاً وأخيراً" ومن هنا كان (ابو شادي) ينطلق احياناً من قيد القافية، ليكون مثلاً للشعراء الشباب وبخاصة شعراء ابولو. فضلاً عن هذا، لم يكتفِ باطلاق القافية وحدها وانما يجيز ايضاً طريقة مزج البحور في القصيدة، وذلك بحسب مناسبات التأثير. وهذا يصب في معنى واحد هو النية في التحرر من عبودية الوزن والقافية التقليديين .
ووجد (ابو شادي) طريقة اكثر حداثة وابداعاً وتحرراً من القيود النظمية، وهي كتابة الشعر بطريقة الشعر المرسل والحر (بمفهومه هو). وبدأ يروج لهما في كتاباته، وخصص بعد ذلك بحثاً مستقلاً سماه (النقد والشاعر) بث فيه آراءه لتحرر الشاعر والشعر من القيود الشكلية كالوزن والقافية. ولم يكتف بذلك اذ نظم قصائد على غرار الشعر المرسل. ومن قصائده (صرار الليل) و (تلبية) و (مملكة ابليس) و (ممنون الفيلسوف) و (الصرصور) ، ونظم بهذه الطريقة في ديوانه (الشعلة) ايضاً، ومن قصائده في هذا الديوان قصيدة (الفضيحة)، التي يقول فيها:
سمعتُ قوماً تنادوا "ياهول هذي الفضيحة"
وهم بصفو ورقص منوع وشماته
بهم فريق تبدى كأنه ذو ذيول
وآخرون اطيلت آذانهم في حبور
وغيرهم في ضجيج يعتز من تعداده
ومن غلو برأي لحزبه وبلاده
تراشقوا باتهام واسرفوا في عداء...الخ
ان ابا شادي لم يطلق دعوته للشعر المرسل نظرياً فقط، وانما ذهب الى تطبيقه. ويرى ان كتابه هذا النوع من الشعر لم يكن عجزاً منه ومن الشاعر الحديث من اتباع الطريقة الخليلية في النظم، وانما الشكل القديم اصبح بالياً، وان هذا الاطار الجديد يظهر فيه اصالة الشاعر، على حين يخنق الشكل القديم كل اصالة بالزام الشاعر ترديد أصداء فحول الشعراء القدامى وتقليدهم. ومن هنا وجد (ابو شادي) ان هذا الضرب –الشعر المرسل- من الشعر ضروري للشعر العربي الحديث، لأنه يثريه في الاغراض والاشكال، كما يمكنه من منافسة الآداب الآوروبية، ويساعده على ارضاخ النظم للشعر، بدل ارضاخ الشعر للنظم. ويحقق للشاعر هدفه من وصف وشرح وتحليل، ويدعو القارئ الى تركيز كل افكاره حول المعنى والمغزى بدلاً من وقوعه تحت تأثير رنين الاصوات من الكلمات المخدره. وبهذا نقول ان (ابا شادي) استطاع ان يخطو بوساطة الشعر المرسل نحو تمثيل الجوانب الحية في العصر والمجتمع بصورة منفتحة يقظة مثرية.
والطريقة الثانية التي نادى اليها (ابو شادي) في مطلع العشرينيات من القرن الماضي، هي طريقة الشعر الحر، التي تجيز الجمع بين البحور في القصيدة الواحدة، وتجيز ايضاً التنويع في عدد التفعيلات في كل بيت وإن كان قد غلب على هذا العنصر الأخير من عناصر دعوة (ابي شادي) الى التجديد نوع من الثبات المرحلي. وجدَ (ابو شادي) ان الشعر الحر (Free verse) هي الضرب المناسب لصياغة الملاحم والدراما والشعر القصصي، وهو ليس مطلقاً من القافية، بل هو اكثر مرونة، والشاعر فيه يمكنه تنويع قوافيه تبعاً للفكرة والعاطفة، فضلاً على انه الضرب المناسب لكتابة المسرحية لأن "روح الشعر الحر انما هو التعبير الطليق الفطري، كأنما النظم غير النظم، لأنه يساوق الطبيعة الكلامية التي لا تدعو الى التقيد بمقاييس معينة من الكلام. وهكذا نجد أن الشعر الحر يجمع اوزاناً وقوافي مختلفه حسب طبيعة الموقف ومناسباته، فتجيء طبيعية لا اثر للتكلف فيها لذلك رأينا ان الشعر الحر مناسب جداً للمسرح خلافاً لمن يدعون الى التقيد ببحر معين وقافية معينة على لسان كل متكلم" ودافع بعد ذلك عن الشعر الحر اذ قال: "اني اذا عذرت من لا يقدرون قيمة الشعر المرسل والشعر الحر وتنويع الاوزان والابتداع فيها وأثر كل ذلك في تحرير التعابير الشعرية من القيود الثقيلة ودفعها حرة لتكون للادب العربي شعراً درامياً قوياً بعد أن حرم ذلك طويلاً في ماضيه –اذا عذرت هؤلاء فاني لا أعذر من يجازفون بأحكامهم تبعاً للمحبة والكراهية لذات الشاعر" وقدم تعريفا للشعر المرسل والشعر الحر قبل ان يكتب قصيدته المشهورة (الفنان) فقال مفرقاً: "يعد من الشعر المرسل نسبياً ما تجرد من التزام القافية الواحدة وأن يكن ذا قافية مزدوجة او متقابلة ولكن الحقيقة أن الشعر المرسل Blank verse لا يوجد فيه أي التزام للروي، وفي القصيدة التالية مثل لهذا الشعر المرسل مقترناً بنوع آخر يسمى (بالشعر الحر) Free verse حيث لايكتفي الشاعر باطلاق القافية بل يجيز ايضاً مزج البحور حسب مناسبات التأثير" ويكتب بعد هذا التعريف قصيدته التي قال فيها:
تفتش في لب الوجود معبراً عن الفكرة العظمى به لألباء
تترجم اسمى معاني البقاء
وتثبت بالفن سر الحياة
وكل معنى يرف لديك في الفن حي
اذا تأملت شيئاً قبست فيه الجمال
وصنته كحبيس في فنك المتلالى
تبث فينا العبادة
تبث فينا جلالا لا انقضاء له
أنت المعزى لنا في رزء دنيانا
فانت أنت الأمين على الجمال العزيز
وأنت أنت الأمين على نعيم الوجود
وكل ما أنت تحكيه وترسمه هو المسيطر في الدنيا وأخرانا
وما تركت قشوراً نثيرها في الهواء ... الخ
ويجب ان نؤكد ان الشعر الحر في عُرف (ابي شادي) لا علاقة له بالآراء المتداولة عن الشعر الحر الذي نشأ بعد الحرب الكونية الثانية، الذي ازدهر على يد شعراء الشباب في العراق.
