عنوان المحاضرة:شرح ابن جني والردود عليه
مثلما اثار شرح ابن جني كثيرا من المسائل صبت الى جانب شعر المتنبي ورفعت
من شانه امام خصومه الا ان هؤلاء الخصوم وقفوا عند النقاط الضعيفة التي جاءت في الشرح او في الكتاب الصغير الذي اشتمل على ابيات المعاني وهذه النقاط تنقسم الى قسمين: بعضها تفسيري وبعضها نقدي فاما العيب في الجانب التفسيري فهو يشمل لجوء ابن جني الى الاعتذار عن صاحبه في بعض المواقف كما يشمل هجوم خاطره على اشياء تناهى بها عن المعنى المقصود في السياق وذلك ناشئ من صبه الدقيق والنادر ولذلك كثرت الردود على شرحه من الزاوية التفسيرية بحيث تكون هذه الردود مجتمعة محاولات لقراءة شعر المتنبي من زوايا مختلفة على مر الزمن واكتفى هنا بايرد مثلين على ذلك: يقول ابن جني في شرح البيت الثاني من هذين البيتين:
فحب الجبان النفس اورده التقى وحب الشجاع النفس اورده الحربا
ويختلف الرزقان والفعل واحد الى ان ترى احسان هذا لذا ذنبــا
(ان الرجلين فعلا فعلا واحدا فيرزق احدهما ويحرم الاخر فكان الاحسان الذي رزق به هنا هو الذنب الذي حرم به هذا.....). فيتعقبه ابو العباس احمد بن علي الازدي المهلبي بقوله: (واقول: انه لم يفهم معنى البيتين ولا ترتيب الاخر فيهما على الاول ومعنى البيت الاول ان الجبان يحب نفسه فيحجم طلبا للبقاء والشجاع يحب نفسه فيقدم طلبا للثناء والبيت الثاني مفسر للاول يقول: فالجبان يرزق بحبه نفسهالذم لاحجامه والشجاع يرزق بحبه نفسه المدح لاقدامه فكلاهما محسن الى نفسه بحبه لها فاتفقا بالفعل الذي هو حب النفس واختلفا في الرزقين اللذين هما الذم والمدح حتى ان الشجاع لو احسن الى نفسه بترك الاقدام لفعل الجبان اعد ذلك له ذنبا فهذا هو المعنى وهذا في غاية الاحكام بل في غاية الاعجاز لاما فسره). وقد يكون الهلبي محقا في شرحه لا ابن جني لان طبيعة الشرحين توحي بذلك وربما اعجاب ابن جني بشعر المتنبي هو الذي دفعه الى هذا الشرح.
إما العيب في الجانب النقدي فان إبرازه أمر سهل لان ابن جني لم يكتف بالشرح بل تجاوزه في كثير من المواضع إلى التقييم وعلى الرغم من الاجتهادات الطيبة التي توصل إليها أحيانا فانه على وجه العموم لم يكن ناقدا ولهذا تورط في إحكام كان من اسهل تزيفها او رفضها ولعل وقفة الوحيد في معارضة تلك الإحكام تكفي لتصور ذلك الصراع النقدي بين احد أنصار المتنبي واحد خصومه.
والوحيد هو ابو طالب سعد بن محمد الازدي البغدادي ويقال عنه انه كان عالما بالنحو واللغة والعروض بارعا في الأدب ويذكر أيضا إن له شرحا في ديوان المتنبي إلا إننا لانعرف شيئا عن هذا الشرح إلا من خلال بعض التعليقات المضمنة في شرح ابن جني ويظهر من هذه التعليقات إن الوحيد لم يكن معاصرا للمتنبي وحسب بل انه كان بمصر حين كان فيها أبو الطيب (346ـ350) وانه كانت له علاقة بابن حنزابة احد خصوم المتنبي وانه كان مطلعا على ما يحال حول المتنبي بمصر قال: (فوقفت من أمره على شفا الهلاك ودعتني نفسي ـ لحب أهل الأدب ـ إلى استحاثة على الخروج فخشيت على نفسي إن ينهى ذلك عني ) بل هو قد شهد المتنبي (ورجل يقرا عليه شعره فيسأله عن أشياء قريبة فما كان جوابه إياه جواب متقن وصاحب الكتاب نحوي متقن ).
ويظهر ان الوحيد كان في موقفه من الشاعر (المتنبي) والشارح(ابن جني) مبنيا على تنقص وان الغضب كثيرا ما يخرجه عن طوره فيكون متهجما فاقدا اكل اناة الناقد الموضوعي مع انه يحاول في البداية ان يرتفع الى مستوى العدالة في الحكم ، يقول: (فابن جني عالم بالصناعة ذو محل منها فالطعن عليه في محله من الصناعة ظلم وإنما الذي ساقه الى هذا الموقف عناد الخصوم والمتنبي شاعر ذو فضائل وعيوب فإما فضائله فهي طول النفس وجزالة الكلام والمبالغة في المعاني وإما عيوبه فعدم التنقيح للكلام واستعمال الرذل من اللغة والغريب الوحشي وتكرار المعاني وإغماضها إغماضا يحوج الى الشرح الطويل ونقل معاني الناس والخطأ في اللغة واللحن في الإعراب بل هو يذهب الى ان ابن جني قد ظلم المتنبي وانه سيحاول إن ينصفه ولكن الوحيد لم يطبق الإنصاف كما اعلن لانه غير راض عن إعراض المتنبي عن ابن حنزابة وتركه مدحه مع انه من (بيت شريف أهل وزارة ورياسة ورجل من العلم والأدب بموضع جليل ).
وهو يرى ان المتنبي كان رجلا زرافا شديد الحيلة للمعيشة وكان يصنع الأحاديث لنفسه ويعمل لها الإشعار ليرى الناس إن فيه همة تسمو لذلك). وانه ايضا كان (نفاخا بذاخا يري مخاطبه انه يحسن إضعاف ما يضنه به ). وهو بالجملة لايرضى طريقة المتنبي في عدم المجاملة للرؤساء ومن يجالسهم لذلك فهو يقول قصيدة ( وأحر قلباه) :تعتب وتظلم وكان هو الظالم لنفسه كان المتنبي في طبعه استدعاء عداوات الناس لأنه كان عريضا كثير التعريض والتصريع لندماء سيف الدولة شديد الزهو والافتخار عليهم فإذا جاء بمثيل هذا الموضع عارضوه وخاضوا فيها... وكانوا عصبة وال الأمر إلى إن غلبوه وأزعجوه عن حضرة سيف الدولة وأخرجوه من نعمته).
ويقول الوحيد في موقف أخر عن المتنبي: (ولو كان موقفا لزم سيف الدولة فانه كان واحد الزمان ولكن سوء الرأي شبه له وأطعمه في خلف منه وقد كان كافور كريما فياض على سيف الدولة ولكنه أفسره على نفسه من حيث ظن انه يصلحه).
وإما أهم البادئ النقدية التي احتكم إليها الوحيد في تتبعه شرح ابن جني لديوان المتنبي فيمكن إيجازها بما يأتي:
1ـ ان الشعر ليس هو الغلو في المعاني ولو كلن الامر كذلك لكان المحدثون اشعر من الاوائل وكلما غالى الشاعر في المعاني وعمق بعد بعد من القلوب ولهذا كان ابن جني مخطئا حين تناول نقد الشعر من زاوية المعاني وحدها وهنا يعود الوحيد الى نظرية الجاحظ القديمة فيقول: (والمعاني يقدر عليها الزنج والترك والنبط فيعبرونها كل بلغته) ولذا كان عيبا على الشعراء المحدثين إيراد ما يتطلب تفسيرا بل إن تصدي الشارح لتفسير شعر محدث هو في حقيقته صاحب ذلك الشعر.
2ـ أخطا ابن جني في الثناء على المبالغة المفرطة عند المتنبي اذ المبالغة المفرطة ليست من افخر الكلام لأنها لاتقع موقع القبول كما يقع الاقتصاد وما قاربه والتشكك بين الشبهين كقول الشاعر:
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل وبين النقاء أأنت أم أم سالم
خير من المبالغة ولو قال الشاعر (أنت أم سالم ) لما حل قوله من القلوب محل التشكك.
3ـ إيراد ألفاظ الصوفية وألفاظ الطب والفلسفة والكلام يشين الشعر ويعيبه في رأي نقاد الشعر...
4ـ فرض مواد البادية على عالم حضري غير مستساغ كالحديث عن الجفان وعندهم الجفان مكللات فقد ترك الشعراء المحدثين هذه الأمور لان ذلك يدل على الجفاء وكذلك ذكر الطعام ولكن المتنبي كان يحاول ان يكون بدويا بين أهل الحاضرة حتى يجاريه...
5ـ لايجوز لشاعر يعرف أقدار الناس أن يمدح الملوك بمدح السوق والسوق بمدح الملوك ويحيل في المعاني ويخطئ في اللغة ويستبيح لنفسه سرقة معاني الآخرين حتى لتكاد وتسمع له بيتا إلا وهو مأخوذ من موضع مشهور....
6ـ مجمل القول إن الشعر في رأي الوحيد ثلاثة أقسام ومطرب وهو قليل في شعر المتنبي ومعجب وله فيه كثير ومضحك وعند المتنبي قسم يخرج عن هذه جميعا فلا هو مضحك ولا معجب ولا مطرب قبل قوله
ولمثل وصلك أن يكون ممنعا ولمثل نيلك ان يكون خسيسا
ولا نجد الوحيد في هذه الإحكام التي ذكرها قد أتى بشيء جديد منساقا مع المقاييس (النقدية الحضرية) في رفض التعمق في المعنى والألفاظ البدوية والصوفية والتعلق بأصول اللياقة الاجتماعية.