التوقيعات الادبية قد سمي هذا الفن بالتوقيعات، نسبة إلى ما يوقعه الخليفة أو عماله على الرقاع والرسائل التي ترد حاضرة الخلافة، بطلب أو شكوى أو مظلمة، وقد عرفه العديد من العلماء قديما وحديثا، فمن القدامى نجد أبو محمد عبد الله بن محمد البطليوسي (521هـ – 1127م) يعرفه: “وأما التوقيع، فإن العادة جرت أن يستعمل في كل كتاب يكتبه الملك، أو من له أمر ونهي، في أسفل الكتاب المرفوع إليه، أو على ظهره، أو في عرضه، بإيجاب ما يسأل أو منعه” ومن الأدباء المعاصرين نجد الدكتور شوقي ضيف أنه يقدم تعريفها بأسلوب آخر سهل: “التوقيعات عبارات موجزة بليغة تعود ملوك الفرس ووزراءهم أن يوقعوا بها على ما يقدم إليهم من تظلمات الأفراد في الرعية وشكاواهم، وحاكاهم خلفاء بني عباس ووزراءهم في هذا الصنيع، وكانت تشيع في الناس ويكتبها الكتاب ويتحفظونها وظلامته، وقد سموا الشكاوى والظلامات بالقصص لما يحكي من قصة الشاكي وظلامته، وسموها بالرقاع تشبيها لها برقاع الثياب”. والوقع أن التوقيعات في بنيتها الشكلية ترتبط باللغة العربية وإيجازها البليغ، فصفة الإيجاز كانت واضحة وبارزة في أقوال العرب في مختلف العصور، ولكن هذا الفن قد حافظ على ذلك الإيجاز حتى نجد الكتاب والبلغاء في العصر العباسي الذهبي يتنافسون في الإبداع فيه في قوالب من الإيجاز، وكانت توقيعات أسرة البرامكة وبني سهل مثل جعفر والفضل ابن يحي بن خالد آية في البلاغة ولمعة في البيان، حتى تروج عند ناشئة الكتاب وطلاب الأدب، فأقبلوا عليها ينقلونها ويتبادلونها ويحفظونها وينسجون على منوالها، يقول ابن خلدون: “كان جعفر بن يحيى يوقع في القصص بين يدي الرشيد ويرمي بالقصة إلى صاحبها، فكانت توقيعاته يتنافس البلغاء في تحصيلها للوقوف فيها على أساليب البلاغة وفنونها، حتى قيل: “إنها كانت تباع كل قصة منها بدينار” وبلغ إعجاب جعفر بن يحيى بالتوقيعات أنه كان يوصى كتابه: “إن استطعتم أن يكون كلامكم كله مثل التوقيع فافعلوا.” التوقيعات وإعجازها البليغ: الإيجاز: اللغة العربية هي مازالت تتمتع بخصائصها من ألفاظ وتراكيب وصرف ونحو وأدب وخيال، وهي معجزة الله الكبرى في كتابه المجيد، فلقد حمله العرب إلى العالم وحملوا معه لغته، وهي كذلك أمتن اللغات تركيبا وأوضحها بيانا وأعذبها مذاقا عند أهلها، “أنها أفضل اللغات وأوسعها، إذ يكفي ذلك دليلا أن رب العالمين اختارها لأشرف رسله وخاتم رسالاته، فأنزل بها كتابه المبين” وإن أبرز ما يلفت الانتباه في لغة العرب أنها لغة إيجاز، وكيف لا تكون فإن كلمة واحدة فيها أو جملة واحدة تتضمن ألوانا من المعاني المختلفة والمتشبعة التي يتلاعب خيالها في ذهن المرء بسماعه لهذه اللغة، فإذا اقتفينا آثار خطى هذه اللغة المجيدة منذ بدايات عهدها في العصر الجاهلي، نجد العرب حينذاك شديدي الحرص على الإيجاز في لغتهم، وقد كانوا يعمدون إلى حذف الحرف والكلمة والجملة والجمل إذا وجدوا أن المعنى تاما بدونها، ويقتصرون على الإشارة المعبرة الموحية إلى المعنى فضلا عن السرد الممل. لقد سار العرب على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم فمالوا إلى الإيجاز في كل شؤونهم في تعبيرهم عما في أذهانهم من أفكار وما في صدورهم من عواطف، فكان هذا الإيجاز أساس مهم في بناء أساليب القول عندهم، إذ لم يكن الميل إلى الإطناب على وجه العموم، قد حل عهده بعده، ذلك لأن كثرة الحروب والحوادث والفتن وسرعة تطورها وعدم الاستقرار النفسي للناس بسبب حركتهم الدائبة وقلقهم المستمر نتيجة لهذه الظروف السائدة، لم تتح الفرصة للناس لكي يلتقطوا أنفاسهم، ويتأملوا فيما حولهم، ويطيلوا هذا التأمل في إطمئنان، فلقد كان مناسبا جدا للتعبير عن أحوالهم وعواطفهم وأفكارهم، وقد تجلى ذلك واضحا كل الوضوح في رسائل صدر الإسلام التي كانت الأغلبية العظمى منها تتراوح بين بضعة أسطر وصحيفة واحدة مما كان يتخذ لكتابة الرسائل آنذاك، هذه هي السمة البارزة والقاعدة المتبعة، فالإيجاز في الكلام هو التعبير عن الفكرة بأقل الألفاظ المتاحة من غير أن تتفرع المرء سبل التعبير لإشباع هذه الفكرة أو ذاك المعنى أو سد جميع الثغرات. ويتضح مما ذكر أن الإيجاز صفة بارزة في الكلام العربي، وعماد بلاغتهم وركن فصاحتهم لأن اللغة العربية ترتكز على الجوهر والاقتصاد في القول لتوصيل الفهم وتقريبه، فنجدها في ألوان عديدة وفنون متنوعة مثل فن الخطابة والأمثال والحكم وكذلك فن التوقيعات الذي نحن بصدد الآن. عرفنا في التمهيد أن التوقيعات فن أدبي من فنون النثر العربي ارتبطت ظهورها وازدهارها بتطور الكتابة ومن ثم فإنها ليست كفن المشافهة كالخطابة والمحاورة والمفاخرة وغيرها من الفنون الأدبية الشفهية بل هي لون من الألوان الأدبية الرفيعة تعتمد على الفطرة السليمة والموهبة الفذة والبديهة والارتجال في التعبير، وهي كذلك تناقلت الثقافة العربية الواسعة، والتجربة العميقة والخبرة الطويلة لخلفاء الإسلام وأمرائه ووزرائه في العصور الإسلامية المختلفة. والواقع أن هذه الصفات البارزة والمميزات اللامعة التي يتصف بها صاحب التوقيعات يحرصه أن يوقع على الرسائل الواردة والرقاع والقصص المرفوعة بأسلوب موجز بليغ يستوجب توفره مجموعة من الشروط من أهمها الإيجاز: وهو أن تكون ألفاظه قليلة معدودة ذات معان غزيرة، وقد بالغ بعض الخلفاء وكتابهم في اختصار التوقيع حتى إن بعضهم اقتصر في توقيعاته على حرف واحد، أو نقطة ولكن يجدر بنا هنا أن نحدد الإيجاز لغة واصطلاحا. الإيجاز في اللغة يقال: وجَز وجُز الكلام وجازة وأوجز: قل في بلاغه، وأوجزه: اختصره، قال ابن سيدة: “بين الإيجاز والاختصار فرق منطقي ليس هذا موضعه، وكلام وجْز: خفيف، وأمر وجز وواجز ووجيز وموجَز وموجِز. والوجز: الوحي، يقال أوجز فلان إيجازا في كل أمر، وأمر وجيز، وكلام وجيز. وأوجزت الكلام: قصرته. وفي حديث جرير قال له عليه السلام: إذا قلت فأوجز، أي أسرع واقتصر”. و أوجز الكلام: قل، وأوجز كلامه: قلله، وهو ميجاز، والعطية: قللها وتؤجز الشيء: تنجزه والتمسه. والإيجاز في الاصطلاح اندراج المعاني المتكاثرة تحت اللفظ القليل، أو هو التعبير عن المقصود بلفظ أقل من المتعارف واف بالمراد لفائدة، فإن لم يف كان إخلالا وحذفا رديئا، كقول الحارث بن حلزة اليشكري: فالنوك خير في ظلا ل العيش ممن عاش كدا لا شك أنه يريد: والعيش الناعم الرغد في ظلال النوك والحمق خير من العيش الشاق في ظلال العقل، لكن لحن كلامه لا يدل على هذا إلا بعد التأمل وإمعان النظر. وبعبارة أخرى: هو التعبير بألفاظ قليلة عن معان كثيرة، نحو قوله تعالى: “خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين”، حيث نلاحظ أن مكارم الأخلاق بمجملها قد عبر عنها بألفاظ قليلة. وقد عرفه ابن الأثير: “التعبير عن المراد بلفظ غير زائد، ويعد الإيجاز والاختصار بمعنى واحد”، وعرفه الزماني: “الإيجاز تهذيب الكلام بما يحسن به البيان، والإيجاز تصفية الألفاظ من الكدر وتخليصها من الدرن، والإيجاز البيان عن المعنى بأقل ما يمكن من اللفظ، والإيجاز إظهار المعنى الكثير باللفظ اليسير” و نجد الجاحظ (159هـ – 255هـ) في العصر العباسي أنه يحدد مفهوم الإيجاز بقوله: “الإيجاز هو الجمع للمعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة”ثم نراه فيما بعد يتوسع في مفهومه، فلم يعد يقصره على “جمع المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة”، و إنما صار الإيجاز عنده يعني “أداء حاجة المعنى سواء أ كان ذلك الأداء في الألفاظ قليلة أم كثيرة”[ . أما أبو هلال العسكري (ت – 395هـ) فإن الإيجاز عنده هو: “قصور البلاغة على الحقيقة وما تجاوز مقدار الحاجة فهو فضل داخل في باب الهذر والخطل وهما من أعظم أداء الكلام” ويتضح مما سبق أن الإيجاز صفة بارزة في كلام العرب، لأنه يرتكز على الجوهر والاقتصاد في القول لتوصيل الفهم وتقريبه، وهذا الفن يمثل تراثا أدبيا عظيما من حيث أنه يحمل في طياته عددا من أنواع المعاني والبديع ولكن الإيجاز يعد من أخص خصائصه كما أن فقراته وجمله قصيرة موجزة، إذ الجمل القصيرة أكثر خدمة للغرض، وأسهل حفظها وأيسر نقلها عبر الأجيال وذيوعها وشيوعها بين الناس. هذه هي السمة الغالبة في التوقيعات وسيتضح ذلك أكثر لاحقا من خلال النماذج المقترحة مستمدة من العصورة التالية.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم
|