وعلى الرغم من جهد (ابي شادي) في البحث عن صياغة موسيقى جديدة تتلاءم مع فكرته بحيث تتيح له مجالاً واسعاً في التعبير، غير انه في كل ما جاء كما يرى (س.موريه) من تجارب في الشعر الحر، كانت تحمل صفات الشكل القديم، اذ أن ابياته تنقسم الى شطرين كما ظل كل منهما وحدة مستقلة بمعناها حيث تشكل القافية بالسكون، أو تنتهي املائياً بحركة طويلة كعلامة على النهاية التي يفضلها الشاعر للبيت او الجزء منه. وبعد، يجب ان نقول الحق ان (ابا شادي) أسهم في حركة الشعر المرسل مع الرواد المجددين، كما تبنى ايضاً حركة الشعر الحر داعياً لها ومحبذاً ومنتجاً.
اما (الشابي) فقد حاول كتابة قصائد على شكل المزدوجات والرباعيات والموشحات غير انه كان مخلصاً للوزن العربي والقافية الموحدة. ومن اكثر الاشكال التي وردت في ديوانه هو الموشح، وقد سلك في كتابته للموشح كما يرى (عمر فروخ) سبيلاً ممُهدّاً موطئاً ذللّه قبله شعراء تونس، بقطع النظر عن قدم هذا الفن في الشعر العربي وكانت موشحاته تأخذ اشكالاً من الترتيب يختلف كل شكل عن الآخر وقد لخصها (عمر فروخ) في سبعة اشكال متنوعة وبهذا يكون (الشابي) من الشعراء العرب الذين احيوا الموشح في القرن العشرين حتى قال عنه (انيس المقدسي): "أما اليوم فهناك اتجاه إلى احيائه (احياء الموشح) والتفنن فيه... وقد استساغه المجددون في جميع الاقطار فشاع حتى بلغ المناطق البعيدة عن مركز النهضة الادبية كتونس مثلاً والحجاز. وفي الاول (تونس) نجده في شعر حسين الجزيري وسعيد ابي بكر ومحمد الفائز وابي القاسم (الشابي)" ، أما قوافيه فإنه كان يميل دائماً الى الرويّ الساكن في اغلب موشحاته خاصة وشعره عامة.
ولا يرى (ابو شبكة) ان الشعر موسيقى أو ان الموسيقى هي اهم عنصر من عناصر الشعر، لان الشعر في رأيه ينزل مرتدياً لبوسه الكامل فلا تنحط الفكرة عن الموسيقى او الصورة عن الفكرة، وهو بذلك يخالف ما قالت به المدرسة الرمزية ان الشعر موسيقى وان النفس لحن. فـ(ابو شبكة) يرى ان الموسيقى واحدة من عدة عناصر متساوية في الاهمية كالفكرة والصورة وبهذه العناصر المجتمعة والتي تجري ضمن حلبة واحدة نراه يهتم بالموسيقى الداخلية في القصيدة.
لم يعارض (ابو شبكة) الاوزان الخليلية، وانما ظل متبعاً لعمود الشعر العربي في اغلب نتاجه، اما قصائده التي لم يتقيد بها بوزن واحد وقافية واحدة فهي لم تخرج عن اسلوب الموشحات الاندلسية من جهة، ولا تخرج عن تقاسيم التفاعيل المعروفة في بحور العروض لا تقيداً منه بالعروض بل جرياً على سليقته العربية وأنفةً من التكلف والاصطناع ولهذا كان اسلوبه الشعري يمتاز باختيار اللحن للموضوع والبحر للفكرة، ويقطع التفاعيل ، ويقسّم الاوزان على وفق ما ينهيه اليه خياله بمعنى ان الاوزان التي التزم بها (ابو شبكة) لم تشكل عقبة في سبيل التعبير عن عمق التجربة فقد طوعها لتناسب تعابيره دون ان يسخر تعابيره من اجلها.
اما تنوع القافية في شعره ، فقد لخصها (منيف موسى) الى جانب قصائده ذات القافية الواحدة، هناك قصائد ذات قواف متشابكة كما في قصيدته (الفلاح) وقصائد ذات قواف متعانقة مثل قصيدته (كأسان) وقصائد ذات قواف تتبع الشكل التناظري مثل قصيدته (ألحان الصيف) فـ(ابو شبكة) بمحاولته هذه يحاول الارتكاز على التفعيلة وعلى القافية داخل البيت.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم