انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

ابن الرومي

Share |
الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 3
أستاذ المادة زينب علي عبيد الدليمي       21/12/2018 19:56:14
ابن الرومي من شعراء القرن الثالث الهجري في العصر العباسي.إنه کان من الشعراء المولّدين، قد برع في نظم الشعر بقريحته الوقادة وفکره العميق. ويمتاز شعره بالسلامة والرقة والسهولة والعذوبة والإطناب ونري في هجائه أسلوباً خاصاً في ساحة الشعر العربي والعباسي. وأنَّ فضيلة الهجاء عند ابن الرومي تقوم في خلق الصورة الکاريکاتورية. إذن ابن الرومي شاعر فذ في إنشاد الشعر.
الکلمات الدليلية :القرن الثالث_العصر العباسي-ابن الرومي-الهجاء-السخرية.
أصله ونشأته:

«هو أبوالحسن علي بن العباس بن جريج،وقيل جورجيس، المعروف بابن الرومي وکانت ولادته يوم الأربعاء بعد طلوع الفجر لليلتين من رجب سنة 221 ببغداد في الموضع المعروف بالعقيقة.»

قدأکد ابن الرومي في مواضع شتي إلي أصله الرومي من ناحية الأب، وإلي أصله الفارسي من ناحية الأم،فإنَّه يتذکر في مطاوي أشعاره:
«کَيفَ أُغـضي علي الدَّنَّـيـة والـفـرس خَــؤولــي وَالــرُّوم أعـمـامــي»

بدأ ابن الرومي حياته في العصر العباسي الأول ومضي أکثر عمره في العصر العباسي الثاني.إنه عاصر تسعة من الخلفاء العباسيين: المعتصم والواثق والمتوکل والمنتصر والمستعين والمعتز والمهتدي والمعتمد والمعتضد. حينما کان طفلاً صغيراً توفي أبوه « فکفله أخوه وأمه ويبدو أن أخاه کان يعاشرالأدباء والظرفاء ويحضر مجالسهم ويقضي أيامه في جلسات الشرب واللهو في بساتين بغداد،فکان يصحب أخاه إلي کل ذلک،و قد کان أخوه هذا ظريفاً حاضر النکتة والبديهة وکان يجمع بين الإمعان في اللهو وحُبَّ الأدب ومجالس العلماء وهکذا نري أنَّ شاعرنا قد بدأ بداية مترفة بين أخيه وأمه.أيضاً کان في الجو الَّذي اختلط فيه الاضطراب السياسي والرفاه الاجتماعي،في العلم والثقافة والثورات،وليس ،في يديه سلاح سوي الثقافة الواسعة وشعره،إذ يبدو أنَّ أخاه قد أسرف في البذل علي الملّذات،فاستندکل ماله،فاتخذ ابن الرومي الشعر وسيلة إلي العيش.أمّا علي صعيد الحياة الاجتماعية،فقدکانت بغداد ،حتي ذلک الحين ،عاصمة الدنيا إذا جاز التعبير ،تنکسب فيها الأموال وحضارات الشعوب قاطبة من کل جانب وکان الرخاء يکون عاماً. فالحياة فيها باذحة رغم الفروق الطبقية،في ذلک الجو بدأ الشاعرشبابه،حيث الحانات منثورة في البساتين و الأحياء ومفاتن الحياة شتّي، فالقيان الجواري منهن والمغنيات،کثيرة يتهاداهن الأمراء والقادة وأصحاب الشأن و يتغزل بهن الشعراء.»

صورته الظاهرية:

و أماخصائصه الظاهرية کما يصفها عقاد في کتابه: «فکان صغير الرأس مستدير أعلاه وأبيض الوجه يخالط لونه شحوب في بعض الأحيان وتغير، وکان نحيلا بين العصبية في نحو له، أقرب إلي الطول أو طويلاً غير مفرط،کث اللحية أصلع بادر إليه و الشيب في شبابه،أدرکته الشيخوخة الباکرة،فاعتل جسمه وضعف نظره وسمعه ولم يکن قط قوي البنية في شباب و لا شيخوخة ومشي اختلج في مشية ولاح للناظر کأنَّه يدور علي نفسه أو يغربل،لاختلال أعصابه و اضطراب أعضائه، وکان علي حظ من وساقه الصلعة في شبابه معتدل القسمات لايأخذ الناظر بعيب بارز ولاحسنة بارزة في صحة وجهه،أمَّا في الشيخوخة فقد تبدلت ملامحه وتقوس ظهره و لحق به ما لابُدَّ أن يلحق من تغيير السقام و الهموم.»
أساتذته وثقافته:

کان مولعاً بالعلم « ينصرف إلي متابعة التحصيل و الحضور في مجالس العلماء و الفقهاء و الأدباء والرواة و شارحي المتون والبلاغيين والتزود بزاد دسم من ثقافة عصره.وکان قد رفعه في هذا الاتجاء منذ صغره. تتلمذ شاعرنا علي بن محمد بن حبيب الرواية النسابة،صديق والده، و قد کان يرجع إليه دائماً في تفسير ما غلق عليه من غرائب اللغة العربية.»إنَّ ابن الرومي تتلمذ أيضاً علي « أبي العباس ثعلب عن حماد بن المبارک عن حسين بن الضحاک و قد نشأ علي تعاطي الفلسفة. يقول المسعودي: أن الشعر کان أقل آلاته لعلمنا ذلک من شواهد شتي في کلامه.» فقد أتيح لشاعرنا أن يتزود بثقافة واسعة ومکتثفة، لغةً ونحواً وأدباً ،کما نراه يتجه إلي الثقافة المعاصرة وإلي الشعر و رواية القديم و الحديث. « وأما ميله إلي إتجاه الثقافة المارة لم يلبث أن جري علي لسانه، فتهادته النوادي و المحافل في بغداد،کما تهاداه إلي الوزراء وکبار رجال الدولة، و لکن مع شيء من التحفظ و الاحتياط .والحق أن الوارثة عند ابن الرومي ليست کل شيء في شعره إذ ينبغي أن نضيف إليها الثقافة اليونانية الإسلامية، فعندابن الرومي يونانية أصيلة ويونانية مکتسبة لعلها أهم من يونانية الأصيلة، وهناک أيضاً ثقافة إسلامية و عربية مکتسبة، وإذن ففي شعر ابن الرومي عناصر ثلاثة يضاعف إليها عنصر رابع،و هو عنصر شخصي خاص بمزاج ابن الرومي کان له تأثير هام في شعره.» يشير ابن الرومي إلي عبقريته و ثقافته اليونانية في شعره حيث يقول:

«نـحنُ بَنـواليـونان قَـومٌ لَنـا حـجـي

ومـجـدٌ و عيـدانٌ صِـلابُ المـعاجِــمِ»

أسرته:

قد مضي ابن الرومي معظم أيامه في عزلة و إنزواء «نکب ابن الرومي بجميع أفراد أسرته، بأبيه وأمه و أخيه وخالته،فبقي لا معين له في الدهر يعضده،ولا ملاذ له في الشدائد يدخل العزاء علي نفسه وکان قد تزوّج ليجد راحة بعد العناء،وأمناً بعد القلق،وأنساً يدفع الوحشه،فرزق أولاداً ثلاثة رأي فيهم نعمة الإيراق بعد اليباس وإطلالة الأصل بعد اليأس .وأصغر هؤلاء هبة الله و أوسطهم محمد،وأمَّا أکبرهم فلم يذکر اسمه، ولکن الدواهي لم تغفل عينها وعن إيذائه، فأقبل الموت ينتزع من دنياه الواحد تلو الآخر من صبية ،حتي ثکلهم جميعاً فبکاهم،ثُمَّ رزيء بأمهّم بعدهم فبکاها .».

تدينه وتشيعه:

إنَّ ابن الرومي کان يميل إلي طريق الحق و يعتمد علي أموره إلي الله (تعالي) کما ظهر في شعره:

«يَـشـهـدُ الله أنَّ دينــــي ديــن يـرتـضـيـه شـهـادةَ ومـغيـبـــا
لَم أعـانِـد بِه الـطـريـقَ، و لا أضــ حَـي لَـدين المَـعـانَـديـنَ نَسيـبـــا
وکـفـي شـاهَـداً بِـذاک مـلـيـک لَم تـزل عَيـنـَه عَـليَّ رقيـبــــا».



کما نري « له في مودة ذي القربي من آل الرسول ،صلوات الله عليه و عليهم، أشواط بعيدة ، ودفاعه عنهم من أظهر الحقائق الجلية. وابن الرومي متشيع، بقصيدته القوية المتفجعة التي رثي بها الشهيد يحيي بن عمر العلوي الَّذي قام علي العباسيين.فليس عجيباً أن يصرح ابن الرومي بعدائه لبني العباس و بتشيعه للعلويين مع أن أباه کان مولي لرجل من بيت العباسيين، و قد جمع ابن الرومي إلي التشيع الاعتزال،وفي شعره ما يدل صراحة علي ذلک،والمعتزلة يقولون باختيار الإنسان لأفعال وخلقه لها،حتي يثبتوا الله العدل حين يحاسب الناس علي أعمالهم التي ارتکبوها بمحض اختيارهم،لا بطريق الجبر عليهم. لقدکان ابن الرومي شاعراً،مسلماً، مومناً، متديناً، وما عرف عنه أنَّه إتخذ لنفسه مذهب الفلاسفة أوکان ضعيف العقيدة مزعزع الإيمان مثل بشاربن برد وسائر الشعراء.»
مظاهر شخصيته:

يوصف أخلاق ابن الرومي« بأنَّه دقيق الحس،عصبي المزاج،تغلب عليه السوداء ،فيثور، ويشتد غضبه ويسلط لسانه إذا عبث به عابث،ولکن سريع الرضي،صفوح إذا استرضي. وکان يحب الحياة و ينتعشها مع ما لقي فيها من بؤس وشقاء والحياة عند لذة يتطلبها و يستمتع بها و اللذة عند شهوة إلي الجمال يتعبه أينما بدأ له فيستعذبه في وجوده الملاح، و في أصوات المغنين و القيان، و في الطبيعة و ما عليها من صور و ألوان و اللذة عند شهوة إلي المآدب،فهو منهوم لا يشبع من طعام و فواکه و شراب و طلبه لهذه الملذات علي فقره و حرمانه،جعله يحسدکل ذي نعمة، فيتمناها لنفسه،ويستکثرها في صاحبها وجعله يلحف في السؤال يعاقب و يتذلل حتي يتبغض. وکان علي حبه للتکسب يجبن عن ادراک رزقه، فقد يدعوه بعض الأمراء فما يجرؤ أن يصير إليه لأنه يخشي الأسفار ويخفيه البّر والصيف والشتاء. فهو موسوس،ضعيف العقل، متشائم، متطير. ومن صفاته الحسنة أنَّه کان صادق المودة لأصحابة،محباً لأولاده و أهله عطوفاً علي الفقراء و المساکين».
تشاؤمه وتناقضه:

کان علي بن العباس الرومي «مُفَرِط الطَّيرَة، شديد الغلوّ فيها. وقد أکثر العرب من ذکر الطَّيَرة، والزَّجرِ،کانت تقتدي بذلک و تجري علي حکمه ،حتي ورد النَّهي في سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: لا عَدوَي ولاطِيَرة. أيضاً إنّ النبي صلي الله عليه وسلم يُحِبُّ الفأل ويُکرِه الطَّيَرة». إنه کان يسرف في الطيرة،حتي کان ذلک يؤثر في حياته و مزاجه تأثيراً شديداً،و کان يضطربه إلي أن يلزم بيته أياماً لايخرج منه. و من مظاهر تشاؤمه: «فقد کانت الطيرة تجسيداً لموقفه العام من الحياة،ولعجزه من الإيمان بجدواها وتعلقها ونظامها، فعينٌ حولاء، أو يدٌ مشلولة،أم قدم عرجاء،إنَّما هي رمز للنقص والعاهة في العالم وهي تطالعه،إنّما تنذره بأنّ خطباً ما يسلم به أو أنَّه سيصاب بضرب من ضروب النقص و الخسارة. لأنَّها هي بالذات تولّدت عنهما وحيثما حلّت فإنَّها تمهئ لحلولها وهکذا فإنَّ الوجودکان بالنسبة لإبن الرومي،رهينة العاهة والمصيبة،تراود أنَّه،تطيفان به وتطالعانه،فجأة في کلّ مظهر أو لفظٍ أو حرکة».

لعَّل شخصية لم تجتمع لها طائفة من المتناقضات النفسية کشخصيته ابن الرومي«فهو رجل غريب الأطوار،لا يستقر علي حالة واحدة من حالات النفس المستقره الثابته. کما تراه يمدح اليوم إنساناً ثم لا يلبث أن يذَّمه غداً، و تراه يمدح هذا الزهر ثم لا ينفک أن يذمه بعد اليوم.» کما کان الشعور بالخوف،صفة ملازمة لحياة ابن الرومي الذي يصل به الحياءُ إلي الدرجة التي تمنعه حتي من تنشق الهواء النقي.
الحسد والحقد:

هما من أوصاف ابن الرومي في کتب الأدب. و لکن ليس الحسد و الحقد وصفين متلازمين لإبن الرومي و لا يعتقد عباس محمود العقاد في کتابه مثل هذه الصفات وينکر صفاته و يقول:«و أجهل الناس بالطباع الانسانية من يصف رجلاً کابن الرومي بالحسد والضنيعة لأنَّه کان يألم الانسان لأنَّه محروم مذوذ عن النعم و يتذوقها و يعرف معني المتعة بها،ولا أن يري مصيباً أو مخطفئاً في رأية أنه أجدر بتلک النعم ممن لا يحبسهم انداده في الفضل والذکاء وأقرانه في المناقب و المآثرة،کلا ليس هذا هو الحسد المذموم في ردي الصفات،وإنَّما الحسد المذموم هو خلق کرهة يبتلي به المرء فلا يطيق النعمة عند غيره و أن کانت عنده ولا يستريح إلي شعور الناس بالسعادة لانقطاع ما بينه وبينهم من رحم العطف والمشارکة في الامزاج و الآلام. فالحسد نضوب في العاطفة وابن الرومي أبعد الناس عن نضوب العاطفة».
أيضاً يؤکد العقاد: «کان ابن الرومي ساخطاً و يکن حاقداً والبون بعيد بين السخط والحقد وإنَّ التسبت أعراض هذين الخلقين عن طلاب الظواهر،فهما خلقان متباينان وقد يکونان في بعض الأحيان متناقضين،فيسخط الانسان بل يذوم في قلبه من الحقدأثر،وقد تکون کثرة سخطه لکثرة استجابته للمؤثرات الجديدة الطارئة التي تتعاقب علي حسد،أي لقلة حقدة و قلة إصراره علي البغض القديم.»

آراؤه في المجتمع و الحياة :

نشاهد في نفسيته نقمة علي المجتمع الَّذي عاش فيه ويعبّر عنها بقصائده «فقد رأي غيره من الشعراء والأدباء و الناس، ممّن لايتحلون بأية فضيلة، يحصلون علي المکانة العالية،والأموال الوفيرة، و الشهرة الواسعة، بينما يري نفسه،وهو الشاعر المجيد،لا تقدر مواهبه و هو يمنع عن أي منصب مرموق،ويحرم من التقرب إلي أصحاب المراتب العليا وکان ابن الرومي _ في کلَّ يوم _يتأکدله،أن عصره کان عصر إختلال وتفرّق،لايحقق الإنسان فيه مراده بقدرته وکفاءته،أوبإحتياله عليهم،وإتخاذ لسانه أداة تملّق يظهر عکس ما يبطن،تحقيقاً لمصالحه وضافعه فثار علي المجتمع المشبع بالنفاق والخديعة،وقام يشکو اختلال الزمان.لقد أشار ابن الرومي إلي انهيار القيم الحضارية والإنسانية في عصره،وسقوط المثل العليا بين أبناء وطنه فمراد ابن ارومي أن يسمو الإنسان بعلمه وعقله و فکره، وليس بمکره واحتياله ويوضع ذلک بنقمة لازعة ولسان شديد الوطأة.».

هناک آراء مختلفة لعلم النفس تظهر لنا بعض الخصائص النفسيةکما يستفيد منها خليل شرف الدين في کتابه من آراء البرفسور أدلر واضع علم النفس الفردي الذي يقول في سياق حديثه عن قانون التعويض: «إنَّ شعور الإنسان بأنَّه دون غيره الذي يسمي "بالدونية"من أعظم الدوافع إلي العمل وبذل الجهل ،وإنَّ الغريزة المسلطة هي السيطرة والتطلع إلي العلو و عندما يعجز الشخص عن اثبات ذاته، واکتساب النفوذالاجتماعي الَّذي يصبو إليه، نظر لعيوبه الجسمانية خاصة القامة، أو قبح الهيئة، أو أية عاهة من إحديداب أوضعف في النظر، أو عي في اللسان... الخ فأنه يلجا إلي سبل مختلفة من" التعويض" قد تؤدي به أحياناً إلي التفوق والتيام بأعمال جلية،و أحياناً أخري إلي أن يصطنع في سلوکه أسلوباً شاذاً کالقسوة والاستبداد في ضعف البنية،أو المکر في قصار القامة مثلاً.»

وأيضاً من أنواع التعويض« أحلام اليقظة.. وهي إحدي طرق الفرار من الواقع . تلعب المخيلة دوراً هاماً في هذا الشأن... فإذا تغذر تحقيق الرغبات بطريقة فعلية واقعية فما أسهل تحقيقها في عالم الوهم و الخيال! و ليست أحلام اليقظة في حد ذاتها ضارة دائماً، فقد تمهد الطريق إلي ابتکار وسائل جديدة لحل المشاکل التي تواجه المرء... ولکن إذا استسلم المرء لها وقطع الصلة بينه وبين العالم الخارجي، ولجأ إلي برجه العاجي فقد يتحول هذا الانزواء و الانطواء علي النفس إلي حالة شاذة شبيهة بالحالات المرضية أو مؤدية إليها.»
هذه الحالات کلها تنطبق علي نفسية ابن الرومي «إذا کان ابن الرومي قد لجأ إلي ما يُسمي في علم النفس الحديث "بالتبرير الجدلي"أي إلي تبرير المواقف العاطفية بالجدل اللفظي أو اللعب علي الألفاظ وإستقصاء المعني إلي آخر مدلولاته و رموزه... فما ذلک الاَّ تغطية لفشله الذريع في تحقيق ما يريد من المجتمع ..إلاَّ أن هذا التبرير و ذاک الإستقصاء أفادا الشاعر ولم يفيدا الشعر... أفادا الشاعرمن حيث أتي حالة العيش طويلا معهما مع عالي المعاني والأخيلة.. ولکنهما أضّرا کثيراً بالشعر،إذ جعلاه موضوع جدل ومناقشة وضرب حجج وبراهين و مماحکة وتفسير.. وبتعبير آخر جعلاه أقرب إلي النثر الخطابي منه إلي الشعرفبهتت معه التجربة وبردت العاطفة، وانحدر ابن الرومي في مطولاته إلي السفح في حين ارتفع في مقطوعاته إلي القمة... »
موته :

أمَّا لسانه، فهو وثيق الصلة بموته و بکثرة أهاجيه و هجاؤه وثيق الارتباط بطيرته و تشاؤمه من کل الأشخاص و الأشياء. إذن يصل ابن الرومي في الهجاء و التصرف بمعانيه و أساليبه و الإفحاش في ذلک إلي حد خافه معه معاصروه، و اشتهر ابن الرومي بالجرأة علي هجاء الأمراء فلم يسلم أحد من الخوف منه حتي الوزير القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب. أن الوزير يخاف هجوه و فلتات لسانه بالفحش، فأکله بالسم ومات ابن الرومي مسموماً (سنة 283 ه.) بسبب هجائه اللاذع وطول لسانه. و قبل موته، فهم بتقصير الطبيب لمعالجته بالسم ، فظَّن أنه قصر عليه.
حياته الأدبية:
أبرزت انتقال الحياة الأدبية إلي بغداد حدثاً خطيراً في تاريخ الأدب العربي عاماً و في تاريخ الشعر العربي خاصاً. فقد کانت بغداد عاصمة الخلافة العباسية لأوَّل مرة في التاريخ و هي المرکز الأدبي وکانت حياة الشعر في بغداد صورة التنافس بين الشعراء و قد ورد الشعر بغداد أداة للتعبير عن الأفکار والمشاعر و تغلب عليه سمة الجد و الموضوعية.کما ينتقل في أثناء التحول من الموضوعية إلي الذاتية ومن الجد إلي الهزل وکان يجري هذا التحول فيه وجميع شعراء البصرة و الکوفة عکفوا علي أنفسهم و استبعدهم الملک من المشارکة في الأمور الخطيرة و تأثروا بمعالم الحضاره و الحياة العقلية.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم