انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

معجمات الألفاظ

Share |
الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 3
أستاذ المادة امين عبيد جيحان الدليمي       10/04/2017 10:57:17
معجمات الألفاظ
يمكن تصنيف معجمات الألفاظ بحسب مناهجها على مدارس هي: 1- مدرسة العين : كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت175هـ ) وقد اعتمد في ترتيب هذا الكتاب على ثلاثة أسس هي : 1- المخارج :
رتبت المادة اللغـويـة على حسب مخـارج الأصوات مـن الحلـق على النحـو الآتي :
( ع ح هـ خ غ - ق ك - ج ش ض - ص س ز - ط د ت - ظ ذ ث - ر ل ن - ف ب م - و ا ي ) وقد جعل الخليل معجمه أقساماً على عدد الحروف ، وسمّى كل قسم منها كتابا فابتدأ معجمه بـ (كتاب العين) وضم جميع الكلمات التي تتضمن صوت العين في أي موضع منها ثم اتبعه ( كتاب الحاء ) الذي ضمّ كل الكلمات المشتملة على الحاء في أي موضع مع استبعاد الكلمات التي فيها عين ، لأنها ذكرت في حرف العين ثم اتبعه (كتاب الهاء) الذي اشتمل على الكلمات التي فيها هاء في أي موضوع منها عدا التي فيها عين أو حاء لأنها ذكرت في كتابي العين والحاء ، وهكذا حتى استوفى سائر الحروف . ويلاحظ أن (عبارة كتاب العين) جاءت اسماً للمعجم كله . واسما للقسم الأول منه ، وذلك من باب تسمية الكل باسم الجزء.

1- الأبنية: قسم الخليل كل كتاب على أبواب تبعا لهيئة الكلمات التي يحتوي عليها كل باب ، فجعل الأبواب ستة على الترتيب الآتي : 1- باب الثنائي الصحيح المضّعف : مثل عفّ 2- باب الثلاثي الصحيح : مثل علم . 3- باب الثلاثي المعتل (بحرف واحد) : مثل عون 4- باب الثلاثي المعتل بحرفين(اللفيف) : مثل وعى 5- باب الرباعي : مثل بعثر .
6- باب الخماسي : مثل هَبَنْقَع(الأحمق) ،قُذَعْمِل(الضخم من الإبل)
2- التقليبات: وهي تغير مواقع أحرف الكلمة أو ترتيبها حتى يأخذ كل منها مواقع الأحرف المشتركة معه في تكوين اللفظ .
وقد عمد الخليل الى التقليب ليقف على كل ما يمكن أن يتكون من حروف الهجاء من ألفاظ من مستعملة أو مهملة . وقد انتهى الى أن للثنائي المضعف – كما يسميه – صورتين ، فالدال والراء لا يتكون منهما غير (درّ ، ردّ) أما الثلاثي فله ست صور ، فاللام والعين والباء مثلا لا يتكون منهما غير(علب ، عبل ، لعب ، بعل ، بلع ، لبع) والكلمات الأولى مستعملة والأخيرة وهي ( لبع ) مهملة ، وأما الرباعي فتصل فيه التقليبات الى أربع وعشرون صورة ، وتصل في الخماسي الى مئة وعشرين صورة ، وقد جمع الخليل تقليبات اللفظ كلها في أسبق حرف منها في ترتيبه المخرجي . فإذا أردت أن ترجع الى معنى الفعل (لعب) مثلا ، فيجب أن يرتب بحسب ترتيب الخليل للحروف في هذا المعجم فتكون (علب) ، لأن العين قبل اللام واللام قبل الياء ، ولهذا يبحث عنه في كتاب العين ، ولما كان الفعل ثلاثياً صحيحاً فالبحث عنه ينحصر في الفصل الخاص منه بالثلاثي ، عند ذلك يجد القارئ كل تقليبات هذا الجذر اللغوي (لعب) .
وقد حظي كتاب العين بإعجاب العلماء . بمنهجه مما حداهم الى أن يحتذوه في كتب لهم فتوالت مجموعة من المعجمات التزمت بخطته التزاماً تاما أحيانا ، وبالمعالم الكبرى من خطته أحيانا أخرى ، وهذه المعجمات هي التي وسمت بمدرسة العين وهي :

1- البارع : لأبي علي القالي (ت356هـ ) 2 - تهذيب اللغة : لأبي منصور الأزهري (ت370هـ) 3- المحيط:للصاحب بن عباد (ت385هـ) 4- المحكم والمحيط الأعظم : لابن سيده (ت458هـ)



ثانياً : مدرسة الجمهرة
نسبة الى كتاب (جمهرة اللغة) لأبي بكر محمد بن الحسن بن دريد (ت321هـ ) واختار ابن دريد لمؤلفه هذا الاسم وعلل ذلك بقوله في مقدمه كتابه : ((وإنما أعرناه هذا الاسم لأنا اخترنا له الجمهور من كلام العرب و أرجأنا الوحشي والمستنكر)) . واستقل ابن دريد بمعجمه عن مدرسة العين باتخاذه الأبنية أساساً لتقسيم كتابه إذ قسمه على أربعة أقسام جعل كل قسم منها لبناء خاص وهي:
1- الثلاثي الصحيح المدغم : ويضم ما نعرفه باسم الثلاثي المضعف .
2- الثلاثي الصحيح . 3- الرباعي . 4- الخماسي .

وبعد ان ختم كل واحد من هذه الأبنية أتى بعدد من الأبواب ألحقها به من غير مسوغ في كثير من الأحيان فأشاع كثيراً من الاضطراب واختلف منهجه عن منهج الخليل باتخاذه النظام الألفبائي اساساً لترتيب الألفاظ ، وبهذا أعرض عن الترتيب الصوتي للحروف الذي سارت عليه مدرسة العين . والتزم ابن دريد في الجمهرة بنظام التقليبات الذي ابتدعه الخليل في العين . ولابد من الإشارة الى أن البحث عن لفظ في الجمهرة يتطلب جهداً ووقتاً ، ولولا الفهارس التي صنعها كرنكو ناشر الكتاب والتي رتب فيها الألفاظ بحسب الترتيب الهجائي كما في المعاجم الحديثة لبقي كتاب الجمهرة مهجوراً ، لأنها جعلت الرجوع إليه يسيراً .

ثالثا: مدرسة المقاييس
نسبة الى كتاب ( مقاييس اللغة ) لأحمد بن فارس (ت395هـ ) وقد استقل ابن فارس في تنظيم معجمه بمنهج خاص عمد فيه الى الترتيب الهجائي للحروف فخصّ كل حرف منها بكتاب ، فبدأ بكتاب الهمزة وأعقبه الباء ثم التاء ثم الثاء الى أن انتهى منها جميعا ، فخالف بهذا مدرسة العين التي اعتمدت على الترتيب الصوتي للحروف ، وخالف مدرسة الجمهرة لاعتمادها على الأبنية في التقسيم الرئيسي للكتاب ، وخالفهما معا في أخذهما بنظام التقليب للألفاظ . ولهذا فليس بالإمكان ربطه بأي من المدرستين السابقتين لاختلافه عنها اختلافا منهجيا واضحا . وبعد أن قسم كتابه بحسب حروف الهجاء عددا وترتيبا قسّم كل كتاب او كل حرف على ثلاثة أبواب ، أولها للثنائي المضعف ، وثانيها للثلاثي وثالثها لما زاد على الثلاثي ، غير أنه ألزم نفسه بأخذ الحرف مع ما تلاه مع مواد تلك الأبنية حتى اذا فرغ من كل ما تلاه أخذه مع سابقه ، فصار السابق عند لاحقا واللاحق سابقا لإعراضه عن نظام التقليب والتزامه بالحرف مع ما تلاه أولاً وهذا المنهج انفرد به ابن فارس .
ففي الثنائي المضعف من كتاب الجيم مثلا يستهل المضاعف بكلمة (جحّ) وبعدها جخّ ثم جدَّ ثم جذّ ثم جرّ ثم جزّ ثم جس...حتى ينتهي الى جو . وعندئذ يعود من جديد لاستيفاء الحروف السابقة للجيم فيذكر بعد جو: جأ ، جب ، جث .
ولابن فارس كتاب آخر سماه ( مجمل اللغة ) قصد فيه الاختصار والإيجاز قال في مقدمته: (( وسميته مجمل اللغة لأني أجملت الكلام فيه اجمالا )) وقد اتبع ابن فارس منهج (مقاييس اللغة) بحذافيره .
رابعا: مدرسة الصحاح
نسبة الى كتاب ( تاج اللغة وصحاح العربية ) لإسماعيل بن حماد الجوهري (ت393) . وقد انتخب له الجوهري هذا الاسم لاقتصاره فيه على ما صح عنده من ألفاظ اللغة . واختط لمعجمه هذا منهجاً خاصاً اعرض فيه عن الترتيب الصوتي لمخارج الحروف كما أعرض عن نظام الأبنية والتقليبات ، وآثر ترتيب ألفاظه على النظام الالفبائي للحروف .
وطبق الترتيب الهجائي أول ما طبقه على أواخر الألفاظ ثم على أوائلها وعلى ما تلا الحروف الأولى حتى أتى على حروفها كافة ، فقسم معجمه على ثمانية وعشرين بابا . جعل لكل حرف من حروف الهجاء بابا منها إلا أنه جمع الواو والياء في باب واحد لأنهما كثيرا ما ينقلبان ألفاً . وأودع في كل باب جميع الألفاظ المنتهية بحرفه ، فالباب عنده يشير الى الحرف الأخير من اللفظ ولهذا يسمى بنظام القافية ، وقسم كل باب الى ثمانية وعشرين فصلا مشيرا بهذه الفصول الى أوائل حروف الألفاظ . وهذا هو شأنه في الأبواب كلها . فباب الباء فصل الهمزة ضم جميع الألفاظ . المنتهية بالباء ، و المبدوءة بالهمزة أياً كانت أبنية هذه الألفاظ ثلاثية كانت أم رباعية أم غير ذلك ، كما انه رتب مواد كل فصل من هذه الفصول بحسب أسبقية ما بين الحرفين الأول والأخير منهما في الترتيب الهجائي أيضا.
ولهذا فالبحث عن لفظ في الصحاح وما ماثله من معجمات يتطلب معرفة الحرف الأخير منه لمعرفة بابه كما يتطلب معرفة حرفه الأول للوقوف على الفصل الذي تضمنه من ذلك الباب، وتنظر بعد هذا الى بقية أحرفه بحسب تواليها لتحديد موضعه من الفصل فكلمة (ضرب) نجدها في باب الباء فصل الضاد بعد كلمة (ضبب) لأن فصل الضاد باب الباء فيه الألفاظ : ضبب ثم ضرب ثم ضغب ثم ضوب ثم ضهب ، ولابد من الإشارة الى أن الجوهري قدم حرف الواو على حرف الهاء في معجمه . ولم يكن الجوهري أول من وضع قواعد هذا المنهج فقد سلكه قبله البندينجي (ت284هـ) في كتابه (التقفية) . والفارابي (350هـ) في كتابه (ديوان الأدب) ، والفرق بين هذه الكتب والصحاح أنها كتب أبنية تعنى بأمثلة الأبنية وتقوم عليها بينما هو معجم عام .
وقـد أعجب بالكتاب أكثـر اللغويين فأقبلوا عليه بالدرس والتكميل والتعليق والنقد والاستدراك والاختصار . وقد طبع من هذه الكتب التي تناولت الصحاح . - التنبه و الإيضاح عما وقع في الصحاح: لابن بري . - التكملة والذيل والصلة : للصاغاني. - مختار الصحاح: للرازي (ت بعد666هـ)

والمعاجم التي تنتمي الى مدرسة الصحاح. 1- العباب : للصاغاني (ت 650هـ) 2- لسان العرب : لابن منظور(ت711هـ) 3- القاموس المحيط : للفيروز آبادي (ت817هـ) 4- تاج العروس : محمد مرتضى الزبيدي (1205هـ)

خامسا: مدرسة الأساس
نسبة الى (أساس البلاغة) للزمخشري (ت 538هـ) الذي آثر أن يأخذ بالترتيب الهجائي ( الالفبائي ) للحرف على أساس أول اللفظ بدلا من آخره مع بقائه ضمن النظام الالفبائي . وجعل معجمه في ثمانية وعشرين باباً أي انه جعل كل حرف في باب أسماه كتاباً .
فالكتاب الأول كتاب الهمزة وفيه الألفاظ المبدوءة بالهمزة ، ويليه كتاب الباء فالتاء فالثاء... الى آخر الحروف . وهو يراعي هذا الترتيب داخل كل باب في ثواني الكلمات وثوالثها معتمدا على حروفها المجردة ، فالكلمات تتعاقب في باب العين مثلا على الوجه الآتي : عبأ ، عبب ، عبث ، عبد...الخ .
ولم يكن هم الزمخشري استقصاء الألفاظ العربية ومعانيها اللغوية وإنما انحصر همه في اقتناص العبارات الأدبية البليغة من آيات وأحاديث وأمثال وأشعار والوقوف من خلالها على معاني الألفاظ واستعمالاتها مبتدئاً بالدلالات الحقيقية ، ثم الدلالات المجازية ، لذلك يلاحظ أن ثمة مواد ساقطة من معجمه لأنها لا تدخل في نطاق منهجه ولا تنسجم مع الفكرة العامة التى بنى عليها معجمه من حيث احتواؤه الحقيقة والمجاز معاً .
ولم يكن الزمخشري أول من اتبع هذه الطريقة برغم اشتهار نسبة ذلك إليه . لأن الفكرة بدأت عند أبي عمرو الشيباني (ت 208هـ) في معجمه (الجيم) فقد رتبه على النسق المعروف لدينا من حيث النظر الى الحرف الأول والنظام الالفبائي ولكنه لم يكن دقيقا في ذلك ولم يعتمد الترتيب الألفبائي في الحروف الثواني والثوالث وغيرها وإنما اعتمد على هذا الترتيب في الحرف الأول فقط ، ولم يخضع الحروف الثواني والثوالث لترتيب معين فكانت عشوائية .
وقد سار على منهج (أساس البلاغة) الفيومي (ت770هـ)في معجمه (المصباح المنير) وسارت على المنهج مجموعة من المعجمات الحديثة وسيأتي الحديث عنها.




المعجم العربي في العصر الحديث

بدأ عدد من رجال اللغة العرب والمستشرقين ، بدءاً من النصف الثاني من القرن التاسع عشر بتأليف معجمات تعتمد في جملتها على المعجمات القديمة وتساير العصر، وتتجاوز الكثير من الأخطاء والصعوبات التي اكتنفت المعجمات القديمة إلا أنهم لم يفلحوا حتى الآن في الوصول بالمعجم العربي إلى المنزلة المنشودة من حفاظ على اللغة وملاءمة لحاجات الحياة العصرية ، غير أنهم تمكنوا من تخليصه من تعقيدات العرض والتبويب ، وجعلوه يسير على وفق الترتيب الألفبائي على أوائل الأصول ، ووضعوا له قواعد حسنة للشرح والشواهد ، وزادوا عليه مجموعة من المفردات الحديثة ، وسعوا الى طرح المهمل والمترادف والمشترك والتضاد ما أمكنهم ذلك ومن هذه المعجمات مايأتي :

1- محيط المحيط
وضعه بطرس البستاني (ت1883هـ) ، وهو قاموس مطول للغة العربية ، أراد المؤلف له أن يحوي ما في (القاموس المحيط) للفيروزآبادي من مفردات ، مع زيادات كثيرة أخرى مما يحتاجه القارئ في العصر الحديث من اصطلاحات العلوم والفنون ، لذلك اختار له هذا الاسم (محيط المحيط) ، وسار مؤلفه في ترتيبه المعجمي على الطريقة الألفبائية وفق أوائل الأصول ، وفي ذلك يقول : (( إذا شئت كشف لفظة ، فإذا كانت مجردة فاطلبها في باب أول حرف منها ، وإذا كانت مزيدة فجردها أولاً من الزوائد ، ثم اطلبها في باب الحرف الأول مما بقي ، وإذا كان في الكلمة حرف مقلوب عن آخر فاطلبه في تلك الكلمة في مكان الحرف الأصلي المقلوب عنه )) . وقد طبع أول مرة في بيروت وصدر عن مكتبة لبنان عام (1870م) . واختصر المؤلف كتابه هذا في كتاب آخر أصغر حجماً وضعه لطلبة المدارس والناشئة أسماه (قطر المحيط) . وسار فيه على نهج كتابه الأول . إلا أنه حذف جزءاً كبيراً من مادته ، وزاد في بعضها.

