جامعة بابل / كلية التربية للعلوم الإنسانية اسم المادة : أسس التحليل اللغوي قسم اللغة العربية التخصص : ماجستير / لغة الدراسات العليا / الماجستير عدد الوحدات : 2 2016-2017 ( الكورس الثاني ) أستاذ المادة : أ م د فالح حسن الأسدي م / مفردات المادة المحاضرة الأولى • التعارف ، وتسجيل مفردات المنهج مقدمة / المعنى اللغوي والاصطلاحي لمفهوم ( أسس التحليل اللغوي ) أولا : أسس التحليل الصوتي ، وفيه : 1- التعريف بالصوت وعلاقته بالمعنى . 2- مخارج الأصوات . • الأسبوع الثاني : 7 / 2 / 2017 3- ظواهر صوتية ( المماثلة – المخالفة – المعاقبة – الإمالة ) 4- تكرار الصوت . • الأسبوع الثالث : 14 / 2 / 2017 5- النبر والتنغيم – الفونيم – المورفيم – • الأسبوع الرابع : 21 / 2 / 2017 6- الفاصلة القرانية – الوقف والابتداء • الأسبوع الخامس : 28 / 2 / 2017 7- الصوت واللهجة 8- أنموذج تحليل صوتي . ثانيا : أسس التحليل الصرفي ، وفيه : • الأسبوع السادس : 7 / 3 / 2017 1- حدود علم الصرف . 2- الوزن والصيغة . • الأسبوع السابع : 14 / 3 / 2017 3- معاني الصيغ الصرفية 4- التجرد والزيادة • الأسبوع الثامن : 21 / 3 / 2017 5- العدول الصرفي 6- أنموذج التحليل الصرفي . ثالثا : أسس التحليل النحوي : • الأسبوع التاسع : 28 / 3 / 2017 1- النحو ومعاني النحو . 2- أسس التفكير النحوي • الأسبوع العاشر : 4 / 4 / 2017 3- الحذف والتقدير 4- التقديم والتأخير • الأسبوع الحادي عشر : 11 / 4 / 2017 5- قيود الجملة 6- الإسناد والفضلات • الأسبوع الثاني عشر : 18 / 4 / 2017 7- أنموذج في التحليل النحوي . رابعا : أسس التحليل الدلالي : • الأسبوع الثالث عشر : 25 / 4 / 2017 1- وسائل كشف المعنى . 2- الحقيقة والمجاز • الأسبوع الرابع عشر : 2 / 5 / 2017 3- المشترك اللفظي – الترادف – التضاد 4- علم دلالة النص • الأسبوع الخامس عشر : 9 / 5 / 2017 5- الدلالة الإيحائية ( ظلال المعنى ) 6- الدلالة الرمزية (الألوان – العض على اليدين – تقليب الكفين – التأوه ) 7- القرائن الدلالية ( لفظية – سياقية – حالية – مقامية ) المحاضرة الثانية مقدمة / المعنى اللغوي والاصطلاحي لمفهوم ( أسس التحليل اللغوي ) أولا : أسس التحليل الصوتي ، وفيه : التعريف بالصوت وعلاقته بالمعنى . مخارج الأصوات . علاقة اللفظ بالمعنى تشير الدراسات الحديثة إلى أنّ بعض الفلاسفة والمناطقة واللغويين في مختلف اللغات قد عالجوا فكرة العلاقة بين اللفظ ومدلوله ، فأسهب في دراستها فلاسفة اليونان، فآمن بها هيرقليطس، وافلاطون، ورفضها أرسطو، وحاول التوفيق بين الرأيين سقراط ( ). وقد حظيت هذه المسألة بأهمية بالغة عند العرب، وأول من تنبه إلى دلالة الصوت وظيفيًا ومعنويًا، هو أبو الأسود الدؤلي(ت69هـ) ( ) وأول مَن وضع الصوت اللغوي موضع التطبيق المنهجي، هو الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت175هـ )، إذ قال: " صرَّ الجندب صريرًا وصرْصرَ الأخطبُ صرصرةً، فكأنهم توهّموا في صوت الجندب مدًّا وتوهّموا في صوت الأخطب ترجيعًا "( )، وآمن بها سيبويه ( )، وتلقّفها بالقبول وخاض في دقائقها، ومنحها قيمتها الحقيقية ابن جني( ت392هـ)؛ فخصّها بأربعة أبوابٍ في كتابه (الخصائص): باب تلاقي المعاني على اختلاف الأصول والمباني، وباب الاشتقاق الأكبر، وباب تصاقُب الألفاظ لتصاقُب المعاني ، وباب إمساس الألفاظ أشباه المعاني( )، قال فيه:" فأمّا مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث فبابٌ عظيمٌ واسعٌ ونهجٌ مُتْلِئبٌ عند عارفيه مأمومٌ، وذلك أنهم كثيرًا ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبَّر بها عنها، فيعدّلونها بها ويحتذونها عليها "( ). وتبـع ابنَ جـني إلـى القول بـهذا ( ابنُ فــارس ( ت395هـ) ( )، والسيوطــي ( ) ) ( ). أمّا علماء البلاغة المتقدمون بدءًا من ابن سنان الخفاجي( ت466هـ)، وانتهاءً بالقزويني(ت739هـ)، والطيبي(ت 743هـ)، فقد بحثوا هذه العلاقة فيما اصطلحوا على تسميته بالفصاحة ( )، باستثناء عبد القاهر الجرجاني (ت471هـ)، إذ وقف موقفًا رافضًا لتلك العلاقة ( ). وأمّا الأصوليون فمنهم مَن ذهب إلى ما أيده ابن جني، كعباد الصّيمريّ(ت250هـ) ـ وهو من المعتزلة ـ إذ أقرّ بوجود علاقة بين اللفظ ومعناه ( ) ، وهناك إشارات عند الزمخشري (ت538هـ)( ) ، والرازي(ت606هـ) ( ) ، والبيضاوي(ت685هـ) ( ) ، وابن قيّم الجوزية(ت751هـ) ( ) ، يستشف منها موقف التأييد( ). وأمّا علماء اللغة العرب المحدثون، فقد تباينت آراؤهم بين مؤيد ومعارض ومحايد، تزعّم المؤيدين أحمد فارس الشدياق(ت1888م) ( )، وتزعّم المعارضين الدكتور تمّام حسّان( ) ، ومثّل المحايدين الدكتور إبراهيم أنيس، وغيرهم ( ). أمّا علماء اللغة الغربيون، فقد كانوا على قسمين: مؤيد، ومعارض، يمثّل الطرف الأول همبلت، ويمثّل الثاني، مدفيج، وغيرهم( ). ويرى بعض المحدثين أن للمعنى الإيحائي أهمية كبيرة ؛ إذ يعمل على استنباط الدلالة الكامنة في المفردة اللغوية لما تؤديه هذه الأخيرة من وظائف، بحيث يستشف قدرتها على الإيحاء بناءً على ما تتميز به من خصائص وصفات صوتية معينة ( ). ويرى الباحث أنّ العلاقة بين اللفظ ومدلوله علاقة ترابطية لكنها غير عامة ، فلا يمكن سحبها على الألفاظ كلِّها. وبعد هذا العرض الموجز ، أحاول أن أتلمّس هذه الدلالة في بعض ألفاظ آيات النهي غير الصريح ، محاولا الكشف عن سرّ إيثار لفظ معين على آخر ، لا سيما " أن لغة القرآن مراعى فيها الدقة المتناهية في المبنى متقابلة بالدقة المتناهية مع المعاني في عمقها ووضوحها وتكاملها وتأثيرها في النفس والفكر والوجدان " ( ) ، وبهذا الصدد يقول الجاحظ (ت255 هـ) : " ألا ترى أن الله تبارك وتعالى لم يذكر في القرآن الجوع إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدقع والعجز الظاهر. والناس لا يذكرون السغب ويذكرون الجوع في حالة القدرة والسلامة . وكذلك ذكر المطر؛ لأنك لا تجد القرآن يلفظ به إلا في موضع الانتقام، والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وبين ذكر الغيث " ( ) . المحاضرة الثالثة ظواهر صوتية ( المماثلة – المخالفة – المعاقبة – الإمالة ) تكرار الصوت . دلالة التكرار والتقابل والتوازي أنطوت آيات العدد في القرآن الكريم على ظواهر تتمثل بـ(التكرار والتقابـل والتوازي) إذ شكلت بدلالاتها الأسلوبية العميقة خصائص بارزة ميزت هذهِ الآيات وكشفت لنا عن أسرار جمالية متفردة . فالتكرار أسلوب بلاغي قديم ، وخاصية لغويـة ، يُعرف بأنه إعادة الألفاظ والصيغ نفسها في السياق لغرض خلق معانٍ ودلالات جديدة من مثل تأكيد الوصف أوالمدح أو الندم أو التهويل أو الوعيد (1)، ويعدُ من أبرز الأسس الأسلوبيـة التي من شأنها تكثيف الدلالـة في النص ، إذ (( يعمل على إنتاج فوائـد جديدة داخل كيان العمل الفني ))(2) مـن خلال وظيفته المزدوجة التي تجمع بين الوظيفـة الفنية والنفسية، فضلاً عن وظيفته الصوتية الناجمة من تكرار أصوات اللفظة (3). لأنه ((أساس أسلوبي يرتبط بالدلالة النصية ، يعمل على تجميع العناصر والوحدات الدالة في شبكة متماثلة ))(4) وبالتالي يعطينا تصوراً عن هيمنة المكررّ، وقيمته(5). كما أن التكرار يخضع لقوانين تبسط سيطرتها على العبارة ، مثل (التوازن) الذي يوجد نوعٌ منه علناً أو خفاء في كل عبارة طبيعية لذلك ينبغي مراعاته والمحافظة عليه في الحالات كلها (6). أما في القرآن الكريم فقد جاء التكرار لـ((يخدم غرضاً أصيلاً من أغراض الدعوة وهو تثبيت القلوب على الحق،وإقامتها على الشريعة التي تحملها تلك الدعوة 000 ______________________ (1) ينظر تحرير التحبير: 375، والفاصلة في القرآن : 279،وعلم الأسلوب وصلته بعلم اللغة ، صلاح فضل ـ مجلة فصول،1984،العدد الأول (خاص بالأسلوبية ) :57 (2) القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية:183 (3) ينظر البنيات الأسلوبية في لغة الشعر الحديث : 172، والسور المدنية (دراسة بلاغية وأسلوبية):88، والشمس ودلالتها في شعر المتنبي ، سهام الفريح ـ مجلة الضاد (ج4) ، 1990: 120 (4) اللغة الشعرية ـ دراسة في شعر حميد سعيد :123 (5) ينظر الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي :67 (6) ينظر الحركة الشعرية في فلسطين المحتلة : 338 الفصل الثاني ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فالتكرار من شأنه أن يعمق جذور الفكرة التي تحملها العبارة المكررة ، ويمكن لها في كيان الانسان ، ويقيم منها خاطراً مُلماً يتردد في صدرهِ ويهمس في ضميرهِ))(1) وقد ورد التكرار في آيات العدد في القرآن الكريم لحاجتها اليه ولا سيما في تعظيم الامور المهمة وإبراز العناية بها دون مبالغة تفقدها مكانتها وأهميتها (2). قال تعالـى : ?إنيَّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَر كَوكَباً والشَّمسَ والقَمَر رَأيْتُهُم لي سَاجِدينَ ? (يوسف:4)،فقد تكرر الفعل (رأى) ـ هنا ـ وذلك لأنه مروي في صيغة الايضاح المؤكدة ، فالأول يدلُ على أنه شاهد الكواكب والشمس والقمر ، والثاني ليدل على مشاهدة كونها ساجدة لَهُ،(3)وبذا فقد حقق التكرار فائدة التطرية والجدة وذلك عندما أدى الفعل المكرر دلالة جديدة (4). ونجد ـأيضاًـ التكرار في العدد (سبع) في سورة يوسف وقد أرتبط تكراره بالآية السابقة ومن ثم بالمعنى العام حيث تمثل بداية قصة يوسف (?)،ولأن ((اللفظ المكرر ينبغي أن يكون وثيق الارتباط بالمعنى العام وإلا كان لفظية متكلفة لاسبيل الى قبولها ))(5). قال تعالى : ?وَقَالَ المَلكُ إنّي أَرى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يأكُلُهنَّ سَبعٌ عِجاف وسَبْــعَ سُنْبُلاتٍ خُضروأُخَر يَابِسَاتٍ يَا أَيُها المَلأ أفْتُونِي في رُءيَايَ إنْ كُنْتُم للرُّوءيَاتُعَبِروُن ?(يوسف:43) لما كانت رؤية الكواكب أصل بلاء يوسف (?) ، وذلك لأن أخوته لما سمعوا هذهِ الرؤيا كادوا لَهُ وألقوه في الجب،جاء لفظ الرؤيا مكرراً بصيغة(أرىـرُءياي) مع تكرار العدد (سبع) بدلالته العميقة (6) في معرض الحديث عن نجاته من بلائهِ الثاني الذي لولا الأول لمـا كان الثاني وذلك عندما كادت له إمرأة العزيز ودخل _____________________ (1) إعجاز القرآن في دراسة كاشفة عن خصائص البلاغة العربية : 392 (2) ينظر بيان إعجاز القرآن ، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن :48 (3) ينظر التفسير الكبير : 18/88ـ 89، وفي ظلال القرآن : 12/695 (4) ينظر الفاصلة في القرآن : 279 (5) قضايا الشعر المعاصر : 231 (6) ينظر أسرار التكرار في القرآن الكريم : 132، والزمن عند الشعراء العرب قبل الاسلام : 50ـ 53
الفصل الثاني ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السجن ، وقد دنا فرجه (?) برؤية الملك لهذهِ الرؤيا . فالتكرار ـ هنا ـ عمق المعنى وكشف عن ترابط النصوص وتكامل القصة معنوياً ودلالياً . أما التقابل ، فهي ظاهرة دلالية بارزة تعني : (( وجود لفظتين تحمل كل منهما عكس المعنـى الذي تحمله الاخرى ، مثل : الخير والشر والنور والظلمة ، والحب والكراهية والكبير والصغير وفوق وتحت ويأخذ ويعطي 000الخ)) (1) وقد عَرَّفهُ البلاغيون بأسم (المقابلة) فوضعه بعضهم مرادفاً للتضاد وجعلَه آخرون من أقسام الطباق (2)، ويعرف ابن رشيق المقابلة بأنها: ((مواجهة اللفظ بما يستحقه في الحكم ،وأصلها ترتيب الكلام على ما يجب فيعطي أول الكلام ما يليق بهِ أولاً ، وأخره ما يليـق بهِ أخراً ، ويأتي في الموافـق بما يوافقـه ، وفي المخالف بمـا يخالفه))(3). إن دراسة التقابل دلالياً ((تكشف عن طبيعة العلاقة بين الألفاظ المتقابلة في محاولة لتفسيرها وإيجاد سماتها المختلفة وما تختزنه من قيم دلالية ))(4) ويمكن الاستدلال على التقابل في صورتين : الاولى ـ التقابل اللغوي الناشىء من التضاد بين الالفاظ .والثانية ـ التقابل السياقي الذي يخلق من المعنى ويؤدي الدور الدلالي للتضاد نفسه(5) وعليه فإن هذهِ الظاهرة بنيت على علاقات صوتيـة واخرى دلاليـة ولذلك فهي مُحَسن لفظي ومعنوي في آنٍ معاً، شأنها في هذا شأن الظاهرة السابقة (التكرار)(6). _____________________ (1) ظاهرة التقابل في علم الدلالة ، أحمد نصيف الجنابي ـ مجلة كلية الاداب /الجامعة المستنصرية ، العدد 10، 1984: 15 (2) ينظر الصناعتين : 337 ، ومفتاح العلوم : 660، ومعجم المصطلحات البلاغية وتطورها : 2/252 (3) العمدة في محاسن الشعر وأدابه : 2/15، وعلم البديع : 75ـ 76 (4) ظاهرة التقابل الدلالي في اللغة العربية ، رسالة ماجستير : 53 (5) ينظر التكرار النمطي في قصيدة المديح عند حافظ (دراسة أسلوبية ) ، محمد عبد المطلب ـ مجلة فصول ( شوقي وحافظ) ، العدد الثاني ـ 1983: 54 (6) ينظر البلاغة العربية (البيان والبديع) : 187
الفصل الثاني ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن أمثلة التقابل في آيات العدد ما نجده في قوله تعالى :?وَإذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ آشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الذَّينَ لا يُؤْمِنُـونَ بالآخِـرَةِ وإذَا ذُكِرَ الذَّيـن مِنْ دُونـهِ إذا هُمْ يَسْتَبْشِـرُونَ ? (الزمر:45). فقد عبرَ بأسلوب التقابل بين لفظتي((أشمأزت)) والسرور في(( يستبشرون ))عن جهل الكفار والمشركين وضلالهم،كما يستشف التقابل السياقي بين قولهِ ((إذا ذُكِرَ الله وحده))وقوله((وإذا ذُكِرَ الذين من دونهِ)) الذي يقصد بهِ الاصنام والآوثان(1). وهو تقابل بين جملتين إذ إن إستخدام هذا الاسلوب((يعطي دلالات أوضح ويكون ذا أثر بالغ في إيصال المعنى ليقر حقيقة ويرسم منهجاً يكون قاطعاً في حجته))(2) بذا فقد ترسخ المعنى في الذهن وهو تصوير مدى كفر المشركين وجهلهم. ويأتي (التوازي) مفهوماً جديداً عُرِف في الدراسات الاسلوبية والدلالية والصوتية الحديثة ويُعرف بأنه((تنمية لنواة معنوية سلبياً أو إيجابياً بأركام قسري،أوأختياري لعناصر صوتية ، ومعجمية ، وتركيبية ، ومعنوية ، وتداولية ضماناً لانسجـام الرسالة))(3). ويعرف ـ أيضاً ـ : ((هوالأخذ(في الاعتبار) سلسلتين متوالتين أو أكثر، لنفس النظام الصرفي ـ النحوي المصاحب بتكرارات أو بأختلافات إيقاعية وصوتية ومعجمية ـ دلالية ))(4). ويكون على هذا الجامع المشترك بين هذهِ الظواهر هو إشتراكها بسماتٍ دلالية وصوتية ، وهو ما يُسمى بـ ( تفاعل الصوت والدلالـة) الذي شغل البلاغيين القدماء ووقفوا عندها تحت اسم ( الموازنات البلاغية )(5). ____________________ (1) ينظر صفوة التفاسير : 83-90 (2) ظاهرة التقابل الدلالي في اللغة العربية : 84 (3) تحليل الخطاب الشعري (استراتيجية التناص) ، محمد مفتاح : 25 (4) اللغة الشعرية ـ دراسة في شعر حميد سعيد : 117 (5) ينظر تحليل الخطاب الشعري ـ البنية الصوتية في الشعر ، محمد العمري : 227
الفصل الثاني ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذهِ الميزة الاسلوبية المهمة سوغت جمع هذهِ الظواهـر ( التكرار ـ التقابل ـ التوازي) في مبحثٍ واحد ، مما يبرز عمق العلاقة والترابط بينها لإفراز التماثل داخل النصوص ، فضلاً عما نجده من تداخل بينها لدرجة ان بعض صور أنماط التكرار تثيرنا بما فيها من توازٍ واضح لإفراز التماثل داخل النصوص مما يساعد على المقارنة بين الدلالات وتمييزها، كما أن التوازي ـ في الأغلب ـ قائم على التقابل الدلالي المرتكز على التكرار(1) وفي آيات العدد نجد الكثير من أمثلة التوازيات القائمة على التقابـل الدلالي ذات الألفاظ المكررة. منه قوله تعالى: ? قَالُوا رَبَّنا أَمتَّنَا أثْنَتَيْنِ وَأحْيَيْتَنَا أثْنَتَييْنِ فَأعتَرفْنَا بِذنُوبِنَا فَهَلْ الى خُرُوجٍ مِنْ سَبيلٍ ?(المؤمن :11). نجد في هذه الأية الكريمة دلالة هذه الظواهر بصورة مكثفة،فتكرار العدد((أثنين)) مع المقابلة الرائعة بين الفعلين (( أحييتنا )) و(( أمتنا )) لتعميـق المراد منهما ، فالأماتتين يُقصد بهما الخلق أمواتاً والثانية الموت عند إنقضاء الآجل،أماالأحيائتان فيقصد بهما الأحياءة الأولى، وإحياءة البعث بعد الموت(2)،معبراً بذلك عن تجسيم صورة العذاب وشدته وهوله على الكفار مما جعلهم يتمنون الخروج منه ، فضلاً عن أن تكرار العدد وتقابل (الحياة والموت ) تأكيد على تلازمهما وترابطهما أبداً مما أحدث نوعاً مـن التوازي المتماثل تركيبياً لأنسجـام النص من خلال وصل الجملتين وبالشكل التالي :ـ (( أمتنا أثنتين )) و (( أحييتنا أثنتين )) فعل + الفاعل ضمير مستتر (أنت) + (نا) مفعول به + العدد (مفعول مطلق) / فعل + الفاعل ضمير مستتر (أنت) + (نا) مفعول به + العدد (مفعول مطلق) __________________ (1) ينظر اللغة الشعرية ـ دراسة في شعر حميد سعيد :116 (2) ينظر الكشاف :3/158
الفصل الثاني ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهذا التوازي بدورهِ أسهم في تكثيف دلالة النص،إذ إن((الجمع بين التضاد من جهة ، والانتظام في نسقٍ واحدٍ ضماناً لانسجام النص من جهة أُخرى ، فضلاً عما أضفاه التكرار من ظلال جمالية أفاد التغاير لتضاد النسقيـن المكرريـن في دلالتهما ))(1) وقد يتحقق التوازي بتكرار البنى في أسلوب الشرط ، وذلك في قولـه تعالى: ? مَنْ جـَـاءَ بالَحسنَـةِ فَلـَـهُ عَشـرُ أمْثَالِهَــا وَمَنْ جـَـاء بالسَّيئـةِ فَلا يُجزى إلاَّ مِثْلَهَــا وَهُمْ لا يُظلَمــوُن ? (الانعام :160). فعلى الرغـم من التوازي الناجم من تكرار أسلوب الشرط من خلال الاداة ((من)) والفعل ((جاء)) وبالتالي الصيغة كاملـة ، نلمس التقابل الدلالي الواضح بين لفظي ((الحسنة)) و((السيئة))والذي يثير إحساسـاً بجدية الحياة وضرورة العمل الدؤوب فيها لجني الحسنات وترك السيئات،حيث يجزى كل انسـان حسب عمله وفق مبدأ الثواب والعقاب وهو تعبير دقيق عن عدالة الحق سبحانـه وتعالى وفضله وكرمه على عبادهِ في كل حينٍ وآوان حيث جعل لمن جاء بالحسنةِ عشـر أمثالها ، ومن جاء بالسيئةِ فيجزى مثلها ، دون أن يظلم أحداً من خلقـهِ . فمجيء هذهِ الالفاظ المتقابلـة ((معززة بأسلوب الشرط يمنح الكلام تأثيراً عميقاً يجعل المستمـع في حالة إستيعاب كامـل لمغزى وحقيقة الكلام مدركـاً أبعاد الاختيار بين القضيتين المتقابلتين ))(2) ويؤكد هذا المعنى تكرار الفعل ((جاء)) الذي حقق دلالتين متناقضتين فالاول دلَ على الترغيب في فعل الخير من خلال ثوابه بعشر منه ، أما الثاني فقد دلَ على الترهيب من أجل الابتعاد عن العمل السيء وذلك لأنه سيعاقب بمثله، وأقترن كل ذلك بالتوازي الذي أختلفت بنيته في النهاية لتتوافق مع الاية ودلالتهـا فجاءت صيغة الاثبات مقترنة بالحسنة،وجاءت صيغة النفي مقترنة بالسيئة ثم أن الحسنة دلت على أضعاف كثيرة وصلت الى العشرة، في حين نجد أن السيئة بقيت على حالها. ____________________ (1) سورة الكهف (دراسة أسلوبية ) :151 (2) ظاهرة التقابل الدلالي في اللغة العربية : 84 الفصل الثاني ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ اسـم الشرط + فعـل الشرط + فاء واقعة في جواب الشرط + جواب الشرط ـ اسـم الشرط + فعـل الشرط + فاء واقعة في جواب الشرط + جواب الشرط ويرجع ذلك الى ان التوازي المعتمد على التقابل يضم عناصر دلالية قائمة على الموافقة والمخالفة مع مراعاة الموقع في التقديم والتأخير (1). وكذلك الحال في الآيتين التاليتين :. قال تعالى:?إنْ يَكُنْ مِنْكُم عِشْروُنَ صَابِروُنِ يَغْلِبُوامِائَتَيْنِ وأن يَكُنْ مِنْكُم مِائَة يَغْلِبُوا أَلْفَاً مِنَ الذَّينَ كَفَروُا بأنَّهُم قَومٌ لاَ يفقَهُون ? (الانفال:65) وقولـه تعالى :?فإن يَكُن مِنكم مائَة صابرةٌ يغلبوا مائتين وإن يَكُنْ مِنكُم ألفٌ يغلبوا أَلفين بإذن الله واللهُ مَع الصَابرِينْ ?(الانفال :66) فهذهِ بشارَةٌ من الله سُبحانَـهُ وتعالى للفئـة الصابرة من المؤمنين بالغلبة والنصر على أعدائهم لصبرهم وثباتهم الذي يدل على قوة إيمانهـم بالله تعالى، معبراً عن ذلك بأسلوب دقيق وفنية عالية من خلال توالي التكرارات ولاسيما صيغة الشرط (إن يكن منكم) ليؤكد على ملازمـة هذا الشرط للنصر بحيث بدت هاتان الايتان وكأنهما آية واحدة ، إذ يعـد((التكرار من الاسس التي تعمل على تكثيف التماثل في النص))(2) والتماثل المكثف حقق نوعـاً من التوازي الذي أتكأ بدورهِ علـى التقابل السياقي حيث (قوة المسلمين مع قلة عددهم ) يُقابله( ضعف المشركين مع كثرة عددهم) وقـد أتحدت الظاهرتان لتفصحا عن معنـى واحد ويتمثـل بقوة الايمان وشدة التقوى والقرب من الله سبحانـه وتعالى ويوضح الزمخشري ذلك بقولـه: (( فإن قلت : لم كرر المعنى الواحد وهو مقاومة الجماعة لأكثر منهـا مرتين قبل التخفيف وبعده؟ _____________________ (1) ينظر الموازنات الصوتية في الرؤية البلاغية: 12 (2) اللغة الشعرية ـ دراسة في شعر حميد سعيد: 122
الفصل الثاني ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: للدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة لا تتفاوت ، لأن الحال قد تتفاوت بين مقاومة العشرين المائتين والمائة الالف،وكذلك بين مقاومة المائة المائتين والألف الألفين))(1)،فالتقابل ـ هناـ لم يتحقق من خلال الالفاظ فقط وإنما من خلال الصورة وهو التقابل بين حالتي النصر والهزيمة . وقد يكون التوازي قائماً على تكرار الجمل مع فارق يخص الاثبات والنفي وهذا ما يُسمى بـ( طباق السلب) . قال تعالى:?وقَالَ يَا بنَيَّ لا تَدْخِلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وأدْخلوُا مِنْ أبَوابٍ مُتَفرِقَةٍ ? (يوسف:67). فقد ذكـر الفعل (( لا تدخلوا )) منفياً ثم أعادَهُ مثبتاً (( أدخلوا)) ونلاحظ بالمقابل قد تواشج هذا التكرار مع التقابل المعنوي الناجم عن سياق النص((واحد)) و((متفرقة)) مؤدياً بذلك الى التوازي التركيبي والدلالي مـن خلال وقوع هاتين اللفظتين صفـة لـ ( باب وأبواب) بصيغتي المفرد والجمع. وعلى النحو الآتي : ـ لا ناهية+ فعل مضارع وفاعل ضميرمتصل+ جار ومجرور+ صفة ـ فعل أمـر وفاعل ضمير متصل + جار ومجرور + صفة أدت هذه البنية المكررة مع ألفاظهـا الى زيادة اللفظ والمعنى وبالتالي أسهمت في تمكين المعنى في النفس وترسيخه(2) ، والمتمثل بشـدة خوف الأب على أبنائهِ من الحسد . ومن ذلك ـ أيضاً ـ قوله تعالى: ? لا تَدْعُوا اليَومَ ثُبُوراً وَاحِدَاً وآدْعُوا ثُبُورَاً كَثْيراً ? (الفرقان :14) فالتقابل والتوازي متلازمان في هذهِ الآية الكريمة بين البنيتين في قولهِ (( لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً )) (( وادْعُوا ثبوراً كثيراً )) فالثبور موصوف في المرة الأولى بأنه (واحد) يقابله في المرة الثانية بوصفهِ (كثيراً) ، وتكرار ((ثبوراً)) مرتين ـ ______________________ (1) الكشاف :2/223 (2) ينظر صفوة التفاسير : 2/60
الفصل الثاني ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والذي يعني ((الويل أو الهلاك))(1) ـ للتأكيد على التهويل والتفظيع ، ويبدو أن هذهِ الظواهر الثلاثـة تضافرت ـ هنا ـ لتسهـم في تكثيف الدلالة وإدامة فعلها ولعـل الرجوع الى الآية يؤكد ذلك إذ يقول أبو السعود مفسراً إياها: (( أن عذابهم الملجـئ لهم الى استدعاء الهلاك بالمرة أبدي لا خلاص لهم منـه )) (2). وقد جاءت دلالاتها قوية ومؤثرة لأنها تلقي في النفس الشعور بالخوف والرهبة من خلال حركة لألفاظ المتقابلة فيها وقـد يظهر التوازي المعتمد على التقابل الدلالي مع مصاحبة التكرار علىالرغم من وجود الفاصل بين التركيبتين،قال تعالى:?يَا أيُّهَا الذَّينَ أمَنُوا لِيَسْتَأذنَكُمْ الذَّيــن مَلَكَتْ أيْمَانــَكُم والذَّينَ لمَ يَبْلِغُوا الُحــلُم مِنْكُم ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبــْل صَلاة الفَجْر وَحيْــنَ تَضَعــُونَ ثِيَابَكُم مِــنَ الظَهيرةِ وَمِــنْ بَعْدِ صَلاةِ العَشــَاءِ ثــَلاثُ عــَورَاتٍ لَكُـم لَيــْسَ عَلَيْكُم ولاَ عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدهُــنَّ طَوافُونَ عَلَيْكُم بُعْضُكم عَلــَى بَعـــْضٍ كَذَلِكَ يُبَينُ الله لَكُم الايَاتِ واللهُ عَليمٌ حَكيمٌ?(النـور:58) ، ورد التكرار فـي العدد ((ثلاث)) ، أما التقابل فيظهر في الظرفين (( قبـل )) و (( بعـد )) وكذلك بيـن (( الفجـر )) و (( العشاء )) حيث الأول بداية النهار والثاني نهايتـه، وهذا التقابل هو موقع التغاير للتوازي في التقديم والتأخير بهذا الشكل : (( منكم ثلاث مراتٍ من قبل صلاة الفجـر )) ... (( من بعد صلاة العشـاء ثلاث عورات لكـم )) فـ (ثلاث) الثانية أُعربت (( بالنصب على البدل من قوله ( ثلاث مرات ) وكأنـه قـال في أوقاتٍ ثلاث عورات لكـم ، فلمـا حذف المضاف أعرب المضاف اليـه بإعرابه ))(3) ______________________ (1) جامع البيان عن تفسير آي القرآن : 18/188 (2) إرشاد العقل السليم :6/206 (3) التفسير الكبير :24/31
الفصل الثاني ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقد فُصل بين الجملتين بقوله (( حين تضعون ثيابكم )) لأنه تفصيل لما أُجمل قبله في قوله ((ثلاث عورات )) ، والمراد منـه : أن يستأذن العبيـد والأطفال الذين لم يحتلموا من الأحرار ثلاث مرات وهي أوقات الأنكشاف(1) . ومما نجد في هذه الظواهر مجتمعة أنها تضافرت لتؤدي وظيفة أسلوبية صوتية ودلالية معاً،قوله تعالى :?يوصيكم اللهُ في أولادكم للذَّكر مثلُ حظ الأنثيين فإن كُــنَّ نساء فوق أثنتين فلهن ثُلثا ما ترك وإن كانت واحدةً فلها النصف ولأبويهِ لكِلُ واحداً منهما السُدس مِمـاَ تركَ إن كـان لَهُ وَلَـدٌ فإن لَم يَكُن لَهُ ولَدٌ وَوَرثَهُ أَبَوَاهُ فَلأِمــهِ الثُلثُ فإن كانَ لَهُ إخوَةٍ فلأُمـهِ السُدسُ مِـنْ بعدوَصيةٍ يوُصى بهاأودين أباؤكمُ لاتدرون أيهُم أقربُ لكم نفعاً فريضَـةً مـِن اللهِ إن الله كان عليمً حكيمـاً ? (النساء:11) ، فالتوازي حاصل بين بنية الجملتين في قوله ((فإن كُنَ نِساءً فوق أثنتين)) وقولهِ((وإن كانت وَاحدةً )) إذا ماراعينا الزيادة أو الحذف والتقابل الدلالي ظهر جلياً بين ( الذكر) و(الانثى) وبين(( أباؤكم و أبناؤكم )) ، أما التكرار فقد كان على مدارالآية سواء ما كان خاصاً بتكرار الألفاظ مثل لفظ الجلالة ( الله) أو (ولد) أو (الأم والأب) ، أوماجاء على تكرار جزء من جملة( وإن كان) وحتى تكرار الحروف ،إذ توالت ( الثاءات والنونات ...الخ ) ، وبذا فقد (( أحدث بتكرار الحروف الأيقاع ، وولد بالتقابل تغايراً بالمعنى ،وبذلك يتحقق مقصد الأسلوبيـة الصوتيـة في السلسلة الكلامية وأستخداماتها لغايات أسلوبية ))(2) . ومن التوازي ماكان قائماً على( الترصيع المعنوي ) ، نجد ذلك في قوله تعالى : ?إنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِر إحَداهُمَاالأُخرَى? (البقرة:282). فتكرار لفظة (( إحداهما)) الناجم من تقابـل ((تضل)) و ((تذكر))
_____________________ (1) ينظر الكشاف : 3/257ـ258 ، والتفسير الكبير : 24/31 (2) الأسلوبية الصوتية في النظرية والتطبيق ، ماهر مهدي هلال ، مجلة آفاق عربية ، العدد 12، 1992: 75
الفصل الثاني ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ لأن الضلال هنا جاء بمعنى النسيان(1)ـ وذلك (( لتعادل الكلم وتوازن الالفاظ في التركيـب وهو المعنى في الترصيع البديعـي بل هذا أبلـغ من الترصيع ، فإن الترصيع توازن الالفاظ من حيث صيغها ، وهذا من حيث تركيبها ، فكأنـه ترصيع معنوي وقلما يوجد إلا في نادر من الكلام ))(2). وإنما حَسُن في (احداهما) الثانية إيقاع الظاهر موقع المضمر لإطالة الكلام بسبب تضمن الآية لقسمين : قسم الضلال وقسم التذكير ، فلإحداث التوازي التركيبي ـ لتقابـل المعنيين ـ أُسند الى مثل ما أسند اليـه الاول لفظاً ومعنى ، ولذلك قـدم (( إحداهما )) على ((الاخرى))(3). وكذلك الحال في قولهِ تعالى : ??هُوَ الذَّي خَلقَ السَّمَواتِ والارْضِ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَ أسْتَوى عَلَى العَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِـــجُ في الأرْضِ وَمَا يخْرُجُ مِنْهَــا وَمَا يَنزلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْــرُجُ فِيهَـا وَهُــوَ مَعَكُم أيْنَ مَا كنُتم واللهُ بَما تَعْمَلُون بَصيرٌ ?(الحديد:4). فقد أجتمعت ظاهرتا التكرار والتقابل بأسلوبٍ رائع وتعبير فني دقيق والتي تكمن في تكرار لفظة ((الارض)) و((السماء)). أما التقابل اللطيف بين ((يعلم ما يلج في الارض وما يخرج منها)) وبين (( ما ينزل من السماء وما يعرج فيها )) فقد أفضى الى التوازي التركيبي ليؤدي وظيفة أسلوبية في تأكيـد الدلالة على كمال قدرتـه وحكمتـه سبحانه وتعالى في خلق السماوات والارض وسعـة علمه بكل ما أحاط بهما (4)
_____________________ (1) ينظر صفوة التفاسير : 1/179 (2) البرهان في علوم القرآن : 2/496 (3) ينظر البرهان في علوم القرآن : 2/497،والمعاني الثانية في الأسلوب القرآني :348 (4) ينظر صفوة التفاسير : 3/320
الفصل الثاني ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقد تجتمع ظاهرتان من هذهِ الظواهر دون الثالثة في آية واحدة كما في قولهِ تعالى : ?أَلـــم تــرَ الى الذَّين خَرَجُــوا مِنْ ديَارِهِمْ وَهُم أُلُوفٌ حَذرَ الموتِ فَقَال لَهُم الله موتُــوا ثُمَ أَحْيَاهُمْ إنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاس ولَكنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُون ? (البقرة :243) فقد تكرر لفـظ الجلالة ((الله)) ولفظـة ((الناس )) لبيان فضله سبحانه وتعالى على الناس في كل الأمور ، وهذا المعنى أفضى الى التقابـل المتضاد بيـن ((موتوا)) و ((أحياهم ))، وذلك (( للدلالة على أنهم ماتوا ميتـة رجل واحد بأمر الله ومشيئتـه، وتلك ميتـة خارجة عـن العادة كأنهم أُمروا بشيء فأمتثلـوا إمتثالاً من غيـر إباء ولاتوقف ))(1) ، وذلك عقاباً لهم ـ ليس لأنهم ماتوا فالموت ليس عقاباً ولكن الموت غير العادي الذي به نوع من الفظاعة والعذاب ذاك هو عقابهم ـ وذلك عندما هربوا من الجهاد خوفاً من الموت، وفي قولـه ((ثم أحياهم )) إيضاح فضله عليهـم وهي نعمة الحياة بعد الموت(2). وقد يلتقي التكرار مع التوازي بتقنية أسلوبية محققة أهداف دلالية وصوتية معاً، من ذلك قولـه تعالى : ?سَيَقُولُونَ ثَلاثـَـةٌ رَابِعُهُم كَلْبُهُم وَيَقُولُونَ خمسَةٌ سَادِسُهُم كَلْبُهُم رَجمَاً بالغَيْـبِ وَيَقُولوُنَ سَبْعَــةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبهُم قُـلْ رَبي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَايَعْلَمُهُم إلاَّ قَلَيلٌ فَلا تُمَار فِيهِم إلامِرَاءً ظَاهِراً ولاَتَسْتَفْتِ فيهِمْ مِنْهُم أحَداً? (الكهف : 22) . ان التوازي ـ هنا ـ نشأ بفعل تكرار الصيغة العددية بحيث أمكن إطلاق تسميـة ( تكرار التدرج العددي )على هذا النوع من التكرار ، لأن بنيتـي التوازي كانـت مكررة بصورة ثابتـة مـن خلال أستمرار تكرار صيغـة القول ( سيقولون ... ، ويقولون... ، ويقولون?) والملاحظ أن فعـل القول تكرر ثلاث مرات بالمقابل فقـد تكررت لفظة (كلبهم) ثلاث مرات أيضاً ، ، أما بؤرة التغاير الذي سوغ هذه التسمية (التدرج العددي) فقـد كان في الزيادة الحاصلة في العدد تدريجياً(3) ، _____________________ (1) الكشاف :1/318 (2) ينظر صفوة التفاسير :1/156 (3) ينظر سورة الكهف (دراسة أسلوبية ):166 الفصل الثاني ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ففي الأولى ثلاثة ورابعهم الكلب وفي الثانية خمسة وسادسهم الكلب حتى وصل الى القول الثالث (سبعة وثامنهم كلبهم ) ليوقف متوالية التكرار إثباتاً على أنه القول الصحيح ـ في الأغلب ـ الذي صدر من المسلمين إستناداً الى كلام الرسول محمد (? ) ،والدليل على ذلك أنه دحض القولين الأولين بوصفهم ((رجماً بالغيب )) ، وبخلافه فقد ذكر عقيب القول الثالث قوله سبحانه وتعالى : ((ما يعلمهم الاقليل ))(1) ومما يبدو شبيهاً بما سبق قوله تعالى : ?وَوصَّيْنَا الأنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إحْسَاناً حَملَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَاً ووَضَعَتْهُ كُرْهَاً وحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرَاً حَتّى إِذَا بَلَغ أَشُدُّه وبَلغَ أَرْبَعينَ سنَةً قَالَ رَّب أوزعْنِي أَنْ أشْكُرَ نِعْمَتكَ التي أنعَمتَ عَليَّ وَعَلى وَالديَّ وَأنْ أَعْمَلَ صَالِحَاً تَرْضَاه وأصْلِحْ لي في ذُرّيتَّي إنّي تُبْتُ الَيْكَ وإنّي مِنَ الُمسْلمِينَ ? (الأحقاف :15) . فقد تلاحم التوازي وتكرار الصيغة في الجملتين((حملته أُمه كرهاً ووضعته كرهاً )) للتأكيد على الوعظ والأرشاد في حث العباد على الأحسان للوالدين والطاعة التامة لهما أمراً جازماً ومؤكداً ، ثم أعاد لفظة ((كرهاً)) للتأكيد على عمق المشقة والعناء الذي تتحمله الأم في الحمل والوضع ، حيث ذكر الخاص بعد العام ، فبعد أن قال ووصينا الأنسان بوالديه )) قال ((حملته أمه كرهاً )) وهذا هو الأبلغ لتحقيق الفائدة المتوخاة من هذا القول لتعزيز المعنى في ((زيادة العناية والأهتمام بشأن الأم لحقها العظيم ))(2). وقد تأتي الظاهرتان السابقتان (التكرار والتوازي ) لتجسيم صورة يوم القيامة وأهوالها . قال تعالى : ?فإذا نُفِخ في الصُّورِ نفخَة وَاحِدَةٌ ? وحُمِلَتْ الأرضُ والجبَالُ فَدكتَّادكَّةً وَاحِدَةً ? (الحاقة :13ـ 14) . ____________________ (1) ينظر الكشاف :2/667 (2) صفوة التفاسير : 3/202
الفصل الثاني ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فالتوازي المعنوي في الصيغتين (( نفخ في الصور نفخة واحدة )) و(( فدكتا دكة واحدة)) يظهر جلياً حينما نأخذ بنظر الأعتبار التقديم والتأخير في الصيغة الأولى بـ (نفخ نفخة واحدة في الصور ) ففضلاً عن أهميتهِ فقد جاء التقديم والتأخير لرعاية الفاصلة مما أضاف جمالية أخرى للنص في إداء الوظيفة الصوتية . أما تكرار العدد (( واحدة )) فقد كان للتأكيد على أن النفخة التي يحدث عندها خراب العالم هي واحدة مُزيلاً بذلك التوهم عن تعددها(1). مما سبق نلاحظ الهيمنة الأسلوبية لظاهرة التكرار في آيات العدد حيث رافقت الظاهرتين الآخريين (التقابل والتوازي ) على مدار الأمثلة السابقة ،وذلك لقيمته الأسلوبية وفلسفته الجمالية التي تكشف عن الدلالات الخفية لهذه النصوص وإبراز معانيها ، إذ (( إن للتكرار خفةً وجمالاً لايخفيان ، ولايغفل أثرهما في النفس ))(2). ومن صور التكرار الذي يفيض بالأحساس والشعور النفسي مايعمق المعنى الذي أكتسبه السياق من تكرار لفظة (ليلة) في قوله تعالى : ? ووَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثيَن ليَلةً وَأتَمْمنَاها بعَشر ٍ فَتمَّ مِيقَاتُ رَبّهِ أرْبَعين لَيْلةً وَقَال مُوسَى لأخيهِ هَارُون آخْلفِنِي في قَوْمِي وأصْلِح ولاتَتبِع سَبيلَ الُمفْسدينَ ? (الأعراف:142) . لما أُرسل موسى (?) الى قومه ليخلصهم من الوثنية وعبادة الأصنام ويدعوهم الى عبادة الله وحده كان لابد له من مدة إعداد يتلقى فيها تعاليم الدين العظيم والرسالة السمحاء ، فكانت هذه المواعدة بهذا القدر من الليالي إعداداً لموسى كي يتهيأ للموقف الهائل العظيم.(3) لذلك خص الليالي دون الأيام فكرر لفظة (( الليلة )) التي ترسم لنا صورة حسية عن عتمة الليل وسكونه وما ينشأ جراء ذلك من شعور نفسي حيث الهدوء والسكينة والراحة من عناء النهار ______________________ (1) ينظر الكشاف :4/605 (2) ظواهر أسلوبية في الشعر الحديث في اليمن :256 (3) ينظر في ظلال القرآن : 3/631
الفصل الثاني ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهذا مناسب للأعتكاف والعبادة والأنعزال عن شواغل الحياة والأختلاط بالناس حتى يستطيع تلقي مبادىء الدعوة لحمل رسالة التوحيـد . ومهما يكن من أمـر فإن الفاعلية الأسلوبية لهذه الظواهر برزت من خلال دراستها مجتمعة ـ بخلاف المألوف ـ لغرض تكثيـف الدلالة وخلق معان جديدة على غير العادة ، إذ إن ((رصـد هذه الظواهر في العمل اللغوي لايعتبـر في ميدان الدرس الأسلوبي إلا إذا حملت هذه الظواهر دلالات خاصة تخرج بها عـن المألوف الـى شـيء مـن الأنحراف أو الأنزيـاح بغرض خلـق دلالات جديـدة ، أو إحداث متغيرات ضمن النص تخرج به عن نمطيتـه ))(1) . وهـذا الخروج عن المألوف هـو الذي ميـز هـذه الظواهـر فـي آيات العدد. المحاضرة الرابعة النبر والتنغيم – الفونيم – المورفيم – دلالة التكرار الصوتي
التكرار في اللغة هو الإعادة ، فـ" كرر الشيء وكرْكره : أعاده مرة بعد أخرى ... ويقال كرّرتُ عليه الحديث وكرْكرته إذا ردّدته عليه " ( ) ، واستعمل في اللغة بتصريف آخر ، وهو التكرير ، يقول الجوهري (ت395هـ) : " وكررت الشيء تكريراً وتكراراً " ( ) ، وسمّاه الجاحظ الترداد ( ) . والتكرار في الاصطلاح هو" دلالة اللفظ على المعنى مردّدًا "( ) ،وفي التعبير الأدبي: " تناوب الألفاظ وإعادتها في سياق التعبير، بحيث تشكل نغمًا موسيقيًا يتقصّده الناظم في نثره " ( ) . ويجدر بنا أن نذكر أن التكرار نال عناية البلاغيين القدامى،وأشادوا بمكانته من البلاغة ( ) ؛ لما له من قيمة جمالية ، إذ يعد من أهم الأركان التي تظهر الجرس في الألفاظ( ) ، فضلاً عن قيمته المعنوية ؛ فهو يقوم " بمهمة الكشف عن القوة الخفيّة في الكلمة "( ) ويلقي الضوء على نقطة حساسة في العبارة ويكشف عن اهتمام المتكلم بها ( ). ويعد التكرار من أساليب الفصاحة ومن محاسنها( )، فقد يعدّ في موضع ما أبلغ من الإيجاز، وأشدّ موقعًا من الاختصار( ). ودواعي التكرار كثيرة، منها : التقرير ، والتوكيد ، والتعجب ، والتفخيم والتهويل ، والتهديد ... الخ ( )، فضلاً عمّا يضفيه من قوة في قرع الأسماع وإثارة الأذهان، وخاصة إذا كان الانسجام الصوتي فيه ظاهرًا ومتناسقًا ( ). ويمثل التكرار في القرآن الكريم صورة من صور إعجازه الفني ، ونكتة من نكته البلاغية، إلا أن هناك من نفى وجوده فيه، ومنهم الدكتور عبد الله محمد النقراط ، إذ يرى " أنه ليس هناك تكرار في القرآن الكريم وإنما هو تصريف للقول"( ) ، ويقول في موضع آخر : " وقد غالى بعض المهتمين بالدراسات القرآنية في وصف الآيات القرآنية بالتكرار، وصرّحوا بما لم يصرح به الله في كتابه لو أنهم ـ في رأينا ـ أمعنوا النظر في الآيات التي صرحت بتصريف القول لاهتدوا إلى هذا المصطلح المناسب لمقام القرآن وجلاله " ( ) . وبناءً على ذلك سمّى كتابه ( بلاغة تصريف القول في القرآن الكريم ، دلالة التصريف القرآني أولى من دلالة ولفظ التكرار ) ، وحاول أن يثبت فيه أن كل ما ظاهره مكرر في القرآن ،سواء أ كان تكرار اللفظ ، أم تكرار الآية ، هو من باب تصريف القول( ) . وجاء التكرار في القرآن الكريم على ثلاثة أقسام هي: تكرار الصوت المفرد، وتكرار اللفظ ، وتكرار العبارة ، وسنتحدث هنا في تكرار اللفظ المفرد ، ونرجئ الحديث في القسمين الآخرين إلى الفصل الرابع ، إن شاء الله تعالى . تكرار الصوت المفرد: تعمد اللغة القرآنية أحيانا إلى الصوت المكرر لتصوير الموقف وتجسيمه والإيحاء بما يدل عليه ، معتمدة في ذلك على ما تتميز به بعض الألفاظ من خصائص صوتية ، وما تشيعه بجرسها الصوتي من نغم يسهم في إبراز المعنى المراد ( )، وتجدر الإشارة إلى أن هذا القسم من التكرار قد يحصل في المفردة الواحدة ، وقد يحصل في الألفاظ المتجاورة المكوّنة للجملة الواحدة ( )، وقد يتعدى ذلك إلى العبارات المتجاورة . ولنتدبّر معًا ما تؤديه هذه الوسيلة البلاغية من أثر في التنفير عن العبادات والمعاملات المنهي عنها بالأسلوب غير المباشر ؛ لأن " تكرار الصوت يؤدي إلى تكرار المعنى وتصويره وتقويته والمبالغة فيه " ( ) . فمن تكرار الصوت في اللفظ المفرد ، قوله تعالى : ?$yJ¯RI) tP§?ym ?Nà6??n=t? sptG??yJ?9$# tP¤$!$#ur zN?ss9ur ?????YI??9$# !$tBur ¨@Idé& ¾ImI/ I???t?I9 «!$# ( C`yJsù §??UôE$# u???xî 8?$t/ ?wur 7?$t? Ixsù zN?OI) Im??n=t? 4 ¨bI) ©!$# ??qà?xî ?O?Im§? ? ] البقرة :173 [ ، نلحظ تكرار صوت الراء في لفظ (حرّم ) ، وتكرار هذا الصوت ـ بما يحمله من صفة التكرار ـ يوحي إلينا بتحريم ما ذُكر في سالف الأزمان واستمرار تحريمه إلى يوم القيامة ، يقول السيّد السبزواري (ت 1414هـ): " الحرمة ثابتة في جميع الشرائع الإلهية على اختلافها"( )، وهذا المعنى لايتحقق لو قال (حَرَمَ) بدون تشديد الراء ؛ لأن هذا " يدل على أن الشخص قد يكون مستحقًا للشيء فمنعته إياه بغير مسوّغ "( ) . وقد يحصل في اللفظ الواحد تكرار صوتين متتابعين ، فتكون الدلالة أعمق وأقوى ، كقوله تعالى: ? $¨Br sù ×?%t? (#rç?y9?6tG??$$sù ?Iû C???F{$# I???t?I/ Ed,pt?:$# (#q?9$s%ur ô`tB ??x©r& $¨ZIB ¸o§qè% ( ?Os9urr& (#÷rt?t? ?cr& ©!$# ?I%©!$# ?N?gs)n=yz uqèd ??x©r& ?N?k÷]IB Zo§qè% ( (#qçR%x.ur $uZIG»t?$t«I/ ?cr??ys?gs? CE $uZù=y???r sù ?N?k??n=t? $\t??? #Z?|A÷?|A ??Iû 5Q$?r& ;N$|?It?U ?N?gs)?E??ZIj9 z>#x?t? ??÷?I??:$# ?Iû ?o4qu?pt?:$# $u?÷R??9$# ( U>#x?yès9ur ?ot??zFy$# 3?t?÷zr& ( ?Nèdur ?w tbrç?|CZ?? ? ] فصّلت :15 ـ 16[، فأنت تلحظ في لفظ ( صَرْصَر) تكرار صوت الصاد وهو صوت رخو مهموس مفخم( ) ، صفيري ( )، قد حاكى الصوت الشديد الذي يصحب العاصفة الشديدة البرد( )، وأما تكرار صوت الراء ،الذي يحمل صفة التكرار ، فقد أكسب اللفظ دلالة على تكرار الريح العاتية المهلكة، وهذا التصوير الدقيق دعمه حسن اختيار الأصوات بما تحمله من صفات وخصائص ، وزاده إيحاءً تكرار الأصوات نفسها( )، فقد " ضوعف اللفظ إشعاراً بمضاعفة المعنى " ( ) . فهاتان الآيتان تنهيان عن الاستكبار في الأرض ، وهو نهي يُفهم من جزاء هؤلاء المستكبرين، وقد أكسب استعمال لفظ (صَرْصَر) الجزاء شدة ، ممّا يكون أبلغ في النهي. ومن تكرار الصوت على مستوى العبارة الواحدة أو العبارات المتجاورة، قوله تعالى : ? $pk??r ¯»t? ?`»|?RM}$# $tB x8??xî y7In/t?I/ EO???x6?9$# CE ?I%©!$# y7s)n=yz y71§q|?sù y7s9y?yèsù CE ??Iû ?d?r& ;ou?q?¹ $¨B u?!$x© ??t7©.u? ?] الانفطار : 6- 8[ ، الآيات الكريمة تنهى عن الغرور بصورة غير مباشرة ، عن طريق الاستفهام ، فأنت يا ابن آدم ماذا تقول لربك يوم تلقاه ؟ ! ، ويرى ابن كثير (ت 774هـ) في هذا الاستفهام تهديدًا ، لا كما يتوهمه بعض الناس من أنه إرشاد إلى الجواب ( )، في حين يرى سيد قطب في هذه الآيات لمسة عتاب مبطّنة بالوعيد ( ) ، وهذا أدق – والله تعالى أعلم - ،وأنت تشعر بهذا التهديد و الوعيد من تكرار صوت الكاف ( 9 مرات ) ، وهو صوت حنكي قصي شديد مهموس ( ) يدل على الأحداث الشديدة والأصوات المدوّية ويرتبط بها ( ) ، فلقبح ما يفعله الإنسان من مقابلة كل هذه النعم التي ذكرتها الآيات المباركة بالغرور؛ كرر سبحانه وتعالى الصوت الشديد ( الكاف ) لتنبيه الإنسان وترهيبه وردعه عما يقوم به،والله تعالى أعلم . وتجد في قوله تعالى : ??I)ur $tR??s{r& ?N?3s)»sW?IB ?w tbq?3I???n@ ?N?.u?!$tBI? ?wur tbq?_????éB N?3|?à?Rr& `IiB ?N?.??»t?I? §NèO ÷L?n??t??%r& ?OçFRr&ur tbr??uhô±n@ ?] البقرة : 84 [ ، تكرار صوت قوي آخر ( 11 مرة ) وهو صوت الميم ، وهو صوت شفوي أنفي ، شديد - رخو ( من الأصوات المتوسطة ) مجهور( )، مع صوت الكاف المكرر (5 مرات ) ، وتكرار هذين الصوتين يوحي بالشدة في النهي عن الفعلين المذكورين في الآية الكريمة ، القتل والإجلاء ، وممّا يزيد الإيحاء قوةً ما يتمتع به صوت الميم من خصائص القطع والاستئصال والكسر والتوكيد والتشديد ( )، فكأنه ـ سبحانه وتعالى ـ أراد قطع هذه الآفة واستئصالها ، والتوكيد والتشديد في النهي عن فعلها . ولو انعمنا النظر في قوله تعالى:? $pk??r ¯»t? tûïI%©!$# (#q?ZtB#u? (#qç7I^tGô_$# #Z??IWx. z`IiB Cd`©à9$# ?cI) uU÷èt/ Cd`©à9$# ?O?OI) ( ?] الحجرات: من الآية 12[، لوجدنا تكرار حرف النون (10 مرات) فضلاً عما يتبع هذه النونات من حركات تنوين ، والنون صوت أسناني لثوي أنفي مجهور متوسط( )، من دلالاته " الدلالة على الباطن والصميم في النفس وانفعالاتها المكبوتة " ( )، والظنّ عارض نفسي باطني ، فناسب التعبير عن هذه الحالة النفسية بما يتفق معها من حروف تعبّر عن النفس والضمير أكثر مما تعبِّر عن المظهر والعوارض الخارجية ( ). وهذا الإيقاع الصوتي الذي أبرزه صوت النون في تصوير هذه الصفة الذميمة التي أراد الله سبحانه وتعالى النهي عنها ، له وقعه النفسي المؤثر الذي يحول دون وقوع الفعل . ممّا سبق يتضح أن ظاهرة التكرار الصوتي قد وُظِّفت في القرآن الكريم وسيلة للتأثير في النفوس، والتمكين منها، ولفت انتباه السامع، لاسيما في نصوص التشريع الإلهي. المحاضرة الخامسة أنموذج تحليل صوتي . ومن ذلك قوله تعالى : ?`tBur ?8I?ô³ç? «!$$I/ $yJ¯Rr(s3sù §?yz ??IB I?!$yJ??9$# çmà?sU÷?tFsù ç???©U9$# ÷rr& ?Eqôgs? ImI/ ?w??h?9$# ?Iû 5b%s3tB 9,??sy? ? [ الحج : 31 ] ، تشبّه هذه الآية من يشرك بالله بالذي يسقط من السماء ، وهذا السقوط يتميز بسمة الخرّ ، ولفظ الخرّ يحاكي هذا المشهد المفزع ؛ لما فيه من " تنبيه على اجتماع أمرين : السقوط ، وحصول الصوت " ( ) ، ونلحظ أيضًا ثبوت صفة السقوط وتكرارها حتى تصير ملكةً للمشرك ؛ لما للخاء من دلالة صوتية على المطاوعة بمقدار يدل على الانتشار والتلاشي ، ولما للراء من دلالة صوتية أيضًا على شيوع الوصف وتكراره ، وهذا أصعب وأشد حالات السقوط والتهاوي ( ) . ولا ينتهي المشهد المفزع عند هذا الحدّ بل نجد إيحاءً أشد تأثيراً في نفس السامع ،يتمثل في لفظ ( تَخْطَفُه ) ؛ لما في الخاء من صفة الاحتكاك( ) ،وفي الطاء من صفة الانفجار( ) ، وفي الفاء من صفة الاحتكاك الذي ينتج عنه صوت الحفيف( ) . وهذا يعني أنه يحدث احتكاك ، يتبعه حبس لهواء الزفير وانفجار،يتلوه احتكاك، وبعبارة أخرى:إن الحفيف الناتج عن صفة الاحتكاك في الفاء مسبوقٌ بانفجار، ممّا يجعل الحفيف أسرع ممّا لو سبق بصوت غير انفجاري؛ولهذا إن الإيحاء الصوتي لهذا اللفظ يطابق المعنى المعجمي له،وهو الاختلاس أو الأخذ في سرعة ( ) . ولهذا تتجسد صورة تفزع السامع وتخيفه ، فالطير بسرعة خاطفة يخطف الساقط من السماء ،وهذه الصورة لاتتجسد لو وضع أي لفظ آخر مرادف(تَخْطَفُه ). ولو تغيّر ترتيب حروف ( خطف)، لفقد هذا اللفظ دلالته الإيحائية الشديدة هذه، وهذا يعني أن ترتيب الحروف داخل اللفظ له أثر في إضفاء طاقة إيحائية معينة.وهذا خلاف ما رآه عبد القاهر الجرجاني ، حين أراد التفريق بين نظم الحروف ونظم الكلم ؛ إذ يقول : " وذلك أن " نظم الحروف" هو تواليها في النطق ، وليس نظمها بمقتضى عن معنى، ولا الناظم لها بمُقْتَفٍ في ذلك رسْمًا من العقل اقتضى أن يتحرّى في نظمه لها ما تحرّاه. فلو أن واضع اللغة كان قد قال " ربض" مكان " ضرب" لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد"( ) ، وهذا نابع من رفضه القاطع لعلاقة اللفظ بمدلوله. وكذلك نجد إيحاءً ثالثًا في لفظ ( يهوي ) ، ناتجًا عن صوت الهاء ، لما فيه من الهتة، والهتة تعني الضعف والخفاء( ) ، فهذا الضعف الموجود في الهاء يوحي بضعف المشرك بالله أمام الشيطان ، لا سيما " أن الذي يسقط من السماء يفقد كل قدرة على اتخاذ قرار ما " ( ) ، فتهوي به الريح في مكان بعيد . ويرى الزمخشري هنا تشبيه الشيطان بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة ( ) . فلا اختلاف إذًا عما أثبتناه ، فالذي لا إيمان له ضعيف أمام الشيطان ، يطوّح به في أودية الضلالة بحسب ما يشاء ، كما تهوي العاصفة الهوجاء بالأشياء الساقطة كما تشاء . ومن نافلة القول أن وجود الياء المديّة في لفظ ( يهوي ) يمنح المكان الذي يهوي فيه المشرك بعدًا أعمق ، فضلا عن تضافر أجراس الألفاظ التالية هذا اللفظ " ابتداء من ( ربه) باشتمالها على الهاء المكسورة المتصّلة بالراء الأولى في لفظ (الريح ) ، ومرورًا بلفظ ( الريح ) ببنائها الصوتي الموحي ، حيث الراء والحاء ، وبينهما ياء المدّ ، ولفظ ( في ) باشتمالها على ياء المدّ ، ولفظ ( مكان) باشتمالها على ألف المدّ ، وانتهاءً بلفظ (سحيق ) الذي يوحي بسرعة قذف الريح ، واتساع الفضاء الذي يهوي فيه المشرك ، وبعد منتهاه ،وهو ما تحققه الدلالة المعجمية للفظ ( سحيق ) وهي ،أنه بعيد كل البعد " ( ) ، فكل ذلك يزيد صورة الهوي عمقًا . فإذًا في هذه الآية " من الإيحاءات والدلالات الكثيرة التي تنتهي بك إلى التسليم بأن خسارة المشرك ما بعدها خسارة، وعاقبته ليس كمثلها عاقبة !! فأيّة سماء هذه في البعد؟ وأيّة بقعةٍ تحت سطح الأرض في السحق هذه التي خرّ منها الإنسان وانتهى إليها؟! وهذه مبالغة تبلغ بالصورة ما تشمئز معها النفوس من الشرك ، وترتعب من مآله ، وتبتعد عن مقدماته وصوره بعد أن اقترنت بصورة معاينة بالحسّ والوجدان"( ) . مما تقدم نلحظ دقة التعبير القرآني في اختيار الألفاظ التي تزيد من سرعة الانتهاء عن الشرك. ومن ذلك أيضًا قوله تعالى:? ×@÷?uqsù 7??´tB?qt? tûüI/Ej?s3?Jù=Ij9 CE tûïI%©!$# ?Nèd ?Iû ?qyz tbqç7yèù=t? CE tP?qt? ?cq??y??? 4?n ومما يزيد هذا المعنى شدة وغلظة تشديد العين " الذي يولد ضغطًا في مخرجه ، إذ يتوتر الجهاز النطقي عند إخراجه مما يناسب المعنى المراد إيصاله للسامع أو القارئ " ( ) . يقول سيد قطب في ذلك : " فلفظ الدع يصوّر مدلوله بجرسه وظله جميعًا . وممّا يلاحظ هنا أن (الدع ) هو الدفع في الظهور بعنف ، وهذا الدفع في كثير من الأحيان يجعل المدفوع يخرج صوتًا غير إرادي فيه عين ساكنة ، هكذا : ( أعْ ) ، وهو في جرسه أقرب ما يكون إلى جرس (الدع) " ( ) . وتجدر الإشارة إلى أن هذا الدع يحصل وهم مغلولو الأيدي إلى الأعناق ، ومجموعو النواصي إلى الأقدام( ) ، فلا يستطيعون الهرب?y7?´¯»s9 ré&ur ?@»n=??F{$# ??Iû ?OIgI%$uZô?r& ( ? [ الرعد : من الآية 5 ]؛ لذا يكون الصوت الصادر عنهم أشد وأقوى، وكلّ هذه الشدة والغلظة يوحيها لنا لفظ( دع) . إذًا لفظ (دع) منح النهي عن التكذيب بالله وبرسوله قوة. ومن ذلك قوله تعالى: ? tA£?t6sù ??ïI%©!$# (#q?Jn=s? »w?qs% u???xî ?I%©!$# ?@?I% ?O?gs9 $uZ?9t?Rr sù ?n?t? tûïI%©!$# (#q?Jn=s? #Y?ô_?? z`IiB I?!$yJ??9$# $yJI/ (#qçR%x. tbqà)????t? ? [البقرة: 59 ]، نلحظ في الآية الكريمة جرسًا صوتيًّا مهوّلا ، يوحي بالشدة والعذاب النازلين من السماء ، يحمله إلينا لفظ الرجز لما فيه من أصوات ( الراء، والجيم، والزاي)،فالراء صوت مكرر مجهور ( ) ، والجيم صوت مركب (انفجاري ـ احتكاكي) مجهور أيضًا ( )، والزاي صوت احتكاكي مجهور ( ) ، وهو من أصوات الصفير ( ) . وهذا اللفظ على هذا الوفق من الخصائص ومن تناسب الأصوات، أكسب الآية الكريمة صدًى خاصًّا ، تصطك معه الأسماع، وتشتدّ عند نطقه الأسنان، فكان لها أزيزها المميّز الذي يوحي بالرهبة والفزع، وهذا ما يكون أبلغ في النهي عن تبديل ما أمروا به من التوبة والاستغفار( ) . فإن قيل: هل تعطي كلمة (جزر) الدلالة الإيحائية التي ذكرناها لكلمة (رجز)، وكلاهما بالأصوات أنفسها؟ قلت: لا. لا تمتلك الدلالة نفسها ، ولعل السرّ في هذا يكمن في ترتيب الأصوات وما يمنحه هذا الترتيب من دلالة ، ربما لا نجد تلك الدلالة نفسها لو تغيّر الترتيب ، فضلا عن اختلاف الحركات التي لا يخفى عليك أثرها في تغيير المعنى. وقد ورد لفظ ( رجز) في آيات أُخر من آيات النهي غير الصريح، منها، قوله تعالى: ? tA£?t6sù ??ïI%©!$# (#q?Jn=s? ?N?k÷]IB »w?qs% u???xî ?I%©!$# ?@?I% ?O?gs9 $uZù=y???r sù ?NIg??n=t? #Y?ô_?? ??IiB I?!$yJ??9$# $yJI/ (#qçR$?2 ?cq?JI=ôàt? ? [الأعراف: 162 ] وقوله: ? $¯RI) ?cq?9??\?B #?n?t? E@÷dr& ?nE?»yd Ipt???s)?9$# #Y?ô_?? ??IiB I?!$yJ??9$# $yJI/ (#qçR%x. ?cqà)????t? ? [العنكبوت: 34 ]، ويعقِّب على ذلك الدكتور محمد حسين الصغير قائلا:" ونستظهر في الرجز الإرسال والإنزال من السماء بضرس قاطع وأمر كائن باعتبار آخر العلاج بعد التحذير والإنذار " ( ). ومن الأمثلة الأُخر التي نتلمس فيها إيحاءً صوتيًّا ، قوله تعالى : ? tûïI%©!$#ur (#r??x?x. ?O?gs9 â?$tR zO¨Yygy_ ?w 4?|??)?? ?NIg??n=t? (#qè?q?Ju?sù ?wur ?#¤?s??? O?g÷Yt? ô`IiB $ygI/#x?t? 4 y7I9?x?x. ????gwU ¨@?. 9?qà??2 CE ?Nèdur tbq?z??sU??t? $pk?Iù !$uZ/u? $oYô_??÷zr& ?@yJ÷ètR $·sI=»|¹ u???xî ?I%©!$# $¨Zà2 ?@yJ÷ètR 4 ?Os9urr& N?.??IdJyèçR $¨B ???2x?tGt? Im?Iù `tB t?©.x?s? ?N?.u?!%y`ur ???E?¨Y9$# ( (#qè%r??sù $yJsù tûüIJI=»©à=I9 `IB A????¯R ? [ فاطر: 36-37]، في الآية الكريمة نجد لفظ (يصطرخون)، قد ألقى بظلاله على المشهد المفزع كلِّه، وأبدع في عرضه وتصويره، واختزن كلّ ضجيجه وانفعالاته؛ لاشتماله على صوت الصاد الاحتكاكي المفخم ( ) ، وصوت الطاء الانفجاري المفخم أيضًا( )، وصوت الخاء الاحتكاكي( )، وصوت الراء المكرر ( )، فضلا عن صوت الواو بما له من صفة المدّ ، ليدلّ على طول هذا الصراخ ، وصوت النون المعبّر بأنّتهِ الحزينة عن مدى الحسرة والخيبة التي يؤوب بها الكافر من هذا الصراخ الطويل الدائم الأليم ( )، وفي هذا تناسب بالتناغم مع قوله تعالى: ??w 4?|??)?? ?NIg??n=t? (#qè?q?Ju?sù ?wur ?#¤?s??? O?g÷Yt? ô`IiB $ygI/#x?t? 4? فهم غير ميّتين وغير مسامحين بجزء من عذابها على نحو التخفيف بأبسط الإعانات ، فهذا مشهد سرمدي لعذاب أبدي يطول فيه الصراخ والاستنجاد والألم والاستغاثة من غير ما جدوى ، ومع قوله تعالى: ??Os9urr& N?.??IdJyèçR $¨B ???2x?tGt? Im?Iù `tB t?©.x?s?4? ، أي: عشتم عمرًا ليس بالقصير ، ضيعتم فيه العمل الصالح ورتعتم في الموبقات، واعترفتم بصريح عبارتكم( أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل)، فهذا اللهو على مدى أعماركم المعمّرة يستحق هذا العذاب السرمدي الشديد الذي استدعى هذا الصراخ. يقول سيِّد قطب: " وتسمع كلمة " يصطرخون" في الآية... فيخيِّل إليك جرسُها الغليظُ ، غلظَ الصراخ المختلط المتجاوب من كلّ مكان ، المنبعث من حناجر مكتّظة بالأصوات الخشنة ؛ كما تُلقي إليك ظلّ الإهمال لهذا الاصطراخ الذي لا يجد من يهتم به أو يلبّيه ، وتلمح من وراء ذلك كّله صورة ذلك العذاب الغليظ الذي هم فيه يصطرخون " ( ) . ومعنى ( يصطرخون ) : " يتصارخون : يفتعلون من الصراخ ، وهو الصياح بجهد وشدة " ( ) ، والتعبير بهذا اللفظ يوحي بأن الصراخ قد بلغ ذروته ، والاضطراب قد تجاوز مداه ، والصوت العالي الفظيع يصطدم بعضه ببعض ، فلا أذن صاغية ولا نجدة متوقعة ، فيا له من موقف خاسر ، وجهد بائر ، فلا سماع حتى لصوت الاستغاثة ولا إجارة مما وقعوا فيه ، قال تعالى : ??xsù s????|A ?Nçlm; ?wur ?Nèd tbr??s)Z?? ? [ يس : من الآية 43 ] ، فقد وصل اليأس أقصاه ، والقنوط منتهاه، فالصراخ في شدة إطباقه ، وتراصف إيقاعه ، من توالي الصاد والطاء ، وتقاطر الراء والخاء ، والترنّم بالواو والنون يمثل لك رنّة هذا الاصطراخ المدويّ ( ) . ونلحظ دقة التعبير القرآني ، فلولا الطاء لفقد هذا اللفظ دلالته الإيحائية التي ذكرناها آنفًا ؛ لأن الطاء يضيف معنى الشدة في استغاثة الكافرين ، ليدلّ على صراخ قوي نابع من نفوس محطّمة بائسة ( ) . ونلحظ مما تقدم الدقة في اختيار الألفاظ المناسبة لمعانيها ، وهذه سمة من سمات إعجاز القرآن الكريم ، فنجد إيثار الألفاظ الشديدة المفزعة المهولة في أغلب آيات النهي غير الصريح ؛ ليكون الزجر أقوى وأبلغ ، ونلحظ أيضًا أن ترتيب الأصوات في البنية المكوّنة للفظ له أثر بالغ في إضفاء الطاقة الإيحائية لذلك اللفظ.
المحاضرة السادسة الفاصلة القرانية – الوقف والابتداء دلالة الفاصلة القرآنية
الفاصلة في اللغة : الفصلُ: بونٌ ما بين شيئين، والقضاء بين الحق والباطل ، والفصل من الجسد: موضع المفصلين، والفاصلة : الخرزة التي تفصل بين الخرزتين في النظام، والتفصيل : التبيين ( ). وأما الفاصلة في الاصطلاح، فقد تعددت تعريفاتها، نذكر منها ما يأتي: قال الرماني(ت384هـ) :الفاصلة " حروف متشاكلة في المقاطع توجب حسن إفهام المعاني ، والفواصل بلاغة والأسجاع عيب"( ). ولا يختلف تعريف الباقلاني(ت403هـ)عمّا ذكره الرماني( ).وهي عند الداني(ت444هـ) : " كلمة آخر الجملة "( ). وحدّها السيوطي بقوله: " الفاصلة كلمة آخر الآية كقافية الشعر، وقرينة السجع"( ) .
ولا تختلف تعريفات المحدثين للفاصلة عمّا ذكره القدامى ، فقد ذكر أحدهم أنها:" كلمة آخر الآية، كقافية الشعر، وسجعة النثر" ( ). وقد نقل لنا الزركشي رأي الداني في التفريق بين الفواصل ورؤوس الآي قائلا:" أما الفاصلة فهي الكلام المنفصل ممّا بعده، والكلام المنفصل قد يكون رأس آية وغير رأس، وكذلك الفواصل يكُنّ رؤوس آيٍ وغيرها، وكل رأس آية فاصلة ، وليس كل فاصلة رأس آية؛ فالفاصلة تعمُّ النوعين، وتجمع الضربين "( ) وسميت فاصلة؛ لأنها تفصل بين كلامين لكل منهما دلالته المستقلة، وإن اتحدا بالدلالة العامة ، وذلك آخر الآية فصل بينها وبين مابعدها، ووجه مناسبة هذه التسمية، يتضح من قوله تعالى :? ??????? ????????? ??????????? ?] فصلّت: من الآية :3[ ولم يسمّوها أسجاعا( )، وأول من قال بالفاصلة القرآنية هو سيبويه( )، لا أبو الحسن الأشعري (ت324هـ) كما يرى أحد الباحثين ( ) . وثمة خلاف في هذه التسمية ، فقد ارتضاها أبو الحسن الأشعري والباقلاني وابن خلدون(ت807هـ) ، وغيرهم ، بينما رفضها الدكتور أحمد الحوفي ، إذ أطلق على خواتم الآيات لفظ (سجع القرآن) رادًّا على هؤلاء المذكورين آنفًا بقوله:" وكأنهم لم ينتبهوا إلى أن السجع القرآني فريد، يمتاز بأنه يحقق الملاءمة بين المعنى والأسلوب أروع تحقيق ، ويخضع كل منهما للآخر في إعجاز بيِّن لا ينكر..."( )، ولا أريد الخوض في مناقشة هذه المسألة( ) ؛ لأنها ليست من صميم البحث .
والفاصلة تحقق للنص جانبًا جماليًّا ، لا تخطئه الأذن؛ لأنها تضفي عليه قيمًا صوتية منتظمة ، فينقسم سياق النص بها على وحدات أدائية تعد معالم للوقف والابتداء ( ). بيد أن مهمّتها لا تقتصر على الجانب الإيقاعي الجمالي فحسب ، فهي " تحمل شحنتين في آن واحد : شحنة من الوقع الموسيقي ، وشحنة من المعنى المتمم للآية " ( )، إذ " تقوم الفاصلة القرآنية بدور الإحكام ، فتُرْبَط بالمعنى الكلي الذي يسبقها في الآية ذلك إضافة إلى ترنيمها الموسيقي الواضح، فهذا الإحكام يتسم بوظيفتين في الشــكل والمضمون "( )، فهي تمنح الأسلوب قوةً وتماسكًا وتساعد على إيصال المعنى كاملاً إلى المتلقي بوساطة النغم المتولد منها،ولا شك في أن لذلك أثره في استقبال المعنى ( ). وقد تعددت أقسام الفواصل ( ) ومن أهمها : 1- أقسامها من حيث حرف الروي ، وهي قسمان ( ): • المتماثلة : وهي التي تماثلت حروف رويها، وتسمى (المتجانسة). • المتقاربة : وهي ما لم تتماثل حروف رويها ، بل تتقارب ، كتقارب صوتي (الميم والنون) وصوتي( الدال والباء) في المخرج. 2- أقسامها من حيث حرف الروي والوزن، وهي أربعة أقسام( ): • المتوازية : وهي ما اتفقت الفاصلتان فيها وزنًا وتقفية. • المتوازنة: وهي ما اتفقت الفاصلتان فيها في الوزن فقط. • المطرفة : وهي أن تتفق الفاصلتان فيها في حرف الروي لا في الوزن، وهذا النمط من الفواصل قد يحصل فيه تشابه مقطعي وحرف الروي، " فالفواصل التي لا تتفق في الوزن تتفق في أكثر المقاطع ، ويقع الخلاف بينها في مقطع واحد غالبًا لتحقيق التنوع النغمي "( ). • الفواصل المنفردة: وهي الفواصل التي لا تقيد بوزن ولا روي، ولكن البيان القرآني لا يتركها من غير" تحقيق قدر كبير من الانضباط الموسيقي يتمثل في إتقان المقاطع وتطابقها تطابقًا تامًّا في كثير من الأحيان أو تناسبها وتشابهها في أحايين أخرى"( ).
وتعد الفاصلة القرآنية ضربًا من ضروب الإعجاز القرآني ، فهي ليست كقافية الشعر ولا سجعة النثر ، وبعد هذا العرض الموجز أحاول أن ألقي الضوء على بعض نصوص النهي غير الصريح للكشف عمّا تضفيه الفاصلة القرآنية من دلالة صوتية في سياق هذه النصوص .
وقبل ذلك أودّ أن أذكر أنه لمّا كان المقطع يمثّل عنصرًا من العناصر التي تقوم عليها الفاصلة ، فضلا عن حرف الروي والوزن ( ) ، اتخذته قرينة دلالية إضافية ، في ضوء النظر إلى نوعه ، أو عدده، أو كليهما. قال تعالى : ? •??? ????????? ????????? ???? ???????????? ?????????? ???? ??? ?????????? ???????????? ???????? ?????? ???????? ???????? ?? ??????????? ????????? ??????????????? ????????????????? ???????? ??? ????????????? ?????? ????????????? ?????????? ????????? ???????? ? ]الأحزاب : 57 – 58 [، النص القرآني ينهى عن إيذاء الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وكذلك إيذاء المؤمنين والمؤمنات ، بموجب الجزاء المترتب على من يفعل ذلك. ونلحظ في الآيتين الكريمتين توافق الفاصلتين : مهينًا ، ومبينًا في الوزن والروي ، وعدد المقاطع ونوعها ، ونلحظ وجود حرفي مد هما الياء والألف ، وحرف المد ـ كما هو معروف عند علماء الأصوات ـ يستغرق وقتًا أطول عند النطق به ، وهذا يوحي بامتداد زمن العذاب الذي ينتظر هؤلاء إلى آفاق لا منتهى لها ، واسترسال في عذاب أبدي دائم ، فإن أسلوب القرآن للتعبير عن المشهد يكون جامعًا لأركان المشهد المتحرّك وهي الصوت والصورة ( ). ولو أنعمنا النظر في المقاطع الصوتية التي تكونت منها الفاصلتان لوجدناها تتكون من ثلاثة مقاطع الأول قصير مفتوح، والثاني طويل مفتوح والثالث كذلك ، وكما هو موضّح في التقطيع الصوتي الآتي: مهينًا = / م ـُ / هـ ـٍ / ن ـً /. مبينًا = /م ـُ / ب ـٍ / ن ـً / ،ووجود هذا النوع من المقاطع يوحي إلينا بما ذكرناه من طول مدة العذاب الذي سينالهم وهي مدة مفتوحة غير محددة فعذابهم سرمدي . وثمة ملحظ آخر نراه من توافق الفاصلتين بكل ما ذكرناه آنفًا وهو أنه لا فرق بين من يؤذي الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلّم) أو يؤذي المؤمنين والمؤمنات ؛ " لأن للمؤمن علاقة بالله ورسوله عن طريق الإيمان ولهذا جعل في مرتبة الله ورسوله هنا "( ) . والقرآن حين يراعي الفاصلة وتبقى على تنغيمها، إنّما يحفظ أقوى وسيلة من وسائله في التأثير؛ لأن رنين الكلمات وجرسها وتوافق إيقاعاتها لغة تتغلغل في النفس والضمير وتسمو بالروح إلى آفاق قدسية فتأخذها نشوة يحسها من يرتِّل هذه الآيات ترتيلا يتهدّج فيه صوته ويتماوج مع ألحانها ثم ينتهي إلى هذه الفواصل فيجد عندها القرار ( ). وهذا التصوير الفني الذي رسمته الفاصلتان له أثر بالغ في نفس السامع ممّا يكون أبلغ في الردع عن القيام بهذا الفعل . وعند النظر في قوله تعالى : ? •??? ????????? ????????? ??? ???????? ???????? ????????????? ???? ???????????? ????? ???? ??????? ? ?????????????? ????????? ???•???? ? ???? ?????? ?????????? ?? ?????? ??? ?????????? ??? ??????? ???????????? ?????????? ???????? ????? ?????? ???? ????????? ?????? ?????? ?????????? ??????????? ?????????????? ? ????? ?????????? ???? ????????? ??????????? ??????????? ?]آل عمران:116-117 [ ، نلحظ أنه ـ سبحانه وتعالى ـ أراد النهي عن الكفر، وقد كشف عنه الخبر أو الجزاء المذكور في النص الكريم، ونلحظ توافق الفاصلتين بحرف الروي وسبقه بحرف المد (الواو)، فهي فاصلة متماثلة ، مطرفة، وهذا الانسجام الصوتي ـ لا سيما بحرف المد (الواو) ، وهو من حروف الترنّم ، وصوت (النون) الشبيه به( ) ـ له أثر بالغ في استدعاء انتباه المتلقي للتأمل في معانيها، يقول الزركشي : " قد كثر في القرآن الكريم ختم كلمة المقطع من الفاصلة بحروف المد وإلحاق النون ؛ وحكمته وجود التمكّن من التطريب "( ) ، وهذا النوع من الفواصل ، أعني المختومة بالنون وقبله حرف مدّ هي الأكثر ورودًا في القرآن الكريم ( )،وفي السور المدنية أكثر منه في السور المكية ؛لأن الأولى جاءت لتنظيم الحياة الاجتماعية ، وتشريع الأحكام ، لذا ناسبها هذا النوع من الفواصل ؛ لما فيها من التمكين في النفوس ، والمدعاة إلى التأمّل ، فالفاصلة " كثيرًا ما تجيء مسبوقة وممدودة بحرف من حروف اللين ، فتستريح النفْس عنده ، ويجد النَفَس الوقفة الملائمة ، وتحسّ الأذن لذاذة الوقع، مع روعة وبراعة الصورة وتميز التعبير... على أنها تأتي في كثير من السور منتهية بالنون أو الميم فيتحقق بالمد وبالنون أو الميم ترنيم وإيقاع منظم يضفي على الأسلوب جمالا فوق جماله "( ). ولو نظرنا إلى مقاطع الفاصلتين ، لوجدنا الأولى تتكون من ثلاثة مقاطع ، طويل مفتوح ، وقصير مفتوح ، وطويل مديد ، على التوالي ،( خالدون = / خ ـً / ل ـِ / د ـُـُ ن/ ) ، ووجود هذين المقطعين الطويلين يحاكي طول العذاب الذي ينال هؤلاء الكافرين ودوامه ، وممّا يدعم ما ذهبنا إليه ما يُفهم من قوله: ? ????????? ???•???? ?،ومن التعبير بالجملة الاسمية? ???? ?????? ?????????? ?، قال الآلوسي(ت1270هـ): " ?????????? ???•???? ?أي ملازموها وهذا معنى أصحاب عرفًا،? ???? ?????? ??????????..? تأكيد لما يراد من الجملة الأولى واختيار الجملة الاسمية للإيذان بالدوام والاستمرار "( ). أمّا الفاصلة الثانية (يظلمون) ، فقد تغير المقطع الأول إلى طويل مغلق ، ليصير عدد المقاطع المغلقة مقطعين ، ( ي ـَ ظ/ ل ـِ / م ـُـُ ن/ ) ممّا يلقي الفزع والرعب في نفس السامع ، وهذا يتناسب مع دلالة الآية ،لا سيما قوله : ?????? ?????????? ???? ????????? ??????????? ??????????? ?؛ ألا ترى أنّك لو قلت لشخص قد وقع في شدة ،هذا من ذنبك ، لكنت زدت من ألمه وحزنه، وهذا خلاف ما لو قلت له هذا ليس من ذنبك . ونجد في قوله تعالى: ? ???? ????????? ????????? ??????????????? ????????????????? ???? ???? ?????????? ???????? ??????? ???????? ???????? ??????? ??????????? ?? •??? ????????? ?????????? ??????????? ????????????? ?????? ???•??? ??????? ??? ????????? ??????????? ? ??????? ?????????? ??????????? ? ]البروج : 10-11[ ، تغيّرًا في الإيقاع ، فسورة البروج شأنها شأن السور المكية يغلب فيها الإيقاع السريع ليتناسب مع المعاني والأغراض التي تناولتها السورة ، إلا أن هذا الإيقاع فجأة يتغير ويتجه نحو الطول في الزمن ، حين يريد الله سبحانه وتعالى أن يقرر أمورًا عقيدية تتعلق بالإيمان بالله ودلائله في الطبيعة البعيدة والقريبة ، ويصور العذاب الحسي للكافرين والنعيم الحسي للمؤمنين ، وقد صحب هذا التغيُّر تغيُّر حرف الروي أيضًا ، فقد تغيّر من صوت الدال في قوله تعالى:???????? ????? ?????? ????????????? ?????????? ? ?????? ?????? ????? ?????? ??????? ?]البروج: 9[ وما قبله، إلى صوت القاف، ثم الراء، وكأنه سبحانه وتعالى أراد بهذا التغيير التنبيه على شيء مهم( )، " فإن الاحتفاظ بالوزن ، والتخلي عن الروي في بعض الأحيان يكون له من الحسن مثل سابقه ، إذا حدثت المراوحة بينهما، فاعتياد الأذن على نهاية صوتية واحدة لكل قرينة يفقدها عنصر المفاجأة التي توقظ النفس وتنبه الذهن "( ) . وقد ناسب صوت القاف – لما فيه من القوة والمشقة ( ) - دلالة الآية على الوعيد للذين يفتنون المؤمنين والمؤمنات لإيمانهم بالله( ) ، والحكم عام لكل من فعل ذلك( ) . ألا ترى كيف أدّت الفاصلة دورها في إبراز الدلالة ولفت الانتباه؛ لتغيّر الإيقاع، وحرف الروي الذي ناسب مضمون الآية. ومثل هذا ما نجده في قوله تعالى: ??????? ?????????? ????? ?????? ?????????? ?????????? ??? ?????? ?•????? ???????????? ??????????????? ??????????????? ??????????????? ? ????? ????? ????????????? ??? ?????? ????????? ????????? ????????? ?????????? ????????? ????? ????????? ???????????????? ? •??? ???? ??????? ??????? ? ]البقرة: 180-181[ ، ففي قوله : ? ?????? ????????? ????????? ????????? ?????????? ????????? ????? ????????? ???????????????? ? •??? ???? ??????? ??????? ? نهيٌّ عن تبديل وصية الميِّت، ولو أنعمنا النظر في الفاصلة لوجدناها قد تغيّرت من روي النون إلى روي الميم لتصوّر عظمة البارئ سبحانه وتعالى، وعلمه بالسرائر، وما تخفيه الصدور ؛ لما في الميم من دلالة على " العظمة والجلال"( ) ، وهذا وعيد شديد لمبدّل الوصية( )، فلا " يظنن المحرفون المتلاعبون أن الله غافل عمّا يفعلون "( ) ، وهذا يعني أن التغيّر في الفاصلة لايكون لمجرد التنويع( ) ، وإنما " يكتنف الكلام من البيان ما يدلّ على المراد في تمييز الفواصل والمقاطع، لما فيه من البلاغة وحسن العبارة "( ) . ونلحظ أيضًا تغيّر عدد المقاطع في الفاصلتين ، ففي الأولى ثلاثة مقاطع:/م ـُ ت /ت ـََ / ق ـٍ ن/، وفي الثانية مقطعان :/ع ـَ / ل ـٍ م /، و" تنويع الفواصل بحسب الحروف أو المقاطع لم يرد في القرآن الكريم إلا على نظام يتصل بالمعاني التي يحملها وبالسياق الذي ترد منه تلك المعاني "( ). ويتضح أن هذا التغيّر في الفاصلة حصل لتغيّر المضمون، ففي الآية الأولى أمر، وفي الثانية تهديد ووعيد، وهذا التغيّر الصوتي يضفي قوة في التأثير على الأسماع، وبهذا يكون مدعاة إلى التأمُّل في النص القرآني، والاهتداء إلى الحكم الشرعي الذي يحمله. ولننظر إلى ما تؤديه الفاصلة في قوله تعالى : ???????????? ???????????? ?? ?????? ???????? ????????????? ? ]التكاثر: 1-2[ ، إذ يُفهم من سورة التكاثر بمجملها النهي عن اللهو بالتكاثر، سواء أ كان بالأموال، أم بالأولاد، أم بغير ذلك، في ضوء سيطرة جوّ الوعيد والإنذار الذي يعمد فيه البيان القرآني إلى الإيجاز الحاسم مع التأكيد الجازم، تقوية للردع وبلاغًا للوعيد( )، ولو نظرنا إلى الفاصلتين لنتلمس شيئًا من هذا التهديد والوعيد لوجدنا توافقهما في الروي، وعدد المقاطع ونوعها، ففي كلِّ منهما ثلاثة مقاطع، الأوّل قصير مفتوح، والثاني طويل مفتوح، والثالث طويل مغلق، وكما هو موضَّح في التقطيع الآتي: تكاثر = / ت ـَ / ك ـً / ث ـُ ر/، ومقابر = / م ـَ / ق ـً / ب ـِ ر/ ، وهذا الانسجام الصوتي يزيدنا إيحاشًا ورعبًا وفزعًا ، وهو ليس تناسبًا على المستوى الصوتي فقط، بل كان تناسبًا بلاغيًّا ولغويًّا( ) . وما نلمحه في لفظ( المقابر) لا نلمحه في أي لفظ آخر كلفظ (المقبرة) مثلا ؛ فلبعض الألفاظ وقع نفسي موحش كهذا اللفظ(المقابر)، الذي يفرض صورته المرعبة الموحشة، لأنه جمع مقبرة، والمقبرة مكان اجتماع القبور( )، فإذا أصبحت مقابر كثيرة ؛ تضاعف الرعب والرهب ،إذًا هذا التكاثر الشهواني في كلّ شيء، يوافقه – بدقة متناهية – الجمع المليوني للقبور، ولو قيل في غير القرآن بمساواة القبور للمقابر في الدلالة لما سدّ هذا الشاغر الدلالي شيء آخر من الألفاظ، فهو لها فحسب( ). وعليه فتأويل المقابر بالقبور ، لم يكن إلا أثرًا لتناول مفردات القرآن تناولا لفظيًّا معجميًّا ، مجردًا عن إيحاء سياقه وسرّه البياني ، معزولا عن الاستعمال القرآني الذي لم يجئ بالمقابر هنا لمجرد المشاكلة اللفظية والرنين الصوتي ، وإنّما هي الملاءمة المعنوية أيضًا بين التكاثر والمقابر بما فيهما من سعة وشمول وعموم( ) ولنتمعن معًا بما ذكره سيّد قطب في إيقاع هذه السورة إذ يقول: " هذه السورة ذات إيقاع جليل رهيب عميق وكأنما هي صوت نذير، قائم على شرف عالٍ يمدّ بصوته ويدوي بنبرته،يصيح بنوّم غافلين مخمورين سادرين أشرفوا على الهاوية وعيونهم مغمضة، وحسهم مسحور،فهو يمدّ بصوته إلى أعلى وأبعد ما يبلغ:???????????? ???????????? ?? ?????? ???????? ????????????? ? "( ). يتّضح ممّا تقدم أن الفاصلة تعمل على تقوية المعنى وتأكيده؛ فهي تأتي متلائمة وما قبلها، ومناسبة له.
المحاضرة السابعة الوقف والابتداء دلالة الوقف والابتداء
الوقف لغةً: مصدر قولك: وقفْتُ الدابة ووقفْتُ الكلمة وقفًا، وهذا متعدٍّ، فإذا كان لازمًا قلت: وقفْتُ وقوفًا( ). والابتداء من: " بدأ الشيء يبدأ أي يفعله قبل غيره"( ). أمّا الوقف اصطلاحًا: فهو "قطع الكلمة عمّا بعدها"( )، أو " عبارة عن قطع الصوت على الكلمة زمنًا يتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة أما بما يلي الحرف الموقوف عليه أو بما قبله... لا بنيّة الإعراض... ويأتي في رؤوس الآي، وأوساطها، ولا يأتي في وسط كلمة ولا فيما اتصل رسمًا "( )، وهو عند علماء الأصوات نوع من السكون يفصل بين مجموعة صوتية وأخرى ، وله تأثير في المعنى ( ). وأما الابتداء فلم يذكر العلماء المتقدمون تعريفًا له ، وهذا ما حدا بأحد الباحثين أن يستنبط له تعريفًا من تعريف ابن الجزري(ت833هـ) للوقف المذكور آنفًا يقول فيه: " هو استئناف القراءة بعد الوقف ، أو هو الشروع في التلاوة بعد قطع أو وقف " ( ) ، ولأهمية هذا الباب ألفّتْ فيه كتب كثيرة بلغت نيفًا وخمسين مؤلفًا( ). والوقف عند أكثر القراء أربعة أقسام ( ) : 1- الوقف التام: وهو ما انفصل عمّا بعده لفظًا ومعنًى، فيحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده، كقوله تعالى: ??????????????? ???? ????????????????[البقرة: من الآية5]. 2- الوقف الكافي: وهو المنفصل عمّا بعده في اللفظ المتعلق في المعنى، فيحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده أيضًا،كقوله تعالى:?? ????????? ?????????? ?????????•??? ? [النساء: من الآية23]. 3- الوقف الحسن: وهو ما يحسن الوقف عليه، ولا يحسن الابتداء بما بعده، لتعلقه به لفظًا ومعنًى،ومنه الوقف على لفظ (جميعًا) من قوله تعالى: ? ???? ??????? ?????? ????? ?•? ??? ???????? ???????? ???? ?????????? ????? ??????????? ??????????? ?????? ?????????? ? ?????? ??????? ?????? ????????[البقرة: 29] . 4- الوقف القبيح: وهو ما لا يفهم منه المراد لتعلقه بما بعده لفظًا و معنًى، لذا لا يجوز تعمد الوقف عليه، كقوله تعالى: ???????????? ????????? ?????????? ?? ??????????? ??????????? ????????? ????????? ?????? ??????????? ??? ???????????[النساء:من الآية43]،فيقبح الوقوف على لفظ (سكارى)، وأقبح منه الوقوف على لفظ(الصلاة). والوقف والابتداء " فنٌّ جميل به يعرف كيف أداء القرآن، ويترتب على ذلك فوائد كثيرة، واستنباطات غزيرة. وبه تتبين معاني الآيات ، ويؤمن الاحتراز عن الوقوع في المشكلات "( ) ، ولا يتأتى لأحد استنباط الأدلة الشرعية من القرآن الكريم إلا بمعرفته ( )، فتتغير أوجه التأويل تبعًا لاختلاف أماكن الوقف والابتداء( )، فمن ذلك اختلاف الوقف في قوله تعالى : ? ??????? ??????????? ?? ?????? ? ????? ? ????? ?????????????? ? ] البقرة : 2 [ ، فإذا وقف على ( فيه ) وهو وقف كافٍ( ) مشهور ( ) ، كانت الجملة خبرية لفظًا،إنشائية معنًى ، يراد بها النهي ، ولا يمكن حملها على معنى ( لاشك فيه ) ؛ " لأن من المعلوم أن الريب واقع فيه من الكفار "( )، يقول الطبرسي في ذلك : " إن معناه النهي وإن كان لفظ الخبر أي: لا ترتابوا أو لا تشكوا فيه كقوله : ? ???? ?????? ???? ??????? ? ]البقرة : من الآية 197 ["( ) ، في حين لا يتحقق هذا المعنى عند الوقوف على لفظ (ريب ) ؛ لأن المعنى يكون : لاشك ، كـ ( لابأس) و ( لاضير ) على نية إضمار الخبر ، وعلى هذا يكون الكتاب فيه هدى ، في حين في الوقف الأول يكون الكتاب نفسه هدى وهو أولى ؛ لأن القرآن نور وهدى ( )، و يسمى مثل هذين الوقفين في الآية الكريمة بوقف المعانقة ( ) . وأنت تلحظ كيف أدى تغّير الوقف إلى تغّير المعنى ؟ وأمّا أمثلة الوقف الذي فيه تبيين المعاني، فمنه قوله تعالى:??????? ???????? ????? ????•? ????????? ???? ??? ???????? ?????? ????????? ???????? ??? ??????????? ? ???????????? ??? ????? ?????? ??? ????????????? ???? ??????????? ? ?????? ??? ?????????? ?????? ???????? ??? ?????????? ??????? ????????]البقرة: 114 [، ففي الآية الكريمة وقفان: أحدهما: على لفظ ( في خرابها )، وهو كافٍ ( )، والوقف الآخر: على لفظ ( خائفين ) ، وهو كافٍ أيضًا( ). فبعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى أنه لا أحد أظلم ممن يمنع ذكر اسمه في المساجد ويسعى في تخريبها ، وهو بهذا الوصف البليغ يريد الزجر عن القيام بهذا الفعل الشنيع ( )، يجيء الوقف للفت الانتباه إلى ما يذكر ، فيبدأ بقوله : ???????????? ??? ????? ?????? ??? ????????????? ???? ??????????? ? ? ، لاسيما أنه ـ سبحانه وتعالى ـ ابتدأها بلفظ ( أولئك ) ، الذي يشتمل على صائتين طويلين ( الواو والألف ) ؛ مما يزيد السمع قوةً ووضوحًا ، والمعنى أن أولئك لا ينبغي أن يدخلوها ، وإن دخلوها فيكون دخولهم مصحوبًا بالخوف من الإخراج على وجه الطرد ( ) ، ففي هذا المقطع من الآية معنيان :أحدهما: ينبغي للمسلمين أن يكونوا على درجة من القوة والمقاومة ، حتى لا يستطيع الظلمة أن يمدوا أيديهم إلى هذه الأماكن المقدسة ، ولا يستطيعون أن يدخلوها جهرة بدون خوف أو خشية( )، والآخر: أنه لا ينبغي للكافرين دخول المساجد ، والنهي عن تمكينهم من الدخول فيها( ). ثم يقف قليلا ، لتهيئة جوّ من الهدوء والسكون ، ثم يقرع الأسماع بذكر العقاب الدنيوي الذي ينال من يريد أن يفصل بين الله وعباده ، وما ينتظرهم في الآخرة من عذاب جهنم الذي وصفه سبحانه وتعالى بالعذاب العظيم ؛ إذ كانوا من كل ظالم أظلم ( ). وهكذا نلحظ أن الوقف والابتداء أسهم في إبراز هذه المعاني بصورة جلية ، مما يزيد في تقرير هذه المحرمات في ذهن السامع ، وهي تحريم تخريب المساجد ، أيًّا كان التخريب ، وتحريم دخول المساجد من غير المسلمين ، قال تعالى : ???????????? ????????? ??????????? ??????? ??????????????? ?????? ???? ??????????? ???????????? ??????????? ?????? ????????? ?????? ? ?]التوبة : من الآية 28 [ . ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ? ???????? ??????????? ???????????? ?? ?????????? ???? ????? ??????? ??????? ???????????? ???????????? ???? ????????? ? ??????? ?????????? ????????? ??????? ?????????? ?????? ???????????? ? •??????? ???? ?????????? ???????? ???????????? ? ] البقرة: من الآية 275 [ ، يصور الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة حال الذين يأكلون الربا ، ويتعاملون بها ، فيشبههم بالمصروع أو المجنون الذي لايقدر على الاحتفاظ بتوازنه عند السير فيتخبط في خطواته( )، ثم يقف قليلا على لفظ ( المسّ ) ، وهو وقف كافٍ( )، ولهذا الوقف أهمية كبيرة ، تتمثل في أمرين : أحدهما: شدّ ذهن السامع ولفت انتباهه إلى ما سيذكر ، وبذلك تبرز الصورة ويتّضح المعنى ، والآخر: أن الوقف على صوت (السين ) يسهم في خلق جوّ من الفزع والرعب ؛ لما في السين من صفير عالٍ( )، ودلالة على الشدة والفعالية( )، ولا أقول إن هذا المعنى لا يحصل لو لم يحصل الوقف ، بل إن الوقف يبرز ويوضح ما يوقف عليه . وبعد هذه الوقفة القصيرة يذكر سبحانه وتعالى سبب تخبطهم ، إذ يجعلون البيع مثل الربا لا يزيد عليه بمزية ( )، ثم يحصل وقف آخر على لفظ ( الربا ) وهو وقف تام( )، ويبدأ بقوله ?•??????? ???? ?????????? ???????? ???????????? ? ؛لتوضيح أن الجملة التي قبلها من كلام المرابين ، والثانية رد من الله عليهم ، فهذا الكلام " مسوق لإبطال قولهم :? ??????? ?????????? ?????? ???????????? ? ?، والمعنى لو كان كما يقولون لما اختلف حكمهما عند أحكم الحاكمين مع أن الله أحلّ أحدهما وحرّم الآخر " ( )، بخلاف من يعدّ الوقف على ( الربا ) كافيًا ( )، فيرى أن قوله ? وأحل الله البيع وحرّم الربا? من تتمة قول الذين يأكلون الربا وهو رأي بعيد ؛ فالفصل بين الجملتين أبين( ). فمراعاة مواضع الوقف إذًا أسهم في إبراز ما أرادت الآية الكريمة إيصاله إلى السامع، وساعد على تجسيد المعنى بصورة لا لبس فيها . ومن ذلك أيضًا، قوله تعالى:? ???????? ??????????????? ?? ????????? ???? ??? ?????????? ???????? ?]الماعون: 4– 5[ . في الآيتين الكريمتين وعيد لتاركي الصلاة ـ على الأرجح ـ لا لمن يسهو فيها. فكلّ إنسان يسهو في الصلاة، ولهذا أثبت الفقهاء باب سجود السهو في كتبهم( ). وقد أسهم الوقف والابتداء في زيادة التشديد والوعيد ؛ إذ يوقف على رأس الآية? ??????????????? على رأي من يجوّز الوقف على رؤوس الآيات مطلقًا مهما اشتدّ التعلق بما بعدها ، وتعلق ما بعدها بها، حتى لو كان الوقف عليها يؤدي إلى معنى فاسد كهذا الوقف( )، وأغلب الظن أنه لا ابتعاد في المعنى هنا بخلاف من يرى ذلك( )، فالمعنى البعيد يحصل في حال الوقف على لفظ (المصلين) من غير استئناف النطق بما بعدها ، أي القارئ يكون قد انتهى وأعرض عن القراءة ، وإن استأنفها استعاذ وبسمل وهو ما يعرف بالقطع ( ) . ففي هذا الوقف دلالة جليلة؛ ألا ترى حين يقف القارئ على لفظ ( المصلين ) سينتابك صدمة شعورية، وتساؤلات كثيرة، لماذا هذا الوعيد للمصلين ؟ أليس الصلاة هي عمود الدين ؟ أليس الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ؟ أليس الصلاة قد أمر الله سبحانه وتعالى بإقامتها فقال : ????????? ??????????? ? ???? ??????????? ???????? ???? ?????????????? ????????????? ? ? ] العنكبوت : من الآية 45 [ . ولكن سرعان ما ينكشف لك المراد ويتحدد المعنى ، مع استئناف القراءة بقوله ?????????? ???? ??? ?????????? ?????????، فتجد أن هذا الوعيد هو ليس لمتمي الصلاة ومقيميها على أتم وجه ، بل هو لتاركيها ، وللمتغافلين عنها . ألا ترى كيف أدى هذا الوقف إلى إبراز الدلالة بعد أن استدعى اهتمام السامعين واسترعى أسماعهم وقلوبهم؟! وقريب ممّا ذهبت إليه ما ذهب إليه أحد الباحثين إلا أنه بدا مترددًا، ففي الوقت الذي يدعو فيه إلى وضع علامة الوقف الممنوع على مثل هـذا الموضع ، يرى أن الوقف على لفظ ( المصلين) فيه معنًى آخر مقصود( ). وكذلك قوله تعالى: ??????? ???? ????????? ?????????? ??????? ??????????? ????????????? ????•??????????????? ??? ???????? ????? ???????????? ????????? ??? ?????????? ??????????????? ?????? ????????? ??????? ?????????? ?????? ???•?????????????? ????? ?????? ?????????? ??????? ? ?????????????? ?? ??????????? ??? ??????? ? ????? ?????? ?????? ??????? ?????????????? ???? ?????????????? ?]النور:55[، فالآية فيها وعد للذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف في الأرض، وتمكينهم من نشر دينهم، وتمتعهم بالأمن الكامل( )، ثم بعد الوقف التام على لفظ ? ??????? ?( )، يستأنف بذكر ما فيه الثناء عليهم، وهو قوله: ??????????????? ?? ??????????? ??? ??????? ? ?ومعناه: لا يخافون غيري( )، ثم يحصل وقف على قوله: ???????? ? ?،وهو أتم من الأول( )، وتستأنف القراءة بعد وقفة قصيرة بقوله: ?????? ?????? ?????? ??????? ?????????????? ???? ?????????????? ?، وهو نهيٌّ غير صريح عن الكفر بما ذكرته الآية من أمر الاستخلاف في الأرض ، ولهذا الوقف دلالته الجليلة، فهو يفصل بين معنيين متضادين، بين البشارة والإنذار، بين الترغيب والترهيب، وهذا نظير ما تقوم به الفاصلة القرآنية، حين تفصل بين آية العذاب، وآية الرحمة ، وهذا الوقف بين الصفتين المتضادتين فيه تبيين المعاني، على أننا لا نغفل ما للجمع بينهما من أهمية في إبراز دلالة كل منهما للآخر، وهذا ما يسمى بأسلوب التقابل الذي سنتناوله في الفصل الرابع إن شاء الله تعالى . فالآية ختمت بوصف من كفر( من الكفران مقابل الشكر) بالفسق( )، وفي هذا الأسلوب دلالة على النهي عن جحود هذه النعمة العظيمة والتجسّر على غمطها ـ والله تعالى أعلم ـ وقد أكسب هذا الوقف المعنيين المذكورين آنفًا إيضاحًا وبيانًا. ويتضح مما سبق أن للوقف والابتداء أثرًا بارزًا في إكساب الدلالة القرآنية وضوحًا وتأثيرًا، في ضوء لفت اهتمام السامع واسترعاء سمعه وقلبه تارةً، وفي ضوء الفصل بين المعنيين المتضادين تارةً أخرى، فضلا عن أنه قد يؤدي إلى تغيّر في نوع الجملة، الذي يفضي بدوره إلى تغيّر المعنى. المحاضرة الثامنة رابعا : أسس التحليل الدلالي : 8- وسائل كشف المعنى . 9- الحقيقة والمجاز • الأسبوع الرابع عشر : 2 / 5 / 2017 10- المشترك اللفظي – الترادف – التضاد 11- علم دلالة النص • الأسبوع الخامس عشر : 9 / 5 / 2017 12- الدلالة الإيحائية ( ظلال المعنى ) 13- الدلالة الرمزية (الألوان – العض على اليدين – تقليب الكفين – التأوه ) 14- القرائن الدلالية ( لفظية – سياقية – حالية – مقامية )
نظرية معاجم الحقول الدلالية وإرهاصاتها في ((فقه اللغة وسرِّ العربية)) للثعالبي (ت 429 ه)? مقدمة تُعَدُّ معاجم الحقول الدَّلالية خطوةً مهمةً في طريق تطوير ما يعرف بمعاجم المعاني أو معاجم الموضوعات؛ لأنَّ لها أدوارًا مهمةً في إحكام تنظيم المفردات وفق مفاهيم تجمعها، وبذلك لم تعد الفائدة من هذه المعاجم منحصرةً في تزويد الكاتب بألفاظٍ لمعانٍ تجول في ذهنه، بل صارت تُستعمَل في تعليم اللغات، وتسهِّل عملية الترجمة الآلية، وتسهم في تتبع التغيرات الدلالية التي حملتها الكلمات في مسيرتها التاريخية. وهذه المعاجم التي يسعى العلماء فيها للوصول إلى أعلى درجات الدِّقة، بإخضاعها لتصنيفاتٍ معتمدةٍ على ما يجدُّ من طرقٍ في مجال الحقول الدَّلالية، تمثيلٌ لغويٌّ للعلاقات المنطقية في الكون، إذ إنها تنسج من الألفاظ شبكاتٍ دلاليةً تربط بعضها ببعض، وتبرز العلاقة بين الألفاظ ودلالتها، ومرجعيتها في العالم المحيط بالإنسان. ويرى الدكتور أحمد عزّوز أن «ترتيب الكلمات في مجموعات يرتبط بفطرة الإنسان، ومن خصائص العقل الإنساني الذي من طبيعته الميل نحو التصنيف والبحث عن العلاقة التي تكوّن أجزاء هذه المجموعة أو تلك، حتى يتسنى لنا فهمها ووضع قوانينها ثم الحكم عليها والاستنتاج» ( ). وقد مرّت هذه المعاجم بمراحل منذ بدءِ الإنسان بتجميع الألفاظ في مُصَنَّفاتٍ تُفسِّر له علاقة اللفظ بمدلوله، فمنهم من جعل قدَم السبق للهنود مع (بانيني)، وآخرون يرون أنَّ الصينيين هم من أوائل البادئين بهذا الفن. واستمرت في الظهور والتطور مع تطور الحياة وما يجدُّ فيها من مفاهيم. لم تكن هذه المعاجم وليدة اللحظة، وإنما وُجدت مع محاولات الإنسان الربط بين اللفظ ودلالته والمرجع الخارجي، وليس القولُ: إنَّ العرب كان لهم إسهامٌ في هذا الفن من فنون التأليف المعجمي -ضربًا من ضروب التعصب أو الادِّعاء المفتقر إلى الدَّليل، بل إنَّه مثبَتٌ بما وصلَنا من نصوصِ ما عُرِف في تراثنا بمعاجم المعاني أو معاجم الموضوعات التي جُمعت وَفق طرقٍ تُقارب إلى حدٍّ بعيد ما يُطلَق عليه في أيامنا بمعاجم الحقول الدلالية، والتي تُعرَّف بأنها: «معاجم تقوم على حقول تضم مفاهيم كلية، تضم في داخلها ما يرتبط بها من مفرداتٍ تدلُّ على مفاهيم فرعية مرتبطة بالمفاهيم الكلية». ويسعى هذا البحث إلى تسليط الضوء على دور العرب في التمهيد لنظرية الحقول الدَّلالية، مستندًا إلى أثرٍ لغويٍّ يُعدُّ من أهمِّ ما صُنِّف من معاجم موافقةٍ لها. هذا الأثر هو فقه اللغة للثعالبي، وقد وقع الاختيار عليه؛ لأنّه قد وضع إرهاصاتٍ تتفق مع ما جدّ في مجال الحقول الدّلالية. والغاية من هذا البحث هي: 1- التأريخُ للونٍ من ألوانِ التَّصنيف المعجمي. 2- إظهارُ ما في تراثنا من إسهاماتٍ علينا أنْ نوظِّفَها في أيامنا بنسجٍ جديد. 3- كيفية الإفادة من هذا النوع من المعاجم. أولاً- لمحة تأريخية إلى نظرية الحقول الدلالية قبل عرض النظريات الدلالية وآراء أصحابها، سأبدأ بتعريف مفهوم الحقل الدلالي، الذي جُعلت المعاجم حاملةً لاسمه. - الحقل الدلالي من المسلَّم به أن الكلمة لا تحمل دلالة إلا بالسياق الذي يربطها بغيرها من الكلمات، ولهذا فإن أقرب تعريف للحقل الدلالي هو تعريف جورج مونان الذي بيَّن أنه: «مجموعة من الوحدات المعجمية التي تشتمل على مفاهيم تندرج تحت مفهومٍ عامٍّ يُحدد الحقل» ( ) فهو أبسط تعريف جامع لمعنى الحقل الدلالي، فكلمة شجرة مفهوم عام تندرج تحته أشجار البرتقال، والتفاح واللوز، والمشمش...إلخ، هذه الألفاظ تمثِّل وحدات معجمية حاملة لمفاهيم معينة تتفق ومفهوم الوحدة المعجمية الشجرة، ومن مجموع الوحدات المعجمية ومفاهيمها يتكون حقل دلالي مستقل. فهو قِطاعٌ دلاليٌّ مترابط، يتألف من مفردات اللغة التي تعبر عن تصورٍ أو رؤيةٍ أو موضوعٍ أو فكرةٍ معينة، فالكلمات المكونة للحقل الدلالي ترتبط بموضوع معين وتعبر عنه( ). فنفهم معنى الكلمة من علاقتها بالكلمات الأخرى، داخل الحقل الدلالي، فالحقل الدلالي هو الذي يحصر العلاقات بين الكلمات حتى يفهم معناها وعلاقتها بالمفهوم العام. نظرية الحقول الدلالية إنَّ تطور العلوم واتساع إدراك الإنسان، وكثرة المفاهيم التي تتوالد يوميًّا دفعت بالإنسان، المهتم بالمعبِّر الأساسي عنه، وهو اللغة إلى ابتداع طرقٍ كثيرةٍ محاولًا عن طريقها توظيف اللغة في التعبير عن علومه وإدراكاته، ثم عمد إلى تجميع مفرداتها وَفق طرقٍ تساعد على سرعة الوصول إلى معنى الكلمات. من هذه الطرق ربطُ الكلمات والألفاظ بمعنًى عام يمثل العنوان الأكبر لمجموعةٍ من العناوين الأصغر فالأصغر، ولم تتوقف حتى أيامنا الدراسات والبحوث المتناولة لهذا الفن، فتعددت الأقوال والآراء وأُوجِدت نظرياتٌ عدة؛ لأنّ النظريات تتغير بحسب المجال الذي تُستعمل فيه، وهذا التغير طبيعيٌّ؛ لأنَّ الدَّلالة لا يمكن أن تتمحور حولَ مفهومٍ ثابت، بل هي عرضةٌ للتوسيع والتضييق، وهذا التغير يؤدي إلى ولادة آراء ونظرياتٍ جديدةٍ تحاول حصر الموضوعات المنثورة في الكون. إذ إنَّ الغاية الأساسية من نظرية الحقول الدلالية، توزيع الكلمات وفق علاقات تشابكية تعين الباحث على تعيين دلالاتها وعدمِ الخلط بين المعاني. ولا يمكن لأحدٍ أنْ يبتَّ في اسم المخترع الأول لنظرية الحقول الدلالية؛ ولهذا فإنَّ القول: إنَّ (دي سوسير) هو من أوائل المنظرين لموضوع الحقول الدلالية، لايُسلّم به على إطلاقه؛ لأنَّ قوله: إنَّ الدليل اللساني يخضع لنوعين من العلاقات: 1- علاقة مبنية على معاييرَ صوريةٍ مثل: كلمة (تعليم) فهي توحي بكلماتٍ أخرى مُشتقة منها، وتنتمي إلى نفسِ المجال الدَّلالي مثل: علم، نعلم. 2- علاقة مبنية على المعايير الدلالية فكلمة تعليم توحي بكلماتٍ أخرى مثل: تربية، تعلُّم، تكوين. إنَّ العلاقات السابقة لا تُعدُّ مصداقًا لقولِ القائل: «بذلك وضع (سوسير) الإطار العام الذي يمكن أن تُدرس فيه الأدلةُ اللغوية» ( )؛ لأنَّ ما قاله (سوسير)، لا يُعد إلا توصيفًا لما كان قبله من أعمال وليس إبداعًا لم يكن له ظهور، خصوصًا أنَّ علم التصنيف الذي ظهر عند اليونانيين وقبله عند أهل الرافدين قام على مثل هذه العلاقات، وإن لم يكن بالدقة التي أرادها (سوسير)، وكذلك ما قام به (بانيني) من تصنيف للكلمات يتحقق فيه شيءٌ مما ذكره ، وتطور الأمر عند العرب المسلمين؛ إذ إنهم فطنوا إلى النوع الأول الذي ذكره سوسير وأطلقَ عليه مصطلح العلاقة الصورية، وسمّوه مصطلح الاشتقاق الصغير الذي يقوم على أن تتغير صورة الجذر لكنه يلتقي مع الصور التي تخرج عنه بالدوران حول نواة المعنى الأساسي له. لكنَّ النقلة النوعية في قضية الحقول الدَّلالية تحققت على يد العالم الألماني (ترير) (Trier) الذي صبَّ جهده على مفرداتِ اللغة الألمانية الخاصة بالمعرفة في القرنين الثّاني عشر والثّالث عشر، وقد جعل المرحلتين موزعتين على حقلين، فوضع في حقل المرحلة الأولى الصفات الجيدة، والصفات غير الجيدة، وفي حقل المرحلة الثانية جمع الكلمات المرتبطة بالخبرة الدينية، والمعرفة، والفن( )، لكنه لم يستعمل مصطلح الحقول الدلالية، وإنما استعمل بدلاً منه مصطلحات: الحقل المعجمي، الحقل المفهومي، الدائرة المفهومية...، ورأى بعض الباحثين أن سطور(A. Stor) هو أول من استعمل هذا المصطلح( ). وقد تعددت أسماء الحقول العامة، بحسب العالم المُنظِّر لها، فأولمان (Ullmann) مثلاً قسمها إلى ثلاثة أنواع: «1- الحقول المحسوسة المتصلة: ويمثلها نظام الألوان في اللغات، فمجموعة الألوان امتدادٌ متصل يمكن تقسيمه بطرقٍ مختلفة. 2- الحقول المحسوسة ذات العناصر المنفصلة: ويمثلها نظام العلاقات الأسرية، وهي أيضـًا يمكن أن تصنَّف وفق معايير مختلفة. 3- الحقول التجريدية: ويمثلها ألفاظ الخصائص الفكرية، وهذا النوع من الحقول يُعد أهمَّ من الحقلين المحسوسين، نظرًا للأهمية الأساسية للغة في تكوين التصورات التجريدية» ( ). فنظرية الحقول الدلالية تقوم على تجميع كلِّ مفاهيم الكون، أو بعضها وفق حقول تمثلها كلماتٌ مركزية، وتتفرع عنها كلمات تتحد معها بالمفهوم العام، ويعتمد فيها على علاقاتٍ يمكن استنادًا إليها بناء عناوين الحقول وما يندرج ضمنها من كلمات. والمعجم المصنف وفق الحقول الدلالية، لابد أن تتوفر فيه تلك الأسس السابقة، لأنه يمثل تجميعًا لمفاهيم عامة، تربط كلمات تنتمي إلى مقولات كلية، حتى يستطيع القارئ فهم الكلمات اعتمادًا على علائقها بعضها ببعض. وقد أبدى الأوربيون اهتمامًا بهذا النوع من المعاجم في القرن التاسع عشر، فظهر معجم روجيه (Roget) للغة الإنكليزية، ثم معجم دورنزايف (Dornsief) للغة الألمانية( ). ما سبق عرضٌ مختصر لمراحل نظرية الحقول الدّلالية في الغرب، أما بذور هذه النظرية عند العرب، فإنها تبدأ مع الرسائل اللغوية التي كانت تجمع مفردات موجودٍ من الموجودات، مثل: رسائل الخيل، ورسائل النبات...إلخ. لكن أول المعاجم الجامعة في هذا الفن كان الغريب المصنف للقاسم بن سلام (تــ 224ه)، الذي يُعد جامعًا لمِا دُوِّن من رسائل لغوية سبقته في الظهور ورسائل الأصمعي خاصةً( ). وممن سار على نهجه في تصنيف هذا النوع من المعاجم، عبد الرحمن بن عيسى الهمذاني (تــــ 320ه) في الألفاظ الكتابية، وأبو عبد الله الخطيب الإسكافي (تــــ 421ه) في مبادئ اللغة، وأبو منصور الثعالبي (تـــ 429ه) ( ) في فقه اللغة...إلخ. - فقه اللغة للثعالبي جعل الثعالبي فقه اللغة موزعًا على قسمين: القسم الأول عَنْونه بــــ (فقه اللغة)، والثاني بـــــ(سر العربية)، وهذا القسم لم يكن متفقًا مع تصنيف المعاجم المصنفة وفق الحقول الدلالية؛ إذ إنه عرض فيه أساليب العرب في أقوالهم، وتنوع هذه الأساليب، وتحدث عن معاني الحروف، فهو قسمٌ لغوي بحث فيه في طرق العرب في كلامها، أما القسم الأول فإنه يعد معجمًا مستقلّاً مكمِّلًا لما سبقه من معاجم المعاني. وبسبب هذا الاختلاف بين القسمين ظنّ بعض النّاشرين أن كلّ قسم كتابٌ مستقل، إلا أنّ ما ينفي ذلك ذكر المؤلف نفسه للقسمين في مقدمته( ). ذكر الثَّعالبي في مقدمته أنَّه صنَّف هذا المعجم ليجمع فيه نُكتًا لغوية كانت تُثار مفكّكة في مجالس الأمير، وأشار إلى أنه استند في هذا إلى أهمّ اللغويين والأدباء الذين صنَّفُوا في المعاجم وفي فقه اللغة، فقال: «تُرِكْتُ والأدب والكتب أنتقي منها وأنتخبُ وأفَصِّل وأبَوِّب وأقَسِّم وأرَتب وأَنْتَجع من الأئمة مثل الخليل والأصمعي وأبي عمرو الشيباني والكسائي والفرَّاء وأبي زيد وأبي عبيدة وأبي عبيد وابن الأعرابي والنضر بن شميل وأبي العبّاس وابن دريد ونِفطَويه وابن خالَوَيه والخارَزَنجي والأزهري ومِن سواهم من ظرفاء الأدباء الذين جمعوا فصاحةَ البلغاء إلى إتقان العلماء، ووعورةَ اللغة إلى سهولة البلاغة كالصاحب أبي القاسم وحمزة بن الحسن الأصبهاني وأبي الفتح المراغِي وأبي بكر الخوارزمي والقاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجُرجاني وأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القَزويني» ( ). يُظهر النَّص السابق أنَّ الثَّعالبي جمعنصوصه من أهمِّ مصادر اللغة، لكنّه لم ينصّ على المنهجية الجديدة التي اتبعها في تصنيف مواد معجمه، مع أنَّه أطنب في مدح الأمير وذكر أياديه عليه. وأشار إلى مصادره، ولكنَّه اختصر في تعداد فضائل كتابه، وما امتاز به عما سبقه، فهل يرجع ذلك إلى أنّه ما وجد في كتابه جديدًا سوى تجميع أقوال سابقيه؟ أم أنَّه ترك للقارئ الحكم على إنتاجه؟ إنَّ مقدمته تخلو من الوقوف على التعريف بهذا النوع من التَّصنيف المعجمي، أو ذكر الفائدة منه، عدا سطر لا يفي بالغرض وإنما يُعد ومضةً سريعةً لا تفي بما في كتابه من جِدَّة في العرض والترتيب. وذلك قوله: «وأجمع في التآليف بين أبكار الأبواب والأوضاع وعُون اللغات والألفاظ» ( ). فقوله: أبكار الأبواب يشي بطريقة ترتيبه التي جعلها سائرةً على الموضوع العام الذي يمثِّله الباب. مع أنّ صاحب معجمٍ مماثل لمعجم الثعالبي، وهو ابن سيده (تـــ 458 ه) نراه في مقدمته يفصح عن الغاية من تصنيف معجمه بقوله: «أحببت أن أجرِّد فيها كتاباً يجمع ما تنشَّر من أجزائها شعاعاً وتنثَّر من أشلائها حتى قارب العدم ضياعاً ولاسيما هذه اللغة المكرمة الرفيعة المحكمة البديعة» ( )، ويقول في موضعٍ آخر من مقدمته: «فاشرَأبَّت نفسي عند ذلك إلى أن أجمع كتاباً مشتملاً على جميع ما سقط إلي من اللغة إلا ما لا بال به، وأن أضع على كلمة قابلة للنظر تعليلها وأحكم في ذلك تفريعها وتأصيلها وإن لم تكن الكلمة قابلةً لذلك وضعتُها على ما وَضَعُوه وتركتها على ما ودعوه» ( ). فعدم شرح الثعالبي لأسلوبه ومنهجه، والفائدة من كتابه، فوّت على قارئيه خيرًا كثيرًا أهمه: التعرَّف بالعقلية التي اعتمدت مثل هذا النوع من التصنيف؛ لأنه لو أفصح عن سبب اختيار عناوين أبوابه وفصوله، لأدركنا المرحلة التي وصلت إليها عقلية العرب في مجال الحقول الدلالية. إرهاصات الحقول الدلالية في فقه اللغة لكن مع ما سبق من خلو مقدمته من الحديث عن منهجه في الكتاب، فإنَّ عرضه للعناوين التي ضمّنها معجمه يمثِّل طريقة ترتيبه لمعجمه، وهي هنا تمثل أوَّل أسس المعجم القائم على الحقول الدلالية؛ لأنه كما عُرض في الحديث عن الحقول الدلالية، فإنّ تحديد العلاقات التي ستمثل في مثل هذا النوع من المعاجم هي أولى خطوات تصنيفه، فقد أدرك الثعالبي قضية عناوين الحقول، التي أراد أن تحتوي مفردات مرتبطة بالمعنى العام للحقل، ويمكننا القول: إن هذا التوزيع للأبواب يعد الإرهاص الأول من إرهاصات الحقول الدلالية، وسأقتصر على ذكر عدد من الأبواب للتمثيل على طريقته: «الباب الأول: في الكلِّيات وفيه أربعة عشر فصلًا . الباب الثاني: في التنزيل والتمثيل وفيه خمسة فصول. الباب الثالث: في الأشياء تختلف أسماؤها وأوصافها باختلاف أحوالها وفيه ثلاثة فصول. الباب الرابع: في أوائل الأشياء وأواخرها وفيه ثلاثة فصول. الباب الخامس: في صغار الأشياء وكبارها وعظامها وضخامها وفيه عشرة فصول. الباب السادس: في الطول والقِصر وفيه أربعة فصول. الباب السابع: في اليبس واللين والرطوبة وفيه أربعة فصول » ( ). الأبواب السابقة، هي تشكِّل عناوين الحقول، وتبعها عناوين فرعية بدأها بكلمة فصل، فالباب الأول الذي وسمه بــــ (في الكليات) نرى أنه يتوزع على فصول متنوعة. بدأها بفصل ماورد في القرآن من ألفاظ مرتبطة بلفظ كل. ثم تلاه فصل (في ذكر ضروبٍ من الحيوان) فالرابط بين صنع الثعالبي وما تنص عليه الحقول الدلالية هو تحديد الكلمة الأساسية، وهذا ما تحقق في أكثر الكلمات التي وردت في أبوابه، فالسماء كلمة أساسية تطلق على كل ما علا الإنسان.والرابط الآخر هو ذكره لعناوين الحقول الفرعية حيث نراه ينوع فيها بين ذكر الجمادات والأحياء،وكذلك ما يتعلق بالحيوانات والإنسان، إلا أنَّ التفكك الذي حصل هو أنه ينتقل من الحيوان إلى الأشياء وبالعكس، فهو لم يجعل التوزيع بحسب الشيء المتحدَث عنه؛ ولذلك نرى (فصل في ذكر ضروبٍ من الحيوان)( )، ثم فصل في (النبات والشجر)( )، ثم يأتي بفصلٍ يطلق عليه (عن أبي بكر الخوارزمي، عن ابن خالويه)، ثم فصل عن (الأفعال) التي تتفق مع عنوان الباب (الكليات). فحشرُ عنوانٍ باسم عالمين غير متّفقٍ مع تسلسل باقي العناوين، التي حاول فيها أن تكون مرتبطة بمفهوم الباب، وكذلك بتنوع الموجودات في الكون، ونراه في معظم الأبواب يحشر أسماء علماء يحيل عليهم في ذكر كلمات وردت عندهم مرتبطةً بعنوان الباب الذي يجمع مفرداته ضمن فصول، فيخصّص لهم فصولًا ضمن الباب كما في المثال السابق. مع أننا نرى أنه في الفصول حاول أن تكون مفرداتها مرتبطةً بـ: 1 - الجمادات -2- الحيوانات -3- النبات. وهذا ما يعد متفقًا مع توزيع الحقول الدلالية في أيامنا. ونرى في عناوين أبوابه بابًا خاصـًّـا بالأشياء وسمه بـــــــ: (في الأشياء تختلف أسماؤها وأوصافها باختلاف أحوالها)( ) فيبدؤه بقوله: «لا يُقالُ كأسٌ إلاّ إذا كان فيها شَرَاب وإلا فهي زُجَاجة، ولا يُقَالُ مائدةٌ إلاّ إذا كان عليها طَعَامٌ و إلاّ فهي خِوَان، لا يُقالُ كُوزٌ إلا إذا كانَتْ له عُرْوَة وإلا فهو كُوب، لا يُقالُ قلَمٌ إلاّ إذا كانَ مبريًّا وإلاّ فهو أُنْبوبَة» ( ). نلاحظ أن الكلمات كلَّها تنتمي إلى حقل الجمادات، لكنَّ الذي أخلَّ بتسلسلها المنطقي عدم توزيعها وفق المجال الذي يضمها كلها، أي لم يجعل الأشياء المرتبطة بالطعام متتابعة، ولا الأشياء المرتبطة بالطرق، أو الأشياء المرتبطة بأدوات الحرب مضمومًا بعضها إلى بعض، وإنما رأينا أنه يفصل بين الكلمات المترابطة، بذكر أسماء العلماء الذين اعتمد عليهم في استقاء كلماتٍ مرتّبَةٍ بالباب أو بالفصل، بل إنه في بعض المواضع يبدأ الباب بما روي عن أحد العلماء كما في الباب الذي وسمه بــــ: «فيما روي عن الأئمة وأبي عبيدة» ( )، ثم أتبعه بفصل «في احتذاء سائر الأئمة تمثيل أبي عبيدة من هذا الفن» ( ). ففي الفصل الأول يتحدث عن الكأس وهو من أدوات الطعام، ثم نراه يتحدث في الفصل الثالث من هذا الباب عن الطبق، قائلاً: «لا يُقال للطبق مِهْدى: إلا ما دامت عليه الهدية» ( ). إنَّ الأمثلة السابقة تعدُّ شاهدًا على أنَّ صاحب فقه اللغة سار على منهجٍ قائم على علاقات دلالية بين الألفاظ، إلا أنَّ هذا المنهج الذي ذكره لم يكن منطقيًّا في كثيرٍ من المواضع، وهذا ما عيب على معظم معاجم الحقول الدلالية العربية التراثية( ). ولكنْ لا يعني هذا اختفاءَ كلِّ مظاهر الحقول الدلالية في هذا المعجم، ويبدو أنَّ السبب في عدم منطقية تجميع الكلمات أنَّ الثعالبي لم تكن أبواب معجمه معنونَةً بعناوين تتعلق بالموجودات، وإنما كانت ألفاظًا تُستعمل في التعبير عن الموجودات في الكون، وهذا أدى إلى اختلاط بين الجمادات والحيوانات والنباتات. فلو أنَّ هذه الألفاظ وُضعت ضمن حقول المفاهيم العامة أي {باب الكليات يصبح فرعًا من باب الجمادات وهكذا باقي الأبواب}، لكان ذلك محققًا لعلاقات منطقيةٍ دقيقةٍ بين ألفاظ هذا المعجم. ويبدو أن علَّة ذلك هي أنَّ اللفظ في هذه المعاجم غُلِّب على المعنى. العلاقات بين الكلمات تبيَّن مما سبق أنَّ الحقول الدلالية لم تستقرَّ على حال واحدة، وإنما تبدلت وتغيرت بحسب الموضوع الذي احتوته، لكنَّ الشيء المشترك بين كلِّ أنواع الحقول الدلالية أنها تقوم على علاقات بين الكلمات المحتواة في الحقل الدلالي. وسأحاول أن أتتبع ظهور هذه العلاقات الدلالية عند الثعالبي واتفاقها مع ما أُحكم عرضه في زمننا المعاصر. من أهمِّ العلاقات التي ما زالت متبعَةً في تجميع الألفاظ وتصنيفها ضمن الحقول الدلالية الترادف، والتضمن(الاشتمال)، التضاد، التنافر. هذه العلاقات يرى الدكتور أحمد مختار عمر أنها لا يمكن الخروج عنها في أي حقلٍ معجمي( ). 1- الترادف يمثِّل الترادف إحدى العلاقات التي تجمع الكلمات تحت مفهوم واحد في الحقل الدلالي، ويتحقق الترادف في الحقل الدلالي حين يوجد تضمنٌ من الجانبين... كما في كلمة أم ووالدة( ). تحدَّث اللغويون العرب عن التَّرادف منذ بدايات التَّدوين، فقد ورد ذكره عند سيبويه الذي أطلق عليه مصطلح: (اختلاف اللفظين والمعنى واحد)( ) . ورد الترادف في فقه اللغة في أكثرَ من موضع، من ذلك ما ذكره في فصل ترتيب مراتب السرور، فعدَّد المرادفات الآتية: «الجَذَل، ثم الاستبشار، ثم الاهتزاز، ثم الارتياح... ثم الفرح، ثمّ المرح» ( ). ومن ذلك مترادفات لفظة السيف، قال الثعالبي: «إذا كَانَ السَّيْفُ عَرِيضاً فَهُوَ صَفِيحَةٌ، فإذا كَانَ لَطِيفاً فَهُوَ قَضِيب، فإذا كَانَ صَقِيلاً فَهُوَ خَشِيب (وهُوَ أيْضاً الّذي بُدِئَ طَبْعُهُ ولم يُحكَمْ عَمَلُهُ )، فَإذا كَانَ رَقِيقاً فَهُوَ مَهْو، فإذا كَانَ فِيه خُزُوز مُطْمَئنَّة عنَ مَتْنِهِ فَهُوَ مُفَقَّر (ومِنْهُ سُمِّيَ ذو الفَقار)، فإذا كَانَ قَطَّاعاً فَهُوَ مِقْصَل ومِخْضَل ومِخْذَم وجرَاز وعَضْب وحسام وقَاضِبٌ و هُذَامٌ، فإذا كَانَ يَمُرُّ في العِظَام فَهُوَ مُصَمِّمٌ...إلخ» ( ) . 2- التضمُّن أو الاشتمال يتحقق الاشتمال بأن يكون طرفٌ يضمُّ طرفًا آخر، بحيث يكون اللفظ المتضمِّن أعلى من اللفظ المتضمَّن كما في لفظ فرس فإنه ينتمي إلى لفظ حيوان( ). لم تظهر هذه العلاقة في حقل مستقل من حقول فقه اللغة، واكتفى الثعالبي بذكر كلماتٍ معدودة تنتمي إلى معنى أعم يشملها، وهذا ما ظهر في أسنان الرجال والنساء، ففي فصل ترتيب سن المرأة يذكر الثعالبي الكلمات الآتية: «هِيَ طِفْلَة مَا دَامَتْ صَغِيرَةً، ثُمَّ وَليدَةٌ إِذَا تَحَرَّكَتْ، ثُمَّ كَاعِب إذا كَعَبَ ثَدْيُهَا، ثُمَّ نَاهد إذا زَادَ، ثُمَّ مُعْصِر إذا أَدْرَكَتْ، ثُمَّ عَانِس إذا ارْتَفَعَتْ عَنْ حَدِّ الإعْصَارِ، ثُمَّ خَوْد إذا تَوَسَّطَتِ الشَّبَابَ» ( )، فالكلمات السابقة الدَّالة على المراحل العمرية كلها تنتمي إلى كلمة أعلى هي المرأة. ومن ذلك أيضًا «فصل في جماعات الضَّأن والمعز، إذا كَانَتِ الضَّأنُ مَا بَيْنَ العَشرِ إلى الأرْبَعِينَ فَهِيَ الفِزْرُ، والصُّبَةُ مِنَ المَعْز مِثْلُ ذَلِكَ، فإذا بَلَغَتِ الثَلاَثِينَ فَهِيَ الأَمْعُوزُ، فإذا بَلَغَتِ الضَّاْنُ مئةً فَهِيَ القَوْطُ» ( ). فالفِزر والصُّبة والقَوْط كلماتٌ ترتبط مع الضَّأن والماعز بعلاقة اشتمال، لأنَّ الضَّأن تشتمل على الفِزر. 3- التضاد توزعت علاقة التضاد في حقول فقه اللغة، فكان يذكر المتعاكسين ضمن حقل من الحقول التي لم تعنون بعناوين مرتبطة بالتضاد، إلا أنَّه بعد ذكره لكلمات مرتبطةٍ بفصل من الفصول (مفهومٍ من المفاهيم) يذكر ضدَّ كلمة من الكلمات كما في الأمثلة الآتية: العَدُوُّ ضِدُّ الصَّدِيقِ. التَرَح ضِدُّ الفَرَح. والعدل: القيمة، والرَّجل الصالح، والحقُّ، وضِدُّ الجَور. إلا أنه تحدث عن التضاد، وكيفية صنعه في اللغة بوساطة حرف من حروفها، وخصه بفصل مستقل وسمه بــــ: «فصل في الفرق بين ضدَّين بحرف أو حركة». وقال: «ذلك من سنن العرب كقولهم: دَوِيَ: من الدَّاء وتَداوى: من الدواء. وأخْفَرَ: إذا أجارَ، وخَفَرَ: إذا نقض العهد. وقَسَط: إذا جار، وأقسَطَ: إذا عدل. وأقْذى عينه: إذا ألقى فيها القذى وقذَّاها: إذا نزع عنها القذى . وما كان فرقه بحركة كما يقال: «رجُلٌ لُعَنَةٌ: إذا كان كثير اللَّعن ولُعْنَة: إذا كان يُلْعَن وكذلك ضُحَكة وضَحْكة» ( ). ومما يدرج ضمن علاقة التضاد، ما يُعرف في علم البديع بالطباق، فقد أفرد له الثعالبي فصلًا مستقلًّا معنونًا به:فصل في الطِّباق، وقد وُجدت علاقة الطباق في القسم الثاني من الكتاب وهو سر العربية، مع أنه ينتمي إلى الحقول الدلالية التي وردت في فقه اللغة، إلا أن الثعالبي، أدرجه في مباحث القسم الثاني قائلاً: «والجمع بين ضدين كما قال تعالى: ? فَلِيَضْحَكوا قَليلاً وَلِيَبْكوا كَثيراً ? {التوبة/82} وكما قال عزَّ وجلَّ: ? تَحْسَبُهُم جَميعاً وقُلوبُهُمْ شَتَّى ? {الحَشْر/14} وكما قال عزَّ وجلَّ: ?وتَحْسَبُهُمْ أيقاظاً وهم رُقودٌ? {الكهف/18} وكما قال عزَّ من قائل: ?ولَكُم في القِصاصِ حَياةٌ ?{اليقرة/179}. ومما جاء في الخبر عن سيِّد البشر ?: (حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمكارِهِ والنَّارُ بِالشَّهوات) (النَّاسُ نِيام فإذا ماتوا انتَبَهوا) (كفى بالسَّلامَة داءً) (إنَّ اللهَ يُبْغِضُ البَخيلَ في حَياتِهِ والسَّخيَّ بَعْدَ موته( )) (جُبِلَتْ القُلوبُ على حُبِّ من أحْسَنَ إلَيها وبُغْضِ من أساءَ إلَيها) (احذَروا من لا يُرْجى خَيْرُهُ ولا يؤْمَنُ شَرُّهُ ) » ( ). المتلازمات اللفظية: ومن الأمور التي امتاز بها الثعالبي، أنه خصَّ المتلازمات اللفظية بفصول مستقلة، وأطلق عليها مصطلح ما يناسبه، والمتلازمات اللفظيَّة هي: «تجمعات معجمية لكلمتين أو أكثر ترِد عادةً بعضها مع بعض...إلخ» ( ) ومن الأمثلة عليها ضبابٌ كثيف، ، فهي تركيباتٌ قائمةٌ على تناسبٍ بين لفظين قد يكون أحدُهما فعلاً والثاني حرفًا وقد يكون الأول فعلًا والثاني اسمًا، وقد يتكون التلازم اللفظي من اسمين. فطِن الثعالبي إلى هذه العلاقة، فجعل لها فصولًا احتوت عددًا من هذه المتلازمات. وتظهر المتلازمات اللفظية بعدة أشكال: اسم + اسم، فعل + اسم، فعل+ حرف+ اسم. وللتلازم الاسمي علاقات: كالوصف، والإضافة: فمن الأمثلة على المتلازمات اللفظية القائمة على العلاقة الوصفية: «مَالٌ لُبَد، ماءٌ غَدَقٌ، جَيْش لَجِب، مَطَر عُبَاب، فَاكِهَة كَثِيرَةٌ» ( ). ومن الأمثلة على العلاقة التلازمية القائمة على الإضافة: «نُقَاوَةُ الطَّعَامِ، صَفْوَةُ الشَّرَابِ، خُلاصَةُ السَّمْنِ، لُبَابُ البُرِّ» ( ) . ومن الأمثلة عليه «فصل في تفصيل الإشارات: أشار بيده، أومأ برأسه، غمز بحاجبه، رمَز بشفتيه، لمع بثوبه، ألاح بكمه» ( ). الخاتمة أهمية استثمار فقه اللغة وباقي معاجم الموضوعات إنّ أهم شيءٍ قدمته معاجم الموضوعات التراثية هو أنها تُعد الممهد الأول لما يسمى اليوم بنظرية الحقول الدلالية (Semantic fields) وكما يقول الدكتور أحمد مختار عمر: «هي من الأعمال المبكرة عند العرب في هذا العلم» ( ). وفقه اللغة للثعالبي يندرج ضمن سلسلة تلك الأعمال التراثية التي مهّدت لنظرية الحقول الدَّلالية، ويُعد منجمًا لمن يريد استثماره لغويًّا وَفق ما جَدَّ من نظريات في مجال المعجمية المصنفة وفق الحقول الدلالية. وتبين مما سبق أنّ فقه اللغة وسر العربية، ظهر فيه كثيرٌ من ملامح نظرية الحقول الدلالية، بدأها بتعيين أسماء الحقول، ثم بدأ الحقول الدلالية بكلمات أساسية، وأهم هذه الملامح العلاقات الدلالية التي أحكمت العلاقات بين الموضوع العام للحقل، والكلمات المرتبطة به. ولم يكن محصورًا بمجال معجمي بعينه، فلم يقتصر على الإنسان وما يرتبط به، ولا على الجمادات، وإنما جمع كلَّ ذلك إضافةً إلى جمعه لعلاقةٍ لغوية تُضاف إلى العلاقات التي تُتبع في الحقول الدلالية (الترادف، التضمن، التضاد...إلخ) وهي: علاقة التلازم اللفظي التي اصطلَح على تسميتها بــما:(يناسبه) هذا المصطلح مساوٍ في كثيرٍ من الأمثلة لما يُطلق عليه في الدراسات اللغوية المعاصرة (المتلازمات اللفظية)، التي تفتقر العربية إلى معجمٍ جامع لكلِّ مظاهرها، مع أنَّ لها دورًا مهمًّا في تدريب الكاتب، وتعليم غير الناطقين بالعربية. فحبذا لو توَّفرتِ الجهود على إعادة هيكلة هذا المعجم، وذلك بجعله مصنفًا وفق حقولٍ عامة تتعلق بالبشر، والحيوانات، والنباتات، والجمادات، ثم وضع عناوين فرعية ضمن تلك العناوين الأربعة، بحيث تجمَعُ هذه العناوين الفرعية كلَّ المفاهيم التي ذكرها الثعالبي، لنصل إلى ترابط الكلمات مع مفاهيمها، وإزالة هذا التفكك المسيطر على حقول فقه اللغة للثعالبي. فمثلاً نبدأ بالحقل الأول الإنسان ثمَّ نفرِّع منه حقولًا جزئية متصلة بخَلْقِه، وهذا يتفرع منه أجزاء جسمه، ثم نضع حقلاً مرتبطًا بمشاعره وأحاسيسه، وتقوم هذه الحقول على العلاقات المعروفة في الحقول الدلالية مثل الترادف والتضاد والتضمن...إلخ . إنجاز عمل على هذا النحو يُعدّ خدمةً للعربية ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا، فهو إحياءٌ لتراثٍ، وتواصلٌ مع الحاضر بما فيه من نظرياتٍ جديدةٍ في مجال الحقول الدلالية، وكذلك تهيئةٌ له للاستثمار في أعمال مستقبليةٍ قد تعيد تصنيف معاجم المعاني التراثية وَفق نظرية الحقول الدلالية المعاصرة، وبذلك تُهيَّأ لنا ثروةٌ لغويةٌ يفيد منها المعجم التاريخي، والترجمة الآلية، وتعليم العربية لغير الناطقين بها. المصادر والمراجع أولاً- المصادر - فقه اللغة وسر العربية، الثعالبي، عبد الملك بن محمد بن إسماعيل، تحقيق د. خالد فهمي، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط1، 1418ه/1998م.
ثانيًا – المراجع - أصول تراثية في نظرية الحقول الدلالية، د. أحمد عزوز، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2002م. - علم الدلالة، د. أحمد مختار عمر، عالم الكتب، القاهرة، ط5، 1998م. - علم الدلالة، بالمر، ترجمة، محمد عبد الحليم الماشطة،جامعة المستنصرية، بغداد، 1985. - معاجم على الموضوعات، د. حسين نصَّار، الكويت، 1409ه/ 1985م. - وفيات الأعيان، ابن خلكان، شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، تحقيق د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت، د.ت. - الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، خير الدين الزّركلي، دار العلم للملايين، بيروت، ط15، 2002م. - الكتاب، سيبويه، عمرو بن عثمان، تحقيق عبد السلام هارون، عالم الكتب، القاهرة، ط3، 1403ه/ 1983م. - المخصص، ابن سيده، علي بن إسماعيل، دار الكتب العلمية، بيروت. - المزهر في علوم اللغة وأنواعها، السيوطي، جلال الدين، تحقيق محمد أحمد جاد المولى وآخرين، دار التراث، القاهرة، د.ت. - معجم المؤلفين تراجم مصنفي الكتب العربية، عمر رضا كحّالة، مؤسسة الرسالة، بيروت. - «الأسس النّظرية لوضع معجمٍ للمتلازمات اللفظية العربية»، د.محمد حلمي هليّل، أسس المعجم النظرية، مجلة المعجمية، عدد12و13، تونس،1997. - البحث اللغوي، د. محمود فهمي حجازي، دار غريب، القاهرة، د.ت. - علم الدلالة، منقور عبد الجليل، اتحاد الكتاب، دمشق، 2001م.
المحاضرة التاسعة الدلالة الصرفية
حاولت في هذا الفصل دراسة الأفعال والأسماء التي تتعلق بموضوع البحث دراسة صرفية موفية، كل فعل حقه من هذه الدراسة بتصريفاته التي وردت في القرآن الكريم وقد رتبت هذه الألفاظ على وفق ترتيب سيبويه فبدأت بالمضارع ثم الماضي ثم الأمر ومن حيث وروده فعلاً: مجرداً ومزيداً، ثم المشتقات المختلفة من: اسم فاعل، وصفة مشبهة، واسم مفعول، وصيغتي المثنى والجموع بأنواعها المختلفة، وحسب شيوعها وكثرتها في القرآن الكريم. وقد قدمت الأفعال على الأسماء لأنَّ الصرفيين قدموا الأفعال على الأسماء. وسأفصل القول في الالفاظ مبتدئة بالفعل: 1- رَأَى: جاء الفعل (رَأَى) ومضارعه (يَرَى) لكثرة الاستعمال مع التطور، حُذِفَتْ هَمزَتُهُ في المضارع والأمر، إذ كانَ الأصل في تصريفه أن يُقال: رَأَى، يَرْأَى، إِرْأَ كما يُقال: نَأَى، يَنْأى ، إنْأَ. ولكنَّ العرب الفصحاء لم يَفْعَلوا ذلك، بَل قَالو: رَأَى، يَرَى، رَه. وورد الفعل (رأى) مجرداً ومزيداً في القرآن الكريم فقد ورد بصيغة الفعل المجرد للمعلـوم على وزن (فَعَلَ) والفعل المجرد هو ما كانت جميع حروفه اصلية لا يسقط من بنائه حرف في التصريف وهو على نوعين ثلاثي ورباعي( ) فقد جاء الفعل بصيغة المضارع خمساً وعشرين ومئة مرة في القرآن الكريم( ) إذ نال الفعل المضارع المرتبة الأولى من بين الأزمنة لأن الفعل المضارع كما يقول ابن جني : ((أسبقُ في الرتبة من الماضي))( ) ومن ذلك قوله تعالى: ?إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا ?( ) وقوله تعالى: ?َتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ?( ) وقوله تعالى: ?قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا?( ) وقوله تعالى: ?وَقُل اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ?( ). وجاء بصيغة الفعل الماضي المجرد على وزن (فَعَلَ) ثلاثاً وتسعين مرة،( ) ومنه قوله تعالى: ?فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ?( ) وقوله تعالى: ?فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي?( ) وقوله تعالى: ?وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا?( ). وجاءَ بصيغة الأمر تسع مرات ومنه قوله تعالى: ?أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِن الأَرْضِ?( ) وقوله تعالى: ?وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنْسِ?( ). وجاءت المادة على صيغة الفعل المبني للمجهول وهو: ما استغني عن فاعله وجاء الفعل (يُرَى) بصيغة المضارع المبني للمجهول مرتين في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: ?تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ?( ) وقوله تعالى:?وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ?( ) ويأتي الفعل مزيداً ((وهو ما زيد على الحروف الثلاثة الأصول بواحد أو أكثر من حروف الزيادة، وهو نوعان: مزيد ثلاثي، ومزيد رباعي)) ( ). فمما ورد مزيداً بحرف واحد مجيؤه على وزن (فاعل) إذ جاء الفعل (يراءون) بصيغة الأفعال الخمسة مرتين في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: ?يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ?( ) وقوله تعالى: ?الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ?( ) أي ((إنهم لا يقومون الى الصلاة إلا لأجل الرياء والسمعة، لا لأجل الدين. فإن قيل: ما معنى المراآة وهي مفاعلة من الرؤية. قلنا: إن المرائي يريهم عمله وهم يرونه إستحسان ذلك العمل)) ( ). وجاء مزيداً بحرفين على وزن (تفاعل) وهو الثلاثي المزيد بالتاء والألف إذ ورد الفعل (تراءى) وأصله (تراؤىُ) قلبت الضمة قبل الياء كسرة فصار (ترائىُ) أعلَّ إعلال قاضٍ فصار (تراءٍ) وإنما لم تقلب الياء واواً لمناسبة الضمة لما يترتب على ذلك من عدم النظير وهو وجود إسم معرب آخره واو قبلها ضمة أصلية وقد ورد هذا الفعل مرتين في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: ?فَلَمَّا تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ ?( ) وقوله تعالى: ?فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ?( ) ((قرأ حمزة وحده (فلما تَرآءَا) بكسر الراء وَيمُدّ ثم يهمز، وكذلك روى هبيرة عن حفص، عن عاصم. قال أبو بكر: المعروف عن عاصم. (ترآءَ) مفتوح ممدود. وروى أبو عمارة [ حمزة بن حبيب الزيات] عن حفص، عن عاصم: (ترآءا) مفتوحاً مثل أبي بكر وكان حمزة يقف: (تَرِاءِا) على وزن (تَرِاعى) … عن الكسائي: يأتي بهمزة مكسورة بعد الألف التي بعد الراء مع كسر الراء. وكان الباقون: (تَرآءَا) يفتحون الراء وبعدها الف وبعد الألف همزة مفتوحة بعدها الف بوزن تَرَاعَى))( ). وجاء في اللسان: ((تـراءى القوم إذا رأى بعضهم بعضاً. وتراءى لي الشيءُ أي ظهر حتى رأيته، وإسنـاد الترائي إلى النارين مجاز من قولهم داري تَنْظُر إلى دار فلان أي تقابلها… ويقال: تراءينا فلاناً أي تلاقينا فرأيته ورآني وعن النبي إنه قال: أنا بريءٌ من كلِّ مسلمٍ مع مشركٍ، قيل: لِمَ يا رسول الله؟ قال: لا تَراءَى ناراهما؛ قال ابن الأثير (ت606هـ): ((أي يلزمُ المسلم ويجب عليه أن يُباعد منزلهِ عن منزلِ المشرك ولا ينزل بالموضع الذي إذا أُوقَدت فيه نارُه تَلُوحُ وتظهرُ لنار المشرك إذا أوقدها في منزله…))( ) وقـال أبو عبيد: معنى الحديث أن المسلم لا يَحِلُّ له أن يسكن بلاد المشركين فيكون معهم بقدر ما يرى كلُّ واحدٍ منهم نارَ صاحبه))( ). وعلى صيغة الأفعال الخمسة ورد الفعل (يرون) واصله (يرأيُون) قلبت الياء (لام الكلمة) الفاً لتحركها وإنفتاح ما قبلها ثم حذفت العين بعد نقل حركتها الى الفاء لالتقائها ساكنة مع اللام وحذفت اللام لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة وبقي ما قبل واو الجماعة مفتوحاً فصار (يَرَوْن) بزنة (يَفَوْن). ويرون فعل مضارع اتصلت به واو الجمع للغائبين ورد في القرآن الكريم أربعين مرة نحو قوله تعالى: ?أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا?( ) وقوله تعالى: ?كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا?( ) وقوله تعالى:?إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا?( ) وقوله تعالى: ?أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ?( ) وقوله تعالى:? أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ?( ) وقوله تعالى: ?أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ?( ) قال ابن خالويه (ت 370 هـ) : ((يُقرأنَ بالتاء والياء، فالحجة لمن قرأهن بالتاء: أنه أراد: معنى مخاطبتهم وتقريرهم بآيات الله، وبدائع خلقه، والحجة لمن قرأهن بالياء: أنه جعل الألف للتوبيخ، فكأنه قال مُوَبِّخاً لهم: ويحهم! كيف يكفرون بالله وينكرون البعث ويعرضون عن آياته وهم يرون الطير مسخرات، وما خلق الله من شجر ونباتاً، وما بدأه من الخلق؟ أفليسَ من خلق شيئاً من غير شيء، فأنشأه، وكّونه، ثم أماته، فأفناه قادراً على إعادته بأن يقول له: عُد الى حالتك الأولى؟))( ). أما ترون ففعل مضارع اتصلت به واو الجمع للحاضرين وقد ورد عشر مرات في القرآن الكريم ومنه قوله تعالى: ?إِنّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ?( ) وقوله تعالى: ?إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ?( ) وقوله تعالى: ?أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ?( ) وقوله تعالى: ?أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ?( ). وكذلك جاءت المادة مؤكدة بنون التوكيد إذ يلحق الفعلَ للتوكيد نونان: إحداهما ثقيلة والأخرى خفيفة ومعناها التأكيد، والشديدة أكثر تأكيداً( ).ولا تلحقان إلا الأفعال غير الماضية فالماضي لا يؤكد بهما أبداً( ). لأن معناه للمضي، ومن شأن نون التوكيد أن تخلص الفعل المضارع للإستقبال. ولهما مواضع لا تتعديانها منها: يجب توكيد المضارع إذا كان جواباً لقسمٍ غيرَ مفصولٍ من اللام مستقبلاً مثبتاً( ). إذ ورد (ترونَّ) وهو فعل مضارع معتل الآخر بالألف أسند إلى واو الجماعة حذفت لامه وبقيت الفتحة قبلها دليلاً عليها فعند توكيد (ترونَّ) حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، ولم تحذف واو الجماعة بل بقيت وحركت بالضم الذي يناسبها لأجل التخلص من التقاء الساكنين( ). وإنما بقيت واو الجماعة هنا لأن حذفها يوقع في اللبس، وبيان ذلك أنها لو حذفت فإن آخر الفعل إما أن يفتح أو يكسر أو يضم، فإذا فتح آخر الفعل التبس بالمسند الى الواحد، وإذا كسر التبس بالمسند الى الواحدة، وإذا ضم التبس المعتل بالألف بالمعتل بغيرها، لذلك وجب بقاء واو الجماعة محركة بالضم مفتوحاً ما قبلها لكي يدل على أن المحذوف من آخر الفعل ألف. وقد ورد في القرآن مرتين في قوله تعالى:?كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوْنَّ الْجَحِيمَ ?( ) وقوله تعالى:?ثُمَّ لَتَرُوْنَهََّا عَيْنَ الْيَقِينِ ?( ) قال ابن خالويه: ((يقرأ بفتح التاء وضّمها، فالحجة لمن فتح: أنه دل بذلك على بناء الفعل لهم فجعلهم به فاعلين. والحجة لمن ضم: أنه دلَّ بذلك على بناء الفعل لما لم يسم فاعله، والأصل في الفعل (لتْرأَيُونَّ) على وزن (لتفعلونَّ) فنقلوا فتحة الهمزة الى الراء، وهي ساكنة، ففتحوها، وحذفوا الهمزة تخفيفاً، فبقيت الياء مضمومة، والضم فيها مُستثقل، فحذفوا الضمة عنها فبقيت: ساكنة، وواو الجمع ساكنة، فحذفوا الياء لالتقاء الساكنين فالتقى حينئذ ساكنان: واو الجمع، والنون المدغمة، فحذفوا الواو لالتقائهما)) ( ). ومن مواضعها أيضاً أنه يجوز توكيد الفعل المضارع إذا كان مسبوقاً بإن المدغمة في (ما)، أو بأداة طلب( ). كما في لفظة (تَرَيِنَّ) أصله قبل التوكيد (ترأيين) كتمنعين نقلت حركة الهمزة الى الراء قبلها ثم حذفت الهمزة فصار (تريين) بفتح الراء وكسر الياء الأولى وسكون الثانية أو نقول حذفت الكسرة لاستثقالها أو تحركت الياء وأنفتح ما قبلها فقُلبت الفاً وعلى التقديرين التقى – ساكنان حذف اولهما كما مر فصار (ترين) بفتح الراء وسكون الياء ثم دخل الجازم وهو (ان) الشرطية المتصلة بما الزائدة فحذفت نون الرفع فصار (فإما ترى) بسكون الياء المفتوح ما قبلها ثم أكد بالنون فالتقى ساكنان ياء المخاطبة ونون التوكيد وتعذر حذف أحدهما فحركت الياء بحركة تجانسها وهي الكسرة ويبقى ما قبلها مفتوحاً، لتدل الفتحة على المحذوف( ). وإنما بقيت ياء المخاطبة محركة بالكسر لأن حذفها يوقع في الإلباس: فلو حذفت الياء وبقي فتح ما قبلها لم يكن هناك ما يدل عليها، وإذا كسـر ما قبلها اشتبه المعتل بالألف بغيره من المعتل بالواو أو بالياء، وإذا ضم ما قبلها التبس بالمسند إلى واو الجماعة من المعتل بالواو أو بالياء، فوجب من أجل منع الإلباس بقاء ياء المخاطبة مع المعتل بالألف عند التوكيد، ووجب أن تحرك للتخلص من التقاء الساكنين وكانت الحركة كسرة لأن الكسرة أنسب للياء. ومن ذلك قوله تعالى: ?فَإِمَّا تَرَيْنَّ مِنْ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا?( ) وقوله تعالى:?قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنَّي مَا يُوعَدُونَ ?( ) وقوله تعالى:?وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ?( ) وقوله تعالى:?وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ?( ) فهذه جملة شرطية زيدت (ما) في حرف الشرط (إن) ونون التوكيد في فعله فكان توكيده مزدوجاً. وجاء على وزن (فِعَال) المصدر (رِئَاء) من رَاءَى من الرؤية ويجوز إبدال همزته ياء لكسرة ما قبلها. وقد ورد ثلاث مرات في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: ?لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ ?( ) وقوله تعالى: ?وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ ?( ) وقوله تعالى:? وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ ?( ) ، قال الطوسي: ((الرئاء: إظهار الجميل مع إبطان القبيح تقول: راءى يرائي مراءاة ورياء))( ) وجاء في المصباح المنير: ((الرياء هو إظهار العمل للناس ليروه ويظنوا به خيراً فالعمل لغير الله))( ) وترى الباحثة أن الرياء وجه من وجوه الشرك وإنما صار الشرك رياءً لأن العبد عندما يعمل يبتغي بذلك نوالاً من الله، ويتخذ عنده جاهاً ومنزلة رجاء النوال والمنفعة، فإذا إبتغى بذلك نوالاً من بعض عبيده، وأتخذ عندهم بذلك جاهاً ومنزلة رجاء المنفعة فقد أشرك في العمل غيره دونه. ومن الفعل الثلاثي المجرد (رأى) جاء المصدر (رِئْيَاً) على وزن (فِعْلاً) مرة واحدة في القرآن الكريم في قوله تعالى:?وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا?( )، جاء في المحتسب: ((… ومن ذلك قراءة طلحة (ورياً) خفيفة بلا همز. وقرأ: (وَزِياً)، بالزاي سعيد بن جبير ويزيد البربري والأعسم المكي، قال ابو الفتح: النظر من ذلك في (وَريَّاً) خفيفة بلا همز، وذلك أنه في الأصل فِعْل أما من رأَيت وإما من رَوِيت، فأصله-وهو من الهمز- ورِئْياً كَرِعْياً، على قراءة أبي عمرو وغيره، فأريد تخفيف الهمز، فأبدلت الهمزة ياءً لسكونها وإنكسار ما قبلها، ثم أدغمت الياء المبدلة من الهمزة في الياء الثانية التي هي لام الفعل، فصارت (وَرِيَّاً). ويجوز أن يكون من رَويتُ. قال أبو علي: وذلك لأن للريان نضارة وحسناً، فيتفق إذاً معناه ومعنى (وَزيَّاً) بالزاي. وأصله على هذا (رِوْىٌ) فأُبدلت الواو ياء، وأُدغمت في الياء بعدها، فصارت (وَرِيَّاً). حدثنا أبو علي عن إبن مجاهد أن القراءة فيها على ثلاثة أضرب: (ورِئْياً)، (وَرِيَّاً)، (وَزِيَّاً) فهذا هذا…))( ). والرِّئْيُ بالكسر:المنظر وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة( ) ((والرِّئْيُ: المظهر))( ) و(( الرِّئْيُ: الثوب الفاخر الذي يُنشَر ليُرى حُسْنُهُ. ورئْيُ الشئ: ما يقع عليه النَّظَر ويرى منه،وحُسْنُ المنظر في البهاء والجمال))( ). أما (رَأْي) فمصدر على وزن(فَعْل) مصدر رأى الشيء يراه رَأْيَاً ورؤيةً. قال الخليل: ((الرأي:رأي القلب، ويجمع على الآراء، تقول: ما أَضلَّ أراءَهم على التَعَّجبُّ و(راءَهم)أيضاً)) ( ) وقال ابن دريد((الرأي: منتهى البصر،ورأيُ العين: منتهى بصرها))( ). وقد ورد مرتين في القرآن الكريم في قوله تعالى:?فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ?( ) وقوله تعالى:?وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ?( )، ((قرأ أبو عمرو وحده: (بادئ) مهموزاً (الرَّاي) لا يهمزه. وكلهم قرأ: (الرَّأْي) مهموزاً غيره. وقرأ الباقون: (بادِيَ) بغير همز. وروى علي بن نصر عن أبي عمرو: أَنه كان لا يهمز: (الرَّايَ) وقال اليزيدي عن أبي عمرو: لا يهمز: (الرَّاي) إذا أدرج القراءة أو قرأ في الصلاة، ويهمز إذا حقق. روى عنه الهمز وتركه، وهذه علته))( ) وذهب الأصفهاني إلى ان الرأي: ((اعتقاد النَّفس أحد النقيضين عن غلبة الظَّنَّ وعلى هذا قوله: ? يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ?( ) أي يظنونهم بحسب مقتضى مشاهدة العين مثليهم، تقول فَعَل ذلك رَأَيَ عَيْني وقيل رَاءَةَ عيني))( ). وذهب الصفدي ( ت 764 هـ) إلى أن الرأي هو: ((التفكر في مبادئ الأمور ونظر عواقبها وعلم ماتؤول إليه من الخطأ والصواب)) ( ). أما (الرُّؤْيا) فمصدر (رأى) في المنام، على وزن (فُعْلى) كالسُّقيا والبُشْرى، وألفه للتأنيث ولذلك لم ينصرف، والرؤية مصدر (رأى) للعين إلا أنها لم ترد في القرآن الكريم ووذكرتها المعاجم فلابد من التمييز بين اللفظين – وهذا ما سأبينه على النحو الآتي:- جاءت الرؤيا في القرآن الكريم سبع مرات، كلها في الرؤيا الصادقة وبصيغة المفرد، دلالة على التمييز والوضوح والصفاء. ومن هذه المرات السبع، جاءت الرؤيا خمس مرات للأنبياء، فهي من صدق الإلهام القريب من الوحي: وهي رؤيا إبراهيم ? في آية الصافات: ?وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ?( )، ورؤيا يوسف إذ يقول له أبوه: ? يَابُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ?( ) وحين نتابع سياقها في السورة نراها قد صدقت وتحققت في قوله تعالى: ?وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ?( ) ورؤيا المصطفى في الاسراء: ?وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ?( ) ورؤياه في الفتح قال تعالى:? لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ?( ) فهذه خمس مرات من استعمال القرآن للرؤيا لدى الأنبياء. والمرتان الأخريان في رؤيا العزيز وقد صدقت. وفي آيتها عبر عنها القرآن مرتين على لسان الملك بالرؤيا، لوضوحها في منامه وجلائها وصفائها، وإن بدت للملأ من قومه هواجسَ أوهاماً وأضغاثَ أحلام قال تعالى: ?وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ ?( ) وتمضي القصة في سياقها القرآني، فإذا رؤيا الملك صادقة الإلهام، وليست كما بدت للملأ من قومه أضغاث أحلام. أقول: إن هذا الذي جاء في القرآن في مادة (الرؤيا) ودلالتها على الصدق في الآيات السبع يعد خصوصية معنوية اختصت بها لغة التنزيل يحسن بنا أن نقف عندها لنرى أن العناية الإلهية أفرغت في هذا الكتاب عربية قويمة عالية تتصف بالأصالة والحسن( ). ولبيان الفرق بين اللفظين: قال الواحدي: (( الرؤيا مصدر كالبشرى والسقيا والبقيا والشورى. إلا أنه لما صار اسماً لهذا المتخيل في المنام جرى مجرى الأسماء. وقال صاحب الكشاف: الرؤيا بمعنى الرؤية إلا إنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقظة فلا جرم فرق بينهما بحرفي التأنيث، كما قيل: القربة والقربى)) ( ). وتذهب الباحثة إلى أن هناك جهوداً كثيرة بذلت من اجل التمييز بين كلمتي (رؤيا) و(رؤية) إحساساً منهم بضرورة التفريق بينهما ولولا ذلك لما تطلب الأمر كل هذه المشقة كما أظن. فالرؤيا نفاذ الإنسان ببصيرته الحادة الى ما تخبئه المرئيات وراءها من معانٍ وأشكال فيقتنصها ويكشف نقاب الحس عنها، وبذلك يفتح عيوننا على ما في الأشياء المرئية من روعة وفتنة. وفي أحيان كثيرة تستعمل كلمة (الرؤيا) استعمالاً مرادفاً للحلم، والسحر، والتوق الصوفي وهذا يضعها في الطرف المقابل لما تؤديه كلمة (الرؤية) فالرؤيا تجسد معنىً حلمياً، ودلالةً قلبيةً، على العكس من كلمة (رؤية) التي تعني في معظم الأحيان، فعلاً جسدياً محضاً لا يلامس غير السطح من المرئيات، ولا يصل الى مكنونها الداخلي، وما في صمتها البارد من دلالة وتوحش وتعد الرؤيا عملاً ينمو في الأعماق سرياً مؤلماً، وبطيئاً نتيجة لحركة النفس التي يتولد عنها كثير من الأعمال، هذا العمل يندغم ويتزامن ويتأثر بتطور شخصية الشخص الذهنية ويتصل كذلك بنضجه الحسي والروحي ولا يتم إلا إذا إنبثقت عن هم مركزي يشغل الشخص ويستقطب طاقته الروحية ونشاطه الحسي وإلا إذا كانت إشعاعاً يصدر عن ذلك الشاغل الأساسي فيلون ذاكرة الشخص وعالمه الداخلي وصياغاته وأشكاله( ). واسم الرؤيا باليونانية: هو أنيرذ وهو مشتق من التنبيه والتحريك لم يوضع على الحقيقة، وذلك أن الإنسان إنما يرى الرؤيا وهو نائم، لأن الرؤيا إنما تفعل في وقت النوم، فإذا ذهب النوم وأنتبه الإنسان لم ير شيئاً( ). وتذهب الباحثة إلى أن للإنسان حالتين حالة تسمى النوم وحالة تسمى اليقظة وفي كلتا الحالتين قد جعل الله له إدراكاً يدرك به الأشياء تسمى تلك الإدراكات في اليقظة حساً وتسمى في النوم حساً مشتركاً فكل شيء تبصره في اليقظة يسمى رؤية وكل ما تبصره في النوم يسمى رؤيا أي أن رؤية الشيء في اليقظة هو إدراكه بالبصر على الحقيقة ورؤيته في المنام تصوره بالقلب على توهم الإدراك بحاسة البصر من غير أن يكون كذلك. وممن كان يرى الرؤيا الصادقة الرسول الكريم محمد وهي التي لا تكون إلا في حال النوم، فأول ما بدى به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيـا إلا جاءت مثل فلق الصبح وسبب ذلك صدقه فكان لا يحدث أحداً بحديث عن تزوير يزوّره في نفسه بل يتحدث بما يدركه بإحدى قواه الحسية أو بكلها ما كان يحدّث بالغرض ولا يقول ما لم يكن ولا ينطق في اليقظة عن شيء يصّوره في خياله مما لم ير لتلك الصورة بجملتها عيناً في الحس فهذا سبب صدق رؤياه. 2- نَظَرَ: ورد الفعل مجرداً ومزيداً فقد ورد الفعل بصيغة المضارع المجرد ثلاث عشرة مرة ومنه قوله تعالى: ?يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ?( ) وقوله تعالى:? يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ?( ) وعلى وزن (فَعَلَ) ورد الماضي المجرد ثلاث مرات في القرآن الكريم في قوله تعالى: ?وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ?( ) وقوله تعالى: ?فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ?( ) ، وبصيغة الأمر ستاً وثلاثين مرة،( ) ومنه قوله تعالى:?انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ?( ) وقوله تعالى:?انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ?( ) وقوله تعالى:?قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ?( ) وعلى صيغة الأفعال الخمسة ورد الفعل المبني للمعلوم (ينظرون) اثنتين وعشرين مرة وهو فعل مضارع اتصلت به واو الجمع للغائبين نحو قوله تعالى:?يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ?( ) وقوله تعالى: ?وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ?( ) وقوله تعالى: ?أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ?( ). ووردت المادة بصيغة اسم الفاعل وهو ما دل على الحدث وذات الفاعل ويدل على الحدوث والتجدد( ).ويشتق من فعل معلوم فاعله لمن وقع منه الفعل نحو ضارب ومُكْرِم( ). ومن الفعل الثلاثي (نَظَرَ) اشتق اسم الفاعل (ناظرة) على وزن (فاعلة) وورد مرتين في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى:? وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ?( ) وقوله تعالى:?وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ?( )، ((أي تنظر في رزقها وما يأتيها من الله، كما يقول الرجل: ما أَنْظُرُ إلاّ إليك ولو كان نظر البصر، كما يقول بعض الناس، كان في الآية التي بعدها بيان ذلك، ألا ترى إنه قال: ? وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ?( ) ((وجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة)) ولم يقل: ووجوه لا تنظُرُ ولا ترى))( ) و((الناظِرة: مؤنث الناظر. والعين. الجمع نواظِر)) ( ). وعلى وزن (فَعْلَة) ورد المصدر (نَظْرَة) مرة واحدة في قوله تعالى: ?فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ?( ) وجاء في المعجم الوسيط: ((النَّظْرةَ: اللَّمْحَة ويقال: فيه نَظْرَة: رَدَّةٌُ وقُبْحٌ. وأصابته نَظْرةٌ: عَيْنٌ ونظرَهُ بعينِ النَّظْرَةَ: الرَّحمة))( ). وقد ورد المصدر (نَظَرَ) مرة واحدة في قوله تعالى:?يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِن الْمَوْتِ?( )، ((والنظر: تأمل الشيء بالعين))( ) فالتأمل هو النظر المؤمل به معرفة ما يطلب ولا يكون إلاّ في طول مدة فكل تأمل نظر وليس كل نظر تأملاَ. والنظر: الإقبال على الشيء بالبصر. ( ) ((ومعنى النظر هو محاولة التصور للشيء بالفكر فيه،وهو طلب إدراك المعنى بالتأويل له. وقيل هو تحديق القلب إلى المعنى لإدراكه.)) ( ). وعلى صيغة جمع المذكر السالم وردت لفظة (الناظرين) جمع (الناظر) خمس مرات في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى:?إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ?( ) وقوله تعالى:?وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ?( ) وقولـه تعالى: ?وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ?( ) ((والناظر هو الطالب لرؤية الشيء ببصره لأن النظر هو تطلب الإدراك للمعنى بحاسة من الحواس، أو وجه من الوجوه)) ( ) 3- بَصَرَ: جاء الفعل (بصر) في القرآن الكريم مجرداً ومزيداً: فقد جاء الفعل بصيغة المضارع المجرد مرتين في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: ?فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَِّيكُمْ الْمَفْتُونُ ?( ) وقوله تعالى:?لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ?( )، وبصيغة الماضي المجرد مرتين على وزن (فَعُل) في قوله تعالى:?وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ?( ) وقوله تعالى: ?قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ?( ) قال الأخفش: أي علمتُ ما لم تعلموا، من البصيرة، وأبصَرتُ بالعين. وقال الزجاج: بَصُرَ الرجلُ يَبْصُرُ : إذا صار عليماً بالشيء: وأبصرتُ أبصرُ: نظـرتُ، فالتأويل عَلِمْتُ بما لم تعلموا به… وقال اللحياني في قوله تعالى: ?بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ? أي أَبْصَرتُ، ولغة أخرى: بَصِرْتُ به أبْصَرُ به، ويقال أَبْصِرْ إليّ : أي أنظُرْ إليّ( ). وجاء بصيغة فعل الأمر أربع مرات نحو قوله تعالى: ?وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ?( ) وقوله تعالى: ?وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ?( ) أي: انْتَظِرْ حتى ترى ويروا ( ). منها مرتان على صيغة التعجب في قوله تعالى:?أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا?( ) وقوله تعالى: ?أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ ?( ) يقال: ((وأبصر به: صيغة تعجب، وإذا أسندت الى الله تعالى فهي للدلالة على أن أمره تعالى في هذه الصفة خارج عن حد ما عليه المبصرون، وإذا أسندت الى العباد، فالمعنى على التعجب من أبصارهم وعجزهم عن أن يبلغوا به))( ). ومما ورد مزيداً بحرف واحد مجيئوه مزيداً بالهمزة في أوله مرتين في قوله تعالى:?فَمنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ?( ) وقوله تعالى:?رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ?( ) وجاء في كتاب سيبويه: ((بَصَرَ وما كان بصيراً، وأبصره إذا أخبر بالذي وقعت رؤيته عليه..)) ( ) السيرافي: ((يقال بصر الرجل فهو بصير، إذا أخبرت عن وجود بصره وصحته، لا على معنى وقوع الرؤية منه؛ لأنه قد يقال بصير لمن غمض عينيه ولم ير شيئاً، لصحة بصره، فإذا قلت أبصر أخبرت بوقوع رؤيته على الشيء)) ( ). وجاء الفعل مرة واحدة مزيداً بالتضعيف على وزن (يفَعَّل) في قوله تعالى: ?يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ ببنِيه?( ) أي يعرف بعضهم بعضاً ولا يخفى عليه لكنه منعه التشاغل يومئذ عن أن يبصر بعضهم بعضاً( ). وبصيغة الأفعال الخمسة وردت لفظة (تبصرون) فعل مضارع متصل بواو الجماعة بعده نون جاء مبدوءاً بتاء المخاطب وقد ورد تسع مرات في القرآن الكريم نحو قوله تعالى: ?هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ?( ) وقوله تعالى:? وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ?( ) وقوله تعالى: ? وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ?( ) وقوله تعالى:? فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ?( ). أما يبصرون فجاء مبدوءاً بياء الغائب ثلاث عشرة مرة وذلك في قوله تعالى: ?ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ ?( ) وقوله تعالى:?لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا ?( ). وقوله تعالى: ?قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ?( )، يقرأ بالياء والتاء فالياء لمعنى الغيبة والتاء لمعنى الحضرة( ). ومن صيغ المشتقات التي جاء عليها هذا اللفظ ما يأتي:- جاء (مُبْصِر) اسماً فاعلاً على وزن (مُفْعِل) وهو مشتق من الفعل الرباعي (أبصر) ومؤنثه (مُبْصِرة) بزيادة التاء في آخره وجمعه (مبصرون) ، ورد في القرآن الكريم سبع مرات في قوله تعالى:??أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا?( ) وقوله تعالى: ?هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا?( ) وقوله تعالى: ?إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ?( ) ، ((والمبصر الذي يبصر، والنهار يبصر فيه، وإنما جعله مبصراً على طريق نقل الاسم من السبب الى المسبب))( ). وقوله تعالى: ?وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ?( ) أي ((تبصر الناس بما فيها من العبر،… ويجوز أن يكون المراد إنها ذات أبصار))( ). وجاء (مستبصرين) اسم فاعل مشتقاً من الفعل السداسي (استبصر) مرة واحدة في القرآن الكريم في قوله تعالى:?فَصَدَّهُمْ عَن السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ?( ) أي ((طالبين للبصيرة ويَصُّح أن يستعار الإسْتِبصارُ للأبصار نحو: استعارة الإستجابةِ للإجابة))( ). وقد ورد من المادة صيغة مبالغة محوّلة من صيغة اسم الفاعل على وزن (فعيل) وذلك في (بصير) كقوله تعالى: ?وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ ?( ) وقوله تعالى: ?وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ?( ) وقوله تعالى: ?إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا?( ). قال الجوهري: ((البصير: المُبصِرُ، خِلافُ الضريرَّ، فعيلٌ بمعنى فاعل. وحكى اللحياني: وإنه لبصيرٌ بالعينين))( ). وذهب أبو هلال العسكري إلى أن ((الفرق بين البصير والمستبصر أن البصير على وجهين أحدهما المختص بأنه يدرك المبصر إذا وجد، وأصله البصر وهو صحة الرؤية، ويؤخذ منه صفة مبصر بمعنى رأى، والرائي هو المدرك للمرئي، والقديم رأى بنفسه، والآخر البصير بمعنى العالم تقول منه هو بصير وله به بصر وبصيرة أي علم، والمستبصر هو العالم بالشيء بعد تطلب العلم كأنه طلب الأبصار مثل المستفهم والمستخبر المتطلب للفهم والخبر))( ) ولهذا يقال إنِّ الله بصير ولا يقال مستبصر. وجاءت المادة على صيغة الصفة المشبهة (بصيـر) على وزن فعيل في القرآن الكريم اثنتين وأربعين مرة،( ) نحو قوله تعالى:?وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ?( ) وقوله تعالى:?وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ?( ) وقولـه تعالى: ? إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ?( ) وقوله تعالى:?إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا?( ). والبصير العليم بالشيء الخبير به ولم يرد بهذا المعنى في القرآن إلاّ مختصاً بالله تعالـى، فالبصير يوصف به عز وجـل على إنه عالـم. نحو قوله تعالى: ?إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا?( ) عالماً بالأحوال( ). وجاءت المفردة على صيغة اسم المفعول وهو اسم مشتق من (يُفْعَلُ)، لمن وقع عليه الفعل على وجه الحدوث لا الدوام( ). ويشتق من الفعل المبني للمجهول نحو مضروب ومنطلق( ). إذ وردت (بصيرة) على غير صيغـة مفعول مرتين في القرآن الكريم وهي (فعيلة) بمعنى (مفعول) وتأنيث البصير، وقيل الهاء للمبالغة كعلامة وراوية نحو قوله تعالى:?أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي ?( ) وقوله تعالى:?بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ?( ). قال الطوسي: ((البصيرة المعرفة التي يميز بها بين الحق والباطل في الدين والدنيا، يقال: فلان على بصيرة من أمره أي كأنه يبصره بعينه))( ) وقال التهانوي: ((البصيرة هي قوة للقلب منورة بنور القدس، تُرى بها حقائق الأشياء وبواطنها، بمثابة البصر للنفس الذي تُرى به صور الأشياء وظواهرها))( ) وقد جاءت لفظة (بَصَرَ) بصيغة المصدر وهي مشتقة من الفعل الثلاثي المجرد على وزن (فَعَلَ) عشر مرات في القرآن الكريم وكلها بصيغة المفرد نحو قوله تعالى: ?فَارْجِع الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ?( ) وقوله تعالى:?فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ?( ) وقوله تعالى:?وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ?( )، فالبصر الجارحة المبصر بها وسميت بالمصدر مجازاً لأن البصر في الحقيقة مصدر فتقديره الجارحة ذات البصر أي ذات الأبصار أو العضو ذو الأبصار والبصر( ). والفرق بين البصر والعين ((أن العين آلة البصر وهي الحدقة، والبصر إسم للرؤية ولهذا يقال إحدى عينيه عمياء ولا يقال أحد بصريه أعمى، وربما يجري البصر على العين الصحيحة مجازاً ولا يجري على العين العمياء فيدلك هذا على أنه اسم للرؤية على ما ذكرنا، ويسمى العلم بالشيء إذا كان جلياً بصراً، ويقال لك فيه بصر يراد أنك تعلمه كما يراه غيرك))( ) ويقول الزمخشري (ت538 هـ): ((البصر: نور العين وهو ما يبصر به الرائي، ويدرك المرئيات كما إن البصيرة نور القلب وهو ما به يستبصر ويتأمل وكأنهما جوهران لطيفان خلقهما الله فيهما آلتين للأبصار والاستبصار))( ). ولفظة (تبصرة) مصدر مشتق من الفعل المضعف (بَصَّرَ) على وزن (تَفْعِلَة) بالفتح وكسر العين وردت مرة واحدة في القرآن الكريم في قوله تعالى: ?تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ?( ) أي تبصيراً وتِبْياناً يقالُ بَصَّرتُهُ تَبْصِيراً وتَبْصِرةً كما يقال قدَّمْتُهُ تَقْدِيماً وتقدمةً وذكّرْتُهُ تَذْكِيراً وتَذْكِرةً( ). وجمع البصر (أبصار) على وزن (أفعال) جاء بصيغة جمع القلة، ثماني وثلاثين مرة في القرآن الكريم( )، نحو قوله تعالى: ?وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً?( ) وقوله تعالى: ?وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ?( ) وقوله تعالى: ?لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ?( )، أعلم الله جل وعز إنه يُدرك الأبصار، وفي هذا الأعلام دليلٌ على أن خلقه لا يدُركون الأبصارَ، أي لا يعرفون حقيقة البصر، وما الشيء الذي به صار الإنسانُ يبصرُ من عينيه دون أن يُبصِر من غيرهما من سائر أعضائه، فأعلم أن خلقاً [من خَلْقهِ] لا يُدرك المخلوقون كُنْهَه، ولا يُحيطون بعلمه فكيف به جلَّ وعزّ فالأبصارُ لا تحيطُ به، وهو اللطيف الخبير( ). وجمع (بصيرة) ، بصائر على وزن (فعائل) جاء بصيغة جمع الكثرة خمس مرات في القرآن الكريم نحو قوله تعالى: ?هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ?( ) وقوله تعالى:?بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ?( ) وبيّن الإمام الفخر الرازي (ت 606 هـ) معنى البصيرة بأنها ((إسم للإدراك التام الحاصل في القلب، في مقابل البصر الذي هو إسم للإدراك التام الكامل الحاصل بالعين))( ) وتذهب الباحثة إلى أن للفؤاد بصراً، وللنفس بصيرة وكلاهما يبصران في الصدر لأن الصدر ساحة القلب وساحة النفس فإذا كانت النفس ذات بصيرة تابعت القلب في الحق والصواب وإذا عميت فإنما تعمى لغلبة الشهوات ودخان الهوى فكل آدمي على بصيرة ، فما دام لا تغلب على بصيرته الشهوات، فهو مستقيم، فإذا غلبت الشهوات عليها عميت وإذا عميت تابعها عمى القلب. 4- ظَهَرَ : جاء الفعل مجرداً ومزيداً فعلى صيغة المضارع المجرد ورد الفعل مرتين في القرآن الكريم نحو قوله تعالى:?عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا?( ) وقوله تعالى:?هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ?( ) وبصيغة الماضي المجرد على وزن (فَعَلَ) ورد أربع مرات في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى:?وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ?( ) وقوله تعالى:?قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ?( ) وقوله تعالى:?ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ?( ) وعلى وزن (أفعل) ورد المزيد بحرف واحد وهو الهمزة (أظهر) مرة واحدة في قوله تعالى:?فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ?( )، جاء في الموسوعـة: ((أظهر (إظهاراً) فلاناً على الأمر: أطلعه، الدين على الدين: قواه، الفساد في الأرض: أشاعه)) ( ) ويقال: أظهر فلاناً على السرَّ: أطلعه عليه. وفلانٌ القرآن، وعليه: قرأه على ظهر لسانه( ). وعلى صيغة الأفعال الخمسة ورد (يظهروا) وهو فعل مضارع متصل بواو الجماعة جاء مبدوءاً بياء الغائب مرتين وذلك في قوله تعالى:?أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ?( ) وقوله تعالى:?كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلاَ ذِمَّةً?( ). وعلى صيغة اسم الفاعل ورد (ظاهر) إسم فاعل مشتقاً من الفعل الثلاثي (ظهر) على وزن (فاعل) ومؤنثه (ظاهرة) على وزن (فاعلة) بزيادة التاء ثماني مرات في القرآن الكريم في قوله تعالى:?فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا ?( ) وقوله تعالى:?وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ?( ) وقوله تعالى: ?وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً?( ). قال ابن فارس: ((الظاء والهاء والراء أصل صحيح واحد يدل على قوة وبروز. من ذلك ظهر الشيءُ يظهر ظهوراً فهو ظاهر، إذا إنكشف وبرز… والظاهرة: العين الجاحظة))( ). 5- عَرَضَ :- جاء الفعل مجرداً ومزيداً فقد جاء بصيغة الماضي المجرد على وزن (فَعَلَ) مرتين في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: ?وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا?( ) وقوله تعالى:?وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ?( ) يريد: عَرَضَ عليهم أصحاب الأسماء( ). ولم يرد اللفظ بصيغتي المضارع والأمر. ووردت المادة بصيغة المبني للمجهول إذ ورد الفعل المضارع المفرد المضموم الفاء المفتوح ما قبل الآخر مرتين في قوله تعالى:?وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ?( )، وأربع مرات بصيغة الأفعال الخمسة ومنه قوله تعالى:? يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ?( ) وقوله تعالى:?أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ?( )، والعرض ((إظهار الشيء بحيث يرى للتوقيف على حاله يقال: عرضت الكتاب على فلان، وعرض الجند على السلطان، ومعنى العرض على الله إنهم يقفون في المقام الذي يرى العباد، وقد جعله الله تعالى للمطالبة بالأعمال فهو بمنزلة العرض في الحقيقة لأنهم لا يخفون عليه في حال من الأحوال بل هو تعالى يراهم حيث كانوا))( ). وبصيغة الماضي المبني للمجهول ورد الفعل بصيغة المفرد مرة واحدة وذلك في قوله تعالى: ?إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ?( )، وبصيغة الجمع مرة واحدة في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: ?وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا?( ) أي ((أظهروا كما يظهرون للرائي لهم))( ). وجاء الفعل (أعرض) مزيداً بحرف واحد على وزن (أفعل) ثلاث مرات في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى:? وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا?( ) وقوله تعالى:?وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا?( ) أي من لم ينظر في القرآن والأدلة المنصوبة على الحق وصدف عنها( ). 6- شَـهِدَ: جاء الفعل مشتركاً من بابين (فَعِلَ يَفْعَلُ- فَعُلَ يَفْعُلُ) شَهِدَ يَشْهَدُ- شَهُدَ يَشْهُدُ. وورد مجرداً ومزيداً: فقد جاء الفعل (تشهد) بصيغة المضارع المجرد أربع مرات في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: ?وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ?( ) وقوله تعالى:?كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ?( ) أي ((يشاهدون جوائزهم ويرونها))( ) وجاء بصيغة الماضي المجرد على وزن (فَعِلَ) مرة واحدة في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى:?مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ ?( ). وجاء بصيغة الأمر خمس مرات في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: ?فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ?( ) وقوله تعالى: ?وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ?( ). وعلى صيغة الأفعال الخمسة ورد (تشهدون) وهو فعل مضارع متصل بواو الجماعة بعده نون جاء مبدوءاً بتاء المخاطب مرة واحدة في القرآن وذلك في قوله تعالى: ?أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِي?( ) أي ((تعاينوه)) ( ). أما يشهدون ففعل مضارع مبدوء بياء الغائب ورد مرة واحدة في قوله تعالى: ?قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ?( ). ووردت لفظة (شهيد) بصيغة الصفة المشبهة على وزن(فعيل) عشر مرات في القـرآن الكريم ومنه قوله تعالى: ?لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ?( ) وقوله تعالى:?وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا?( ) والشهيد هو المشاهد الذي لا يخفى عليه شيء البتة( ). وعلى صيغة المصدر ورد (الشهادة) على وزن (الفَعَالَة) بالفتح وزيادة التاء عشر مرات في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: ?ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ?( ) وقوله تعالى:?عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ?( ) وقوله تعالى:?ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ?( ). والشهادة: ((الإخبارُ بما قد شُوهِدَ))( )، وذكر الرازي أن: ((الشهادة والمشاهدة والشهود هو الرؤية يقال: شاهدت كذا إذا رأيته وأبصرته، ولما كان بين الأبصار بالعين وبين المعرفة بالقلب مناسبة شديدة، لا جرم قد تسمى المعرفة التي في القلب: مشاهدة وشهوداً، والعارف بالشيء: شاهداً ومشاهداً))( ). أمّا (مَشْهَد) فهو مصدر ميمي من (شهد) على وزن (مَفْعَل) ورد مرة واحدة في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: ?فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ?( ). وبصيغة جمع المذكر السالم وردت صفات ويكون القياس في جمع صفات الذكور بالواو والنون قال إبن يعيش (( لايمتنع شيء من هذه الصفات من الجمع بالواو والنون إذا كان مذكراً ممن يعقل))( ). وذلك ((إنها جارية مجرى الأفعال في جريانها صفة على ما قبلها كما تكون الأفعال كذلك))( ). ومن هذه المادة وردت لفظة (شاهدون) جمع (شاهد) ست مرات في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى:?شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ?( ) وقوله تعالى:?يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ?( ) فالشاهد: ((الدال على الشيء عن مشاهدة))( ) وهو: ((المعاين للشيء الناظر إليه))( ). وبصيغة جمع المؤنث السالم وردت لفظة (شهادات) جمع (شهادة) مرة واحدة في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى:?وَالذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ?( ). وبصيغة جمع الكثرة ورد (شهداء) على وزن (فُعَلاء)، جمع (شهيد) وجمع (شاهد) وإنما سمّوا شهداء لمشاهدتهم الأعمال التي يشهدون بها( ). إذ ورد ثلاث مرات في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: ?وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ?( ) وقوله تعالى: ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ?( ) وقوله تعالى: ?وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ?( ). وعلى وزن (فُعُول) جاءت (شُهُود) جمع (شاهد) وهو مشتق من (شَهِدَ) على وزن (فَعِل). وورد هذا اللفظ مرة واحدة في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى:?وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ?( ) أي ((حضور على مشاهدتهم لهم، فكل حاضر على ما شاهده إما بسمع أو بصر، فهو شاهد، والمشاهد هو المدرك بحاسة))( ).
7- طَلَعَ : ورد الفعل مجرداً ومزيداً فعلى صيغة المضارع جاء الفعل (تطلع) أربع مرات في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى:?حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ?( ) وقوله تعالى:?وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ?( ) وبصيغة الماضي على وزن (فَعَلَ) ورد الفعل مرة واحدة في قوله تعالى: ?وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تََزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ?( ) وورد المجرد في موضعين مسنداً إلى ضمير يعود على الشمس كما في سورة الكهف المذكورة سابقاً وقوله تعالى من السورة نفسها: ?حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ?( ). وجاء المزيد (أطلّع) على وزن (افتعل) بزيادة همزة الوصل والتاء خمس مرات في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى:?فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى?( ) وقوله تعالى:?اطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا?( ) وقوله تعالى:?وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى ?( ). فـ (أطلّع) هذه همزة الإستفهام دخلت على همزة الوصل فسقطت همزة الوصل( ). ((وقرأ عاصم في رواية حفص: (فأَطَّلِعَ) نصباً، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: (فَأطِلَّعُ) رفعاً))( ). قال الأزهري: ((وأطَّلعَ فلان إذا أشرف على شيء… ويقال أطَّلَعْتُ الفجرَ إطَّلاعاً أي نظرت إليه حين طلع…))( ) ، فالإطلاع هو ((الظهور على الشيء من عل، وهو الأشراف عليه))( ). وجاء (مطلعون) إسم فاعل مشتقاً من الفعل الخماسي (اطّلع) بصيغة الجمع مرة واحدة وذلك في قوله تعالى:?قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ?( ) ومعناها: هل تحبون أن تتطلَّعوا فتعلموا أين منزلتكم من منزلة النار فأطلَّع المسلم فرأى قرينه في سواء الجحيم أي في وسط الجحيم( ). ومما ورد في المحتسب: ((قالَ أبو الفتح: يقال طَلَع: إذا بدا، وأَطْلَع: أَقْبل. فهو على هذا هل أنتم مقبلون فأقبل؟ فالفعل إذاً الذي هو (أُطْلِعَ) مسند إلى مصدره، أي: فأُطْلِع الإطلاعُ كقولك: قد قيِمَ، أي: قِيم القيام، وقد قُعِد، أَي: قُعِدَ القعود. قال أبو الفتح: قال أَبو حاتم: لا يجوز إلاّ فتح النون من (مُطَّلِعُونَ) مشددة الطاء كانت أو مخففة. قال: وقد شكلها بعض الجهال بالحضرة مكسورة النون، قال: وهذا خطأ. لو كان كذلك لكان مُطْلِعيَّ، تقلب واو (مُطْلِعُون) ياء، يعني لوقوع ياء المتكلم بعدها، والأمر على ما ذهب إليه أبو حاتم، إلاّ أن يكون على لغة ضعيفة، وهو أن يُجري إسم الفاعل مجرى الفعل المضارع، لقربه منه، فيجري (مُطْلِعُونِ) مجرى (يُطْلِعُونِ) )) ( ). 8- أنِسَ : جاء الفعل (أَنِسَ) ومضارعه (يَأْنَسُ) في القرآن الكريم مزيداً بحرف واحد هو الألف على وزن (فاعل) خمس مرات، منها أربعُ في النار التي رآها موسى ? إذ سار بأهله في البرية، فأنِسَ إليها. وهذه آياتها:قال تعالى: ?إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ?( ) وقوله تعالى: ?إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ?( )، وقوله تعالى:?فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ?( ). والمرة الخامسة في آية النساء :?وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ?( ) أي أَبصَرْتُمْ أَنْساً به( ). قال احمد بن فارس: ((آنستُ الشيء: رأيته. وسمي الإنسُ إنْساً لظُهورهم. وآنَستُ الصوت: سمعُتُه. وآنْستُهُ: علمتُهُ))( ). والايناس: ((الأبصار البين الذي لا شبهة فيه ومنه إنسان العين فإنه يبين به الشيء)) ( ). 9- جَهَرَ: ولم يرد اللفظ بصيغة المضارع المجرد وإنما جاء بصيغة الفعل الماضي المبني للمعلوم على وزن (فَعَلَ) الثلاثي المجرد مرة واحدة في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: ?سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ?( ) وبصيغة الأمر مرة واحدة في قوله تعالى: ?وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ?( ). وجاءت لفظة (جَهْر) مصدر على وزن (فَعْل) ومعنى الجهر العلانية( ). ((وحقيقة الجهر ظهور الشيء معاينة، والفرق بين الجهر والمعاينة أن المعاينة ترجع الى حال المُدْرِك والجهرة ترجع إلى حال المدرَك، وقد تكون الرؤية غير جهرة، كالرؤية في النوم، والرؤية بالقلب، فإذا قال جهرة لم يكن إلاّ رؤية العين، على التحقيق دون التخييل))( ) وقد ورد ثلاث مرات في القرآن الكريم نحو قوله تعالى:?يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ?( ) وقوله تعالى:?فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ?( ). أما (جَهْرة) فهي مصدر لفعل ثلاثي مجرد على وزن (فَعْلَة) بالفتح وزيادة هاء. قال ابن سيده: ((الجهرة ما ظهر. ورآه جَهْرةً: لم يك بينهما سِترٌ))( )، وقد ورد ثلاث مرات في القرآن الكريم في قوله تعالى: ?قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ?( ) وقوله تعالى: ?وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً?( ). وجهرة: ((عياناً وهي مصدر من قولك: جهر بالقراءة وبالدعاء، كأن الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية، والذي يرى بالقلب مخافت بها، وإنتصابها على المصدر، لأنها نوع من الرؤية…))( ). وعلى صيغة (فِعَال) جاء المصدر (جِهَار) مرة واحدة في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: ?ثُمَّ إِنِّي دَعوْتُهُمْ جِهَارًا?( ) جاء في المحكم: ((جاهرهم بالأمر مجاهرةً وجِهاراً: عالنهم. ولقيه نهاراً جِهاراً بكسر الجيم وفتحها وأجتهر القومُ فلاناً: نظروا إليه جهاراً))( )، والجهار مصدر جاهرَ بالشيء، بمعنى: أعلنه أبداه وأبداه، نقيض: أخفى وأسر( ). 10- زَاْغ : جاء الفعل في القرآن الكريم مجرداً فقط وبصيغة الماضي أربع مرات وذلك في قوله تعالى: ?أتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُم الأَبْصَارُ ?( ) وقوله تعالى:?مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى?( ) وقوله تعالى:?إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذ زَاغَتْ الأَبْصَارُ ?( ) أي ((أذكر إذ عدلت الأبصار عن مقرها، قال قتادة معناه: شخصت من الخوف)) ( ). 11- طَرَفَ : لم يرد اللفظ بصيغة المضارع والماضي والأمر وإنّما ورد (الطَرْف) على صيغة المصدر على وزن (الفَعْل) ست مرات في القرآن الكريم ومن ذلك قوله تعالى:?وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ ?( ) وقوله تعالى:?أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ?( ) وقوله تعالى:?مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ?( )، ((أي لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر فهي شاخصة النظر يقال: طَرَفَ الرجلُ يَطْرِفُ طَرْفاً إذا أطبق جَفْنه على الآخر، فسّمى النظر طَرْفاً لأنه به يكون. والطَّرف العين. قال عنترة :- ( ) الكامل وأُغُضُّ طَرْفِي ما بَدَتْ لي جارتي حتى يُوارِي جارتي مَأْواها
وقال جميل:- ( ) الطويل وأَقْصِر طَرْفِي دُونَ جُمْلٍ كَرَامةً لُجْملٍ وللطَّرْفِ الذي أَنا قاصِرُهْ))( )
قال الأصفهاني: ((وطَرْفُ العينِ جَفْنُهُ، والطَّرْفُ تحريكُ الجَفْنِ وعُبِّر به عن النَّظرِ إذ كان تحريكُ الجَفْن لازِمُه النَّظَرُ))( ). 12- حَسَّ : ورد هذا الفعل مزيداً بصيغة المضارع مرة واحدة في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: ?هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ?( ). وجاء الفعل (أحس) مزيداً بحرف واحد على وزن (أفعل) مرة واحدة في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: ?فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ ?( ). وجاء مزيداً بحرفين (التاء والتضعيف) على وزن (تَّفعل) فقد ورد (تحسسوا) بصيغة فعل الأمر مرة واحدة في القرآن الكريم في قوله تعالى:?يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ?( ) قال الرازي : ((التحسس طلب الشيء بالحاسة وهو شبيه بالسمع والبصر)) ( ). 13- وَجَدَ : ورد الفعل بصيغة المضارع المجرد خمس مرات في القرآن الكريم فالفعل (يجد) على وزن (يَعِلُ) إذ إنّ فاء الفعل محذوف وهو الواو من (وجد) كقوله تعالى:?يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ?( ) وقوله تعالى:?قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا?( ). وورد بصيغة الفعل الماضي المبني للمعلوم على وزن (فَعَلَ) ست مرات وذلك في قوله تعالى:?فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ?( ) وقوله تعالى:?فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ?( ). 14- حَلَمَ: حَلَمَ يَحْلُمُ حُلْماً وحُلُماً في منامه: رَأَى في منامه رؤيا ولم يرد اللفظ بصيغة (المضارع والماضي والأمر)، إذ ورد (أَحْلام) جمع (حُلُم) بصيغة جمع القلة على وزن (أَفْعَال) ثلاث مرات في القرآن الكريم ومنه قوله تعالى:?وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ?( ) . قال ابن سيده في محكمه: ((الحُلْمُ والحُلُم : الرُّؤْيا والجمع أحلام. وقد حَلَم في نومه يَحلُم حُلْماً))( ). وقال التهانوي: ((الفرق بين الحلم والواقع على وجهين الأول عن طريق الصورة والثاني عن طريق المعنى. فالواقع عن طريق الصورة هو أن يراه الإنسان بين الحلم واليقظة أو أن يكون كله في اليقظة. والواقع عن طريق المعنى هو أن يجيء بعيداً عن حجاب الخيال ويكون غيبياً صرفاً كالروح في مقام التجرد الذي تكون فيه مجردة عن الأوصاف البشرية وتصير مدركة ويكون هذا الواقع روحانياً مطلقاً، وأحياناً يصير نظر الروح مؤيداً بالنور الإلهي ويكون ذلك الواقع ربانياً صرفاً. لأن المؤمن ينظر بنور الله. أما الحلم فيكون بإختفاء عمل الحواس نهائياً وغلبة الخيال على العمل، ثم يجيء شيء في نظر الخيال في أثناء تعطل الحواس، ويكون على نوعين:- أحدهما: أضغاث أحلام، وهو الحلم الذي تدركه النفس بواسطة الخيال والوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية التي تكون من إلقاء النفس والشيطان، ويقوم الخيال بتنظيمها وهذه الأشياء لا تعبير لها. والثاني: الحلم الحسن وهو الذي يسمونه الرؤيا الصالحة، وهو جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، كما قال الرسول ))( ). 15- عَيَنَ : جاء هذا اللفظ على صيغة المصدر (عَيْن) على وزن (فَعْل) ثماني مرات في القرآن الكريم ومنه قوله تعالى:? وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي?( ) وقوله تعالى: ?فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ ?( ). وجاء في المحكم: ((العين، حاسَّةُ البصر، أُنثى تكون للإنسان وغيره من الحيوان، والجمع أعيانُ وأَعْينُ وأَعْينُاتُ))( )، والعين عند الطوسي حاسة الإدراك للمرئيات( ). وصيغة المثنى للفظة (عَيْن) (عينان) بإضافة الألف والنون في حالة الرفع والياء والنون في حالتي النصب والجر وردت خمس مرات في القرآن الكريم في قوله تعالى:?وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا?( ) وقوله تعالى:? أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ?( ) وقوله تعالى:?وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ?( ). ووردت لفظة (أَعْينُ) جمع (عَيْن) التي تكون معتلة العين على وزن (فَعْل) وصيغة (أَفْعُل) من أوزان جموع القلة وقد وردت في القرآن الكريم في اثنتين وعشرين( ) مرة للدلالة على الأعين المبصرة وهي أصل المعنى في هذه الكلمة، ومنها توزعت مجازاً واتساعاً ومنه قوله تعالى:?وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا?( ) وقوله تعالى: ?ترَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ?( ) وقوله تعالى:?وَاصْنَع الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ?( ). 16- غَضَّ : جاء الفعل بصيغة المضارع مرتين في قوله تعالى:?قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ?( ) وقوله تعالى:?قُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ?( ). قال ابن فارس: ((الغين والضاد أصلان صحيحان، يدلُّ أحدهما على كفٍّ ونَقْص، والآخر على طراوة. فالأول الغضّ: غضُّ البصر. وكلُّ شيءٍ كففته فقد غَضْضته. ومنه قولهم: تلحقه في ذلك غَضاضةٌ، أي أمر يَغُضُّ له بَصَرَه…))( ). 17- خَطِفَ: خَطِفَ يخطِفُ خَطْفاً الشيء: استلبه بسرعة، خَطِفَ البرقُ البَصَرَ: ذهب به. وجاء الفعل بصيغة المضارع المبني للمعلوم مرة واحدة في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: ?يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ?( )، قال الأخفش: ((فمنهم من قرأ (يَخْطِفُ) وهي قراءة مجاهد وعلي بن الحسين ويحيى بن زيد. من (خَطَفَ) وهي قليلة رديئة لا تكاد تعرف. وقد رواها يونس (يَخِطِّفُ) بكسر الخاء لاجتماع الساكنين. ومنهم من قرأ (يَخْطَفُ) على (خَطِفُ يَخْطَفُ) وهي الجيدة، وهما لغتان. وقال بعضهم: (يَخطِّفُ)، وهو قول يونس من (يَخْتَطِفُ) فأدغم التاء في الطاء، لأن مخرجها قريب من مخرج الطاء. وقال بعضهم (يَخَطَِّفُ)، فحَّول الفتحة على الذي كان قبلها، والذي كَسَرَ كَسَرَ لاجتماع الساكنين، فقال: (يَخِطِّفُ). ومنهم من قال : (يِخِطِّفُ)، كسر الخاء لاجتماع الساكنين ثم كسر الياء، أتبع الكسرة الكسرة وهي قبلها، كما اتبعها في كلام العرب، كثيراً يُتْبعون الكسرة في هذا الباب الكسرة، يقولون: قِتَّلُوا وفِتَّحُوا، يريدون: إفْتَتَحوا. قال أبو النجم: ( ) الرجز تَدافُعَ الشِّيبِ وَلَمْ تِقِّتَلِ( ) وسمعناه من العرب مكسوراً كله، فهذا مثل (يِخِطِّفُ)، إذا كُسِرَتْ ياؤها، وهي بعدها، وأتبع الآخر الأول))( ). 1- شَخَصَ: جاء الفعل بصيغة المضارع المجرد مرة واحـدة في قوله تعالـى: ?إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ?( ) قال الفراء: ((أي لا تغمض من هول ما تراه في ذلك اليوم. يقال: شَخَصَ الرجلُ بَصَرَهُ وَشَخَص البصرُ نفسه أي سَمَا وطَمَحَ من هول ما يرى. وقال إبن عباس: تَشخصُ أبصار الخلائق يومئذ الى الهواء لشدة الحيرة فلا يرمضون))( ). وعلى وزن (فاعلة) جاء اسم الفاعل (شاخصة) مشتقاً من الفعل الثلاثي (شَخَصَ) مرة واحدة في القرآن الكريم:?وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا?( ) قال الفيومي: ((يقال: شخص الرجل بصره إذا فتح عينيه لا يطرف وربما يعدى بالباء فقيل شخص الرجل ببصره فهو شاخص وأبصار شاخصة))( ). 19- لَمَحَ : ولم ترد اللفظة في القرآن الكريم إلاّ بصيغة واحدة هي صيغة المصدر (لَمْح) على وزن (فَعْل) ورد مرتين في القرآن الكريم في قوله تعالى: ?وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ?( ) وقوله تعالى: ?وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ?( ). قال الطوسي: ((اللمح خطف البصر))( )، يقال: لَمَحَ البصرُ لَمْحاً: إمتد إلى الشيء، ولَمْحُ البصر: نظرة خاطفة سريعة بمقدار رجع جفن العين( ).ولمح البصر: يضرب مثلاً لأقصر وقت( ). 20 بَزَغَ : يأتي الفعل ولم يرد في القرآن الكريم إلاّ بصيغة اسم الفاعل مشتقاً من الفعل الثلاثي (بزغ) على وزن (فاعل) وقد ورد مرتين في قوله تعالى: ?فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً ?( ) وقوله تعالى: ?فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا?( ) أي طالعاً منتشر الضوء( ). 21- ضَغَثَ : ورد الفعل بصيغة المصدر على وزن (فِعْل) مرة واحدة في قوله تعالى: ?وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلاَ تَحْنَثْ ?( ) والضِغْث: القبضة من قضبان مختلفة يجمعها أصل واحد، ما دون الحزمة وجمعه أضغاث، وأضغاث الأحلام: ما يدخل بعضها في بعض، التي لا تأويل لها لعدم تبينها( ). والفرق بين الرؤيا والأضغاث أن الأولى تدل على ما سيكون وأما الأضغاث فإنما تدل على الشيء الحاضر( ). ((والرؤيا المضافة الى الله تعالى هي التي خلصت من الأضغاث والأوهام، وكان تأويلها موافقاً لما في اللوح المحفوظ، والتي هي من خبر الأضغاث هي الحُلْم، وهي المضافة الى الشيطان، وإنما سميت ضِغْثاً؛ لأن فيها أشياء متضادة))( ). وعلى وزن (أفعال) وردت (أضغاث) جمع (ضِغْث) على وزن (فِعْل) إذ جاء بصيغة جمع القلة مرتين في القرآن في قوله تعالى: ?قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ?( ) وقوله تعالى:?بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلْ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ ?( ) أي الأحلام المختلطة من الخواطر والأخيلة التي يتصورها الدماغ في النوم فلا ترمي الى معنى مقصود وأصل الأضغاث جمع ضغث بالكسر وهو الحزمة من النبات أو العيدان والحلم قد يكون واضح المعنى كالأفكار التي تكون في اليقظة وقد يكون- وهو الأكثر- مشوشاً مضطرباً لا يفهم له معنى وهو الذي يشبه بالتضاغيث كأنه مؤلف من حزم مختلفة من العيدان والحشائش التي لا تناسب بينها( ). ((وأحياناً تأخذ القوة المتخيلة هذه الصور جميعها من الصور المخزونة في الخيال التي حفظت فيه في حالة اليقظة، ولهذا يرى الإنسان في النوم في أكثر الاحوال ما يكون أكثره في فكره وخياله في اليقظة، وأحياناً تشاهد بسبب الأمراض الصور المناسبة لها كما يرى دموي المزاج الألوان الحمراء، ويرى الصفراوي الحرائق وشعلات النيران، وفي حالة غلبة الرياح يرى نفسه يطير، ويرى سوداوي المزاج الجبال والأدخنة، ويرى البلغمي المياه والأمطار والألوان البيضاء، ورؤية هذين النوعين في المنام لا إعتبار لهما ولا تستحق التعبير، ويسمونها أضغاث أحلام)) ( ). ويذهب السيد محمد الطباطبائي الى أن تسمية الرؤيا الواحدة بأضغاث الأحلام كونها صوراً متفرقة مجتمعة من رؤى مختلفة لكل واحد منها تأويل على حدة فإذا إجتمعت واختلطت عسر للمعبر الوقوف على تأويلها والإنسان كثيراً ما ينتقل في نومة واحدة من رؤيا الى أخرى ومنهما الى ثالثة وهكذا فإذا إختلطت أبعاضها كانت أضغاث أحلام وإمتنع الوقوف على حقيقتها( ). وتذهب الباحثة إلى أن الفرق بين الرؤيا وأضغاث الأحلام هو أن الرؤيا عبارة عن شيء يرى وينبئ بشيء أما الأضغاث فلا تنذر بشيء، وأن أضغاث الأحلام هي الرؤيا التي لا يحسن تأويلها لإختلاطها والضغث هو الرؤيا التي لا تفسير لها. 22- بَرِقَ : جاء في المحكم : ((بَرَقَ الشيءُ يَبْرقُ بَرْقاً ، وبَرِيقاً ، وبرُوقاً ، وَبَرَقاناً : لمع… وأبْرقَ القومُ : دخلوا في البَرقْ. وأبرقوا البرقَ : رأوه)) ( ). ولم يرد الفعل بصيغة المضارع في القرآن الكريم وإنما ورد بصيغة الفعل الماضي المجرد على وزن (فَعِلَ) مرة واحدة في قوله تعالى: ?فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ ?( ) ((قرأ إبن كثير وأبو عمرو وإبن عامر وعاصم وحمزة والكسائي: (بَرِقَ) بكسر الراء. وقرأ نافع وأبان عن عاصم: (بَرَقَ) بفتح الراء))( ). قال الرازي : ((بَرِقَ بصره بكسر الراء يبرق برقاً إذا تحير، والأصل فيه أن يكثر الإنسان من النظر إلى لمعان البرق، فيؤثر ذلك في ناظره، ثم يستعمل ذلك في كل حيرة، وإن لم يكن هناك نظر الى البرق، كما قالوا قمر بصره إذا فسد من النظر الى القمر، ثم أستعير في الحيرة، وكذلك بعل الرجل في أمره، أي تحير ودهش، وأصله من قولهم بعلت المرأة إذا فاجأها زوجها، فنظرت إليه وتحيرت، وأما بَرَقَ بفتح الراء، فهو من البريق، أي لمع من شدة شخوصه))( ).
المحاضرة العاشرة ثالثا : أسس التحليل النحوي : 8- النحو ومعاني النحو . 9- أسس التفكير النحوي 10- الحذف والتقدير 11- التقديم والتأخير 12- قيود الجملة 13- الإسناد والفضلات 14- أنموذج في التحليل النحوي .
التركيب هو الأساس الذي يقوم عليه علم النحو، إذ هو ((علم بقوانين يعرف بها أحوال التراكيب العربية في الإعراب والبناء وغيرهما))( ) و((لهذا فإن موضوع الدرس النحوي هو التركيب نفسه))( ) لأن النحو لا يُعنى بالصوت وما يرتبط به من آثار لغوية ولا باللفظة الواحدة وما يتصل بها وإنّما يهتم بالكلمة المنسوجة مع الأخرى في تركيب جملي وليست الألفاظ المتآلفة في جمل إلا صوراً منطوقة لما هو حاصل في الذهن من التركيب المعنوي: ((والتأليف في الذهن هو ربط الصور الذهنية المفردة بعضها ببعض على نحو تتحقق معه صلة ونسبة بين هذه الصور، فإذا أردنا أن نعبّر عن ذلك، أو ننقله إلى ذهن السامع ، أو المخاطب، عبّرنا عنه بمركب لفظي))( ). إذن وظيفة هذا التركيب هي نقل ما يدور في ذهن المتكلم من آراء إلى ذهن السامع ، وعلى هذا فالجملة في هذا التصور هي ((القول المفيد بالقصد))( ). وقد جاءت مادة (الرؤية والرؤيا) في تراكيب وأنماط متعددة في القرآن الكريم اهتمت بـ ((بيان أوجه العلاقات بين المعاني للوحدات الدلالية المختلفة واتصال بعضها بالبعض الآخر))( ). لذا وجدت انه من الأفضل تقسيمه على مباحث متعددة تناولت في أولها أفعال القلوب ، وعملها ومعانيها، وكل ما يتعلق بها وتسلسلتُ إلى المباحث الخبرية والإنشائية والشرطية وبيان ما جاء من أنماط الجمل الاسمية والفعلية والموضوعات النحوية الأخرى، جاعلةً آخر هذه المباحث الأدوات التي جاءت بمعنى الرؤية، وسيكون عرض هذه الأنماط المختلفة حسب شيوعها وكثرتها في السياق القرآني.
المبحث الأول التعريف بأفعال القلوب سبب تسميتها: سميت بذلك ((لأنَّ معانيها قائمة بالقلب))( ) وهي المعاني النفسية التي تعرف اليوم بالأمور النفسية، ويسميها القدماء : الأمور القلبية لاعتقادهم أن مركزها القلب. ومنها الفرح – الحزن – الفهم – الذكاء – اليقين- الإنكار... وذهب عبد الله الأيوبي إلى أنها ((تلقب بأفعال القلوب وخصَّ بهذا الإسم واشتهر به وهي أفعال اصطلاحية بمعنى إنها كلمة تدل على معنى في نفسه مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة لا بمعنى مجرد الحدث دالّة أي بمادته بالدلالة الضمنية على فعل أي حدث قلبي أي منسوب إلى القلب من قبيل نسبة الفعل إلى آلته...))( ). عددها وعملها وحكم المفعولين ومعانيها: قسّم النحاة أفعال القلوب على قسمين: 1- أفعال دالّة على اليقين وهي (علم، رأى، وجد، درى). 2- أفعال دالّة على الرجحان وهي (ظن، خال، حسب، زعم)( ). وقد صنفت تصنيفاً آخر لا يختلف كثيراً عمّا ذكرت( ). والقسم الأول هو المقصود ببحثنا هذا وبالأخص الفعلان (رأى ، ووجد). وهذه الأفعال تستعمل (لليقين) أي انها حينما تدخل على المبتدأ والخبر تجعل نسبة الخبر إلى المبتدأ قطعيّاً. ومثال (رأى) قول الشاعر خداش بن زهير: ( ) الوافر رَأَيْتُ اللهَ أَكْبَرَ كُلَّ شَيءٍ محَاوَلَةً وَأَكْثَرَهُمْ جُنُودَاً( )
فرأيت دخل على (الله أكبر) وجعل نسبة (أكبر) إلى (الله) أمراً قطعيّاً و(الله أكبر) في الأصل مبتدأ وخبر. ومثال (وجد) قوله تعالى: ?وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ?( ) فوجدنا دخل على (أكثرهم فاسقين)وجعل نسبة فاسقين إلى أكثرهم قطعيّاً و(أكثرهم فاسقين) في الأصل مبتدأ وخبر( ). وتدخل هذه الأفعال على المبتدأ والخبر بعد استيفاء فاعلها فتنصبهما جميعاً على انهما مفعولان لها( ). نحو : ظننتُ زيداً صادقاً ووجدت العلم نافعاً. وأجمع النحويون( ) على أن ما دخلت عليه كان دخلت عليه هذه الأفعال ومالا فلا إلا المبتدأ المشتمل على استفهام نحو أيهم أفضل؟ وغلام من عندك؟ فإنه لا تدخل عليه كان، لأن الاستفهام له الصدر، فلا يؤخر، وتدخل عليه ظننت وتقدم عليها نحو أيهم ظننت أفضل وغلام من ظننت عندك وإذا دخلت على المبتدأ أو الخبر نصبتهما مفعولين وكان الأصل أن لا تؤثر فيهما لأن العوامل الداخلة على الجملة لا تؤثر فيها إلاّ إنهم شبهوها بأعطيت فنصبت الاسمين هذا مذهب الجمهور وزعم الفرّاء (ت 207 هـ) أَنَّ هذه الأفعال لما طلبت اسمين شبهت من الأفعال بما يطلب اسمين احدهما مفعول به والآخر حال نحو أتيت زيداً ضاحكاً، واستدل بوقوع الجملة والظروف والمجرورات موضع المنصوب الثاني هنا كما تقع موقع الحال ولا يقع شيء من ذلك موقع المفعول به فدل على انتصابه على التشبيه بالحال لا على التشبيه بالمفعول به ولا يقدح في ذلك كون الكلام هنا لا يقوم بدونه وليس ذلك شأن الحال لأنه ليس بحال حقيقي بل مشبه بها والمشبه بالشيء لا يجري مجراه في جميع أحكامه ألا ترى أنه على قول البصريين لا يتم أيضاً بدونه وليس ذلك شأن المفعول من حيث انه ليس بمفعول حقيقي بل مشبه به عندهم واستدل البصريون بوقوعه معرفة ومضمر أو اسماً جامداً كالمفعول به ولا يكون شيء من ذلك حالاً ولا يقدح وقوع الجملة والظروف موقعه لأنها قد تنصب على التشبيه بالمفعول به في نحو قال زيد عمرو منطلق ومررت بزيد( ). وأنكر السُّهيليّ( ) دخولها على المبتدأ والخبر أصلاً قال بل هي بمنزلة أعطيت في انها استعملت مع مفعولها ابتداء قال والذي حمل النحويين على ذلك انهم أرادوا أن هذه الأفعال يجوز أن لا تذكر فيكون من مفعولها مبتدأ وخبر قال وهذا باطل الباطل بدليل إنك تقول ظننت زيداً عمراً ولا يجوز أن تقول زيد عمرو إلا على جهة التشبيه وأنت لم ترد ذلك مع ظننت إذ القصد انك ظننت زيداً عمراً نفسه لا شبه عمرو قال أبو حيان والصحيح قول النحويين وليس دليلهم ما توهمه بل دليلهم رجوع المفعولين إلى المبتدأ والخبر إذا ألغيت هذه الأفعال( ). وحكم هذين المفعولين في التقديم والتأخير كما لو كانا قبل دخول هذه الأفعال، فالأصل تقديم المفعول الأول وتأخير الثاني، ويجوز عكسه وقد يجب الأصل في نحو (ظننت زيداً صديقك) وقد يجب خلافه نحو ما ظننت بخيلاً إلا زيداً، وأسباب الوجوب في الشقين معروفة في باب الابتداء وللمفعول الثاني هنا من الأقسام والأحوال ما لخبر كان وذلك معروف مما هناك( ). وقد اختلف عمل وجد ورأى تبعاً لتعدد معانيها واختلافها على النحو الآتي: وردت (وجد) على معانٍ: الأول: بمعنى رأى( ): كقوله تعالى ?يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ?( ) وقوله تعالى: ?فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ?( ). الثاني: وجود القلب بمعنى علمت( )، ومصدرها وجدان عند الأخفش ووجود عند السيرافي، فتتعدى إلى مفعولين قال تعالى ?تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا?( ) وقال تعالى: ?وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ?( ) فالهاء في الأول مفعول أول، وخيراً مفعول ثانٍ، وفي الثانية: أكثرهم مفعول أول وفاسقين المفعول الثاني. وقال الشاعر( ):البسيط إِنّا وَجَدْنا بَنِي جلاّن كُلَّهُمُ كساعدِ الضَّبِّ لا طُولٌ ولا قصرُ
أي: علمناهم كذلك. والفعل (وجد) منقول من وجد الشيء ولقيه وأصله في الأمور الحسية ثم نقل معناه إلى الأمور القلبية فعندما تقول: (وجدت الظلم وخيم العاقبة) كان معناه انك وجدت هذا الأمر وأصبته كما تصاب الأمور المحسوسة ليس في ذلك شك فنقل من هذا المعنى المادي إلى الأمر المعنوي، ولما كان وجدان الشيء ولقيه أمراً يقينياً كان الأمر العقلي بمنزلته جاء في (شرح التصريح): ((وإنما ساغ مجيء وجد للعلم لأَنَّ من وجد الشيء على حقيقته فقد علمه))( ). الثالث: ذكره سليمان الدقيقي ((ت 614 هـ))( ) وهو : وجود الضالة بمعنى لحق وأدرك كقولك: وجدت الضالّة، أي: لحقتها وأدركتها ، في حين ذهب أكثر النحويين إلى أنَّ وجدان الضالّة هو اصابتها( )، فيتعدى إلى مفعول واحد قال الراجز( ): السريع أنشدٌ والباغي يُحِبُّ الوُجْدانْ قلائِصاً مختلفاتِ الألَوانْ
قلائِصاً نصب بالوجدان. وقال الطوسي (ت 460 هـ) : ((الوجـدان على ضربين : أحدهما بمعنى العلم فهو يتعدى إلى مفعولين، والآخر بمعنى الاحساس يتعدى إلى واحد. وإنما كان كذلك ، لأن الذي بمعنى العلم الجملة، والذي يتعلّق بالاحساس يتعلق بمعنى المفـرد من حيث أن الاحساس لا يتعلق بالشيء إلا من وجه واحد))( ). الرابع : بمعنى الغِنى، يقال: وجدتُ وُجْداً، وجِدَةً إذا استغنيت( )، فلا يحتاج الى مفعول نحو: وَجَدَ الأبيُّ بعَمَلِهِ. الخامس: بمعنى الحُزن، يقال: وَجَدْتُ وَجْدَاً( ). وهذان لازمان. السادس: بمعنى العَتْب، يقال: وجدت على فلان، إذا عَتَبْتَ عليه، وهذا يتعدَّى بحرف الجر( ). السابع: بمعنى حقد إذ ذهب أبو حيان الاندلسي (ت 754 هـ) الى انها تعدى بحرف الجر( ) في حين تكون لازمة عند بعض النحويين( ) . الثامن:يأتي بمعنى لَقِيَ، وصادف؛ فينصب مفعولاً به واحداً؛ نحو:وجدت القلم( ). أما مادة (رأى) فترد بصيغ على المعاني الآتية :- ذهب أبن قتيبة (ت 276هـ) الى أن الرؤية تأتي لمعانٍ منها( ):- 1- المعاينة: كقوله تعالى: ?يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ?( ) وقوله تعالى:??وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا ?( ) أي: عاينت. 2- وترد بمعنى علم( ): كقوله تعالى:?أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا?( ) أي: ألم يعلموا وقوله تعالى:??وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ?( )، أي : أعلمنا، وقوله تعالى:??وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ?( ) أي: يعلم، وقوله تعالى:??لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ?( ) أي: علمك الله. فيتعدى إلى مفعولين( ). أما الراغب الأصفهاني فذهب إلى أن الرؤية جاءت على أضرب بحسب قوى النفس منها: (( الأول: بالحاسة وما يجري مجراها نحو قوله تعالى:??لَتَرَوْنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَّوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ?( ) وقوله تعالى:??وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ ?( ) وقوله تعالى:?فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ?( ) فإنه مما أُجْرِيَ مجرى الرؤيةِ الحاسَّةِ فإِنَّ الحاسَّةَ لا تَصِحُّ على الله تعالى عن ذلك، وقوله تعالى:??إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ?( ). والثاني : بالوهم وَالتَّخَيُّلِ نحو أَرى أَنَّ زيداً مُنطلقٌ ونحو قوله تعالى:??وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ?( ). والثالث : بالتَّفَكُّرِ نحو قوله تعالى:???إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ?( ). والرابع: ((بالعقل وعلى ذلك قوله تعالى:??مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ?( ) وعلى ذلك حُمِـَـل قوله تعالى: ??وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ?( )))( ) وقد ذكرت كتب النُحاة معاني أخرى لـ (رأى) على النحو الآتي :- 1- رؤية البصر: كقولك : رأيتُ زيداً، أي: ابصرته، فيتعدى الى واحد( )، ومنه قوله تعالى:??قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ?( )، لأن الكاف حرف خطاب لا موضع لها من الإعراب، وهذا الذي كرَّمت مفعولها. ومن كلامهم: أبصرك زيـداً، أي أبصره، والكاف الأولى والتاء في أرأيتك اسم مجرد من الخطاب لانتقاله الى الكاف المجردة من الأسمية( ). ((وحيث وقع بعد البصرية منصوبان كان الأول مفعولها، والثاني حالاً))( )، ومما يحتمل الأمرين قوله تعالى: ?وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى? ( ) فان كانت بصرية كان (الناس) مفعولاً و(سكارى) حالاً، وإن كانت علمية فهما مفعولاها. وكذلك قوله تعالى:?وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ? ( ) وقوله تعالى: ?وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ?( ) فقوله تعالى: (وجوههم مسودة) في موضع نصب، إما على الحال إن كانت بصرية، أو مفعولاً ثانياً إن كانت قلبية. 2- تأتي رأيـت بمعنى علمت التي هي بمعنى عرفت، فتتعدى إلى مفعول واحد( )، وإن كانت بمعنى علم القلب، كقوله تعالى:??وَقُل اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ?( ) أي: فَسَيَعْلَم الله عملكم، والعلم هنا بمعنى المعرفة ومنه قوله تعالى:?وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ?( ) أي نُعَرِّفه ذلك، وليس من رؤية العين، ولو كان (نُري) من (رأيت) المتعدي الى مفعولين، لوجب أن يتعدى إلى ثلاثة. ومنه قوله تعالى: ?لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ?( )، أي: ما أراكَهُ الله، أي ما أعلمكَ أياه وعرفكهُ. وضد المعرفة الانكار، وضد العلم الجهل، وقد يقع الجهل ضد المعرفة، قال ذو الأصبع( ): البسيط فَإِنْ عَرَفْتُمْ سَبِيلَ الرُشْدِ فانْطَلِقُوا وان جَهَلْتُمْ سَبِيلَ الرُشْدِ فَأتُونِي( )
3- بمعنى الظن( ): نحو رأيت زيداً خارجاً، أي ظننت زيداً خارجاً، فزيـد متيقن، والشك إنما أعترض في خروجه، وفي التنزيل:?إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا?( ) يَـذُّمُ الكفار في شكهم واعتقادهم بُعْدَ يوم القيامة، فكأنه قال: يظنون يوم القيامة بعيداً، وأخبـر عن نفسه بالعلم، لأن الظن لا يجوز عليه، تعالى الله عُلُوَّاً كبيراً، فقال : (ونراه قريباً)، أي يعلم يوم القيامة قريباً، فقابل علمه (بظنهم)، وعلق علمه بقرب يوم القيامة، كما علق ظنهم ببعده( )، فمعنى انهم يرون البعث بعيداً انهم يرونه كذا في اعتقادهم. والإنسان قد يعتقد رأياً ضالاً ويرى أنه عين الصواب ويدافع عنه ويموت في سبيله، فهم يرونه ممتنعاً بغض النظر عما إذا كان ممتنعاً في حقيقته أو لا. جاء في شرح الرضي على الكافية أن رأى ((للاعتقاد الجازم في شيء أنه على صفة معينة سواء كان مطابقاً أو لا... فإذا كان بالمعنى المذكور ووليته الاسمية المجردة عن (أن) نصب جزئيها نحو (رأيت زيداً غنياً) سواء كان في نفس الأمر غنياً أو لا قال تعالى: ?يَرَوْنَهُ بَعِيدًا? وهو غير مطابق و? وَنَرَاهُ قَرِيبًا? وهو مطابق))( ) ومن كلامهم: كم ترى الحرورية( ) رجلاً ؟ أي كم تظن ؟ 4- بمعنى الرأي والاعتقاد ويتعدى إلى مفعولين( )، نحو : فلان يرى الرأي – أن الحق في جهتك، ويرى الحق قولك والباطل قوله. وذهب الفارسي( ) وأبو القاسم عمر ابن ثابت الثمانيني( )، انها اذا كانت بمعنى (اعتقدتُ) فإنها تتعدى إلى مفعول واحد( ). تقول رأيت رأي مالك، أي: اعتقدت، وفلان يرى رأيَ الخوارج، أي: يعتقد ذلك. قال الشاعر السموأل( ): الطويل وإنّا لَقَوْمٌ ما نَرَى القتلَ سُبَّةً إذا ما رَأَتْهُ عَامِرٌ وسَلُولُ( )
أي : لا نعتقد القتل سبة، وينتصب على الحال، لا على أنه مفعول ثان. وعليه تؤول قوله تعالى: ?لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ? ( ). 5-بمعنى اخبرني( ): نحو: أرأيتك هذا القمر، أمسكون هو؟ وينصب مفعولاً به، أو مفعولين على حسب المراد من الأسلوب، وهذا الأسلوب يتطلب بياناً شافياً، جلياً، يتعرض لنواحيه المختلفة، كصياغته، وتركيبه، وإعرابه، ومعناه.. وقد وفيت حقه في مبحث آخر من هذا الفصل كما سنرى. 6- بمعنى ضربت( ): ويتعدى إلى واحدٍ، نحو رأيت الصيد أي ضربت رئته. 7- بمعنى حلم ( ): أي رأى في منامه – وتسمى الحُلُمية – بضم الحاء وسكون اللام او ضمها – نسبة الى الحُلُم – بوزن قُفُل أو عُنُق – وهو مصدر حلم يحلم مثل قتل يقتل – اذا رأى في منامه شيئاً. والرؤيا وإن كانـت تقع مصدراً لغيـر (رأى) الحلميـة، فالمشهور كونهـا مصـدراً لهـا( ). وقد الحقوا رأى الحُلُمية برأى العلمية في التعدي لاثنين( ) بجامع ادراك الحس الباطن كقوله تعالى:?إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا?( ) فأرى عملت في ضميرين متصلين لمسمى واحد هما فاعل وثانيهما مفعول أول وجملة (أعصر خمراً) المفعول الثاني. ((ولما كانت رأى المنامية ليست رؤية حقيقة إنما هو من باب التمثيل والتخييل أجريت مجرى حسب وخال إذ هما لتصور الشيء من غير استثبات ولا دليل فجعلوها تدخل على المبتدأ والخبر والدليل على ذلك انها قد تعدت الى ضميرين متصلين لواحد احدهما الضمير المستكن في أراني وهو الفاعل والاخر الياء والراء هو المرئي فهما واحد ولا يجوز ذلك إلا فيما كان من افعال القلوب داخلاً على المبتدأ والخبر ألا ترى انه لا يجوز أبصرتُني ولا نظرتُني إنما يُقال في هذا ونحوه أبصرتُ نفسي أو أيايَ أبصرت الا ما شذ من ذلك وهما لفظتان عدمتُني وفقدتُني ولا يقاس عليها ومن زعم ان رأى اذا كانت بصرية تعدت الى أثنين مستدلاً بما روى في الحديث من قول عائشة لقد رأيتنا مع رسول الله ومالنا طعامٌ الا الاسودانِ فلا حجة له فيه اذ هي بمعنى العلم أي قد علمتنا))( ). وذهب الأزهري (ت 905هـ) إلى ان: ((ومصدرها الرؤيا قوله تعالى:?وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ?( )، ولا تختص الرؤيا بمصـدر الحلمية بل قد تقع مصدراً للبصرية خلافاً للحريري وابن مالك بدليل ?وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ ?( ) قال ابن عباس : هي رؤيا عين))( ). وكقول الشاعر عمرو بن احمر الباهلي يذكر جماعة من قومه لحقوا بالشام فرآهم في منامه:( ) الوافر أَرَاهُمُ رُفْقَتي حَتَّى إذَا مَا تَجَافَى اللَّيلُ وانْخَزَلَ إنخِزَالاً
فالهاء والميم مفعول اول ورفقتي بضم الراء وكسرها مفعول ثـان. ((وذهب بعضهم الى أن رأى الحلمية لا تنصب مفعولين وان ثاني المنصوبين حال ورد بوقوعه معرفة كما هنا وأعترض بأن الرفقة الرفقاء وهم المخالطون والمرافقون فهو بمعنـى اسم الفاعل فالإضافة فيه غير محضة)) ( ). 8- بمعنى ذهب من الرأي: أي المذهب فيتعدى إلى مفعول واحد، تقول: رأى أبو حنيفة حل كذا ورأى الشافعي حرمته أي : ذهب أبو حنيفة إلى حل كذا وذهب الشافعي إلى حرمته( ). 9- بمعنى أشار: نحو: رأى زيد كذا أي أشار به( ). ومما ورد من ألفاظ الرؤية والرؤيا ناصباً مفعولاً واحداً أو مفعولين في القرآن الكريم الفعلان ( رأى، وجد) وذلك على النحو الآتي :- فمما جاء ناصباً لمفعول به واحد الآيات الآتية :- قال الله سبحانه وتعالى:??يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ?( )، (( ... قيل ترى جزاء عملها من الثواب والعقاب فأما أعمالهم فهي أعراض قد بطلت ولا يجوز عليها الإعادة فيستحيل أن ترى محضرة))( ). وقال جل أسمه: ?وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ?( ) قال الطوسي فيها: ((والمراد بالرؤية هاهنا العلم الذي هو المعرفة ولذلك عداه الى مفعول واحد، ولو كان بمعنى العلم الذي ليس بمعرفة لتعدى الى مفعولين وليس لأحد أن يقول: أن أعمال العباد من الحركات يصح رؤيتها لمكان هذه الآية، لأنه لو كان المراد بها العلم لعداه الى الجملة وذلك أن العلم الذي يتعدى الى مفعولين ما كان بمعنى الظن. وذلك لا يجوز على الله وانما يجوز عليه ما كان بمعنى المعرفة ))( ). وقال الله عز وجل:??إِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا?( ) فـ ((ضعيفاً منصوب على الحال من الكاف في (لنَرَاكَ) لأنه من رؤية العين ولو كان من رؤية القلب لكان مفعولاً ثانياً))( ). ومما ورد ناصباً لمفعولين الآيات الآتية :- قال الله تعالى:??وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ?( ) ((وجـد يتعدى الى مفعولين الهاء الاول وملئت في موضع الثاني. ويجوز أن تعديها الى واحد وتجعـل (ملئت) في موضع الحال على اضمار (قد) والاول احسن ...))( ). وقال تعالى:??وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ ?( ) فـ (( (الذي) في موضع نصب بأنه المفعول ب (يرى) ... و (الحق) هو المفعول الثاني و(يرى) في الآية بمعنى (يعلم) وموضعه يحتمل أن يكون نصباً عطفاً على (ليجزي) ويحتمل أن يكون رفعاً بالاستئناف))( ). وقال عز وجل:??إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَدًا?( ) فـ (أقـل) منصوب بأنه مفعول ثان لترن، والمعنى: إن كنت تراني اليوم فقيراً اقل منك مالاً وعشيرة وأولاداً فلعل الله يؤتيني بستاناً خيراً من بستانك في الآخرة أو في الدنيا والآخرة ( ). حذف المفعولين أو أحدهما :- الحذف على نوعين( ): الحذف لدليل ويسمى اختصاراً ولغير دليل ويسمى اقتصاراً فحذف المفعولين هنا لدليل جائز وفاقاً كقول الكميت( ) يمدح أهل البيت:- الطويل بأيِّ كِتَابٍ أَمْ بأَيَّةِ سُنَّةٍ تَرَى حُبَّهُمْ عَاراً عَلَيَّ وتَحْسِبُ
فقد حُذِفَ مفعولا (تحسب) وتقديرهما: وتحسب حبهم عاراً عليَّ، وقد دلَّ عليهما مفعولا (ترى) قبلهما، وهما(حبهم) مفعول به أول،(وعاراً) مفعول به ثان. وأما حذفهما لغير دليل كاقتصارك على أظن أو أعلم من أظن أو أعلم زيداً منطلقاً دون قرينة ففيه مذاهب: الأول: المنع مطلقاً وعليه الأخفش والجرمي ونسبه ابن مالك إلى سيبويه وللمحققين كابن طاهر وابن خروف والشلوبين( ) لعدم الفائدة( ). الثاني: الجواز مطلقاً وعليه أكثر النحويين منهم ابن السراج( ) والسيرافي وصححه ابن عصفور( ) لوروده قال تعالى:??أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى ?( )، أي يعلم وقال تعالى:??وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ ?( ) وحكى سيبويه (من يسمع يَخِلْ) أي يقع منه خَيْلَةٌ وما ذكر من عدم الفائدة ممنوع لحصولها بالإسناد إلى الفاعل( ). الثالث: الجواز في ظن وما في معناها دون علم وما في معناها وعليه الأعلم (يوسف الشنتمري) وأستدل بحصول الفائدة في الأول دون الثاني والإنسان قد يخلو من الظن فيفيد قوله ظننت أنه وقع منه ظن ولا يخلو من علم إذ له أشياء يعلمها ضرورة كعلمه ان الاثنين أكثر من الواحد فلم يفد قوله علمت شيئاً ورد بأنه يفيد وقوع علم ما لم يكن يعلم( ). الرابع: المنع قياساً والجواز في بعضهـا سماعاً وعليه أبو العلاء إدريس فلا يتعدى الحذف في ظننت وخلت وحسبت لوروده فيها( ). وأما حذف احد المفعولين اقتصاراً فلا يجوز بلا خلاف لأن أصلهما المبتدأ والخبر وذلك غير جائز فيهما وأما اختصاراً فيجوز نقله عن الجمهور ومنعه طائفة منهم ابن الحاجب( ) وصححه ابن عصفور( ) وأبو اسحق (ابن ملكون)( ). ((وهذا الخلاف في الحذف وعدمه مجرد اصطلاح عند النحويين وليس من الحذف في شيء عند البيانيين لأن غرض المتكلم يختلف في إفادة المخاطب لأنه تارة يقصد مجرد وقوع الحدث من غير تعلق بفاعل فيسند الفعل الى المصدر فيقول وقع ظن أو علم وتارة يقصد نسبته الى فاعله من غير تعلق بمفعول فيقول فلان يظن أو يعلم فينزل الفعل في هاتين الحالتين منزلة القاصر وحينئذ فلا يقال انه حذف منه شيء كما لا يقال في القاصر انه حذف منه شيء وأما اذا لم ينزل منزلة القاصر فلابد من ذكرهما لأن الغرض معلق بإفادتهما))( ). ومما ورد من الفاظ الرؤية والرؤيا اللفظ (رأى) محذوف المفعول الاول منه أو مفعولاه وذلك على النحو الآتي :- قال تعالى:??أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى ?( ) قال أبو البركات الأنبـاري (ت 577هـ) في هذه الآية: ((حذف مفعولي (يرى)، وتقديره: فهو يراه حاضراً))( ) وقال ابن خروف: هو من باب الحذف لدليل، لأن المعنى دال على المفعولين، أي فهو يعلم ما يفعله ويعتقده حقاً وصواباً، ولا فائدة في الآية مع الأقتصار، لأنه لا يُعْلَم منه المراد. وقد ذهب إليه بعض المحققين وعدل عن الصواب( ). وقال تعالى:??وَلَوْ تَرَى إِذ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ ...?( ) يجوز أن يكون مفعول ترى محذوفاً فيكون تقديره ولو ترى المجرمين اذ هم ناكسوا رؤوسهم والمعنى: لو رأيت ببصرك مثل قوله واذا رأيت ثم رأيت نعيماً فيكون ترى عاملاً في إذ ( ). وقال تعالى:??قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ?( ) حذف المفعول به اختصاراً عند قيام قرينـة عليه إذ ان ثاني مفعول أرني محذوف تقديره: أرني نفسك انظر إليك ( ). الاحكام الخاصة بالافعال القلبية المتصرفة :- تنفرد النواسخ القلبية بخمسة احكام، منها حكم واحد مشترك بينها جميعاً، سواء أكانت متصرفة أم جامدة، وهذا الحكم هو : تنوّع مفعولها الثاني، أما الاحكام الاربعة الاخرى فمقصورة على النواسخ القلبية المتصرفة، دون الجامدة وبيان ذلك على النحو الاتي :- 1- فَأَمَّا تنوع المفعول الثاني الذي أشرت اليه فلأنه ((لما كانت هذه الافعال كلها داخلـة على المبتدأ والخبر جاز أن يكون المفعول الثاني مفرداً وجملة وظرفاً، كما يكون خبر المبتدأ مفرداً وجملة وظرفاً. فاذا كان مفرداً كان الاعراب ظاهراً واذا كان جملة وظرفاً كان الاعراب مقدراً))( ). فليس من اللازم في المفعول الثاني أن يكون مفرداً، وانما اللازم أن يكون الناسخ قلبياً متصرفاً أو غير متصرف. ومما جاء من الفاظ الرؤية والرؤيا وقد تنوع المفعول الثاني فيها اللفظ (رأى) وذلك على النحو الآتي :- قال الله تعالى:??أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمْ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى?( ) فشبه الجملة (الجار والمجرور) (لكم) قد سد مسد المفعول الثاني إذ إنَّ: أفرأيتم بمنزلة اخبروني واللات المفعول الاول وشبه الجملة (لكم) سد مسد الثاني( ). وقال عز من قائل: ?أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ?( ) الجملة الفعلية (استغنى) قد سدت مسد المفعول الثاني وهذا ما ايده الطبرسي. ((وأن رآه في محل نصب لأنه مفعـول له واستغنى جملة في موضع النصب لكونها مفعولة ثانية لرآه والتقدير لأن رآه مستغنياً)) ( ). وقال النسفي (ت 710هـ) ((أَنْ رآه استغنى : أن رأى نفسه يقال في أفعال القلوب رَأيتَنِي وعلمتني ومعنى الرؤية: العلم، ولو كانت بمعنى الأبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين)) ( ). وقال الله تعالى: ?هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ?( ) إذ إنَّ الياء في (أروني) هي المفعول الأول، وماذا خلق قد سد مسد ما ينتصب بـ (أروني)( ) أي ان جملة (ماذا خلق الذين) في محل نصب المفعول الثاني لـ (أروني). الأحكام الأربعة الخاصة بالأفعال القلبية المتصرفة :- وقفنا على الافعال القلبية المتصرفة أي التي يكون منها الماضي، والمضارع، والأمر، والمصـدر، واسم الفاعل، واسم المفعول، وبقية المشتقات المعروفة. لكن الناسخ الذي يعمل في هذا الباب هو الماضي وما جاء بعده مما صرَّحنا باسمه هنا، دون بقية المشتقات المعروفة التي اكتفينا بالاشارة الموجزة إليها. وتختص الافعال القلبية المتصرفة بأحكام تنفرد بها وأشهر تلك الاحكام أربعة:- الحكم الأول/ التعليق :- الأصـل في جميع أفعال القلوب والتصيير الجامد منها والمتصرف هو أنها تنصب كلاً من المبتدأ والخبـر أو ما يقوم مقامهمـا من المصادر المؤولة، الا انها اختصت بأحكام أخرى منها:- التعليق وهو ((إبطال العمل لفظاً لا محلاً، لمجيء ماله صدر الكلام بعده)) ( ) وسمي تعليقاً لأنه ((إبطال في اللفظ مع تعلق العامل في المحل وتقدير اعماله والمانع من إِعماله في اللفظ اعتراض ماله صدر الكلام))( ) فإن وجود لفظ له الصدارة يلي الناسخ؛ يعني الفصل بينه وبين المفعولين معاً، أو احدهما، ويَحُول بينه وبين العمل الظاهر. ويسمى هذا اللفظ الفاصل: (بالمانع) ويقع بعده جملة( ) - في الغالب -. ((ولهذا يعطف على الجملة المعلقة بالنصب لأن محلها نصب))( ). ولتفصيل الأمر نسوق الأمثلة الآتية :- 1- رأيت التقاعسَ ذلةً. 2- رأيتَ للتقاعسُ ذلةٌ. 3- رأيت التقاعس لهو سبيلُ الذل. ففي المثال الأول نصب (رأى) المفعولين مباشرة أما في المثال الثاني فلم ينصب (رأى) المفعولين في الظاهر والسبب في هذا وجود فاصل بين الفعل ومفعوليه، وهذا الفاصل (لام الابتداء) وهي مانع من العمل في الظاهر غير مانعة في المحل (اللام للابتداء: التقاعس: مبتدأ، ذلة: خبر والجملة في محل نصب سدت مسد مفعولي (رأى) ). وفي المثال الثالث نصب (رأى) المفعول الاول، ثم وقع بعد المانع وهو (لام الابتداء) جملـة اسمية مكونـة من مبتـدأ وخبر وهـي في محل نصب سدت مسد المفعـول الثاني لـ (رأى) والمفعول الثاني هو الذي وقع عليه التعليق وحده، أما الأول فظاهر في الكـلام وهو ( التقاعسَ). ويقع التعليق بسبب وجود المانع من العمل، والمانع في المثال السابق وجود (لام الابتداء) التي فصلت بين الناسخ (رأى) ومفعوليه (ولام الابتداء) في المثال من الفاظ التعليق. وأثر التعليق في الظاهر فقط لا في المحل، بدليل أن الجملة السابقة وقعت في محل نصب وسدت مسد المفعولين فالفعل المعلق عن العمل عامل في المحل كما سبق، بدليل أنه يجوز أن يعطف على هذه الجملة بالنصب مراعاة لمحلها، ويجوز الرفع تبعاً للظاهر. ومثال ذلك:- 1- رأيت للتقاعسُ ذلةٌ والهوانَ ضعفاً. 2- رأيت للتقاعسُ ذلةٌ والهوانُ ضعفٌ. ففي المثال الأول لم يعمل الفعل في لفظ المبتدأ والخبر بسبب وجود المانع وهو (لام الابتداء) ولكن عمل في محلهما النصب أي: أن الجملة من المبتدأ أو الخبر في محل نصب سدت مسد المفعولين بدليل أنه عطف عليها بالنصب (الهوانَ) ويجوز الرفع (الهوانُ) كالمثال الثاني تبعاً للفظ المعطوف عليه( ). وذكر النحويـون في هذا الباب ما يعلق من افعال القلوب وغيرها وليست كل افعال القلوب يجوز تعليقهـا ومما ذكر فيه التعليـق افعال ليست من افعال القلوب ولكن مع الاستفهام خاصة منها( ): (نَظَرَ) البصرية فذهب ابن عصفور وابن مالك الى انه يجوز تعليقها، وتبعاً في ذلك ابن خروف قال الأستاذ ابو جعفر ابن الزبير( ) لم يذهب احـد الى تعليق (نظر) غير ابن خروف ( ت 609 هـ) وجعل من ذلك قوله تعالى:?أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ?( ) قال ولا يُعَدَّى النظر بالى إلا إذا كان بمعنى الأبصار. و(ابصر) قال ابن مالك نحو قوله تعالى: ?فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُم الْمَفْتُونُ?( ) ولا يتعين أن يكون تعليقـاً. وزاد سيبويه وابن مالك أيضاً ما قارب المذكورات من الافعال التي لها تعلق بفعل القلب نحو: (ترى) في قولهم: أَمَا تَرَى أيُّ بَرْقٍ هاهنا. وذهب ابـن مالك وتبعه المازني الى ان (ترى) هنا بصرية. وأما شراح الكتاب فحملوا ذلك على أن (ترى) بمعنى: (تعلم)، (تَبَصَّرَ) من قول الشاعر:( ) الطويل تَبَّصْر خَليلَي هل تَرى من ظَعَائِنٍ والظاهر أنه من أبصار العين. وإذا تقدم على الاستفهام احد المفعولين نحو : علمت زيداً ابو من هو : فنصب زيـد متفق عليه، وهو المختار واتفقوا على رفعه فأجاز ذلك سيبويه( ) ومنع ذلك ابن كيسـان( ) (ت 299 هـ) ورفعه يمتنع بعد أرأيت بمعنى أخبرني كقولك: (أرأيتك زيداً أبو من هو) و(أرأيتك عمراً أعندك هو أم عند فلان)، والجملة التي بعد المنصوب في موضع المفعول الثاني، وليست أرأيت معلقاً عنها بل هي كالجملة في (علمت زيداً أبو من هو) هذا مذهب سيبويه، وزعم ابن كيسان أن الجملة الاستفهامية في موضع بدل من المنصوب، وزعم كثير من النحاة أن (أرأيـت) تعلق كثيراً وانتقدوا على سيبويه قوله: إنها لا تعلق وأستدلوا بآيات من القرآن وقع فيها ما ظاهره التعليق كقوله تعالى:?قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ?( ) وتأول ذلك من أنتصر لمذهب سيبويه وكقوله تعالى: ?أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ?( ). وأجيب بأنه حذف فيها المفعول اختصاراً أي أرأيتكم عذابكم وقال أبو حيان هي من باب التنازع فإن أرأيت وفعل الشرط تنازعا لاسم بعده فأعمل الثاني وحذف من الاول لأنه منصوب أي أريتكموه أي العذاب ويضمر في أرأيت معمول فعل الشرط الذي يمكن تسليط أرأيت عليه( ). وذهب ابن مالك ( ت 672هـ) في تسهيل الفوائد: ((ونصبُ مفعول نحو: علمت زيداً أبو من هو، اولى من رفعـه، ورفعه ممتنع بعد ( أرأيت) بمعنى (أخبرني). وللاسم المستفهم به والمضاف اليه مما بعدهما مالهما دون الأفعال المذكورة، والجملة بعد المعلَّق في موضع نصبٍ بإسقاط حرف الجر إن تعدَّى به، وفي موضع مفعوله إن تعدَّى إلى واحد، وسادَّة مسدَّ مفعوله إن تعدى إلى أثنين، وبدلٌ من المتوسط بينه وبينها أن تعدَّى إلى واحد، وفي موضع الثاني أن تعدَّى إلى اثنين ووجد الأول))( ). وقال أحد المعاصرين الى أنه: إذا كانت (رأى) حُلُمية لم يدخل عليها التعليق( ) ومما ورد من الفاظ الرؤية والرؤيا معلقاً الآيات الآتية :- وقال عز وجل: ?أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ الْقُرُونِ ?( ) قال صاحب الكشاف: (ألم يروا) ألم يعلموا وهو معلق عن العمل في (كم) لأن (كم) لا يعمل فيها عامل قبلها، كانت للإستفهام أو للخبر، لأن أصلها الاستفهام، إلا أن معناه نافذ في الجملة، كما نفذ في قولك : ألم يروا إن زيداً لمنطلق، وإن لم يعمل في لفظه))( ). وقال عز وجل: ?قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً ?( ) قال الطبرسي: ((أرأيتم لا مفعول له ههنا لأنه معلق كما يعلق اذا دخل الجملة لام الابتداء في مثل قوله قد رأيت لزيد خير منك فكذلك الجزاء وجواب أن الاولى الفاء وجواب ان الثانية محذوف وتقديره ان عصيته فمن ينصرني إلا أنه استغنى بالأول فلم يظهر ... وإنما جاز إلغاء (رأيت) هنا لأنها دخلت على جملة قائمة بنفسها من جهة أنها تفيد لو انفردت عن غيرها وهو يتعلق بمعناها دون تفصيل لفظها))( ). وقال عز وجل: ?قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ?( ) ذهب بعض المفسرين إلى كون متعلق الاستخبار محذوفاً تقديره اخبروني أن أتاكم ما ذكر من تدعون لكشفه أتخصون غير الله بالدعاء كما هو شأنكم وقت الرخاء ؟ أم تخصونه وحده بالدعاء وتنسون ما اتخذتم من الشركاء إذ يضل عنكم من ترجون من الشفعاء ( ). الحكم الثاني / الإلغاء:- هو: ((ترك العمل لفظاً ومعنى لغير عارض))( ) وإنما يجـوز إذا تأخر الفعل عن المفعولين نحو زيد قائم ظننت أو توسط بينهما نحو زيد ظننت قائم( )، والجمهور على انه على سبيل التخيير، لا اللزوم، فلك الالغاء والاعمال، ثم الالغاء عن التأخر اولى من الاعمال،وفي التوسط خلاف، قيل اعماله اولى لأن الفعل اقوى من الابتداء، اذ هو عامل لفظي، وقيل هما سواء، لأنه عادل قوته تأخيره، فضعف لذلك، فقاوم الابتداء بالتقديم. أما اذا تصدر الفعل فلا يجوز فيه الالغاء عند البصريين، وتأولوا ما ورد مما يوهم ذلك ( ). كما في الأمثلة الآتية:- 1- الكفاحَ – رأيت – سبيلَ التحرّر. 2- الكفاحُ – رأيت – سبيلُ التحرر. 3- الكفاحُ سبيلُ التحرر – رأيتُ. 4- الكفاحَ سبيلَ التحرر – رأيتُ. يلاحظ أن الفعل (رأيت) وقع متوسطاً، وحينئذ يجوز أن يسلط على المفعولين فينصبهما كالمثال الاول فيكون الفعل عاملاً، (الكفاح): مفعوله الاول، سبيل: مفعوله الثاني) ويجوز اهمال العامل ( رأيت ) . كالمثال الثاني ( الكفاح : مبتدأ، سبيل : خبره، رأيت : فعل وفاعل، والجملة معترضة لا محل لها من الاعراب). ويلاحظ في المثال الثالث تأخر الفعل (رأيت) إذ يجوز إهماله فلا ينصب. (الكفاح: مبتدأ، سبيل: خبره رأيت: جملة مستأنفة)، ويجوز أعماله (الكفاح: مفعوله الأول، سبيل: مفعوله الثاني ) والأرجح إلغاؤه، اذ إن تأخره اضعف عمله، كما أنه الأشيع والأكثر في أساليب العربية. أما (رأى) الحلمية فلا يصيبها الالغاء( ). ومما ورد من الفاظ الرؤية والرؤيا الفعلُ فيها ملغىً قوله تعالى: ?قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ?( )، ((... ولا مفعول لـ (رأيتم) لأنه يلغى كما يلغى اذا دخل عليه لام الابتداء في قولك: (رأيت لزيد خير منك) فكذلك الجزاء))( ). الحكم الثالث/ جواز وقوع فاعل افعال القلوب ومفعولها الاول ضميرين معينين :- تختص أفعال القلوب بكون فاعلها ومفعولها ضميرين متصلين متكلمين أو مخاطبين أو غائبين نحو : علمتني قائماً بصيغة المتكلم فيكون فاعلها ضمير المتكلم وهو التاء المضمومة ومفعوله الأول ضمير المتكلم ايضاً وقائماً مفعوله الثاني وكذلك نحو علمتك قائماً وعلمته قائماً بتاء المخاطب المفتوحة ولا يجوز هذا في سائر الأفعال ولا يجوز أن يقول ضربتني بأن يكون فاعله متكلماً بضم التاء ومفعوله ضميراً متكلماً ايضاً( ). فيتعدى ضمير الفاعل فيها إلى ضمير المفعول الاول دون الثاني فتقـول ظننتني عالماً ووجدتك فعلت كذا ورآه عظيماً وذلك ((لأن تأثير هذه الأفعال إنما هو في المفعول الثاني ألا ترى أن الظن والعلم انما يتعلقان بالثاني لأن الشك وقع فيه والأول كان معروفاً عنده فصار ذكره كاللغو فلذلك جاز أن يتعدى ضمير الاول الى الثاني لأن الاول كالمعدوم والتعدي في الحقيقة الى الثاني))( ). فهذا الحكم غير خاص بالأفعال القلبية وحدها؛ فهناك بعض أفعال أخرى تشاركها فيه؛ مثل: (رأى) البصرية والحُلُمية، وهو كثير فيهما، ومثل: (وَجَدَ) بمعنى: (لَقِيَ) وهو قليل، وليس عاماً في الأفعال؛ نحو: استيقظتُ فرأيتُني مُنفرداً، أخذني النوم فرأيتُني جالساً في حفل أدبي، سألت نفسي في غمرة الحوادث: أين أنا؟ ثم وَجْدتُني أي: لقيت نفسي، وعرفت مكانها. ولا يجوز هذا في غير ما سبق إلا ماله سند لغوي يؤيده( ). ومما وقع من ألفاظ الرؤية والرؤيا فاعلها ومفعولها الأول ضميرين الآيات الآتية:- قال الله تعالى :?إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى?( ) ((فجاء الفعل متصلاً، ولم يستعمل رأى نفسه، لأنه من أخوات ظننت))( ) فالفعل (رأى) فاعله ضميـر مستتر، تقديره: (هو)، والضمير المستتر نوع من المتصل ومفعوله الأول: (الهاء) فقد وقع الفاعل والمفعول هنا ضميرين، متصلين، متحدين في المعنى، لأن مدلولهما واحد؛ هو : الغائب، مع اختلاف نوعهما، فالضمير المستتر: (هو) ضمير رفع فاعل، والضمير (الهاء) المذكور ضمير نصب (مفعول به أول). وقال تعالى: ?إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا?( ) فالفعل (رأى) فاعله ضمير مستتر تقديره (أنا) ومفعوله الأول (الياء) وقال عز وجل:?حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ?( ) فالفعل (وجد) فاعله ضمير مستتر تقديره (هو) ومفعوله الأول (الهاء). الحكم الرابع/ الاستغناء عن المفعولين بالمصدر المؤول :- تختص الأفعال القلبية بجواز دخول (أَنَّ) المفتوحة على مفعوليها نحو علمت أن زيـداً قائم فعلمت فعل وفاعل وزيداً منصوب على إنه اسم أن وقائم مرفوع على إنه خبره والاسم مع الخبر جملة أسمية لا محل لها صلة أن وأن مع صلتها في تأويل المفرد منصوب محلاً على أنه مفعول لعلمت وقائم مقام المفعولين على مذهب سيبويه أو مفعول أول وأما مفعوله الثاني فمحذوف على مذهب الأخفش( ). ومما جاء من ألفاظ الرؤية والرؤيا مستغنياً عن مفعوليه بالمصدر المؤول الآيات الآتية:- قال الله تعالى:?أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ?( ) قال ابن خالويه: ((يقرأ بالياء والتاء، فالحجة لمن قرأه بالياء: أنه أراد: أن يجعل الفعل لهم، ودل بالياء على الغيبة. والحجة لمن قرأه بالتاء : أنه جعل الخطاب للنبي فدلَّ بالتاء على ذلك، وأدخل أمَّته معه في الرؤية، ومعنى الافتتان هاهنا: الاختبار، وقيل المرض))( ) وذهب الطوسي إلى أن الرؤية في الآية تحتمل على القراءتين بأن تكون متعدية الى مفعولين وأن تكون من رؤية العين أولى فإذا جعلت متعدية الى مفعولين سد (أن) مسدهما( ). وقال تعالى: ?وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا?( ) فـ (أن) حرف توكيد ونصب (هم) ضمير متصل في محل نصب اسم أن والجملة الفعلية من الفعل والفاعل (ضلوا) في محل رفع خبر أن والمصدر المؤول من (أن ومعمولها) في محل نصب سد مسد مفعولي (رأوا). الأفعال المتعدية إلى ثلاثة مفاعيل :- الفعل نوعان: لازم؛ أي: (قاصر؛ لا ينصب بنفسه المفعول به)، ومتعدٍ؛ ينصب بنفسه مفعولاً به، أو مفعولين، أو ثلاثة. ولا يزيد عليها. ولتعدية الفعل اللازم سبل معروفة منها : وقوعه بعد (همزة النقل). ( أي: همزة التعدية) فإذا دخلت همزة النقل على الفعل الثلاثي اللازم، أو الثلاثي المتعدي لواحد أو لاثنين غيَّرت حاله، وجعلت الثلاثي اللازم متعدياً لواحد وصَّيرتْ الثلاثي المتعديَ لواحد متعدياً لاثنين وصَّيرتْ الثلاثي المتعدي لاثنين متعدياً لثلاثة فشأنها أن تجعل فاعل الفعل الثلاثي مفعولاً به، فتنقله من حالة الى أخرى تخالفها( )، فتكسب الجملة مفعولاً به جديداً لم يكن له وجود قبل دخول همزة النقل على الفعل. أما غير الثلاثي فلا تدخل عليه هذه الهمزة( ). قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني (ت471 هـ): ((أن النقلَ بالهمزة يزيد مفعولاً، فإذا نقلت عَلِمَ من قولك: عَلِمَ زيدٌ عمراً خيرَ الناسِ، تعدى إلى ثلاثة مفعولين، لأن الفاعل يصير مفعولاً، فتقول: أَعْلَمَ الله زيداً عمراً خيرَ الناسِ، فزيدٌ منصوب، وكان مرفوعاً قبل النقل في قولك: عَلِمَ زيدٌ عمراً خيرَ الناسِ، فزيدٌ مفعول الآن وكان فاعلاً لعلم ... وحكم أريتُ حكم أعلمتُ، إذا قصدتَ رؤية القلب تقول: رأى زيدٌ عمراً خيرَ الناسِ، فإذا نقلتَ فقلتَ: أريتُ زيداً عمراً خيرَ الناسِ، فإن كان المراد به رؤية العين لم يتجـاوز مفعولين، لأنه قبل النقل لا يتعدى الى أكثر من مفعولٍ واحدٍ كما تقدم من أنه بمنزلة أبصرتُ فتقول: أريتُ زيداً عمراً أي جعلتُهُ يُبْصرُه، فإن قلت: أريتُ زيداً يضربُ أخاك، تجعلُ يضربُ أخاه في موضع المفعول الثاني، لم يَجُزْ لأجل أنه يتعدى الا الى الاسم كزيـدٍ وعمرٍو، وذاك إنك إذا قلتَ: أريتُ زيداً عمراً، كان المفعول الثاني هو الذي كان في قولك: رأيتُ عمراً، فكما لا يتعدى رأيتُ الا إلى اسمٍ كذلكَ أريتُ. وأيضاً فإن ذلك ينبغي أن يكون مما يرى بالعيون والجمل نحو يضرب أخاه. وأخوه منطلق، ليست مما تُرى عيناً وإنما تُرى قَلباً فيجب أن تقول، عَلِمْتُ زيداً يضربُ أخاه، فإن قلتَ: أريتُ زيداً وهو يضربُ أخاه، وقدَّرتَ مفعولاً محذوفاً نحو قولك: أريتُكَ زيداً في هذه الحال أو أريتُ زيداً كذا. وهـو في هذه الحال، كان جائزاً لأنه لا يكـون أعني يضربُ أخاهُ – حينئذ في موضع المفعول الثاني من أريتُ)) ( ). وللثاني وللثالث من هذه المفاعيل ما كان لهما من باب علم ورأى من جهة :- 1- إنَّ أصلهما المبتدأ والخبر. 2- جواز الإلغاء والتعليق. 3- جواز حذفهما أو حذف أحدهما إذا دل على ذلك دليل. وتفصيل ذلك على الوجه الآتي:- هناك أفعال تنصب ثلاثة مفعولات، وإذا دققنا النظر في هذه المفعولات وجدنا أن المفعولين الثاني والثالـث منها أصلهما المبتدأ والخبر، وهذه الأفعال سبعة: ((أعلم، أرى، نبأ، أنبأ، خَبَّر، أخبر، حَدَّث)) ( ). والذي يعنينا منها الفعل (أرى) وأصله (رأى) الذي ينصب مفعولين، وقد تعدى بالهمزة الى ثلاثة مفعولات وذلك مثل قولنا: أريتُ محمداً عَمَلَهُ مجيداً وأريتُ زيداً عمراً فاضلاً [بمعنى أعلمته] وقوله تعالى:??كَذَلِكَ يُرِيهِم اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ?( ) فالفعل (أرى) في المثالين الأول والثاني نصب ثلاثة مفعولات هي (محمداً، عمله، مجيدا ) و(زيداً، عمراً، فاضلاً) وفي المثال الثالث: (الهاء والميم المفعول الاول، و(أعمالهم) المفعول الثاني و(حسرات) المفعول الثالث). وزاد ابن مالك (أرى) الحلمية سماعاً كقوله تعالى:?إِذْ يُرِيكَهُم اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ?( ) وزاد الأخفش وأبن السراج أظن وأحسب وأخال وأزعم وأوجد قياساً على أعلم وأرى ولم يسمع( ). فالكاف في الآية الكريمة مفعول أول والهاء والميم مفعول ثان وقليلاً في الاول وكثيراً في الثاني مفعول ثالث وفي هذه الأمثلة ((رد على ابن الخباز حيث قال لم أظفر بفعل متعد لثلاثة الا وهو مبني للمفعول كما في قول النابغة الذبياني( ): الكامل نَبِئْتُ زُرْعَةَ، والسَّفَاهَةُ كاسمِهَا، يُهْدِي إليَّ غرائِبَ الأشْعَارِ
فالتاء نائب فاعل وهو المفعول الاول وزرعة مفعول ثان وجملة يهدي الى مفعول ثالث وما بينهما اعتـراض))( ) ووقع خلاف في جواز الالغاء والتعليـق في المتعدي الى ثلاثة: فمنع قوم الالغاء والتعليق هنا سواء ثبت للفاعل أم للمفعول وعليـه ابن النحاس وابن أبي الربيع لأن مبني الكلام عليهما ولا يجيء بعدما مضى الكلام على الابتـداء ومنعهما آخرون أن ثبت للفاعل وعليه الجُزُولِيَّ( ) لما فيه من أعمالها في المفعول الأول والغائها بالنسبة الى الأخيرين وذلك تناقض لأنه حكم بقوة وضعف معاً بخلاف ما إذا لم يثبت للمفعول ومنع آخرون التعليق دون الالغاء وعليه الأكثرون ومنع قوم الغاء أعلم دون أرى وعليـه الشلوبين( ) لأن أعلم مؤثر فلا يلغى كما لا تلغى الأفعال المؤثرة وأرى بمعنى (أظن) موافقة في الإلغاء كما وافقه في المعنى ورد بأن أعلم وعلم ايضاً متوافقان في المعنى فيلزم تساويهما في الإلغاء وقد ورد السماع بالغائهما( ) كقول بعضهم : (البركة أعلمنا الله مع الأكابر) فالبركة مبتدأ ومع الأكابر خبره وأعلم ملغاة لتوسطها مبنية للفاعل بين المبتدأ وخبره وقول الشاعر( ): الطويل: وأَنْتَ أَرَانِي اللهَ أَمْنَعُ عَاصِمَ وأَرْأَفُ مُسْتَكْفِي وَأَسْمَحُ وَاهِبُ
فأنت مبتدأ وأمنع خبره وأرى ملغاة لتوسطها مبنية للفاعل بين المبتدأ وخبره. وقد سمع تعليق (أرى) البصرية بالاستفهام في قوله تعالى:?وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى?( ) ((...وأرني أصله (أَرْإِني). وأصل (أَرإني) أرإِيني. فحذفت الياء للوقف عند البصريين وللجزم عند الكوفيين، وحذفت الهمزة تخفيفاً، ونقلت كسرتها إلى الراء قبلها. وقرئ بإسكان الراء والاختلاس فمن أسكن الراء شبه الكلمة بكتف وكبد، فكما قالوا في كِتْف وكِبْد، كْتفٌ وكْبدٌ، فكذلك قرأ، أرْنِي في أرِني. ومن قرأ بالإختلاس أراد منزلة بين الحركة والسكون ليجمع بين التخفيف والتنبيه على الأصل، ووزن (أرني) أفنِي لأنه حذفت منه عينه ولامه. وكيف، في موضع نصب (بيحيى)، وهو سؤال عن الحال وتقديره، بأي حال تحي؟ ولا يجوز أن يكون العامل فيه (أرني) لأن كيف للإستفهام، والإستفهام لا يعمل فيه ما قبله))( ) وهذه: ((قصة إبراهيم هي سؤال لكيفية اراءة الأحياء ليشاهد عياناً ما كان يعلمه بالقلب.. والعامل في إذ على ما قالوا محذوف تقديره وأذكر إذ قال وقيل العامل مذكور وهو ألم تر المعنى ألم تر إذ قال وهو مفعول بتر والذي يظهر أن العامل في إذ قوله قال أولم تؤمن ... وحذف حرف النداء للدلالة عليه وأرني سؤال رغبة وهو معمول لقال والرؤية هنا بصرية دخلت على رأى همزة النقل فتعـدت لاثنين أحدهما ياء المتكلم والآخر الجملة الإستفهامية فقوله كيف تحيي الموتى في موضع نصب وتعلق العرب رأى البصرية من كلامهم، أما ترى أي برق ها هنا كما علقت نظر البصرية))( ). ويجوز حذف هذه المفاعيل الثلاثة وبعضها لدليل كقولك لمن قال أأعلمت زيداً بكراً قائماً أعلمتُ. وأما الاقتصار وهو الحذف لغير دليل ففيه مذاهب :- ( ) الأول: وعليه الأكثر منهم المبرد( ) وأبن كيسان( ) ورجحه ابن مالك وخطّاب( ) يجوز حذف الأول بشرط ذكر الآخرين أو الآخرين بشرط ذكر الأول كقولك أعلمت كبشك سميناً بحذف العلم أو أعلمت زيداً بحذف الثاني والثالث أن لم يخل الكلام من فائدة بذكر المعلم به في الصورة الأولى والمعلم في الثانية. الثاني: وعليه سيبويه( ) وابن الباذش وابن طاهر وابن خروف وابن عصفور( ) ولا يجوز حذف الاول ولا الأقتصار عليه وحذف الآخرين بل لابد من الثلاثة لأن الاول كالفاعل فلا يحذف والآخران كهما في باب ظن وقد منع هؤلاء حذفهما فيه اقتصاراً. الثالث: وعليه الشلوبين( ) يجوز حذف الاول فقط مع ذكر الآخرين نحو أعلمت كبشك سميناً ولا يجوز حذف الآخرين دون الاول ولا حذف الثلاثة ولا حذف الاول وأحد الآخرين ولا حذف أحد الآخرين فقط. الرابع: وعليه الجرمي وأختاره ابن القواس يجوز حذف الآخرين فقط لأنهما في حكم مفعولي ظن دون الاول لأنه في حكم الفاعل. نحو قوله تعالى: ?وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ?( ) ((فلم يذكر المفعول الثالث ويمكن أن يقال : انه محذوف أي (منا) فيكون (كذلك) حالاً ويجوز أن يكون (كذلك) هو المفعول الثالث))( ).
____________________ (1) مقالات في الأسلوبية : 15
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم
|