مظاهر الخلط في الشاهد النحوي ومستويات أدائه أ . القرآن الكريم : اتفقت كلمة علماء اللغة وأئمة النحو على اختلاف مذاهبهم النحوية على أن القرآن الكريم (( أعرب وأقوى في الحجة من الشعر )) ، لكنهم في التطبيق لم يجعلوه المصدر الاول في استقاء الشواهد ، بل اعتمدوا اعتمادا كبيرا على الشعر ، ولعل نظرة احصاء دقيقة في كتب النحو تدلنا على صحة هذا الرأي ، (( فمن ينعم النظر في معاجم اللغة وكتب قواعدها يجد كتب اللغويين أوفر حظا في الاستشهاد بالشعر ويجد النحاة يكادون يقتصرون على الشعر ، وزادت عنايتهم حتى كان ( أبو مسحل ) يروي عن علي بن المبارك ( الاحمر ) أربعين الف بيت شاهدا في النحو )) . إحصاء الشواهد : شاهد قرآني شاهد شعري كتاب سيبويه 458 1056 شرح القصائد السبع لابن الأنباري 270 775 الجمل للزجاجي 124 147 المفصل للزمخشري 257 441
وفي ذكر أهم الأسباب التي دعت إلى اعتماد النحويين على الشاهد الشعري أكثر من الشاهد القرآني ، ذهب الجاحظ إلى أنه لم تكن (( غاية النحويين إلا كل شعر فيه إعراب . ولم أر غاية رواة الأشعار إلا كلّ شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج )) . وفي هذا المعنى يقول الدكتور الجواري (( قد فُتن النحاة بالإكثار من الاستشهاد بالشعر حتى جعلوه السند الاول لقواعد النحو ..... وينظرون إلى الشعراء الذين يعتد برواية شعرهم نظرةً تقرُبُ من التقديس والرهبة ، ولا يجوز أن يتصور أحد صدور الخطأ عن أولئك الشعراء فكل ما يقولون حجة )) . وتابع الدكتور عبد الجبار النايلة الدكتور الجواري في أن سبب انصراف النحويين الى الشعر هو المنزلة العظيمة للشعر في نفوس العرب ، وقلة النثر الذي وصل إلى النحويين عن العصر الجاهلي الذي تطمئن إليه أنفسهم ، وكون احتمال التغيير فيه أقلَّ من النثر . لكن الدكتور محمد عيد يرى أن النحويين انصرفوا عن كثرة الاستشهاد بالقرآن إلى الاعتماد على الشعر ؛ حتى اصبحت كلمة ( شواهد ) ذات معنى عرفي يقصد به الشعر ولايتبادر إلى الذهن آيات القرآن أو الحديث الشريف ، ويعزو هذا الانصراف إلى التحرز الديني ؛ ذلك لأن دراسة اللغة تقتضي تعدد الآراء وإعمال الذهن في النص اللغوي ، والنص القرآني لا يتحمل ذلك ولايطيقه ، فكان لابد من موقف يحفظ للقرآن قدسيته الدينية في نفوسهم وفي نفوس غيرهم . وما ذكره الدكتور محمد عيد فيه نظر ؛ إذ لايصح أن يكون التحرز الديني وحده مانعا من كثرة الاستشهاد بالقرآن ؛ لأن التأليف في مشكل القرآن وغريبه وافتراض الآراء وتعددها ليس ببعيد عن أذهاننا، ثم ألا تصطدم تلك التوجيهات الكثيرة للنص القرآني بالتحرز الديني ، لاسيما أن الكثير منها تعوزه الدقة والضبط ؟ ألم يُحكم بالوهم على بعض حالات توجيه النص القرآني ، لما فيها من إشكال وتعارض مع القواعد التي تحكم كلام العرب ؟ وللاستشهاد على الوهم أو الخلط الذي وقع به قسم من النحويين سأورد نماذج من ذلك : أ. قال تعالى : (هو الذي خلقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ) ( سورة البقرة / 29 ) . ذكر ابن عقيل ( ت 769 هـ ) أن : ( جميعًا ) توكيد لـ(ما ) الموصولة الواقعة مفعولاً لـ( خلق ) . ووهم في ذلك من جهتين : الأولى : إن ( جميعًا ) حال ، ولا يجوز أن يكون توكيداً لأن ألفاظ التوكيد المعنوي يجب اتصالهُنَّ بضمير المؤكَّد لفظاً ليحصل الربط بين التابع والمتبوع ، ولو كان كذلك لقيل : جميعه والثانية : إن التوكيد بـ( جميع ) قليل ، فلا يحمل عليه التنزيل . ب. قال تعالى :( وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لَا يَسَّمَّعُونَ إِلى الْمَلَإِ الْأَعْلَى)( الصافات :7 ـ 8) ،إن التوجيه المتبادر للذهن أن جملة ( لايسَّمَّعون ) في محل جر على الصفة لـ( كُلِّ شَيْطَانٍ) أو حال منه. أما كونها صفة فمردود بالمعنى، إذ لا معنى للحفظ من شيطان لا يسمع . أي أن حفظ السماء ممن لايسمع ، أو ممن هو في حالة عدم تسَمُّع ليس له معنى ،وإنما يكون الحفظ حقًّا ممن يريد السماع فيمنع ، أما كونها حالاً منه فمردود بالمعنى أيضًا، لأن جعلها حالاً مقدرة ، أي : وحفظاً من كل شيطان مارد مقدراً عدم سماعه أي : بعد الحفظ، فلا تصح الحال ، لأن الشياطين لايقدرون عدم السماع ولا يريدونه ، أي : لأن الحال المقدرة تعني أن صاحبها هو الذي يقدر ماتتضمنه ، والشيطان في هذه الآيات ليس هو المقدر لعدم التسمع ، بل الله هو الذي حجبه ومنعه . والحق إنما هي جملة مستأنفة أخبِر بها عن حال المسترقين . ت. قال تعالى : ( لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ ) ( الزخرف / 13 ) جعل ابن عطية ( اللام ) في قوله ( لتستووا ) لام الامر ، ويبطل هذا القول أن استعمال أمر المخاطب بتاء الخطاب ، وهو من القلة بحيث لايقاس عليه ، بل نص النحويون على أنها لغة رديئة قليلة . أما زعم الزجاج أنها لغة جيدة نحو قول الشاعر : لِتقم أنتَ ياابنَ خير قُريشِ كي لِتَقضِي حوائجَ المُسلِمينَا فهو تخريج للآية القرآنية على بيت مجهول القائل ومختلف في روايته ،و ذلك لا يصح مع احتمال التخريج الأفضل وهو أن اللام لام كي ، أي أن اللام للعلة والفعل منصوب ، لضعف أمر المخاطب باللام ، وقد افرد ابن هشام في كتابه ( مغني اللبيب ) بابا سماه (( في ذكر الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها )) وهي عشر جهات يقع الخلط فيها من النحويين ، من اهمها ان يخرج المعرب عما لم يثبت في العربية ، نحو (( قَول أبي عُبَيْدَة فِي ( كَمَا أخرجك رَبُّك من بَيْتك بِالْحَقِّ ) إِن الْكَاف حرف قسم وَ إِنَّ الْمَعْنى : الْأَنْفَال لله وَ الرَّسُول وَ الَّذِي أخرجك وَ قد شنَّع ابْن الشجري على مكيّ حكايته هَذَا القَوْل وسكوته عَنهُ، قَالَ وَلَو أَن قَائِلا قَالَ : كالله لَأَفْعَلَنَّ؛ لَاسْتَحَقَّ أَن يبصق فِي وَجهه )) . يتضح مما تقدم أنه لايمكن الركون إلى التحرز الديني وحده سببا في قلة استشهاد النحويين بالقرآن ، لذا يمكن أن يقال : إن من أهم الأسباب هو سطوة الشعر وشيوع لغة الشعراء ، فكثير من علماء اللغة كانوا من علماء الشعر ، وهذا ما اكده الجاحظ بقوله : (( وطلبت العلم عند الاصمعي فوجدته لايحسن الاغريبه ، فرجعت الى الاخفش فوجدته لا يتقن الا إعرابه ، فعطفت على أبي عبيدة فوجدته لاينقل الا ما يتصل بالأخبار و يتعلق بالأيام والانساب ، فلم اظفر بما أردت الا عند أدباء الكتاب كالحسن بن وهب ومحمد بن عبد الملك الزيات )) . فاغلب اللغويين والادباء كانوا نقادا فضلا عن معرفتهم ودرايتهم بصناعة الشعر ، وان كانوا لا يقولون الشعر . وما يؤكد سطوة الشعر في الحياة العربية انذاك ماوقع للفرزدق مع عبد الله بن أبي اسحاق الحضرمي ، قال يونس : (( وكان [ابن أبي إسحاق ] يردّ كثيراً على الفرزدق ويتكلم في شعره ، فقال فيه الفرزدق : فلو كان عبدُ الله مولًى هجوتُه ولكنَّ عبدَالله مولًى مواليا فقال له ابن أبي إسحاق : ولقد لحنت أيضاً في قولك : " مولى مواليا " وكان ينبغي أن تقول : " مولى موالٍ " . وروى أبو عمرو أن ابن أبي إسحاق سمع الفرزدق ينشد : وعضُّ زمانٍ ياابنَ مروانَ لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلفُ فقال له ابن أبي إسحاق : على أي شيء ترفع " أو مجلف "؟ فقال على مايسوؤك وينوؤك )) فكلام الفرزدق يؤكد بما لا يقبل الشك أن الشعر كان له من السطوة ما لا يمتلكها أيُّ نصٍّ أدبي آخر ، ومما لا شك فيه أن هذا يعكس جانبا مهما من الحياة الفكرية السائدة في المجتمع العربي ، فهو مجتمع ميال الى الشعر لأسبقيته وسهولة حفظه وكثرة دورانه على الألسن؛ فترتبَ عليه أن احتلتِ الشواهدُ الشعريةُ المرتبة الأولى في أدلة الاحتجاج في كتب النحو على حساب الشواهد الأخرى من القرآن ومن الامثال والحكم والخطب ، و (( لعلَّ ما يؤيد هذه الفكرة أنهم حين ألَّفوا في شواهد النحو جاءت كلّ كتب الشواهد محشوَّة بالشعر وشرحه والتعليق عليه ، حتى أصبحت لفظة ( الشواهد ) ذات معنى عرفيٍّ يقصد به الشعر ولا يتبادر إلى الذهن آيات القرآن أو الحديث )) . ويمكن هنا أنْ نتحدَّث عن بعض المظاهر الدالَّة على موقف النحويين من القرآن الكريم وتقصيرهم من الإفادة منه ومن هذه المظاهر: 1 ـ لم يفطنِ النحويّون إلى أنّ القرآن الكريم يعدُّ مستوى أدائيا مستقلا ، له خصائصه وسماته ، وكان الأجدر بهم أن يدرسوه في جانب مستقل عن المستويات الأخرى ( الشعر والأمثال وغيرها ) ؛ لأنه كلام يرتفع إلى حدّ الإعجاز ، وكان بإمكانهم أن يقعدوا للعربية (( في حدود التعبير الذي يتأتى للمتكلمين بها في عفوية وتلقائية معززين إياه بما يناظره مما جاء في القرآن أو الشعر أو الأمثال تاركين لغة القرآن لتدرس في إطار آخر )) ، فلو أنهم أخذوا بالمسلك اللغويّ العام وما وافقه في القرآن وأشعار العرب وأمثالهم ما كان بينهم هذه الخلافات التي نراها في آية قد خالفت الكثير المشهور ، فإذا كان المسلك العام للغة العرب يمنع وقوع الفعل الماضي المجرد من ( قد ) حالا هو الذي يركن إليه ، فقد جاء ذلك في القرآن الكريم (( أوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ))؛ لأنه يشكل مستوى مستقلا وطريقة للتعبير مخالفة لطريقة الفصحاء وعاداتهم النطقيّة ، كذلك يمنع المسلك العام مجيء (من) لابتداء الغاية في الزمان ، ولما أدخلوا النصّ القرآنيّ إلى جانبه اصطدموا بقوله تعالى : ( لمسجدٌ أسِّسَ على التقوى مِنْ أولِ يومٍ ) [ التوبة / 108 ] ، ولنستمع إلى مايقوله ابن يعيش ( ت 643 هـ ) في عمل ( ما ) : (( إن أهل الحجاز يشبهونها بـ( ليس ) ، فاللغة الأولى ( لغة الإهمال التميمية ) أقيس و الثانية ( لغة الإعمال الحجازية ) أفصح وبها ورد الكتاب العزيز ( ما هذا بشراً ) . ويروى عن الأصمعيّ أنه قال : ما سمعته في شيء من أشعار العرب )) . يعني نصب خبر ( ما ) المشبهة بـ( ليس) ، وكذلك لم يرد في كلام العرب؛ لأنه لم يؤثر عنهم ذلك، وعادة النحويين الاكتفاء بإيراد الأمثلة المصنوعة زيادة على آيتين من القرآن الكريم ، فمثل هذه المواقف لم يفهمها النحويّون ، فأخذوا يصدرون أحكاما لا تستقيم مع قداسة الكتاب الكريم ، فابن عُصْفُور ( ت 669 هـ) مثلا تورَّط حين سلك المنهج التقليديّ فرأى أنَّ في القرآن كلامًا ( نادرًا ) وأنَّ فيه ( شاذّا ) لا يقاس عليه، فعنده وعند غيره الضمير العائد على المعطوف والمعطوف عليه لابدَّ من أن يطابقهما ولا يجوز الإفراد إلا في الشعر أو نادر من الكلام، ومنه قوله تعالى : ( يحلفونَ باللهِ لكم ليُرضوكم واللهُ وَرَسُولُهُ أحقُّ أنْ يُرْضُوهُ ) [ التوبة / 62 ] ، فيقول : (( إنْ كان العطف بغير ذلك ( أي بغير الواو وحتى والفاء وثُمَّ ) لم يجز في الضمير إلا الإفراد، فأما قوله تعالى : ( إنْ يكنْ غنيّا أوْ فقيرًا فاللهُ أولى بِهِمَا ) فيقول فيه ابن عُصْفُور إنه : (( شاذّ لا يقاس عليه )) . والحق إنّ قوله (فاللهُ أولى بِهِمَا) لأن المعنى: فاللهُ أولى بِكل واحد منهمَا، وهو دليل الجواب المحذوف، والتقدير: فلا يُهِمُّكم أمرهما عند التقاضي، فاللهُ أولى بِالنظر في شأنهِمَا. أو لتقدم ذكرهما كما قال تعالى: (( وله أخ أو أخت فلكلِّ واحدٍ منهما السُّدُس))(سورة النساء/12). 2 ـ اصطدام أقيسة النحويين وقواعدهم ، فماذا يقولون في الآية التي لاتتفق وقياسهم ؟ أيذهبون إلى أنها (( من الضرورة أو مجهولة القائل أو مصنوعة كما هو قولهم في الشعر المخالف للقياس ؟ [ أم ] يقولون إنها : مروية بالمعنى كما قالوا في الحديث ؟ )) ، فكان ( التأويل ) الذي يدور في مخيلة النحويّ وحده مخرجا لهم من هذا المأزق ، التأويل الذي يجعل النصوص المخالفة للقواعد مسايرة لها ، وهنا أورد مثالين من هذه الآيات التي لم تتفق مع قواعد النحويين : أقرَّ النحويّون منع تقديم الصلة على الموصول ، قال المبرّد ( ت 285 هـ ) : (( فكما لايجوز أن تتقدم حروف الاسم بعضها على بعض ، لم يجز أن تتقدم الصلة على الموصول )) إلا أنَّ القرآن الكريم ردَّ كلام المبرّد فاحتوى آيات مناهضة لكلامه ، ومن ذلك قوله تعالى : ( وَقَاسَمَهُمَا إني لَكُمَا لَمِنَ الناصحِينَ ) [ الأعراف / 21 ] ، وقوله تعالى : ( وَشَروْهُ بِثَمًنٍ بخسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودةٍ وكانُوا فيهِ مِنَ الزَّاهِدينَ ) [ يوسف / 20 ] ، فقالوا في الآية الأولى إنَّ (( لكما ليس داخلا في الصلة ، والتقدير : إني ناصح لكما لمن الناصحين )) ، وأما قوله تعالى (( فكانوا فيه من الزاهدين )) فـ( فيه ) متعلق بمحذوف دلت عليه صلة ( أل ) بصلتها ، والتقدير : (( وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين )) ، وهنا نلاحظ ظهور تركيبين بسبب ( التأويل ) : هما (( إني لكما لمن الناصحين )) = إني ناصح لكما لمن الناصحين ، و (( وكانوا فيه من الزاهدين )) = وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين ، وبالمقابلة بين هذين التعبيرين، وعرضهما على الذوق البلاغيّ السليم لا نجد لهما تأييدا منه، ولا يخفى ما لهذين التقديرين من أثر في إذهاب رونق الآيتين وجمالهما وموسيقاهما. ومن ثم لابد من الاستناد إلى نصوص القرآن الكريم والقول بجواز تقدم الصلة أو متعلقها على الموصول. الاستنتاج: إن مشكلة الشاهد في العربية تكمن في أنه لا ينتسب الى مرحلة زمنية معينة ولا إلى بيئة مكانية معينة أو مستوى أدائي معين ، وإنما نجد شواهد النحويين تتردد بين هذه المستويات الثلاثة وقد جرَّ ذلك الى عدم تجانس المادة اللغوية المدروسة، وازاء غياب التجانس في المادة اللغوية المدروسة اضطربت القواعد وتصادمت المقاييس المستنبطة من المادة غير المتجانسة . ولما كان النحويون ولا سيما البصريون يسعون الى أن تكون القواعدُ مطردة لا يعرض في الاستعمال ما يذهب باطرادها وشموليتها فقد لجأوا الى التأويل والتقدير لكي يظهروا الكلام الخارج عن القاعدة العامة التي تمثل اللغة الادبية المشتركة بمظهر المنسجم مع هذه القواعد ، ولا صحة لما يقال من أن سبب تصادم القواعد النحوية وتضارب القوانين اللغوية هو عدم استقراء اللغة استقراء تاما أو عدم الاحاطة بكلام العرب قبل استنباط القوانين والاحكام منه , فقد ندَّت عن قواعد النحويين استعمالات قرآنية اُضطروا الى تأويلها ، واكثر شواهدهم المؤولة من المادة القرآنية فلا يعقل ان النحويين لم يطلعوا على هذه الآيات أوهذه الاستعمالات القرآنية قبل أن يضعوا قواعدهم ويستنبطوا قوانينهم ، (( فالجملة العربية في الحقيقة يحددها السياق أي أنها بطرفيها ، اذا السماءُ انشقت ، هي جملة فعلية ولكن قدم الفاعل للاهتمام به )). ومما تقدم يظهر لنا جليًّا أنَّ تشعيب القاعدة الواحدة إلى فروع في مذهب النحويين الكوفيين، وتعدد وجوه التأويل والتقدير في مذهب النحويين البصريين لا يرجع إلى نقص استقراء
النحويين للمادة اللغوية من مظانها الأصيلة ، إنما يرجع الى عدم تجانسهم من حيث المستويات الثلاثة المذكورة آنفا ب . القراءات القرآنية : للقراءات القرآنية علاقةٌ وثيقة باللهجات العربية ؛ إذ كانت لغات العرب مختلفة وألسنتهم شتَّى، يعسر على أحدهم الانتقال من لغته إلى غيرها، أو من حرف إلى آخر، بل قد يكون بعضهم لا يقدر على ذلك ولو بالتعليم والعلاج لما فيه من الاحتمال على مشقة وعسر . فكان من تيسيرِ تعليمِهم القرآن الكريم أنْ أمرَ اللهُ جل وعلا رسولَه محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم (( أن يقرئ كلّ قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم، فالهذليّ يقرأ ( عتّى حين ) يريد: ( حتى حين ) ؛ لأنه هكذا يلفظ بها ويستعملها، والأسديّ يقرأ ( تِعْلمون وتِعْلم ) و ( تِسودّ وجوه ) ، و( ألم إعهدْ إليكم ) ، والتميميّ يهمز والقريشي لايهمز )) . والمحدثون يرون ما يراه القدماء في القراءات بأنها (( الوجوه المختلفة التي سمح النبيّ بقراءة نصّ المصحف بها قصدا للتيسير ، والتي جاءت وفقا للهجة من اللهجات العربية )) . إذن هذه هي حقيقة القراءات فهي تمثل مستوى لهجيا، ولكن النحويين جعلوا لها مكانا في الاستشهاد فكانوا سببا في إدخالها الدرس النحويّ واللغويّ، ونظروا إليها على أنها من المستويات الأخرى التي تشكل مستوًى واحدًا ( القرآن والشعر والأمثال وكلام العرب ) فكان ذلك سببا في ظهور مشكلتين : إحداهما : اضطراب القواعد النحوّية واصطدام أقيسة النحويين المؤسَّسة على أكثر كلام العرب مع هذه القراءات فتورطوا بعد ذلك بوصف هذه القراءات بالشذوذ والرداءة والضعف وبعدم جواز القياس عليها . والأخرى : تخطئة القراءات ورمي القرَّاء واتهامهم باللحن والطعن في قراءاتهم ، مما أثار حفيظة عدد من النحويين والعلماء والمفسِّرين ؛ لأنهم يرونها ( سنَّة لا تخالف ويجب الأخذ بها ) والحقيقة أن هذه المسألة قامت على سوء فهم منهم ؛ لأن منهج القرَّاء في قبول القراءة يخالف منهج النحويين ، فالقرَّاء يقبلون القراءة ( الثابتة في الأثر والأصح في النقل )، أمَّا النحويون فيقبلونها متى ما كانت (الأفشى في اللغة والأقيس في العربية) ، وهذا يحتمُ عليهم التفريق بين أمرين ابتداء : أولهما : النظرة الدينية إلى القراءات بِعدِّها سنَّة متبعة لا تخالف ، وهذا حكم ديني مقبول، وما كان ينبغي للنحويين أن يصفوا بعض القراءات بالقبح أو الرداءة أو الضعف أو تخطئة القرَّاء ؛ لانهم (( صرحوا من ناحية بأن القراءة سنَّة وبأن الرواية تصلها إلى رسول الله ، والله تعالى يقول : ( وَمَا آتاكُم الرسولُ فخذوهُ وَمَا نهاكُم عنهُ فانتهوا ) )) . والثاني : نظرة الدراسات النحويّة واللغويّة ، التي تقتضي الأخذ بما يوافق الأصول العامة من هذه القراءات ، وما جرى على النمط العربيّ الفصيح (( فذلك عين الصواب ؛ لأنَّ القراءات تمثل لهجات متعددة ومن المصلحة إبعاد اللهجات المحلية في مجال التقعيد ، ووضع معيار للصواب اللغويّ )) . ولو أنهم فعلوا ذلك لاختفت مثل هذه التعبيرات ( لم يذهبَ الرجلُ ) و ( لن يذهبْ ) ولوضعنا حدَّا لجرأة بعض النحويين، فقد وُجِدَ كثير منهم في أحيان كثيرة يتصيدون القراءات يخطئونها تارة، ويضعفونها أخرى، ويؤيدونها تارة ثالثة حتى طال الجدل بينهم وبين القراء، فالبصريون مثلا ينظرون إلى القراءات نظرة حذر وحيطة، ولا يأخذون بها إلا نادرا، على حين نرى الكوفيين يعتمدون على القراءات اعتمادا كبيرا. على أن رد بعض النحويين للقراءات ولاسيما المشكل منها كان بسبب اعتقادهم أن القراءاتِ آراءٌ تنبثق من أصحابها، وليست متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويؤيد هذا ما قاله ابن المنير تعقيبا على رد الزمخشري لقراءة ابن عامر(ت118هـ) بالفصل بين المتضايفين في قوله تعالى: (وكذلك زيَّنَ لكثيرٍ مِن المشركين قتلَ أولادِهِم شركاؤُهم).( سورة الأنعام :137) برفع (قتل) ونصب (أولادهم) وجر (شركائهم) على الإضافة بقوله : (( أما قراءة ابن عامر فشيء لو كان في مكان الضرورات لكان سمجا مردودا ، فكيف به في الكلام المنثور ، فكيف به في القرآن )) . قال ابن المنير : (( فهذا ظن من الزمخشري أن ابن عامر قرأ قراءته هذه رأيا منه )) . ويؤيد ما ذهب إليه بعض النحويين من أن القراءات آراء تنبثق من أصحاب القراءات أيضا ما قاله أبو غانم أحمد بن حمدان: (( إن قراءة ابن عامر هذه لا تجوز في العربية وهى زلة عالم )) ، وهو بقوله هذا يوحي بأن ابن عامر هو صانع هذه القراءة، وأنها من عنده، وفي الحقيقة أن بعض النحويين كانوا مغالين في معارضة القراءات إذ لم تقف معارضتهم فقط عند القراءات المشكلة أو الشاذة في نظرهم بل تعدتها إلى القراءات المتواترة .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم
|