المحاضرة الثانية : البيان والتبيين :1/3
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الجاحظ: (( الّلهمّ إنا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل))
المعنى : الفتنة هنا بمعنى الضلالة ، والفاتِنُ هو الضّال عن الحقّ 0والفاتن : الحارقُ قال تعالى : ] ?cI) tûïI%©!$# (#q?YtGsù tûüIZIB÷s?J?9$# IM»oYIB÷s?J?9$#ur [[سورة البروج/10] أي : حرًّقوهم والفِّان : الشيطان0والفاتن في لغة اهل الحجاز ، والمُفتن في لغةِ نجد 0والجاحظ يستعيذ باللهِ تعالى من ضلالة القول كاستعاذتة به من ضلالة العمل0
المستـــــــــوى الصـــــــرفي : الفتنة : مصدر للفعل الثلاثي : فَتَنَ ، وهذا في لغة الحجاز كما ذكرت انفًا ، وهو من الفعل : أفَتَن في لغة نجد ، ويكون مصدره على هذه اللغة : افتافًا 0وقد يكون مصدر (فَتَن) على وزن مفعول أي: مفتون بمعنى فتنة0 قال تعالى ]بأتكم المفتونُ[ ، والمعنى : ايُّكم الفتنةُ ، وعلية تكون الباء في (بأيّكم) زائدة ، والجملة من مبتدأٍ مؤخر وخبرٍ مقدم 0
المستــــــــوى النحـــــــوي :اللّهم : منادى لحرف نداء محذوف ، عوضت الميم 0 ما في(كما) مصدرية مع مابعدها أي: كاستعاذتنا بك 0 قال الجاحظ : (( ونعوذ بك من التكلّف لما لانحسنُ كما نعوذ بك من العُجب بما نحسنُ)) المعنى : التكلّف : التجشُّم ، تكلُّف الشى تجشَّمًهُ ، والمتكلًّف أيضًا العِرِّيض لما لايعنيه 0والعُجْبْ : الزًّهْوُ والكِبْرُ 0 فالجاحظ هنا يستفد بالله تعالى من التعرّض لما لايُحسن ، والزّهر بما يُحسن 0وإذا كان المرء لايزهو بما يُحسن ويتقِنُ من فنون القولِ وغيرها ، فهذا دليل التواضع 0
المستـــــــوى الصـــــرفي: تكلّف على وزن تفعَّل ، وفيه مبالغة 0
المستــــــــوى النحــــــويّ: (ما) في (لما) اسم موصول بمعنى الذي، في محلّ جر بالام0 والعائد في(لانحسن) محذوف ، والتقدير : لما نحسنهُ 0 وكذلك في (بما نحسن) 0قال الجاحظ :((ونعوذُ بك من السَّلاطةِ والهَذَرِ ، كما نعوذ بك من العيَّ والحصر0 وقديمًا ما تعوّذوا بالله من شرّهما ، وتضرّعوا إلى الله في السلامة منها))0
المعنى : السَلاطة : حدة الّسان ، والتهذَر: كثرة اكلام وهو مرادف العيّ : وهو ضد البيان 0
الحصر :الاحتباس ، وعدم القدرة على الكلام هو مرادف العِيِّ 0التضرّع : الابتهال إلى الله وهو يسعيذ أيضًا من حدّة السان وكثرة الخطاني في الكلام، كما يستعيذ به تعالى من العيّ ، وعدم القدرة على التعبير عّما يريد أن يعّبر عنه0 وقد تعوّذ الناس من شرّا السلاطة والهذر والعيّ والحصر ،وابتهوا إلى الله في السلامة والنحاة منها0
المستــــــــوى الصـــــــوتي : (وقديمًا ما) هنا إدغام ، والإدغام : هو إلتقاء التنوين الذي هو نون ساكنة مع أحد أحرف يرملون ، وقد التقى التنوين هنا مع الميم 0
المستـــــــــوى الصرفيّ : ضَرَع على وزن فَعَل يضرَعُ ضراعةً ، أي : خضع وذلّ
وأضرعه غيُره ، الهمزة فيه للتعدية 0وتضرّع على وزن تفّعل فيه مضاعفة الذل والخضوع ، والتضرع إليه تعالى ابتهال ، ودعاء0
المستــــــــوى النحويّ : (م) في: (وقديمًا ما تعوّذوا) زائدة 0
وقد ذكر الجاحظ بيتًا للنَّمرِ بن تولبٍ :
أعِذْني ربَّ مِنْ حَصَر وَعيٍّ وَمنِ نفـس أُعَالجِهُـــا عـِــلاجــَـــها
ومعالجة النفس السوية ، فإن صاحبها هادى البال مستريحٌ 0
وروى لنا أيضًا قول الهذليِّ :
وَلاحَصِرٌ بخُطْبَتهِ إذا عزّتِ الخُطَبُ
يصف الهذليّ رجلا ليس حَصيرًا في خطبته إذا كانت الخطب عزيزةً قليلة ، فهو غير عييّ بخطبته بل تراه يقول من دون تَلَكُّؤً واضطراب 0
ويروي لنا مكي بنِ سَوادة في ذم حَصِرٍ سَكوتٍ :
حَصِرٌ مُسْهبٌ جريٌ جبانٌ خيرٌ عِيِّ الرجالِ عيُّ السّكوتِ