انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

أثر القرآن في تثبيت القاعدة النحوية وترسيخها

Share |
الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 7
أستاذ المادة سعدون احمد علي الرباكي       16/10/2018 08:42:32
المبحث الثاني : أثر القرآن الكريم في تثبيت القاعدة النحوية وترسيخها
ثمة مجموعة من القواعد النحوية استنبطها النحويون بإنعام النظر في كلام العرب ( شعرهم ونثرهم ) ، غير أنهم التمسوا في آيات القرآن الكريم سندا لها يعطيها قوة واطرادًا ، فالقرآن هو المنجد السريع والمسند القوي لكل نحويّ ، وسأجتزئ ببعض الآيات التي سيقت تأييدا وتثبيتا لقاعدة استُنْبِطت من غير القرآن أولا (27):
1- قاعدة مجيء كان وأخواتها تامة :
أجمع النحويون – قدماء ومحدثون – على مجيء كان وأخواتها ناقصة تارة وتامة تارة أخرى ، وقد أيَّدوا تمامها بشواهد شعرية كثيرة قيلت في عصر الاحتجاج ، منها قول امرئ القيس (28):
وبات وباتت له ليلة كليلة ذي العاثر الأرمد
ومنها قول الربيع بن وهب الفزاري (29):
إذا كان الشتاء فأدفئوني فإن الشيخ يهرمه الشتاء
ومنها قول عبد الواسع بن أسامة أيضا (30):
ومن فعلاتي أنني حسن القرى إذا الليلة الشهباء أضحى جليدُها
وقد كان للقرآن الكريم أثر عظيم في تقرير هذه القاعدة وتثبيتها بآيات كثيرة استدل بها النحويون على التمام ، منها قوله تعالى (( وإنْ كانَ ذو عُسْرةٍ فنظرةٌ إلى ميْسَرةٍ )) (31)، وقوله تعالى (( وإنْ تَكُ حسَنَة يضاعِفْهَا )) (32)، في قراءة من قرأ برفع (حسنةٌ) ، وقوله تعالى (( كيفَ نكلِّمُ مَنْ كانَ في المهْدِ صَبِيًّا)) (33)، وقوله تعالى (( فسبحانَ اللهِ حينَ تُمْسُونَ وحينَ تُصْبِحُونَ )) (34)، وقوله تعالى (( ألاَ إلى اللهِ تصيرُ الأمورُ )) (35)، وقوله تعالى (( خالدين فيها ما دامت السموات والأرض )) (36). وقد استدلَّ أبو البركات الأنباري على مجيء كان تامة دالة على الزمان والحدث كغيرها من الأفعال الحقيقية بآية مريم المذكورة آنفا وقال معلِّقا : (( ولا يجوز أن تكون (كان) ههنا الناقصة ، لأنها لا اختصاص لعيسى في ذلك ، لأن كلا قد كان في المهد صبيا ، ولا عجب في تكليم من كان فيما مضى في حال الصِّبا ، وإنما العجب في تكليم من هو في المهد في حال الصِّبا ، فدلَّ على أنها ههنا بمعنى : وجد و حدث )) (37) .
2- قاعدة جواز حذف الواو والفاء مع معطوفيهما إذا عُلِما :
استنبط النحويون هذه القاعدة من استقراء ما توافر لديهم من كلام العرب حذف منه الواو والفاء مع ما عطف بهما لدليل يدل على المحذوف ، من ذلك قول امرئ القيس (38):
كأنَّ الحصَى مِن خلفِها وأمامِها إذا نجَلَتْهُ رِجْلُها خَذْفُ أعْسَرَا
والتقدير : إذا نجلته رجلها ويدها . ومثله قول النابغة (39):
فما كانَ بينَ الخيرِ لو جاءَ سالمًا أبو حَجَرٍ، إلا ليالٍ قلائلُ
والتقدير : بين الخير وبيني .
وكان للقرآن الكريم أثر جليُّ في تثبيت هذه القاعدة وتقريرها بآيات متعددة ، منها قوله تعالى ((فمَنْ كانَ مِنْكُم مَريضًا أو علَى سَفرٍ فَعِدَّةٌ من أيَّام أُخَر)) (40) ، والتقدير: فأفطر فعدة من أيام . ومنه أيضا قوله تعالى (( وقُلْنَا اِضْرب بِعَصاكَ الحَجَرَ فَانْفَجَرَت)) (41)، والتقدير : فضرب فانفجرت . ومنه كذلك قوله تعالى (( وجعَلَ لكُمْ سَرابيلَ تَقيكُم الحرَّ وسَرابيلَ تَقيكُم بَأسَكُم )) (42) ، والتقدير : تقيكم الحرَّ والبرْدَ .
3- قاعدة ( أم ) المنقطعة وكونها بمعنى (بل والهمزة معا):
تجيء ( أم ) في اللغة العربية متصلة ومنقطعة ، وقد فرّق النحويون بينهما بفروق متعددة أهمها أن المتصلة – وهي المعادلة لهمزة الاستفهام - بمعنى ( أي ) نحو : أزيد عندك أم عمرو ؟ والتقدير : أيهما عندك؟ . والمنقطعة بمعنى( بل والهمزة) معا ، كقولهم : إنها لإبل أم شاء ، والتقدير : بل أهي شاء ، كأنه رأى أشخاصا فغلب على ظنه أنها إبل ، فأخبر بحسب ما غلب على ظنه ، ثمَّ أدركه الشك ، فرجع إلى السؤال والاستثبات ، فكأنه قال : بل أهي شاء ؟ (43). ويرى النحويون البصريون أن الهمزة ملازمة ل(بل) ولا تنفك عنها ، بمعنى أن ( أم ) إذا كانت للإضراب فلا تكون إلا بمعنى (بل والهمزة) ، وفي ذلك يقول ابن هشام (( ونقل ابن الشجري عن جميع البصريين أنها أبدا بمعنى بل والهمزة جميعا )) (44). وقد كان للقرآن الكريم أثره في تثبيت هذه القاعدة وتقريرها ، وفي هذا الشأن يقول أبو البركات الأنباري : (( ولا يجوز أن تقدَّر بل وحدها ، والذي يدل على ذلك قوله تعالى )) أم لهُ البناتُ ولكُمُ البنونَ)) (45)، ولو كان بمعنى بل وحدها لكان التقدير: بل له البنات ولكم البنون ، وهذا كفر محض ، فدلَّ على أنها بمنزلة بل والهمزة )) (46) . ويؤيد ابن يعيش ما ذُكِرَ ويعضده بآية أخرى ، هي قوله تعالى(( أم اتَّخذ ممَّا يخلُقُ بناتٍ )) (47)، فيقول عنها وعن سابقتها : (( والدليل على أن أم ليست بمنزلة بل مجردة عن الاستفهام قوله تعالى : ( أم اتَّخذ ممَّا يخلُقُ بناتٍ) ، وقوله كذلك: ( أم لهُ البناتُ ولكُمُ البنونَ ) ، إذ يصير ذلك متحققا وتعالى الله عن ذلك)) (48). يتضح مما تقدم أن للآيتين الكريمتين وأمثالهما دورًا في تأييد هذه القاعدة البصرية وتقريرها ، بل يمكن الاستدلال بها على استنباط القواعد النحوية من آيات القرآن الكريم . وفي المقابل لانعدم في آيات القرآن الكريم شواهد تؤيد رأي الكوفيين الذين جوزوا أن تكون ( أم ) للإضراب وحده ، نحو قوله تعالى (( قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء )) (49)؛ إذ المعنى ليس على الاستفهام ، ويلزم البصريين دعوى التوكيد ، وهذا ما استدلَّ به ابن هشام على أن الكوفيين قد خالفوا البصريين في أن ( أم ) قد لا تقتضي الاستفهام البتة ، فقال : )) والذي يظهر لي قولهم )) (50) ، و ويمضي في إثبات مذهب الكوفيين فيستدلّ عليه بنحو قوله تعالى (( أمَّاذا كنتم تعملون )) (51) ، و بنحو قوله تعالى : (( أمَّن هذا الذي هو جُندٌ لكم )) (52)، فيظهر تأييده للكوفيين من دون تحفظ (53) .
المبحث الثالث : أثر القرآن الكريم في تعديل القاعدة النحوية
ثمة مجموعة من القواعد النحوية عدّلها النحويون بإنعام النظر في كلام الله عزَّ وجلّ ( القرآن الكريم وقراءاته ) إذ وجدوا فيه ما يخرق قواعدهم ويسمها بالنقص والقصور ، ويدفعهم إلى إصلاحها بالرجوع إلى الصواب المهجور ، ولتبيين ذلك سأجتزئ بمجموعة من القواعد النحوية التي شملها التعديل استنادا إلى ما جاء في القرآن الكريم وقراءاته :
1- جواز عطف الاسم الظاهر على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض :
منع جمهور النحويين عطف الاسم الظاهر على الضمير المخفوض من غير إعادة حرف الخفض ، ورفضوا ما خالف هذه القاعدة النحوية المألوفة لديهم وعدّوه شاذّا بغض النظر عن وثاقته وصحته ، مع أنه وارد في أفصح كلام وهو قوله تعالى (( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ)) (54) ، بجرّ الأرحام عطفا على الضمير المخفوض في (به) من غير إعادة الخافض ، وهي قراءة سبعية محكمة لقارئ الكوفة حمزة بن حبيب الزيات فضلا على كونها قراءة كبار الصحابة مثل عثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبيّ بن كعب والنخعي وقتادة والأعشى رضوان الله عليهم (55). وقد عطف الاسم الظاهر على الضمير المخفوض في آيات أخر في غير موضع من القرآن الكريم (56)، على أن النحويين المانعين قد تأولوا هذه الآيات وأخضعوها لقاعدتهم بغية اطرادها ، إلا أن تأويلاتهم لم تكن مأمونة على الدوام ، لأنها تخرج كلام الله جلّ و علا عن الفصاحة وتغيره عن وجهته . واستنادا إلى تلك الآيات البينات عدّل ابن مالك هذه القاعدة فقال (57):
وعودُ خافضٍ لدى عطفٍ على ضميرِ خفضٍ لازمًا قد جُعِلا
وليس عندي لازمًا إذ قد أتى في النظمِ والنثرِ الصحيحِ مُثبَتا
يتضح مما تقدَّم أن للقرآن الكريم وقراءاته الأثر الواضح في تعديل قاعدة النحويين وتوسيعها لتجيز عطف الاسم الظاهر على الضمير المخفوض من غير إعادة حرف الخفض ، فضلا على شرط إعادة الخافض وهو الأكثر (58) .
2- جواز وقوع الاستثناء المفرغ بعد الإيجاب :
منع جمهور النحويين وقوع الاستثناء المفرغ بعد الإيجاب بدعوى تضمنه المحال أو الكذب ، وعمدوا إلى تأول ما خالف قاعدتهم المذكورة آنفا بحمله على شبه النفي ، قال ابن الناظم (( ولا يتأتى التفريغ إلا مع نفي ، أو شبهه )) (59). غير أن ابن الحاجب اشترط أن يكون ما بعد إلا فضلة ، وأن تحصل فائدة ، لإجازة وقوع الاستثناء بعد الإيجاب ، نحو قولك : قرأت إلا يوم كذا ، فإن كان عمدة ، أو لم تحصل فائدة لم يجز(60) . وقد أحصى الشيخ عضيمة الآيات التي ورد فيها الاستثناء المفرغ بعد الإيجاب فوجدها ثماني عشرة آية ، منها قوله تعالى (( وإنها لكبيرة إلاّ على الخاشعين )) (61) ، وقوله تعالى (( وإنها لكبيرة إلاّ على الذين هدى الله )) (62)، وقوله تعالى (( لتأتنَّني به إلاّ أن يُحاطَ بكم )) (63) ، ومما يلفت النظر أن الآيات الثلاث المذكورة آنفا قد وقع فيها الاستثناء مفرغا بعد إيجاب مؤكَّدٍ مما يبعد تأويله بالنفي ، وهذا ما دفع الشيخ عضيمة والدكتور أحمد مكي الأنصاري إلى تعديل القاعدة والقول بجواز وقوع الاستثناء المفرغ بعد الإيجاب على نطاق أقل من وقوعه بعد النفي (64).
3- جواز إعمال اسم الفاعل النكرة النصب في ما بعده إذا كان بمعنى المضيّ :
يعمل اسم الفاعل عمل فعله اذا دل على الحال والاستقبال ، وقد منع النحويون الا الكسائي عمله اذا دلّ على الماضي ،وفي ذلك يقول ابن مالك (65):
كفعله اسم فاعل في العمل إن كان عن مضيِّهِ بمعزل
وتعليل حصر العمل في الحال والاستقبال من دون المضي كونه محمولا على الفعل المضارع ، وعلى هذا فأن النحويين لم يقروا الكسائي الذي استحدث قاعدة عمل اسم الفاعل مع دلالته على المضيّ في قوله تعالى ((وكلبُهم باسطٌ ذراعيهِ بالوصيد )) (66)، وقد رفض النحويون أن يكون اسم الفاعل في الآية المتقدمة دالا على المضي ؛ لأنه لم يشبه لفظه لفظ الفعل الذي هو بمعناه ، ورأوا أنَّه دالٌّ على الحال بمعنى يبسط ذراعيه ، فهو حكاية حال ماضية , وذهب ابن يعيش الى تأييد الكسائي في ما ذهب اليه (67)، وأيَّده بدليل آخر من القرآن هو قوله تعالى : ((فالق الاصباح وجعَل الليلَ سكنًا )) (68). لذا اقترح الدكتور الأنصاري تعديلا على القاعدة استنادا إلى ما تقدم ، فقال: (( اسم الفاعل النكرة يعمل النصب في ما بعده كثيرا إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال ، وقليلا إذا كان بمعنى الماضي )) (69) .
الخاتمة :
انماز الشاهد القرآنيّ من مستويات الأداء الأخرى - الشعرية والنثرية - بحجيته ووثاقته ، وخلوصه من الضرورات التي تقتضيها القافية أو يفرضها الوزن . فضلا على صحة رواية النص القرآني ووثاقته كونه من عند الله جلّ وعلا ، وأنّه خالٍ من التحريف والتصحيف اللذين لم يخل منهما معجم أو كتاب أُلِّفَ في علم العربية قط . وبهذا نرى أن ما يرمى به الشاهد النحوي في المستوى الأدائي من تباين وخلط لا يصح أن ينتظم الشاهد القرآني ألبتة ؛ لأنه نصّ معجز . في حين يمكن أن يتسرب التباين والخلط والاضطرار - على نحو ظاهر- في كلام العرب ( شعرهم ونثرهم ) ؛ ولذلك نجد كتبا كثيرة جرّدت لمعالجة مظاهر الخلط والاضطراب في كلام العرب من مثل : التنبيه على حدوث التصحيف لحمزة بن الحسن الأصفهاني (ت360ه) ، والتنبيهات على أغاليط الرواة لعلي بن حمزة البصري (ت375ه) ، وشرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف لأبي أحمد العسكري (ت382ه) . وبناء على ما تقدَّم يُعَدُّ الشاهد القرآنيّ أرفع شواهد العربية وأعلاها ، وأصلحها لأن تقام عليه دراسة النحو واستنباط قوانين اللغة ، لذا كان له أثره الواضح في استحداث عدد من قوانين العربية ، أو تثبيتها وتقريرها ، أو التفريع عليها وتعديلها ، وهو ما أشرنا إلى أمثلة منه في محاولات عدد من علماء العربية المتأخرين ومن ثم المعاصرين من مثل : الدكتور عبد العال سالم مكرم في كتابه : القرآن الكريم وأثره في الدراسات النحوية ، و الدكتور محمد سمير نجيب اللبدي في كتابه : أثر القرآن والقراءات في النحو العربي ، و الدكتور أحمد مكي الأنصاري في كتابه : نظرية النحو القرآني ، و الدكتور خليل بنيان الحسون في كتابه : النحويون والقرآن ، و الدكتور سعدون بن أحمد بن علي الربعيّ في كتابه : النحو القرآني بين الفراء والزَّجَّاج والزمخشري .


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم