انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

أثر القرآن الكريم في تعديل قواعد النحويين

Share |
الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 7
أستاذ المادة سعدون احمد علي الرباكي       31/10/2018 12:01:16
أثر القرآن الكريم في تعديل قواعد النحويين
ثمة مجموعة من القواعد النحوية عدّلها النحويون بإنعام النظر في كلام الله عزَّ وجلّ ( القرآن الكريم وقراءاته ) إذ وجدوا فيه ما يخرق قواعدهم ويسمها بالنقص والقصور، ويدفعهم إلى إصلاحها بالرجوع إلى الصواب المهجور، ولتبيين ذلك سأجتزئ بمجموعة من القواعد النحوية التي شملها التعديل استنادا إلى ما جاء في القرآن الكريم :
1- جواز وقوع الاستثناء المفرغ بعد الإيجاب :
منع جمهور النحويين وقوع الاستثناء المفرغ بعد الإيجاب بدعوى تضمنه المحال أو الكذب ، وعمدوا إلى تأول ما خالف قاعدتهم المذكورة آنفا بحمله على شبه النفي ، قال ابن الناظم (( ولا يتأتى التفريغ إلا مع نفي ، أو شبهه )) . غير أن ابن الحاجب اشترط أن يكون ما بعد (إلا) فضلة ، وأن تحصلَ فائدةٌ ، لإجازة وقوع الاستثناء بعد الإيجاب ، نحو قولك : قرأت إلا يومَ كذا ، فإن كان عمدة ، أو لم تحصل فائدة لم يجز. وقد أحصى الشيخ عضيمة الآيات التي ورد فيها الاستثناء المفرغ بعد الإيجاب فوجدها ثماني عشرة آية ، منها قوله تعالى (( وإنها لكبيرةٌ إلاّ على الخاشعين ))(سورة البقرة/45) ، وقوله تعالى (( وإنْ كانت لكبيرةً إلاّ على الذين هدى الله ))(سورة البقرة/143)، وقوله تعالى (( لتأتُنَّني به إلاّ أن يُحاطَ بكم ))(سورة يوسف/66) ، ومما يلفت النظر أن الآيات الثلاث المذكورة آنفا قد وقع فيها الاستثناء مفرغا بعد إيجاب مؤكَّدٍ مما يبعد تأويله بالنفي ، وهذا ما دفع الشيخ عضيمة والدكتور أحمد مكي الأنصاري إلى تعديل القاعدة والقول بجواز وقوع الاستثناء المفرغ بعد الإيجاب على نطاق أقل من وقوعه بعد النفي .
2- جواز اجتماع ( الفاء وإذا ) في جواب الشرط
يجوز أن تغني إذا الفجائية عن (الفاء) في الربط، لأنها أشبهت الفاء في كونها لا يبتدأ بها، ولا تقع إلا بعد ما هو معقب بما بعدها فقامت مقامها، إن كانت الأداة الجازمة (إن) لأنها أم باب الجوازم الشرطية، أو كانت الأداة غير الجازمة "إذا" الشرطية؛ لأنها تشبه "إنْ" في كونها أم باب أدوات الشرط غير الجازمة، والجواب فيهما جملة اسمية موجبة, غير طلبية وغير مقرونة بـ"إنّ" التوكيدية، نحو قوله تعالى: (( وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ)) [سورة الروم: 36] فجملة: هم يقنطون: جواب "إنْ" والرابط "إذا" الفجائية، ونحو قوله تعالى: (( ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ)) [سورة الروم: 25] فـ"أنتم تخرجون": جواب "إذا" الشرطية مرتبطة بإذا الفجائية( ).
أمّا مسألة اجتماع (الفاء) و(إذا) في جواب الشرط، فقد اختلف العلماء (نحويون ومفسرون) في هذه المسألة وكانوا على قسمين: قسم منع ذلك وقبّحه، ومنهم الخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه، قال سيبويه: ((وزعم الخليل أن إدخال الفاء على إذا قبيحٌ، ولو كان إدخال الفاء على إذا حسنا لكان الكلام بغير الفاء قبيحا؛ فهذا قد استغنى عن الفاء كما استغنت الفاء عن غيرها، فصارت إذا هاهنا جوابا كما صارت الفاء جوابا)) ( ). وقد سار على رأيهما كثير من النحويين، منهم أبو حيان( )، وابن عقيل( )، والسيوطي( )، وحجّتهم في المنع أنّ (إذا) تكون لمجرد التأكيد عند اجتماعها مع الفاء، وليست للربط، والممنوع أن تكون للربط عوضا عن الفاء؛ إذ لا يصح الجمع بين العوض والمعوض عنه، نحو قوله تعالى: ? حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ ? [الأنبياء: 96-97] .
والقسم الآخر أجازه مستدلين بالآية المتقدّمة نفسها، ومنهم الزمخشري، إذ قال: (((فَإِذا) هي إذا المفاجأة، وهي تقع في المجازاة سادّةً مسدّ الفاء، كقوله تعالى (إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ) فإذا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد. ولو قيل: إذا هي شاخصة، أو فهي شاخصة، كان سديدا)) ( ) .
والذي يبدو أنّ الجمع بينهما كان لغرضٍ، وهو أمر عهدناه في كتاب الله العزيز، إذ لا يأتي في تركيب ما بزيادة وفي تركيب آخر من غيرها إلا وكان وراءه غرض بيّن ومعنى شريف، وفي ذلك قال ابن عطية: (( والذي أقول: إنّ الجواب في قوله (فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ) وهذا هو المعنى الذي قُصِد ذكرُه لأنه رجوعُهم الذي كانوا يكذبون به وحُرِّم عليهم امتناعُه)) ( ). وكذلك – والله أعلم - ربّما أريد الجمع بين معنى السببية المتحصل من الفاء، وبين معنى الفجائية المتحصل من (إذا)، فاقتراب الوعد كان سبباً في شخوص الأبصار وبصورة فجائية، ويزاد على ذلك أنّ (الفاء) ممّا يستدل بها على الجواب في أسلوب الشرط إن كان الجواب ممّا يجب اقترانه بالفاء، لذا يترجح أن يكون قولُه تعالى: (فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ)، هو الجواب، ثم ما الذي يمنع أن يكون في الجواب رابطان؟ واجتماع أكثر من رابط أمر معهود في كلام العرب، فعلى سبيل التمثيل لا الحصر الحال إذا كانت جملةً اسمية لابدّ لها من رابط يربطها بصاحب الحال، وهذا الرابط قد يكون واحداً، نحو الواو في قولنا: زرتُ زيداً والشمس طالعةٌ، أو غير واحد، نحو الواو والضمير في قوله تعالى: ? وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون ? [سورة البقرة: 42] . لذا يمكننا تعديل القاعدة والقول بجواز اجتماع ( الفاء وإذا ) في جواب الشرط .

3- جواز وقوع (كل) المضافة للنكرة مفعولا به
منع سيبويه وقوع (كل) المضافة للنكرة مفعولا به... وهذا الذي منعه سيبويه قد جاء كثيرا في القرآن، نحو قوله تعالى(( وإنْ يروا كلَّ آية لا يؤمنوا بها )) (سورة الأنعام:25) ، وقوله (( وسع ربي كلَّ شيءٍ علمًا ))(سورة الأنعام:80)،وقوله(( وخلق كلَّ شيءٍ)) (سورة الأنعام:101)،حيث جاءت (كل) المضافة للنكرة مفعولا به، وقد ذكر الشيخ عضيمة أن لسيبويه مقاصدَ في الكتاب قد تخفى على النحارير، وسر الغموض في هذه المسألة أن (كُلُّ) ترد باعتبار كل واحد مما قبلها وما بعدها على ثلاثة أوجه قال: "فأما أوجهها باعتبار ما قبلها: "فأحدها:أن تكون نعتاً لنكرة أو معرفة؛ فتدل على كماله، وتجب إضافتها إلى اسم ظاهر يماثله لفظاً ومعنى، نحو (أطعمنا شاةً كلَّ شاة) وقوله :
وإنَّ الذي حانتْ بفَلْجٍ دماؤهم * *هم القومُ كلُّ القومِ يا أمَّ خالد
والثاني: أن تكون توكيداً لمعرفة، قال الأخفش والكوفيون:أو لنكرة محدودة وعليهما ففائدتُها العموم، وتجب إضافتُها إلى اسم مضمر راجع إلى المؤكَّد نحو ((فسجد الملائكةُ كلُّهم...)) . والثالث: ألاّ تكون تابعة، بل تالية للعوامل؛ فتقع مضافة إلى الظاهر نحو ((كلُّ نفسٍ بما كسبتْ رهينةٌ)) وغير مضافة نحو ((وكُلا ضربنا له الأمثالَ ((. إن (كل) باعتبار ما قبلها لم يأت منها في القرآن الكريم إلا الوجه الثاني والثالث، أما الوجه الأول وهو (كل (الكمالية فإنه لم يأت منه في القرآن شيء. وسيبويه وشيوخه كانوا يضعون قواعد اللسان العربي كلّه، فكان لزاما عليهم أن يقعدوا اعتمادا على كلام العرب كله:شعرا ونثرا، زيادة على القرآن وقراءاته، "إذ القرآن بكل قراءاته لم يحوِ كلَّ صورِ النطق". وبناء على ما تقدم ينبغي أن تعدَّل هذه القاعدة والقول بجواز وقوع (كل) المضافة للنكرة مفعولا به، استنادا إلى ورودها في سبعة وثلاثين موضعا في القرآن الكريم نحو قوله تعالى (( والله لا يحبُّ كلَّ كفارٍ أثيمٍ)) (سورة البقرة:276) .
4 . جوازُ إعمالِ اسمِ الفاعلِ النكرةِ النصبَ في ما بعده إذا كان بمعنى المضيّ :
يعمل اسم الفاعل عمل فعله اذا دل على الحال والاستقبال وقد منع النحويون الا الكسائي عمله اذا دل على الماضي وفي ذلك يقول ابن مالك :
كفعله اسم فاعل في العمل ان كان عن مضيه بمعزل
وتعليل حصر العمل في الحال والاستقبال من دون المضي كونه محمولا على الفعل المضارع ، وعلى هذا فأن النحويين لم يقروا الكسائي الذي استحدث قاعدة عمل اسم الفاعل مع دلالته على المضيّ في قوله تعالى ((وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد )) وقد رفض النحويون ان يكون اسم الفاعل في الآية المتقدمة دالا على المضي ورأوا انه دال على الحال بمعنى يبسط ذراعيه , وذهب بعضهم الى تأييد الكسائي في ما ذهب اليه ، وأيَّده بدليل آخر من القرآن هو قوله تعالى : ((فالق الاصباح وجعَل الليلَ سكنًا )) . وأما الذين رفضوا رأي الكسائي في آية الكهف فقد خرَّجوا (( وكلبهم باسط ذراعيه )) أنه حكاية للحال الماضية كقوله تعالى : (( ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه )) فاسم الإشارة يقع على الحاضر ولم يكن (هذا) حاضرًا وقت الخبر .
وأما قوله تعالى: ( فالق الاصباح ) التي أيد بها ابن يعيش رأي الكسائي فاسم الفاعل فيها غير عامل لأنه دال على المضي في حالة الإضافة واكثر النحويين يرون ذلك، على أن ابن يعيش قد اعتمد على القراءات، فقد قرئت (فالقٌ الإصباحَ) بنصب (الإصباح) مفعولا لاسم الفاعل الدال على المضيّ وهو قوله (فالق). ويذهب الدكتور أحمد عبد الستار الجواري الى ضرورة عدم تقييد اسم الفاعل بالدلالة على الحاضر والاستقبال والاعتماد في ذلك على القرآن الكريم الذي أعمله في آية الكهف المذكورة آنفًا , أما ما زعمه النحويون الذين يريدون التشبث بشرطهم في اعمال اسم الفاعل من أنه حكاية لحال ماضية فقولٌ متكلفٌ . إن بعض القواعد النحوية يجب أن يعاد النظر فيها بالاعتماد على القرآن وقراءاته؛ لذا اقترح الدكتور الأنصاري تعديلا على القاعدة استنادا إلى ما تقدم ، فقال: (( اسم الفاعل النكرة يعمل النصب في ما بعده كثيرا إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال ، وقليلا إذا كان بمعنى الماضي )) .
5- جواز إضافة (إذا) الشرطية إلى الجملتين الفعلية والإسمية
ذهب النحويون إلى أن الشرط من السياقات الفعلية في اللغة العربية، وما ورد من تراكيب دخلت فيها أداة الشرط (إذا) على الجمل الإسمية، نحو قوله تعالى: ]إذا السماءُ انشقّت[ ذهبوا في إعرابها مذاهبَ ثلاثةً:
1- مبتدأ.
2- فاعل مقدّم على فعله: [انشقّت].
3- فاعل لفعل محذوف يفسره الفعل الظاهر، والتقدير: [إذا انشقتِ السماءُ انشقت]. واستنادا إلى إضافتها إلى الجملة الإسمية في أكثر من عشرين آية ، منها قوله تعالى (( إذا السماء انفطرت)) وقوله ((إذا الكواكب انتثرت)) وقوله ((إذا الشمسُ كُوِّرت)) ، فضلا على مئات الأبيات الشعرية المقولة في عصر الاحتجاج التي حشدها الدكتور أحمد مكي الأنصاري وألحقها بكتابه نظرية النحو القرآني؛ ينبغي أن تعدّل هذه القاعدة والقول بجواز إضافة (إذا) الشرطية إلى الجملة الإسمية كثيرًا وإلى الجملة الفعلية أكثر .

6- جواز الإخبار باسم المعنى عن اسم الذات .
منع جمهور النحويين الإخبار باسم المعنى عن اسم الذات ولجؤوا إلى تأويل ما ورد منه ليخضع للقاعدة النحوية بدلا من أن يوسعوها، فينبغي أن تعدَّل إلى : (( يجوز الإخبار عن اسم الذات مطلقا ، سواء أكان الخبر اسم ذات وهو الكثير ، أم كان اسم معنى وهو القليل )) ، استنادا إلى قوله تعالى (( نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى )) (سورة الإسراء:47) ، إذ أخبر باسم المعنى (نجوى) عن اسم الذات وهو ضمير الجمع ( هم )، وقوله تعالى(( أو يصبح ماؤها غورًا )) (سورة الكهف:41) .

7- ( ليس ) للنفي المطلق
اختلف النحويون في الزمن الذي تنفيه (ليس)، فمنهم مَن رأى أنها للنفي مطلقاً، وعليه صاحب الكتاب؛ إذ قال: ((وليس: نفيٌ)) ( ). وتابعه في ذلك المبرِّد، فذهب إلى أنّها تنفي الحال والاستقبال مطلقاً ، ولا تنفي أحدهما إلا بقرينة، نحو: ليس زيدٌ قائمًا غدًا، أو: الآنَ( ). وكذلك الرضي، وصرّح أنّه رأي سيبويه، إذ قال: ((وأمّا (ليس)، فهي للنفي مطلقاً كما هو مذهب سيبويه)) ( ).
ومنهم مَن رأى أنّها لا تنفي المستقبل، ومن هؤلاء الزمخشري، إذ قال: لا تقول: ليس زيدٌ قائمًا غدًا، يريد أنها لا تنفي إلا الحاضر، ولا ينفى بها المستقبل( ). ورأى ابن هشام الأنصاري أنّها لنفي الحال كالزمخشري، ولكنها تنفي المستقبل بقرينة، وفي هذه يختلف معه، نحو: ليس زيدٌ قائماً غداً( ).
وخلافاً لما رآه الزمخشري جاءت (ليس) في نصوص القرآن الكريم نافية للمستقبل بقرينة تارة، وبغير قرينة تارة أخرى، على خلاف ما رآه المبرد وابن هشام الأنصاري، ويبدو أنّ سيبويه والرضي وسواهما قد تأمّلوا في نصوص القرآن الكريم في استعمال (ليس)، وأنعموا النظر فيها قبل أن يضعوا قاعدتهم، لذا جاءت نظرتهم منسجمة مع النصوص الكريمة، التي وردت فيها (ليس)، ومن تلك النصوص( ) قوله تعالى: ? أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُم? [ سورة هود:8]، وقوله تعالى:? قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي? [سورة البقرة: 249]، وقوله تعالى: ? وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَق? [سورة الأنعام : 30]، وقوله تعالى: ? إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ? [سورة النساء: 176]، وقوله تعالى: ? وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْء? [سورة آل عمران: 28]، وقوله تعالى: ? لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ? [سورة النور: 61]. لذا نرى أن تعدلّ القاعدة إلى أنّ (ليس) تنفي الحاضر والمستقبل مطلقاً استناداً إلى النصوص الكريمة المذكورة آنفا.
8- جواز الاسناد الى الجملة
منع أكثر العلماء الإسناد الى الجملةَ، وأجاز هشام وثعلب وقوعَ الجملةِ فاعلا أو نائبًا عنه ، نحو : (يعجبني قامَ زيدٌ)، ومن الامثلة التي يستدل بها المجيزون قولُه تعالى : (( ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى? حِين (([سورة يوسف: 35 ] ،وكذلك قوله تعالى : ((وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ)) [ سورة إبراهيم :45 ]، وقوله تعالى : (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ )) [ سورة البقرة : 11]( ) .
فجملة (ليَسجنن) فاعل لـ (بدا)،وجملة (كيف فعلنا بهم ) فاعل لـ (تبين )، وجملة (لا تفسدوا في الارض) نائبة عن الفاعل أو قائمة مقام الفاعل ( ) . ويرى الفراء في الآية الكريمة ( ثم بدا لهم ..) أنك لو قلت : بدا لهم أن يسجنوه كان صوابًا ( )وهو في القرآن كثير.
وذهبَ المخالفون الى التأويل وهم أكثرُ النحويينَ فقالوا : إنّ فاعل (بدا) في الآية الاولى هو ضميرٌ يعود الى البداء المفهومِ من (بدا)،والثانية على تقدير : (وتبيّن لكم العلمُ )( ) .أو (التبين) وجملة الاستفهام مفسِرةٌ، وأما الآية الثالثة (واذا قيل لهم ..) فليس الاسناد فيها من الاسناد المعنوي الذي هو محل الخلاف وانما هو من الاسناد اللفظي ، وتأويله (واذا قيل لهم هذا اللفظ)، والاسناد اللفظي جائز في جميع الالفاظ ( ) .
ويرى الدكتور الجواري أن تأويلات النحويين من مثل تأويل الآية السابقة بمعنى (بدا لهم بداء) أي: ظهر لهم ، رأي ظاهرُ التكلفِ مع مقالهم إن جملة (ليَسجنن) هي مفسرةٌ ؛وذلك لمخالفة قاعدتهم المشهورة إنّ المفسرَ عينُ تفسيره، ثم إنه لو قيل في غير القرآن (ثم بدا لهم أن يسجنوه) مع التسليم باختلاف المعنى لكان فيه ما يغني عن هذا التعسف في التأويل ( ) .
ولعلَّ شهادةَ الفراءِ في جوازِ (أن يسجنوه) تكفي دليلاً على جوازِ وقوعِ الجملةِ فاعلاً ، وبهذا يجوز تعديل القاعدة والقول بجواز الإسناد إلى الجملة.
9- حذف (كان) في غير مواضع الحذف المعهودة
يجوز عند البصريين حذفُ (كان) بعد (إنْ) و (لو) ، وقد يجوز بقلة بعد (هلاّ) و (إلاّ)( )، وجوزَ الكسائيُّ الحذفَ في غير هذه المواضعِ المعروفةِ ، ومن ذلك عند قوله تعالى : ((وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا)) [ سورة البقرة: 102 ]،على أن المراد – والله أعلم- (ما كانت تتلوا)( ) ، وقد استند الكسائي في قوله هذا إلى أنّ العربَ كانت تُضمّنُ (كان) اتكالاً على فَهْم السامعِ ( ) .
ومن المواضع التي يقدر فيها الكسائي (كان) محذوفة ما جاء عند قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ )) [النساء: 170] وقوله تعالى: (( فَآمِنُوْا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُوْلُوْا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوْا خَيْرًا لَّكُمْ(( [ سورة النساء : 171] ، فقد قدر الكسائي (يكن) ناصبة لـ (خيرا) ، والمعنى: (يكن الايمان خيرًا)، (يكن الانتهاء خيرًا) ( ) ، وهذا التقدير رفضَهُ الفراء ،فقال : (( وليس نصبُه عَلَى إضمارِ (يكن) لأن ذَلِكَ يأتي بقياس يبطل هَذَا ألا ترى أنك تَقُولُ: اتقِ اللهَ تكنْ محسنًا، ولا يَجوز أن تَقُولَ: اتقِ اللهَ محسنًا وأنت تُضمر (تكن)، ولا يصلح أن تَقُولَ: انصرنا أخانا وأنت تريد( تكن أخانا) ))( ) .

على أنَّ الفراءَ يقدر (كان) محذوفةً في مواضعَ معينةٍ ،ويكونُ لدلالة المعنى أثرٌ في هذا التقدير ، ومن ذلك عند قوله تعالى : (( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ)) [ سورة ق: 36] ،قال: (( فهل كان لهم من الموت من محيص؟ أُضمرت كَانَ هاهنا كما قَالَ: ((وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ)) [ سورة محمد:13] ، والمعنى: فلم يكن لهم ناصر عند إهلاكهم)) ( ) .
فقد حُذفت (كان)،ولكنَّ هذا الحذفَ ليس كغيره فهو يُستدل عليه من طريقِ السياق والقرائنِ الدالةِ على مرادِ المتكلم ( ) .
ويكونُ تقديرُ (كان) من عدمه على وفق المعنى إذ يختلفُ باختلافِ التقديرِ في كونهم لم يكن لهم ناصرٌ حين أهلكوا، أو لا ناصرَ لهم الآنَ من عذاب الله( ) .
وقد استُدل على جواز الحذفِ أيضا بما ورد عن العرب من منظوم ، ومنه قول الشاعر ( ) : يا ليت أيام الصبا رواجعا
فقد قدّر الكسائي (كان) محذوفةً ؛لأنها تستعمل كثيرًا في هذا الموضعِ ،ومن ذلك عند قوله تعالى : (( يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ)) [ سورة الحاقة:27] ،وقوله تعالى : ((وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا)) [ سورة النساء:73]( ) .
مما تقدَّم يتبينُ أنّ الكوفيينَ يجيزون حذفَ (كان) في مواضعَ معينةٍ، وليست عمليةُ الحذفِ هذه مُطلقةً، وفي هذا الشأنِ يقول الدكتور عبد الفتاح الحموز:(( على الرغمِ من شيوعِ المحذوفاتِ فانّ الكوفيينَ لا يلجؤونَ اليها الا في مواضعَ قليلةٍ بالإضافةِ الى تلك المواضعِ التي تتوافرُ عند خصومهم البصريين ،زيادةً على أنّ بعضَ هذه المحذوفاتِ يقومُ مقامَها غيرُها بعد حذفِها ،وأنَّ كثيرًا منها يُعتدُّ فيه بالكلام العربي ، ويُقاسُ عليه))( ) .
يتضح أنّ الكسائيَّ قد أجاز الحذفَ في المواضعِ التي يكثرُ استعمالُها ، ومن ثَمّ يسهلُ الاستدلالُ عليها بعدَ الحذفِ ، في حين أجاز الفراء الحذفَ إن كانت هناك قرينةٌ دلاليةٌ، ولذلك نرى جوازَ هذه المسألةِ فلا بأسَ من توسعةِ حدودِ الحذفِ المتعلقةِ بـ (كان) ما دام الاسلوبُ القرآنيّ جاء على وفقِ هذا المبدأ وكذا ما ورد عن العربِ وقالت به ثلةٌ من النحويين.
10- عمل المصدر من غير تقدير
الذي عليه أغلبُ النحويين أنّ المصدرَ يعملُ عملَ فعلهِ اذا كان يحلُّ محلَّهُ فعل ؛ إمّا مع (أنْ) أو مع (ما) ،مثال الاول: (عجبتُ من ضربِكَ زيدًا أمسِ أو غدًا) ،أي : أنْ ضربتَه وأنْ تضربَه ،ومثال الثاني: (يعجبني ضربك زيدًا الان ،أي : ما تضربُه ، ولا يجوز عندهم (ضربت ضربًا زيدًا) على أن (زيدًا) منصوب بالمصدر لانتفاء هذا الشرط ( ) .
وعملُ المصدرِ أقوى من عملِ الوصفِ كاسمِ الفاعلِ ؛فهو يعملُ في الماضي والحاضرِ والمستقبلِ ؛ لأنّه أصلٌ لكلِّ واحدٍ منها ،فالفعلُ عُمومًا فرعٌ له ،وهو أصلٌ ( ) .
وزاد ابنُ مالكٍ على الحرفينِ المذكورينِ (أن) المخففة ،ومثلّ له بنحو: (علمتُ ضربَك زيدًا) ، والتقدير: (علمتُ أنْ قد ضربتَ زيدًا) ،فـ (أن)مخففة من الثقيلة لأنها واقعة بعد العِلم ،وهو موضعٌ مخصوصٌ بالمخففةِ ( ) .
وذهبَ الى أنّ تقديرَ المصدرِ العاملِ بأحدِ الأحرفِ الثلاثِ المذكورةِ ليسَ شرطًا في عمله ، ولكنّ الغالبَ فيه أن يكونَ كذلك ،ومن الامثلةِ على عملهِ غير مقدرٍ بأحدِها قولُ العربِ : (سمعُ أُذُنِي زيدًا يقولُ ذلك)،وقولُ أعرابي : (اللهمَّ إنّ استغفاري إياك معَ كَثرةِ ذنوبي للؤمٌ ،وإنّ تركيَ الاستغفارَ مع علمي بسعةِ عفوكَ لعيٌّ)،ومنه قول الشاعر:
عهدي بها الحيَّ الجميعَ وفيهمُ ... قبلَ التفرقِ ميسرٌ ونِدامُ
ثمّ قال :إنّ ثباتَ عملِ المصدرِ غير مشروطٍ بتقدير حرفٍ مصدري يؤدي الى الاستغناءِ عن اضمارٍ في نحو : (لهُ صوتٌ صوتَ حمارٍ) ( ) .
وقد أيّد الدكتور الجواري جوازَ عمل المصدر من غير تقدير ،فقال: إنه يرِدُ عاملاً " على غيرِ الصورةِ التي يشترطُها النحاةُ ،وهي إمكانُ وقوعِ (أن) والفعل ،أو (ما) والفعل موقعه ،قال تعالى :((قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا(( [ سورة الاسراء:63 ]، وواضح هنا أنّ (جزاءً موفورًا ) منصوب بـ (جزاؤكم)"( ) .
وانتقد الدكتورُ الجواريُّ ما ذهب اليه الزمخشري من أنّ (جزاءً موفورًا) منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ لأنه لا ينحلُّ الى الحرفِ المصدريِّ والفعلِ( ) ،ولكنّه رأى أنّ الزمخشريَّ سلّمَ بعملِ المصدر من غير تأويل بالحرفِ المصدري والفعلِ في موضع آخر ( ) عند قوله تعالى : (( لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا * جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا )) [ سورة النبأ: 35، 36 ]، حيث نصب (عطاءً) بـ (جزاءً)نصب المفعول به، والتقدير : جزاهم عطاءً ( ) .
والذي يبدو لي أنّ عملَ المصدرِ من غيرِ تقديرٍ قد يأتي ولكنّه على قلّةٍ ، والغالبُ فيه أن يُقدر بأحدِ الاحرفِ التي مرت ، ويبدو رأي ابنِ مالكٍ راجحًا في هذه المسألةِ ؛ اذ لم يمنع عملَ المصدرِ من غير تقدير وجوّز هذه المسألةَ ،والفيصلُ في هذا هو السياقُ وانتظامُ المعنى ،وقيامُهُ على الوجهِ المقبولِ المستساغِ ، والاّ فالتقدير يَعمُّ أغلبَ المسائلِ إلاّ ما ندرَ منها من نحو ما ذكر.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم