المبحث الأول : أثر القرآن في استحداث القاعدة النحوية ثمة مجموعة كبيرة من القواعد النحوية كان لنصوص القرآن الكريم الأثر الرئيس في نشوئها واستقرارها في كتب النحو العربي ومصنفاته ، وهذا لا يعني أننا نعدم تماما نظائرها في موروثنا اللغوي العربي ، فقد التمس علماؤنا الأوائل في كلام العرب من نظائرها ما يعززها ، فظفروا بأمثلة تعضد بعضها ، وهذا يعني أن هناك قدرا من القواعد النحوية قد استند النحويون في تثبيتها إلى الاستعمال القرآني . وثمة قواعد استند النحويون في تقعيدها إلى الاستعمال القرآني وحده ، ولم يقفوا على أمثلة تعضدها ، ولولا هذا الاستعمال لما وقف النحويون عندها . وفي ما يأتي أمثلة تطبيقية على تلك القواعد (8): 1- مجيء الفعل (ظنَّ) بمعنى الشك إذا وليته (أنْ) المخففة وبمعنى اليقين إذا وليته (أنَّ) المشددة . يستعمل الفعل(ظنَّ) في الكلام العربي بمعنيين متضادين هما اليقين والشك . وأصلها للاعتقاد الراجح ؛ لأن الظنّ فيه طرف من اليقين ، لولاه كان جهلا (9). وبعد أن أنعم النحويون النظر في استعمال ( ظنَّ ) في القرآن الكريم وجدوا أنه حيث وجد الفعل ظنّ متصلا ب(أنّ) المشددة ، محمودا مثابا عليه ، فهو اليقين ، وحيث وجد متصلا ب ( أنْ) المخففة ، مذموما متوعَّدا بالعقاب عليه ، فهو الشك (10). واستدلوا على ذلك بشواهد من القرآن الكريم تنتظم المعنيين المذكورين آنفا ، منها ما يدل على معنى اليقين كقوله تعالى ((إنَي ظننت أنِّي ملاقٍ حِسابِيَه)) (11)، وقوله تعالى (( وظنَّ أنَّه الفراق )) (12) . ومنها ما يدلّ على معنى الشك كقوله تعالى (( إنْ ظنَّا أنْ يُقِيما حُدُودَ الله )) (13)، وقوله تعالى (( بل ظَنَنْتُم أنْ لَنْ ينقَلِبَ الرَّسُولُ )) (14). وقد عدَّ الزركشي هذا الاستعمال من نسق النحو القرآني الخاص ، فقال معلِّقا : (( فتمسَّك بهذا الضابط ، فإنَّه من أسرار القرآن )) (15). مما تقدم يتضح لنا أن هذه القاعدة ما كانت لتستويَ على سوقها لولا أنَّ أسلوب القرآن الكريم قد انتظم ذلك الاستعمال ، فاستند إليه النحويون واستحدثوا القاعدة مجاراة له ، فأثر القرآن بيِّنٌ في استحداثها ، وهو ما دعا الزركشي إلى عدِّ هذا الاستعمال سرًّا من أسرار لغة القرآن الكريم المعجزة .
2- قاعدة إعمال (ما) النافية عمل (ليس) مجاراة للّغة الحجازية : رأى الحجازيون أن (ما) بمعنى (ليس) تنفي ما في الحال والمستقبل ، فأجروها مجراها في العمل في رفع الاسم ونصب الخبر، وعدَّ الزجاج وتابعه الزمخشري اللغة الحجازية أنها اللغة القدمى الجيدة ، وهي أقوى اللغات ( 16). وقد قامت هذه القاعدة على آيتين اثنتين في القرآن الكريم هما قوله تعالى ((ما هذا بَشَرًا)) (17) ، وقوله تعالى (( ما هُنَّ أمهاتِهِم )) (18). ولم يكن في الموروث العربي الشعري والنثري من دليل على هذا الاستعمال سوى بيت يتيم رواه ابن عقيل في شرحه على ألفية ابن مالك مجهول القائل هو (19): وإنّا النَّذيرُ بِحَرَّةٍ مُسْوَّدَةٍ تصلُ الجيوشُ إليكمُ أقوادَها أبناؤها مُتكنِّفون أباهُمُ حَنِقُو الصُّدورِ وما هُمُ أولادَها إذ تكلم الشاعر على وفق لغة الحجازيين فنصب قوله:( أولادَها) خبرا ل(ما) الحجازية العاملة عمل (ليس) ، وبناء قاعدة على ما صحَّ أجدر من بنائها بالاستناد إلى قول لا يعرف قائله ، ومن هنا كان للقرآن الأثر الأكبر في استحداث القاعدة المذكورة آنفا. ويرى الدكتور مهدي المخزومي أن (ما) الحجازية أحدث عهدا من (ما) التميمية من حيث التطور التاريخي ؛ إذ أحسَّ الحجازيون بأن الإسناد الذي انعقد عليه رفع الخبر قد انتقض ب(ما) فنصبوا خبرها، لأنه لم يعد وصفا للمبتدأ في المعنى وهو ما وسمه الكوفيون بالنصب على الخلاف (20). 3- قاعدة حذف المتضايفين والاستغناء بالثالث عنهما : ثمة أمثلة كثيرة في كتاب الله عز و جل استند إليها النحويون في تقرير هذه القاعدة ، من ذلك قوله تعالى (( تدورُ أعينُهم كالذي يُغشى عليه من الموت )) (21)، قال الفراء : (( المعنى – والله أعلم - : كدورانِ عينِ الذي يُغشى عليه من الموت ، فأضمر الدوران والعين جميعا )) (22) ، يتضح مما تقدم أن حذف المتضايفين قد حصل للعلم به لدليل استُغْنِي به عنهما هو المضاف الثالث أي : تدور أعيُنُهم دورانا كدورانِ عينِ الذي يُغشى عليه من الموت (23). ومما حذف فيه المتضايفان أيضا ، قوله تعالى (( وتجعلون رزقكم أنَّكم تكذبون )) (24)، يرى الزركشي أن في الآية الكريمة حذفا ، والتقدير : وتجعلون ( بدلَ شكرِ) رزقكم . بتقدير متضايفين محذوفين مستغنى عنهما بالثالث (25). وقد أورد الزركشي فضلا على هاتين الآيتين آيات أخر للتدليل على حذف المتلازمين(المضاف والمضاف إليه) (26)، وهو ما يؤكد فرادة الاستعمال القرآني وخصوصيته التي استدعت استحداث تلك القاعدة النحوية .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم
|