السُّرياليّة Le Surrealisme ماهيّة السُّريالية السريالية تفكير وعمل، نظرية وتطبيق. إنها مغامرة للبحث عن طريق يجمع بين المعرفة والخلاص، ونظامٌ متكامل للحياة لا تنفصل فيه الروح عن المادة ولا الفرد عن المجتمع والعالم، إنها كالأديان والماركسية من حيث الرؤية الشاملة؛ لكنها تختلف عنهما في المنطلق والهدف والوسائل وطريقة العمل. إن كل نشاطها يتجه إلى الوصول إلى نقطة مركزية عليا تختصر العالم وتهيمن عليه، ومنها ينطلق الفكر ويشع في جميع جهات الحياة المرئية والخفية لتجديد الفرد والحياة الاجتماعية والانتصار على الواقع والتحكّم في المستقبل. والأمرُ الخاص بها والمميّز لها محاولتُها الربطَ بين عالم اليقظة والحُلُم، والواقع الخارجيّ والداخلي. لقد تمردت السريالية على الأديان لكنها لم تستطع الإتيان بدين جديد بديل. وتركت الإنسان قلقاً مرتعداً. وأرادت إصلاحاً جذرياً شاملاً لعالم البشر، لكنها لم توجد نظامها الكلّي وأدواتها المناسبة واضطرت إلى الانسياق مع الماركسيّة على ما بينهما من الخلاف لأنها وجدت فيها نظاماً فكرياً وعملياً جاهزاً هو أقرب الأنظمة إلى طبيعتها الثورية. ولكن اختلاف المنطلق بينهما أدى إلى تفسخ الحركة بعد أن اتضح عدم إمكانية تعايشهما في نهج واحد. "إذا كنت ماركسيّاً فلا داعي لأن تكون سريالياً" لأن الشيوعيين رموها بالمثاليّة والغيبيّة والروحانية والغموض والحيرة وضبابية الهدف والتخبط في الوسائل. فبقيت في حيز الأدب والفن وعلى نطاق الأفراد والمجموعات الصغيرة وتعرضت لكثير من الهزات والانقسامات ولم تصمد كنظام متكامل واضح المعالم والشخصيّة لخلق الحياة الجديدة. لقد أرادت السريالية أن تمتطي مراكب العلم والتحليل النفسيّ والمادية التاريخية وعلم الاجتماع للوصول إلى النقطة المركزية العليا الكفيلة بتحرير الإنسان وتحقيق سيطرته على مصيره ومستقبل العالم.. ولكنها لم توفق إلى الجمع بين هذا الشّتات كلّه وبقيت نزواتٍ قلقةً ومتنافرة هي إلى طبيعة الفنّ أقربُ منها إلى بناء النظام الكوني والبشري الشامل.
نشأة الحركة السّريالية وتطوُّرها
نشأت الحركة السريالية في حجر الدادائية وتفرّعتْ عنها وخَلَفتْها؛ ففي أثناء الحرب العالمية الأولى وفي أعقابها، صحا الأدباء والمفكرون على واقع مرير خلّفتْهُ الحرب، واقع الموت والدّمار والتمزّق، واقعٍ أكّد إفلاسَ المدنيّة الغربية وانسحاق الإنسان وفشل كل مؤسساته ونظمه في جلب السّعادة والخير له؛ فكان لابدّ من إعادة النظر في القيم السائدة والبنى المسيطرة التي تكبح إرادة الإنسان، وتكبت أحلامه وتقوّض آماله. وكان أن وُلدت الحركة الدادائية، إلا أنها كانت حركة هدمٍ فقط، ولذلك انفصل عنها أدباء شعروا بفراغها وعبثيتها ويأسها وعدم جدواها، وفي الوقت نفسه آمنوا بمسؤولية الإنسان وقدرته على التغيير؛ فوُلدت الحركة السرياليّة من هذا المنطلق، وكان شعارها تحريرَ الإنسان من ضغوط الحياة الاجتماعية المغرقة في النفعيّة... وهكذا كان عليها إيجاد مفاهيم بديلة لعالم جديد يعقب ذلك العالم المتفسّخ؛ أيْ تهيئةُ الإنسان لإنسانيّةٍ متجدّدة ومتحرّرة وفعّالة انطلاقاً من حقيقته الإنسانية العميقة النظيفة التي طالما شوّهتها القوى المسيطرة والنظم والأفكار السائدة.. فالسريالية من هذه الوجهة حركةْ مخلِّصيّة. وليست الوحيدة في طرح هذه الأفكار، بل لم تكن هذه الأفكار وليدتها فحسب؛ فكثيراً ماسبقَ الإعلانُ عنها بأشكالٍ مختلفة تتراوح بين السّخط والثورة، منها الرومانسية في نظرتها إلى دَوْر الأدباء والفنّانين في تغيير طريقة الحياة، وكذلك رامبو في تحرّره وانطلاقاته العفويّة المجدِّدة كان أحد الجسور المؤديّة إلى السرياليّة. ثم انفصل بروتون عن الدادائية بعد ان كان عضوا رئيسا فيها ، وأصبح منضويا الى السريالية وذلك في عام 1924 وأصدر بيانها الأولَ مازجاً بين الدادائيةوالفرويديّة، وداعياً، بعد عملية الهدم، إلى عملية بناءٍ متفاعل مع المذاهب الفكرية الثورية والسياسية الجديدة، بغية معالجة هذا الإنسان المريض الذي خلّفته الحرب بعد أن فشلتْ في تخليصه وإسعاده كل الأديان والنظم والثقافات.
أما أهم سمات الأدب السريالي فتتلخص في الآتي: 1- التأليف بين عالمي الواقع والحلم والعبور من أحدهما إلى الآخر فالأحلام والذكريات إضاءات للمواقع الخفية في الإنسانا. 2- الدخول في عالم الغرابة والإدهاش. فالمصادفة التي تعدّ عنصر ضعفٍ في الرواية العادية تغدو عندهم عنصراً هاماً. وكذلك اللجوء إلى عالم الأشباح والتجسّدات وانفلات الخيال... 3- الاغتراف من الهذيانات بمختلف أنواعها حتى الجنوني منها لأنها ترشد إلى أعماق الذات. 4-الحب عندهم وسيلة لتصور العالم القادم: الحب الكلّي المطلق المزيج من كل أنواع الحب. إنه وسيلة للمعرفة، وفي مجال الحب يصبح الحب سلاحاً ثورياً يباح معه كل شيءٍ محبوب. والحب لايعمل إلا مع الأمل، وبهما يتجدد العالم، ويصبح فردوساً آخر غير الفردوس الإلهي ومن هذا المنطلق، أساء بعضهم فهم السرياليّة إلى حدٍّ بعيد ورأوا فيها انحلالاً خلقياً. 5- الخيال والصور: السريالية ديوان الأخيلة والصور الغريبة والمتناقضة العسيرة عن الفهم وسبب هذه الغرابة أنها خلقٌ ذهنيّ خالص لايمكن أن يتولّد من مقاربة أو مشابهة بين طرفين، بل من مقاربة بين واقعين متباعدين بنسبة أو بأخرى، وكلما كانت الصلة بين هذين الواقعين بعيدة جاءت الصورة قوية. 6- اللغة:يقول بيير روفيردي: "دع الكلمات تتكلّم وتقول ماتريد قوله متناسياً ماكانت تحمله من المعاني في الآداب السابقة. دعها تعمل وتؤثر مستقّلةً، تتزواج فيما بينها أو تتنافر مؤلفة صوراً وكاشفةً عن واقعٍ لم يقُلْه أحدٌ بالضرورة. ولما كانت السرياليّة تحطيماً للقواعد وازدراءً للشكل ورفضاً للمنطق فقد أهملت الاهتمام باللغة والخضوع لقواعدها الصافية وراحت في عباراتها تتقطع وتتناقض بمنأى عن كل أساس منطقي أو عقلاني . 7- الشّعر: الشعر السريالي ناشئٌ عن دافع لاشعوري يبتدع القصيدة كما يخلُق الحلم. ويرى إيلوار أن القصيدة مجموعة من الهلوسة والجنون والتذكر والقصص القديمة والمشاهد المجهولة والأفكار المتضاربة والتنبؤات البعيدة وحشد العواطف والعري وتشويش العقل والعبثز. 8- المسرح السريالي هو المسرح غير المألوف. وهم يرون أن المسرح ضرورة لابد منها، لشدة تأثيره على المشاهدين، وقصدهم منه التعبير عن الفردية والمزاجية والفوضى المشبعة بالحرية وإثارة الدهشة. وله وظيفتان: الهدم والبحث عن البديل. ولكنهم بعد ثورتهم على الواقع عادوا إليه من خلال لقائهم مع الماركسية وتسليمهم بالواقعية الاشتراكية. ومن ثم انتقلوا بالسلوك البشري اللاعقلي إلى العقلي.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم
|