مظاهر التجديد في شكل القصيدة المدحية
اذا رجعنا الى القصائد المدحية في هذا العصر ودققنا النظر في شكلها نجد بعضا منها لازال يهتدى بالموروث القديم في الوقوف على الاطلال وذكر عهود الهوى ووصف معاناة الرحلة ومثال على ذلك قصيدة علي بن الجهم في مدح المعتصم ومنها قوله: قفوا حيوا الديار فان حقا علينا ان نحيي بالسـلام حرام ان تخطاها المطايا ولم نذرف من الدمع السجام
ومما يلاحظ ان هذا النظام في بناء القصيدة ولاسيما المقدمة الطللية قد اصابه شيء من التجديد سواء من الناحية الموضوعية ام من الناحية الفنية فهي من الناحية الموضوعية لم تعد اوعية تسكب فيها الدموع حسرة على المنازل الداثرة وعهود الحب الضائعة فحسب بل تحولت ايضا عند بعضهم الى منابر يعلنون من فوقها اراءهم في الحياة سائرين في نفس الطريق التي مهدها بعض الشعراء الامويين قبلهم من امثال ذي الرمة والقطامي والعجاج فما يصيبها من الاقفار والتغي يصيب الكائنات كلها فلا داعي للحزن ولامجال للاسف لان كل شيء مصيره الى الفناء غير انها لم تتحول على كل حال الى قالب فلسفي انما هي نظرات جزئية توصلوا اليها وبثوها فيها ومن امثلة ذلك قول بشار بن برد: يادار بين الفرع والجناب عفا عليها عقب الاحقاب قد ذهبت والعيش للذهاب لما عرفناها على الخراب
وهناك شعراء اهملوا وصف الاطلال والناقة والرحلة واستعاضوا عنها بالغزل كما نرى في مديح مروان بن ابي حفصة لمعن بن زائدة والمهدي: طرقتك زائرة فحيي خيالها بيضاء تخلط بالحياء دلالها قادت فؤادك فاستقاد ومثلها قاد القلوب الى الصبا فامالها
ومنهم من لم يلتفت الى الطلول ولا الى جمال الحبيبة والتغزل بها بل جعل الخمرة فاتحة قصيدته المدحية كقول مسلم بن الوليد في مدح هارون العباسي :
هات اسقني طال بي الحبس مـن قهـوة بائـعها وكس زقيــــة الــدار رصافية اغلى بها الشماس والقس
ومنهم من تحدث عن حالته او عن وضعه النفسي او عن شيء يقلقه ويزعجة من ذلك مثلا قول منصور النمري في مطلع قصيدة يمدح بها هارون العباسي:
يازائرينـا مـن الـخيـام حياكـما الله بالسـلام لم تطرقاني وبي حراك الى حلال ولا حرام
وايضا تحدثوا عن الشيب وزوال الشباب ومن جميل ماجاء في هذا اللون قول اشجع السلمي وهو يصف الامه التي اضحت افقه بعد ان ذهب ماء شبابه وخارت قواه واعتلى الشيب مفرقه في مطلع قصيدة يمدح بها الفضل بها الفضل بن الربيع :
غلب الرقاد على جفون المسعد وغرقت في سهر وليل سرمد .................................... .................................. لهو يساعده الشباب ولم اجـد بعد الشبيبة في الهوى مسعـد
ومن المقدمات التي استهوت عددا من الشعراء وصف الطبيعة وما فيها من مباهج سواء كانت صامتة ام متحركة ويكاد ابو تمام الطائي يكون من المبرزين الاوائل فيه كقوله:
ياصاحبي تقصيا نظريكمـا تريا وجوه الارض كيف تصور تريا نهارا مشمسا قد شابـه زهر الربـا مكأنمـا هـو مـقـمـر
هذه هي ابرز مظاهر التجديد في شكل القصيدة المدحية في العصر العباسي.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم
|