2- أقرب المـوارد
هذا الكتاب هو أضخم معجم ظهر في العصر الحديث ، واسمه (أقرب الموارد في فصح العربية والشوارد ) من تأليف سعيد الخوري الشرتوني ، وقد اعتمد في تأليفه بصورة خاصة على كتاب القاموس المحيط للفيروزآبادي الى جانب عدد كبير من كتب اللغة القديمة . ورتب الشـرتوني كتابـه على أوائل الأصول للكلمات أسوة بالمعاجـم الحديثـة بقيـة تسهيل استخراج الألفاظ منها.

3ـ المنجد:
(المنجد في اللغة) معجم ألفه اللغوي اللبناني الأب لويس معلوف (ت1946م) وهو معجم
قريب المأخذ ، سهل المنال ، لقي رواجاً كبيراً بين معجماتنا العربية الحديثة نظراً لما انطوى عليه من مميزات مثل غزارة المادة مع طرح فضول القول ، وادخل عليه مؤلفه في طبعاته الأخيرة ألواناً وصوراً وجداول وخرائط .
ورتبت مواد المنجد على الطريقة الألفبائية التي مرّ ذكرها التي رتبت عليها المعاجم الحديثة ، واستعمل فيه بعض الرموز على نحو ما موجود في القاموس المحيط ، ومن أمثلة ذلك ( فا ) اسم الفاعل ، و( مفع ) لاسم المفعول ، و(مص) للمصدر ، و(م) للمؤنث ، وظهر هذا المعجم في طبعته الأولى عام (1907م) تحت عنوان (المنجد) معجم مدرسي مع رسوم . وطبع في طبعاته المتأخرة باسم (المنجد في اللغة والأدب والعلوم) .

4- البستان
ألفه اللغوي عبد الله البستاني عام (1917م) وفرغ منه عام (1927م) وهو يشبه في منهجه وأسلوبه ما سبق من المعجمات الحديثة ، وزاد عليه بعض الألفاظ الحديثة التي رافقت التطورات العلمية ، وعدداً من المصطلحات الحديثة وكثير من الألفاظ المولدة والدخيلة . ويؤخذ عليه التصحيف ، والخطأ في التفسير أحيانا مع سوء العبارة ، والتمسك بعبارات القدماء التي لا تناسب طلبة المدارس . وقد اختصر المؤلف هذا المعجم بمعجم آخر سّماه ( فاكهة البستان ) وقد رتبه على نحو ترتيب الكتاب السابق .
5- متن اللغة
كلف المجمع العلمي العربي بدمشق الشيخ أحمد رضا (1872 – 1953م) بإعداد معجم مطول للغة يجمع فيه ما تناثر من جواهر العربية في بطون المطولات اللغوية القديمة، وإلحاق ما استحدث من الألفاظ والمصطلحات به واعتمد في ترتيب المواد اللغوية على الترتيب الألفبائي لأوائل الكلمة وكذلك مراعاة ذلك الترتيب للحروف الثواني والثوالث . ورتب الأفعال الثلاثية المجردة على ترتيب أبوابه الستة التي يجمعها قول بعضهم :
فتح ضم ، فتح كسر ، فتحتان كسر فتح ، ضم ضم ، كسرتان
وينتقل بعد ذلك فيذكر الفعل المتعدي بالتضعيف من الثلاثي ، مثل علّم ، ثم المتعدي بالهمزة مثل أكرم ثم افتعل وتفعل وهكذا حتى يصل الى استفعل . وعمد مؤلف هذا المعجم الى ذكر كثير من الألفاظ المهملة والغريبة والدخيلة التي يعود معظمها الى العصر العباسي . وحاول ردّ الألفاظ العامية الى الفصحى ما أمكن ذلك . صدر هذا المعجم عن مطبعة دار الحياة بيروت عام (1958م) في خمسة مجلدات .

6- المعجم الوسيط
يعد هذا المعجم محاولة جادة لإنتاج معجم عربي حديث يحافظ على سلامة اللغة ، ويستبعد الألفاظ الميتة التي لم تعد تفيد في شيء ، وزاد على ما هو مفيد مما في المعجمات القديمة المصطلحات العلمية الحديثة ، وقد أشرف المجمع اللغوي المصري على إصدار هذا المعجم وشكل لجنة لتأليف هذا المعجم مؤلفة من الأساتذة : إبراهيم مصطفى ، وأحمد حسن الزيات وحامد عبد القادر ، ومحمد علي النجار ، يشتمل هذا المعجم على ثلاثين ألف مادة مشروحة ، ومليون كلمة مضبوطة بالشكل ، مرتبة على أوائل الأصول وفق الترتيب الألفبائي المعروف مشفوعة بنحو ستمئة صورة توضيحية ، وصدر هذا المعجم أول مرة عن مجمع اللغة العربية في القاهرة عام (1960م) في جزئين ، ثم صدر في طبعة ثانية مصورة في بيروت عام (1964م) .


7- المعجم الكبير:
كان من أهداف مجمع اللغة العربية في القاهرة زيادة على ما سبق ذكره من انجاز لمعجمات وضع معجم تاريخي للغة العربية . وهو مطلب صعب ، يحتاج الى جهد كبير، وكان المستشرق الألماني (فيشر) قد بدأ هذا العمل الجليل بتأليف (المعجم اللغوي التاريخي) ولكنه توفي قبيل الحرب العالمية الثانية قبل إنجازه ، لذلك أخذ المجمع على عاتقه إتمام هذه المهمة الجليلة ، وحاول جهده للحصول على ما كتبه المستشرق فيشر في هذا الخصوص ، لكنه لم يعثر إلا على جزء صغير مما كتبه فقط ، لأن الأجزاء الأخرى ضاعت بسبب الحرب ، فاكتفى المعجم بطبع هذا الجزء الذي حصل عليه . كما بدأ المجمع عمله العظيم بإصدار معجم كبير شامل لألفاظ اللغة العربية قديمها وحديثها ، وذلك ضمن قالب موسوعي مسهب منظم . ومن المزايا التي ينفرد بها هذا المعجم عن غيره من المعجمات العربية أنه يضع الكلمة العربية مقرونة بالصيغة التي وردت بها في اللغات السامية الأخرى الأكادية ، والسريانية ، والحبشة ، والعبرية ، والأوغاريتية ، وهو أمر يفيد في الدراسات المقارنة للمادة اللغوية ، وفي معرفة تطور اللفظة العربية .












العربية في العصر الحديث
أولاً : الفصحى والعامية
اللغة الفصحى هي لغة القرآن الكريم والتراث العربي عامة ، وهي التي تستعمل اليوم في المعاملات الرسمية ، وفي تدوين الشعر والنثر والإنتاج الفكري عامة ، أما العامية فهي التي تستعمل في الشؤون العادية ، وهي التي يجري بها الحديث اليومي . وأغلب الظن أن العرب عرفوا هذه الثنائية في اللغة أي وجود اللغة الفصحى والى جانبها لغة أقل فصاحة بتداولها عامة الناس إذ كان لكل قبيلة لهجتها الخاصة بها وكان التواصل بين العربي وأفراد قبيلته يجري بلغة هذه القبيلة ، حتى إذا خطب أو نظم ، أو خاطب أحد أفراد القبائل الأخرى عمد الى اللغة المشتركة ، وبقيت هذه الثنائية اللغوية بعد الإسلام . ثم ازداد البعد على مر العصور بين اللغة الفصحى وبين ما هو متداول عند العامة أي ما يصطلح عليه باللغة العامية أو الدارجة .
والثنائية في اللغة ليست وقفا على المجتمع العربي ، بل يشمل كل المجتمعات ، ففي كل لغة لسان عامي ولسان فصيح . إن ابتعاد الفصحى عن العامية في العصر الحديث جعل النظرة للغة الفصيحة أنها صعبة التعلم . وظهرت دعوات الى استعمال العامية وهجر اللغة الفصيحة ، بدعوى أنها لغة أجيال مضى عهدها وأنها صعبة التعلم والتعليم ، وهي لا تمتلك المرونة التي تجعلها مواكبة لروح العصر واستيعاب التقدم العلمي وكثرة المخترعات . وقد بدأ بهذه الدعوة الى العامية وهجر الفصحى بعض المستشرقين منهم الألماني ( ولهلم سبيتا ) ، وتابعهم من العرب أحمد لطفي السيد ، وأصدر الأب مارون غصن كتاباً سّماه ( درس ومطالعة ) دعا فيه الى الكتابة بالعامية السورية . وأكثر المتعصبين لهذه الدعوة أنيس فريحه وألف لذلك كتابه ( نحو عربية ميسرة ) . وحقيقة هذه الدعوة أنها لا تحمل خيراً لا للعرب ولا للعربية . وقد ردّ عليها أنصار الفصحى وأوضحوا أضرارها ومن هذه الأضرار :
1- أنها تهدم الموروث العلمي والأدبي لعلماء العربية على مرّ العصور، وتحكم على هذا التراث بالموت ؛ لأن الذي يتعلم العامية حتى تصبح لغته الوحيدة ينفصل عن التراث الأدبي المكتوب بالفصحى فلا يفهمه ، كما في اللغات الأخرى فالانكليزي الذي من عامة الشعب ، لا يفهم اليوم لغة شكسبير الذي مات في القرن السابع عشر ، أما نحن العرب وعلى اختلاف أقدارنا من الثقافة ، فأننا نقرأ الشعر الذي كتب قبل ظهور الإسلام فنفهمه.
2- أن العرب سيضطرون معها الى ترجمة القرآن الكريـم الى العاميـة مما يفقـده الكثيـر مـن
سحره وأعجازه وتأثيره في النفوس .
3- أن لهجات العامة لا يمكن الاعتماد عليها لتباينها واختلاف أوضاعها ، ويجعلنا نترك لغة واحدة بدعوى أنها صعبة لنتعلم بدلا منها لغات متعددة،لأن عامية البلدان العربية مختلفة إحداهما عن الأخرى وهذا يؤدي الى أضعاف التواصل بين البلدان العربية ولا يخفى ما في ذلك من الضرر على جميع المجالات
ثانيا: تيسير الكتابة ودعوى استخدام الحرف اللاتيني

كما كثرت الشكوى من صعوبة اللغة الفصحى والأعراب فدعا بعض الباحثين الى اعتماد اللغة العامية للتيسير ، كذلك كثرت الشكوى من صعوبة الخط العربي ، وكانت أبرز دعوات التيسير هي الدعوة الى الكتابة بالحرف اللاتيني ، وكان الدعاة الى اللغة العامية بدلا من الفصحى هم أنفسهم الذين دعوا الى الكتابة باللاتينية ، وتعود هذه الدعوة الى السنة (1880م) حينما اقترح ( ولهلم سبيتا ) الذي كان مديرا لدار الكتب المصرية آنذاك ، إذ دعا الى كتابة العامية وبالحرف اللاتيني ، وقد وضع سبيتا في كتابة ( قواعد العربية في مصر ) جدولاً مقارناً بين الحروف العربية والحروف اللاتينية المقترحة . وقد تابع هذا المستشرق مستشرق ألماني آخر هو (كارل فولرس) ، وكذلك القاضي الانكليزي في مصر (سلون ولمور) ، ولكن الدعوة لم تظهر ظهوراً لافتاً للنظر إلا في عام (1943م) حينما اقترح عبد العزيز فهمي على مجمع اللغة العربية في القاهرة استخدام الحرف اللاتيني بدلا من الحرف العربي ، وقد درس المجمع اقتراح فهمي ، ثم قرر نشره مع ما دار حوله من مناقشات لعرض ذلك على الدول العربية ، وبعد انتشار المشروع كثر الداعون له ، ومنهم سلامة موسى ، ورشدي المعلوف ، وسعيد عقل ، وأنيس فريحه ، ولكن الدعوة اقترنت باسم عبد العزيز فهمي نظراً للمجهود الكبير الذي بذله فهمي في شرح هذه الطريقة وتعداد مزاياها ، والدفاع عنها وإغراء الناس بالقبول بها ، ولا داعي لذكر تفصيلات هذه المحاولة لأنها لم ترَ النور ، وولدت ميتة ولكن سنذكر هنا أبرز ملامحها وهي :
1- الإبقاء على عشرة حروف عربية لا نظير لها في اللاتينية : وهي أ ، ج ، ح ، خ ص ، ض ، ط ، ظ ، ع ، غ .
2- الاستعاضة عن الأحرف العربية : ب ، ث ، د ، ر ، ز ، س ، ف ، ق ، ك ، ل ، م ، ن ، هـ ، و، ي ، بالأحرف اللاتينية : b , t ,d ,z ,s ,f ,q ,k ,I ,m ,n ,w ,y
3- زيادة الأحرف اللاتينية x , e ,v ,, p j , g التي لا شبيه لنغمتها في العربية وذلك لكتابة الأعلام الأجنبية والمصطلحات العلمية.
4- اعتماد الصوائت اللاتينية نيابة عن علامات الحركات ، فتكون (a) علامة الفتحة ، و(u) علامة الضمه ، و(i) علامة الكسرة ، والسكون لا علامة لها والشدة يستغنى عنها بتكرار الحرف المشدد.
إن استعمال الحرف اللاتيني في الكتابة العربية يلحق ضرار بالغا باللغة العربية وأهلها ومن هذه الأضرار ما يأتي:
1- قطع الصلة مع التـراث العربي ، لأن الذي يتعلم الخط اللاتيني لا يمكن له أن يقرأ المؤلفات التي كتبت بالخط العربي . 2- زيادة الحــروف حتى تبلــغ الضعف ، فإذا أردنا أن نكتب الفعل ( كتب ) بالـرسم اللاتيني يكون على هذه الصورة(kataba) 3- تؤدي الى زوال فنون الخط العربي وزخرفاته وما تمثل من إبداع وجمال . 4- تشويه الكتابة بخط الحروف العربية بالحرف الأجنبية.





ثالثا: ألفاظ الحضارة والترجمة والتعريب
تدرجت الإنسانية عبر تاريخها الطويل تدرجاً ملحوظاً ، وانتقلت من طور تغلب فيه السذاجة الى دور يتسم بالمدنية ، مما جعل اللغات تصادف أشياء كثيرة تتطلب تسميات ، وتواجه أفكاراً كثيرة يعوزها التعبير، لكن ما واجهه الشعب العربي في أول عصر النهظة ومازال يعانيه قد يفوق ما عانته الشعوب الأخرى ، إذ إن العرب عندما استفاقوا من كبوتهم وجدوا أنفسهم متخلفين كثيراً عن ركب الحضارة ، ورأوا لغتهم تفتقر افتقاراً بيّناً الى معظم المصطلحات العلمية التي أوجدتها العلوم الحديثة وكان لزاماً عليهم ، أن يعملوا جاهدين على إيجاد مقابل لهذه المصطلحات ، فراح العلماء يولون الأمر أهميته ، وبدأوا بالترجمة والتعريب والاشتقاق والنحت ، ولكن ما زاد الأمر تعقيداً أن هؤلاء العلماء لم يكونوا وثيقي الصلة فيما بينهم . فكان كل واحد منهم يصطلح كما يرى ، ويعبّر كما يحلو له ، ما أدى الى اضطراب المصطلحات ، واضطراب استعمالها في الحديث والكتابة . وكان مجمع اللغة العربية في القاهرة أشد المجامع نشاطاً في هذا المجال ، فقد وقف نحو (70%) من نشاطه على جمع المصطلحات ومناقشتها وإقرارها ، وانقسم العلماء في مسألة تعريب المصطلحات المستحدثة ويمكن رد اتجاهاتهم المختلفة الى ثلاثة هي :
الأول : رأى أن اللغة بشكلها القديم أجود مما هي عليه اليوم ، فرفض التعريب مؤثراً التوسع في استعمال العربية لتأدية المعنى الأجنبي ، إما بالاشتقاق من المواد اللغوية العربية ، مثل سيارة(للأتومبيل automobile ) . وإما بترجمة اللفظ بمرادفه مثل الصور المتحركة (للسينماتوغراف cinematographa )
الثاني : أراد أن يختصر الطريق ، فقال بالتوسع في التعريب والاشتقاق من المعرّب ، كما كان العرب يفعلون في نحو( درهم مُدَرْهم ) و ( دينار مُدَنْر ) فلذلك فلا فرق في نظر بعضهم بين أن نقول ( تلفون ) وأن نقول ( هاتف ) لكونه مصطلحاً واحداً ، وعنده لا فرق بينهما مادامت كلمة ( تلفون ) تنطبق على الوزن العربي ، فنستطيع أن نشتق فعل ( تَلْفَنَ ) ، مادامت الحروف المؤلفة منها الكلمة عربية ( التاء ، واللام ، والفاء ، والنون ) ولا مانع أيضا من أن نقول ( دَكْتَرَ ) من ( docteur ) ، أي لا مانع في هذا الاتجاه من أن نعرب معظم المصطلحات العلمية فننقلها بلفظها الأجنبي ومعناه .
الثالث : اتخذ موقفا وسطاً بين الاتجاهين السابقين ، إذ كان يبحث عن أسماء المسميات الحديثة بأي وسيلة من الوسائل الجائزة في اللغة ، فإذا لم يتيسّر له ذلك ، أستعار اللفظ الأجنبي بعد صقله ووضعه على منهاج اللغة العربية .
ولا شك في أن الاتجاه الأول ، قد تشدد في أمر أجازه العرب على مر العصور ، والعربية لم تكن يوما من الأيام خالية من الدخيل ، ولا إشكال على أية لغة أن تستعير وتقتبس من غيرها بعض الألفاظ ، فالاقتباس سنة طبيعية بين الأمم التي تتجاور ، أو تختلط بالعلم أو بالغزو . أما الاتجاه الثاني فقد تطرّف في تساهله بقبول اللفظ الدخيل ، لأن ذلك يجعل دخول الألفاظ الأجنبية من غير حدود ولا ضوابط ما يؤدي الى التداخل بين اللغات على نحو غير متمايز . فلا يكاد يُعرف اللفظ العربي من اللفظ الدخيل لكثرة ما سيدخله من اللغات الأجنبية . وأما الاتجاه الثالث فيبدوا أن آراءه هي الأصح ، وذلك أنه لو أتينا بأعرابي من الصحراء وسألناه عن كلمة ( مذياع ) أو( هاتف ) أو ( سيارة ) مثلا فأن هذا الأعرابي على الرغم من جهله لهذه الآلات المستحدثة ، يستطيع أن يرى في مادة الكلمة الأولى معنى ( الذيوع ) ، وفي مادة الكلمة الثانية معنى ( الهتاف ) وفي الثالثة معنى السير ويرى في صيغها جميعا معنى الآلة، وبذلك قد يصل الى أن المذياع آلة تذيع والهاتف آلة للهتاف والسيارة آلة للسير ، في حين يستحيل عليه أن يستدل من ألفاظ كـ (الراديو) أو (التليفون) على المسميات المقصودة بها .هذا من جهة ترجمة اللفظ الأجنبي لما يحمل معناه من اللفظ العربي ، أما إذا ضاق به الأمر ولم يستطيع ترجمة اللفظ الأجنبي عمد الى اقتراض اللفظ الأعجمي (الأجنبي) وتغييره الى ما يوافق العربية من حروف فلا إشكال حينئذٍ ، ولهذا الاقتراض اللغوي مسوغات هي : 1- إن الاقتراض سنة طبيعية بين الأمم ، وما من لغة تستطيع أن تدعى أنها خالية من الألفاظ الدخيلة .
2- إن إرغام الألفاظ العلمية القديمة على أن تتسربل بثوب الألفاظ العلمية الحديثة ، أمر لا يؤدي الى الغاية المطلوبة ، ومهما حاول بعضهم استثمار الذخيرة اللغوية القديمة ، فأنهم لن يستطيعوا أن يجدوا مقابلاً لجميع المصطلحات المستحدثة . لذلك لابد من الاقتراض اللغوي وخاصة في أسماء الأعيان ، وأعلام الأجناس ، كالأوكسجين ، والهيدروجين ، والأنزيم ، والإلكترون وما يدل على تصنيف عام من أجناس وأنواع في النبات والحيوان .
3- إن حركة العلم في تطور مستمر ،حتى أن عدد المصطلحات العلمية يبلغ الآن أكثر من مليون ونص مفردة وهذه الحركة لا تنفك تفرز مصطلحات جديدة باستمرار .
مناهج البحث في اللغة
1- المنهج الوصفي
ظهرت في أوربا بوادر المنهج الوصفي الذي أرسى أساسه العالم اللغوي دي سوسير، ويعود إليه الفضل في بيان هذا المنهج وإظهار منافعه في الدرس اللغوي ، فهو يعنى بوصف اللغة من حيث هي تنظيم قائم بنفسه ، قال دي سوسير : (( إن موضوع الدراسة اللغوية الوحيد والحقيقي هو اللغة التي ينظر إليها كواقع قائم بذاته ويبحث فيها لذاته )) . وابتعد بذلك عن النظر في اللغات من وجهة النظر التأريخية أو المقارنة ، مؤكداً وصف اللغة في مدة زمنية محددة ليصل من هذا الوصف الى القواعد أو القوانين العامة التي تحكمها أو يتوصل على الأقل الى معرفة البنية أو التركيب الهيكلي لها ، لذلك يُشـار دائما الى المنهج الوصفي في علم اللغة بأنه ( علم ساكن static ، ففيه توصف اللغة بوجه عام على الصورة التي توجد عليها في نقطة زمنية معينة ليس ضرورياً أن تكون في الزمن الحاضر .
وللمنهج الوصفي أسس عامة تتوزعها أفكار تنظيمية للمنهج وقواعد عملية في التحليل ، منها أن الوصف لأية لغة ينبغي أن يبدأ من الصورة المنطوقة الى الصورة المكتوبة ، باعتبار أن للغة وجهين : وجه الكلام وهو الذي تنصرف إليه الوصفية بأهمية خاصة ، ووجه الكتابة ؛ لذلك آثر الوصفيون تقسيم اللغة الى لغة الكلام ولغة الكتابة ، الأولى هي المادة الأساس لعملية التحليل اللغوي ، والأخرى هي الصورة أو الشكل لهذا التحليل .
ومن هذه الأسس كذلك ، العناية بالمنهج الشكلي والوظيفي للغة لمنحها الاستقلالية البحث عن مناهج العلوم الأخرى وخاصة علم النفس وعلم الاجتماع ، وتطبيقها على فروع الدراسات اللغوية . والقصد من الشكلية والوظيفية في تحليل الظاهرة اللغوية ألا يتخذ علم اللغة نقطة بداية له من أي علم آخر غير علم اللغة نفسه . ويتخذ الوصف ثلاثة طرق متكاملة في تحليل الظاهرة اللغوية وصولاً منه الى تقعيدها . وهي استقراء المادة اللغوية مشافهة ، ثم تقسيمها أقساماً وتسمية كل قسم منها ، ثم وضع المصطلحات الدالة على هذه الأقسام لنصل بعد ذلك الى وضع القواعد الكلية والجزئية التي نتجت عن الاستقراء ، فيكون البدء بالاستقراء وتسجيل الظواهر من أهم الأسس التي يعتمد عليها الوصف بخلاف المعيار الذي يبدأ بالتقعيد كما سنلاحظ ذلك في المنهج المعياري ، ومن ابرز سمات المنهج الوصفي ما يأتي :
1- الاهتمام باللغة المنطوقة ، وجعلها هدف البحث اللغوي ،وذلك لأن التغيرات تظهر على اللغة المنطوقة بشكل أدق من اللغة المكتوبة ، فيبين النطق أثر التعاملات الصوتية في المستوى الصوتي ، ووظيفة النبر في المستوى الصرفي ، ومهمة التنغيم في المستوى النحوي في حين لا يظهر هذا في الكتابة .

2- الاقتصار على الجانب الشكلي في وصف الظاهرة اللغوية ، والابتعاد عن التصور المعنوي المتخيل في عقل الإنسان أثناء الكلام .فالمنهج الوصفي يوصف بأنه (شكلي) أو(صوري) بمعنى أنه ينظر الى الصور اللفظية المختلفة التي تعرضها اللغة ثم يضعها على أسس معينة ، ثم يصف العلاقات الناشئة بين الكلمات في الجملة وصفاً موضوعياً ولا يضع لهذه اللغة تصورا غير ما يدل عليه الشكل الظاهر لهذه اللغة المدروسة .
3- التفريق بين ( منطق اللغة ) و( المنطق الارسطي ) ، فالأول مقبول ومعترف به في دراسة اللغة ، والأخير مرفوض دخيل على تلك الدراسة ، والمقصود بمنطق اللغة : التفكير المنظم في تناول مظاهرها وعناصرها وتقسيم فصائلها وأنواعها ، أما الآخر أي المنطق الارسطي فهو منطق الفلاسفة وطرقهم في دراسة العلوم والمعارف وهذا لا يصلح لدراسة اللغة لأنه دخيل عنها ويؤدي الى الجدل والاضطراب .
فالمنهج الوصفي (( منهج لغوي خالص يصف اللغة المدروسة كما هي . فيبين ما لعناصرها من خصائص ومميزات ، وما بينها من علاقات ، دون إقحام العوامل الذاتية من فروض وظنون وآراء شخصية )).
4- الاهتمام باللغات الحيـة و العـزوف عـن دراسـة اللغات القديمـة ، لأن المنهـج الوصفي يهتم
بواقع الظاهرة اللغوية لا بتاريخها .
5- الاعتماد عليها في مجال التعليم ، فقد عمدت الدراسات التعليمية الى اتباع المنهج الوصفي
في وضع الكتب التعليمية ، وهو منهج يستهدف وصف الظاهرة اللغوية دون مقارنتها ، أو
دون الوقوف على مراحل تطورها التي سبقت بل يصفها كما هي ، من حيث اطراد القواعد وشيوعها . والذي ينعم النظر في تاريخ دراسة اللغة العربية على ضوء الدراسة الوصفية التي تقدم الحديث عن أسسها وميزاتها يرى محاولة جدية لإنشاء منهج وصفي لدراسة اللغة .
ويتمثل المنهج الوصفي لدى الدراسين العرب الأوائل فيما يأتي :
1- طبيعة الدراسة كانت على وفق مقتضيات المنهج الوصفي وذلك بجمع اللغة ثم استقراء القواعد منها .

2- حددوا البيئــة التي يصـح أخـذ اللغـة عنها ، فحصروها في مناطق البادية . معتبرين أن لغة
الحواضر وأطراف الجزيرة لا تمثل اللغة العربية تمثيلاً صحيحاً لتعرضها لمؤثرات أجنبية .

3- دراستهم للغة على أنها لغة منطوقة لا لغة مكتوبة .

4- إن الصفة الغالبة على تصنيفهم كانت تقريرية ، في الغالب ، وهذا ما نشاهده إجمالا في أعمالهم المبكرة ، وبخاصة في كتاب سيبويه ، وكلمة الكسائي في ذلك مشهورة ، حين سئل في مجلس يونس ، عن قولهم : (لأضربن أيُّهم يقوم ) لم لا يقال : لأضربن أيَّهم ((أيّ هكذا خلقت )) و( هكذا خلقت )هي جوهر المنهج الوصفي .لأنه لم يخرج من الوصف إلى التعليل.
5- إن دراستهم للغة شملت مستويات اللغة كافة : الصوتية ، والصرفية ، والنحوية ، والدلالية وهذا ما يدعو إليه المنهج الوصفي الحديث .

إن المنهج اللغوي عند العرب ابتدأ وصفياً على العموم ولكنه لم يستمر على هذا النحو . بل تحول تدريجياً الى المنهج المعياري .





2- المنهج المعياري
المنهج المعياري بخلاف المنهج الوصفي قائم على فرض القاعدة أي يبدأ بالكليات وينتهي الى بالجزئيات ، ولما كان المنهج الوصفي منهجا استقرائيا يعتمد المادة اللغوية أساسا فالمنهج المعياري يعتمد القاعدة وينأى عن الوصف ويتأول لما خرج عن القواعد التي يصوغها بأحكام : شتى التأويلات .أو يحكم عليها بالشذوذ والقلة إن لم يجد لها تأويلا مناسباً .
مظاهر المنهج المعياري في الدرس اللغوي القديم :

يمكن أن نستدل ببعض المظاهر على المنهج المعياري في الدراسات اللغوية القديمة ، وهي مظاهر مرتبطة بأصول اعتمدها النحاة واللغويون في توجيه أفكارهم ، وتتلخص فيما يأتي :
1- الأخذ من بعض القبائل واللهجات وترك قبائل أخرى ولهجات أخرى ، وخاصة ما يتعلق بالمفردات والتصريف والتركيب ، وأكثر القبائل التي أخذوا عنها : قيس وتميم وأسد ، وهذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين .
2- إدخال بعض المناهج التي عرفت التقسيم والتحديد على البحث اللغوي منها منهج علوم الحديث في بعض اصطلاحاته كالضعيف والمنكر والمتروك .
3- تقسيم الكلام – من حيث الاستعمال – الى مطرد وشاذ وهما في حكم الاستعمال واحد أي إنّ كل من هما مستعمل موجود في لغة العرب وان كثر الأول وقلّ الثاني .
4- التقدير والافتراض : القصد من ذلك تقدير جمل وافتراضها على أساس توجيه الكلمات المتضمنة فيها توجيها إعرابيا تفقد بموجبه الجملة أو الجمل تكافأها الدلالي فتخرج من حيز المعقول والمفهوم ففي جملة (زيد في الدار) يقدرون لها (زيد مستقر في الدار) أو (زيد استقر في الدار) على خلاف في ذلك .وألجأهم الى هذا أن الجار والمجرور لا يصلح أن يكون خبرا وإنما متعلق بمحذوف هو الخبر ،واختلفوا في هذا المحذوف أهو أسم أم فعل .
5- تأثر علوم العربية بالعلوم الأخرى كعلم الكلام والفلسفة ، حتى أصبح كلامهم في النحو أقرب الى الفلسفة منه الى النحو نفسه ،ولبيان هذا الأمر سنتناول بالبحث العلة والعامل
أ- العلة :
إن عمل المنهج الوصفي الوحيد هو تقرير الحقائق اللغوية ،بحسب ما دل عليه الملاحظة ، من دون محاولة تفسيرها بتصورات غير لغوية أما المنهج المعياري أو النحو التقليدي ، فيهتم أساسا بمعرفة العلة . فأمام جملة ((جاء الرجل)) مثلا يتفق المنهجان في أن (جاء ) فعل ماضٍ مبني على الفتح وأن (الرجل) فاعل مرفوع بالضمة لكنهما يختلفان في الإجابة عن السؤالين :لماذا بني الفعل ؟ ولماذا رفع الفاعل ؟ فبينما تقول المدرسة الوصفية ، لا تعليل لبناء الفعل ولا لرفع الفاعل سوى نطق العرب به على النحو ،تذهب المدرسة المعيارية الى تعليل البناء في الفعل و الرفع في الفاعل ، فتقول : إن الأسماء أقوى الكلمات وأرفعها قوة ومرتبة ، لذلك أعربت ، أما الأفعال فأحداث تصدر عن الذوات ،فهي تأتي بمرتبة ثانية من القوة لذلك بنيت ، وعن علة رفع الفاعل تقول : إن الفاعل رفع كي يخالف المفعول به ، أي للتفرقة بينه وبين المفعول به ، وكذلك يعلل اختيار الرفع للفاعل والنصب للمفعول بأن الفاعل في الكلام أقل من المفعول به ، وبأن الضمة حركه ثقيلة ،لذلك أعطوا الحركة الثقيلة (الضمة) للفاعل ،والحركة الخفيفة (الفتحة) للمفعول به ، لأن أكثر دورانا على اللسان ، فتكون النتيجة شيوع الفتح في الكلام لا الضم ، وهذا أسهل :







ب - العامل :
إن قضية العامل النحوي خير مثال على إقحام الفلسفة والمنطق في دراسة اللغة ،فمن المعروف أن اللغة العربية معربة ، وأن أواخر معظم الكلمات فيها تتغير تبعا لموقعها في التركيب أي لوظيفتها النحوية . وللباحث أمام ظاهرة الإعراب موقفان : موقف الواصف المقرر ، وموقف المتفلسف الذي يحاول أن يجد العلل والأسباب لهذه الظاهرة وقد اتخذ علماء العربية الموقف الثاني فقالوا إن سبب الأعراب عامل يسبب الرفع أو النصب أو الجزم أو الجر ، والعوامل عندهم لفظية ومعنوية . وتقدير العامل كان سببا من أسباب الخلاف بين النحاة ، إذ إنهم لم يختلفوا في أن المبتدأ والخبر مرفوعان مثلا ، بل اختلفوا في عامل الرفع الذي رفعها . وأصبحت فكرة العمل النحوي المحور الذي دار عليه النحو العربي كله .
3- المنهج المقارن .
موضوع علم اللغة المقارن دراسة الظواهر الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية ( المعجمية ) في اللغات المنتمية الى أسرة لغوية واحدة ، أو فرع من فروع الأسرة اللغوية الواحدة . وهنا يقوم المنهج المقارن في علم اللغة على أساس تصنيف اللغات الى أسر . وقد تمكن العلماء في بحث (فصائل اللغات) من تقسيم اللغات الى أسر وفصائل بمقارنة هذه اللغات واكتشاف أوجه الشبه بينها من الجوانب الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية ، ووجود جوانب لشبه أساسية بين عدد من اللغات معناه أنها إنحدرت من أصل واحد مشترك أي من اللغة الأولى التي تفرعت منها هذه اللغات على مر التاريخ . ووجد العلماء ظواهر مشتركة على مدى القرون بين إيران والهند وأوربا فعدوا هذه اللغات أسرة لغوية واحدة خرجت جميعها عن لغة قديمة منقرضة أطلق عليها العلماء اسم اللغة ( الهندية الأوربية الأولى) . ووجد العلماء اللغة العربية والعبرية والفينيقية و الأكدية والحبشية تحمل بعض الخصائص الأساسية المشتركة فاستنتج العلماء أنها لغات تؤلف أسرة لغوية واحدة وأنها انحدرت من أصل واحد أطلقوا عليها (اللغة السامية الأولى ) فمقارنة اللغات المختلفة المنتمية الى أسرة لغوية واحدة هو موضوع البحث في علم اللغة المقارن .
فعلم (اللغات السامية المقارن) يقارن بين اللغات الأكدية والأجريتية والعبرية والفينيقية والآرامية والعربية الجنوبية والعربية الشمالية والحبشية ، لأن هذه اللغات تكون أسرة لغوية واحدة .وعلم (اللغات الهندية والأوربية المقارن) يبحث اللغات المختلفة التي تدخل في إطار هذه الأسرة اللغات الهندية الأوربية عدد من الفروع اللغوية أهمها ( الفرع الجرماني والفرع الروماني والفرع السلافي والفرع الإيراني والفرع الهندي ) ويقع ضمن كل فرع من هذه الفروع مجموعة من اللغات كذلك صار لكل فرع منها علم مقارن مثل (علم اللغات الجرمانية) المقارن ويشمل (الألمانية والإنكليزية والدنماركية ) ، فالأسرة اللغوية أو الفرع من الأسرة هو موضوع علم اللغة المقارن . علما أن المقارنة يقصد الدراسة من جميع الوجوه أي دراسة وجوه الشبه ووجوه الاختلاف .

4 - المنهج التاريخي :
يعنى هذا المنهج بدراسة تطور اللغة الوحدة عبر القرون ، فدراسة تاريخ اللغة من جوانبها الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية يدخل في مجال علم اللغة التاريخي ، ومعنى هذا أن دراسة تطور النظام الصوتي للعربية الفصحى هي دراسة صوتية تاريخية ، وتطور الأبنية الصرفية ووسائل تكوين المفردات في العربية على مدى القرون مما يدخل في الدراسة الصرفية التاريخية ،وتطور الجملة الشرطية أو جملة الاستفهام في العربية الفصحى مما يدخل في الدراسات الصوتية النحوية التاريخية ، والمعاجم التاريخية التي يسجل كل منها تاريخ حياة كل كلمة من كلمات اللغة من أقدم نص جاءت فيه متتبعا تطور دلالتها على مر التاريخ يعد أيضا من علم اللغة التاريخية .فالتاريخ الصوتي والصرفي والنحوي والمعجمي لأي لغة من اللغات يدخل في مجال البحث اللغوي التاريخي .ولا يتناول تاريخ اللغات تطورها البنيوي والمعجمي فحسب بل يبحث أيضا تطورها وحياتها في المجتمع ،فقضية انتشار لغة من اللغات والظروف التي مهدت له ،وأثر ذلك في بنية اللغة تعد من الموضوعات التي يدرسها علم اللغة التاريخي .

ومن تاريخ العربية قضايا وظواهر غير ما تقدم تصلح للبحث اللغوي التاريخي فما أدخله اللغويون في باب الشاذ من كلام ،يعد من بقايا مرحلة تاريخية مبكرة في حياة العربية ، فاقتران صيغة المضارع بالألف واللام : كقول الشاعر :
ما أنت بالحكم الترضى حكومته
وصيغة (يفعول) مثل (يربوع ويعسوب ) فهذه وأمثالها مرحلة من مراحل التطور الصرفي لصيغة المضارع في العربية بقيت عالقة بالمرحلة الجديدة بعد أن استقر المضارع في العربية على صيغة (يفعل) من غير ألف ولام . ومنه أيضا الفعل (ودع) الذي أهمل اسم الفاعل منه (وادع ) ومصدره (ودع) ، وبقي المضارع والأمر منه فقط (يدع) و(دع) . قال بعض النحاة : ((من الشاذ في القياس والاستعمال قولهم (اليجدع) ، وإدخال لام التعريف فيه على الفعل وقالوا : (( وكما رفضوا مثال الماضي من (يدع ) فكذلك رفض المصدر واسم الفاعل فإن بعض البغداديين أنشد : حزني على ترك الذي أنا وادع .... وهذا في القلة كما تقدم )) ومن الدراسة التاريخية في اللغة ما يسمى بالأغلاط اللغوية فهذه الأغلاط تبين مدى تطور اللغة أو تغيرها بأي اتجاه ، وهذا التطور يكشف عن مرحلة تاريخية من اللغة .

5 - المنهج التحويلي :
في أواخر القرن التاسع عشر ظهر لغويون عارضوا المنهج التاريخي المقارن ، ورفضوا أسلوب مقارنة اللغات الحية بلغة ميتة ، وكان العالم السويسري (دي سويسر) (ت 1913م) من أوائل اللغويين المعاصرين الذين عارضوا منهج البحث التاريخي المقارن ، وذهب الى أنه لا يصلح لدراسة اللغات الحية ، ثم قرر أن اللغة ينبغي أن تضيق دائرة درسها فتدرس في مرحلة خاصة وفي بيئة مكانية و زمانية محددة ، وأطلق على منهجه هذا (المنهج الوصفي) وهكذا رفض (سوسير) المنهج التاريخي ، وأقام على أنقاضه منهجا جديدا هو المنهج الوصفي لأنه - بحسب - رأيه - الطريق الوحيد لبحث اللغة على أساس علمي . ثم سار هذا المنهج ونال احترام اللغويين الذين جاءوا بعد (سوسير ) في أوربا وأمريكا ، وعلى الرغم من أن أصحاب المنهج الوصفي سعوا الى استقلالية علم اللغة إلا أنهم لم يحجموا من الاستفادة من نتائج العلوم الأخرى كعلم الاجتماع ، وعلم النفس وعلم الطب ، وكان (سوسير) نفسه متأثراً بعلم الاجتماع ، وكان ظهور المنهج الوصفي في دراسة اللغة عامة و دراسة النحو خاصة بعد ثورة في علم اللغة ، لقد شاع هذا المنهج وكتب له السيادة لا في أوربا أمريكيا فحسب بل في الوطن العربي أيضا ، فقد تأثر عدد من النحاة به وعدّوه المنهج الصحيح في دراسة العربية ، وانتقدوا النحو التقليدي لاعتماده على المنطق والفلسفة وتجاوزه ظواهر التراكيب اللغوي الى ما وراءه من ألفاظ مفترضة لا ينطقها المتكلم فعلا ولا تبرز على سطح اللغة كما يقولون . ثم جاء عام 1957م فحدثت ثورة جديدة في ميدان دراسة اللغة ، وبرز اتجاه آخر يدعو الى تغيير اتجاه علم اللغة من المنهج الوصفي الى منهج جديد هو ما يعرف اليوم بـ (المنهج التحويلي ) وكان صاحب هذا الاتجاه هو اللغوي الأمريكي المعروف (جومسكي) المولود في أمريكيا عام (1918م ) . لقد رأى هذا العالم أن المنهج الوصفي يركز على السطح اللغوي فكأن الحدث اللغوي أمر آلياً لا يرتبط بما في نفس الإنسان من عوالم عقلية وشعورية تؤثر في الحدث اللغوي وتشكله بهذا الشكل أو ذاك . إن اللغة – كما يرى جو مسكي – أهم الجوانب الحيوية في نشاط الإنسان ، ولهذا ليس من المعقول أن تكون لها هذه الأهمية ثم تتحول الى تراكيب شكلية مجردة يسعى الوصفيون الى تجريدها عن العقل ، ومعنى هذا أن هذا اللغوي كان يقيم نظريته على أساس عقلي ويحاول أن يفسر ظواهر اللغة تفسيرا عقليا يناسب أهميتها ويكشف عما وراءها من دوافع عقلية وعلى هذا الأساس قسم جومسكي الكلام الإنساني على جانبين :
الأول : ما ينطقه الإنسان فعلا وقد سماه ( البنية السطحية للكلام)
الثاني: هو ما يجري في أعماق الإنسان ساعة التكلم فيدفعه الى تفضيل هذه الصيغة أو هذا التركيب ، وسماه (البنية العميقة للكلام) . وهي أساس الكلام في عقل الإنسان الذي قد يخرج على صيغة أخرى بسبب الحذف والاختصار والإيجاز ، أو الأساس الذي يظهر عند التكلم بمظاهر متعددة . ومعنى ذلك أن اللغة التي ننطقها فعلا إنما تكمن تحتها عمليات عقلية عميقة ، ودراسة بنية السطح تقدم التفسير الصوتي للغة ، أما دراسة بنية العمق فتقدم التفسير الدلالي لها . من أجل ذلك رفض جومسكي المنهج الوصفي لقصوره وعجزه عن الإيغال فيما وراء الأشكال اللغوية الظاهرة المنطوقة أو المكتوبة . وقد طبق المنهج التحويلي على دراسة النحو فظهر ما يسمى (النحو التحويلي وهو كما تقدم يهتم بالبنية العميقة للكلام ويحاول أن يربط بينهما وبين ما تحولت إليه من بنية سطحية . وتسميته بالنحو التحويلي نابعة من أنه يفترض لكل بنية لغوية ظاهرة ، بنية أخرى عميقة كامنة في ذهن المتكلم ثم يحاول الكشف عن كيفية تحول البنية العميقة الثانية الى البنية الأولى السطحية أو الظاهرة الملفوظة . ولابد لمن يتبع هذا المنهج في دراسة النحو من أن يعتمد على الحدس أو التصور أو الفروض العقلية ، فلا بد من الإشارة الى أن ( جومسكي ) الذي ينسب إليه هذا المنهج ويعد أول من وضع أسسه وأظهر أهميته قد درس العبرية القديمة وربما درس أصول النحو العربي عن طريق المترجمات العبرية في الأندلس وهي مترجمات نقلت قواعد النحو العربي وطبقته على العبرية . ومن هنا يمكن أن نفترض تأثر (جومسكي ) والمدرسة التحويلية بالدراسة اللغوية القديمة ،وأما على صعيد الدراسة الغربية و(جومسكي ) أيضا لم يكن أول من فطن الى هذا المنهج ، وإن كان هو أول من أعطاه هذا المصطلح فقد أشار إليه لغويون غربيون بعبارات متفاوتة بين التلميح والتصريح ، لعل من أفضلها عبارة أحدهم حين قال : اللغة كجبل الجليد العائم ، وما هو مكشوف منه للملاحظة المباشرة أقل بكثير مما يختفي منه تحت الماء )).

سمات المنهج التحويلي في النحو العربي القديم

الذي يهمنا من المنهج التحويلي في النحو السمات الأساسية لهذا المنهج قد تمثلت في تراثها النحوي وغلبت على تفكير النحاة العرب الذين سبقوا جومسكي بمئات السنين ، فمن الجوانب الأساسية في المنهج التحويلي التي نراها بارزه واضحة في تفكير النجاة العرب ما يأتي :
1- البحث عما يسمى ب (الأصل والفرع ) للظاهرة اللغوية : لقد شغل النحاة العرب أنفسهم بالبحث عن هذه الفكرة في ظاهر اللغة ، فالمذكر أصل والمؤنث فرع ، والفعل (قال) أصله (قول) و (اصطبر) أصله (اصتبر) و(شاكي السلاح) أصله (شائك) ثم حدث قلب مكاني في (شائك) تحولت فيه الهمزة الى آخر الكلمة فأصبحت (شاكى) ثم أبدلت (ياء) فأصبحت (شاكي) ، وهكذا كان النحاة العرب يبحثون عن الأصل ويتابعون تحوله وتولد الفرع منه. 2- ومن السمات التحويلية في منهج العرب ما أولعوا به من تعليل فقد كانوا لا يقتنعون بالوقوف عند البنية السطحية للغة ، وإنما يبحثون عما وراءها من علل وأسباب ، فالمضاف إليه لم يكن مجرورا إلا لأن الإضافة عندهم على نوعين ،فتكون بمعنى (اللام) وبمعنى (من) ثم حذف حرف الجر ،وقام المضاف مقامه فعمل الجر في المضاف إليه كما يعمل حرف الجر، فتعبير(كتاب زيد) و(ثوب خز) يرى النحاة العرب فيه أن الجر في الأولى على تقدير حرف الجر (اللام) ، أصل الكلام (كتاب لزيد) ثم حذف جر، وأقيم المضاف إليه مقامه وأصل العبارة الثانية ( ثوبٌ من خز ) ثم حذف حرف الجر وأقيم المضاف إليه مقامه ، وواضح أن النحاة الوصفيون يقفون عند ظاهرة الجر في المضاف إليه ، ويكشفون بتسجيلها ووصفها من غير أن يبحثوا عن السبب الذي يقف وراءها ، إذ لا دليل عندهم عليه بل هو مجرد افتراض وتخيل .
3- التقدير والتأويل من ابرز ملامح المنهج التحويلي في تفكير النحاة العرب . فلم يكن أولئك النحاة يقفون عند التركيب الملفوظ أو المكتوب ، وإنما كانوا يبحثون عما وراءه من كلمات زعموها قائمة في ذهن المتكلم ولكنه لم يلفظها أو لم تبرز على سطح اللغة ، فالمستثنى في مثل قولنا : (قام الرجال إلا خالداً) ليس منصوبا عند بعضهم بـ (إلا) وإنما هو منصوب بفعل كامن في ذهن المتكلم تقديره (استثني) أو منصوب بـ (أن) مضمرة فكان أصل التعبير أو بنيته العميقة قام الرجال استثني خالدا لم يقم .
يتضح مما سبق أن العرب كانوا آخذين بأكثر ملامح المنهج التحويلي فهم يؤمنون بأن لكل بنية لغوية ظاهرة ،بنية ثانية عميقة كامنة في ذهن المتكلم كما يؤمنون بأن وظيفة النحو هي التوفيق بين هاتين البنيتين والكشف عن كيفية تحول أحداهما الى الأخرى .

6- المنهج الجغرافي :
إن لعلم اللغة صلة وثيقة بعلوم أخرى كعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم التشريح وعلم وظائف الأعضاء وعلم الطبيعة. وهذه العلوم الثلاثة الأخيرة تعين عالم اللغة على دراسة الأصوات اللغوية بأنواعها المختلفة ، ونتحدث هنا عن صلة علم اللغة بعلم آخر هو علم الجغرافية . لقد اقتبس علم اللغة منذ أكثر من نصف قرن طرائق علم الجغرافية ليضع حدودا لغوية للهجات المختلفة في خرائط تبين معالم كل لهجة وما تختلف به عن لهجة أخرى . ولا تختلف هذه الخرائط عن خرائط الجغرافية إلا أن ما يدون عليها هو ظواهر لغوية ، وتطلعنا هذه الخرائط على الاختلافات الصوتية بين المناطق المختلفة ، فقوم يجهرون أصواتاً ، وقوم يهمسونها ، وطائفة تنطق (الفتحة) صريحة وأخرى تنطقها ممالة .
ومن اشهر الأعمال في مجال المنهج الجغرافي اللغوي هو (الأطلس) الذي عمله المستشرق المشهور (برجستراسر) (ت1932م) فقد عمل (أطلساً) لغويا لبلاد سوريا وفلسطين سنة (1914م)
وقد ضم هذا الأطلس معلومات مفيدة ، ففي الناحية الصوتية لاحظ أن (الكاف) يختلف نطقها بين البدو والحضر ، وفي مجال الصيغ لاحظ أن الضمير (نحن) ينطق به على هذا النحو عند الحضريين في الشمال وعدد قليل من البدو ، وينطق (احنا) بين الحضريين في الجنوب والبدو في الغرب .
وفي مجال المفردات يذكر أن البدو يستخدمون في معنى (الآن) كلمة (هسّع) او (هسّاع) وكذلك الحضريون في شرق الأردن . أما سائر الحضريين فأنهم يستعملون (هلّا) وكذلك (أسّا) وذكر أيضا أن الحضر يقولون (في عرضك) أما البدو فيقولون (دخليك ) . هذه الأمثلة مما ورد في الأطلس اللغوي . ومن الدراسات في مجال علم اللغة التاريخي دراسة الدكتور إبراهيم السامرائي الموسومة بـ (التوزيع اللغوي الجغرافي في العراق) وفيه بيان للهجات العراقية موزعة على مناطقها من العراق . ويلاحظ على المنهج اللغوي الجغرافي أنه منهج وصفي أي يعني بالواقع ويسجله ، ولا يهتم بالأسباب والدواعي التي تعود إليه أو بمعنى آخر لا يعنى بأصول الظاهرة اللغوية .














المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم