مفهوم التطور الدلالي الأصل أنْ يُوضَع لكلِّ كلمة معنى حقيقي ولكن كلمات اللغة أقل من تجارب المجتمع ، فلو اكتفينا بالمعاني الحقيقية للألفاظ لضاقت اللغة عن استيعاب المعاني ، ولَما أمكن للإنسان أنْ يعبّر عن كل أفكاره وتجاربه ومن ثم تضيع تلك المعاني وتنسى ؛ لأن الكلمة عقال المعنى والمعنى الشارد بلا عقال لابد من أن يختفي ويضيع . وقد سلكت اللغة سبيلين لثرائها ، السبيل الأول : أنْ تولّد مفردات جديدة بالاشتقاق والنحت والاقتراض . والسبيل الثاني : أن تعمد إلى المفردات القديمة ذات الدلالة المعينة فتنحرف بدلالتها إلى دلالة أخرى تجتمع معها بعلاقة ما ، وذلك بالمجاز وهذا ما يعرف بالتطور الدلالي . ويعدّ التطور الدلالي فرع من فروع علم اللغة التاريخي الذي يدرس المعنى وما يتصل به وقد حاول علماء اللغة منذ أوائل القرن التاسع عشر تقنين هذا التطور بقواعد معينة فعرضوا لأسبابه ومظاهره وخصائصه ، وسأعرض لمعنى التطور الدلالي وما بينه وبين التطور اللغوي من علاقة خصوص وعموم . بين التطور اللغوي والتطور الدلالي تتوزع اللغة مجموعة من الأنظمة تبدأ بالنظام الصوتي فالصرفي ثم النحوي ثم الدلالي وهذه الأنظمة كلها عرضة للتطور والتغيير وإن اختلفت في سرعة قبول التطور وكيفيته ، وقد اختص مصطلح (التطور اللغوي) بالتطور الذي يصيب أنظمة اللغة كلها صوتاً وصرفًا ونحواً ومفردات . أما (التطور الدلالي) فإنه يختص بالتطور الذي يصيب دلالة اللفظة المفردة ( ) ، ولعل بعضهم شعر بأنّ هذا المصطلح غير دقيق ؛ لأنّ من التغيرات التي تصيب النظام الصوتي أو الصرفي أو النحوي قد يؤدي إلى تغيّر في الدلالة ، فهذا يعني أن التطور الصرفي نجم عنه تطور في الدلالة فآثر مصطلحاً أكثر تحديداً (دلالة الألفاظ ) ( ) . وآثر بعض اللغويين أن يستعمل مصطلح التغيير بدلاً من مصطلح التطور( ) ؛ وذلك لما تحمله مفردة التطور من معنى إيجابي بخلاف مفردة التغيير ، وقد أشار الدكتور رمضان عبد التواب إلى ذلك فقال: " إنّ استخدام اللغويين المحدثين لكلمة (التطور) لا يعني تقييم هذا التطور والحكم عليه بالحسن أو القبح ، فإنه لا يعني عندهم أكثر من مرادف لكلمة ( التغيير) " ( ) . ويبدو أن لفظة (تطور) هي نفسها قد أصابها تطور في دلالتها فبعد أن كانت تعني التغيّر نحو الأفضل أصبحت تدل على التغيير مجرداً من الدلالة على الحسن أو القبح وهذا تعميم في الدلالة . لعل بعضهم آثر لفظ التغيير ؛ لأن لفظ (التطور) مصدر للفعل (تطوّر) وقد رجعت إلى معجمات اللغة فلم أعثر على الفعل (طوّر) في مادة (طور) ، فيبدو أنّ هذا الفعل أُخذ من الاسم (الطور) الذي يعني التارة ، وعدا طوره : أي جاوز حده ، وقال تعالى : ( وخلقكم أطواراً )( )
أي: طوراً علقة ، وطوراً مضغة ، والناس : أطوار : أي أخياف على حالات شتى( ). واشتقاق صيغ جيدة غير مستعملة من أسماء معروفة غير غريب في اللغة العربية ، ونظير ذلك الفعل (صوّب) فهو مأخوذ من الاسم (الصوب) فهذا تطور باشتقاق صيغة فعلية من اسم لم يعهد أن يكون من مادته فعل ، وكذلك الفعل (تمحور) هذا الفعل الذي شاع استعماله حديثاً مأخوذ من الاسم (المحور) . والذي أميل إليه استعمال مصطلح (التطور الدلالي) للدلالة على التغيّرات التي تصيب دلالة الألفاظ فهو يدل على معناه بعد أن استقر في الأذهان وشاع استعماله ، ولا يؤاخذ مستعمله بكونه يحمل شحنة إيجابية أو أنه لفظ مولد فهذا تطور يفرض سطوته على اللغات جميعاً .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم
|