الخطابة العربية بين الجاهلية والاسلام
لقد كانت العرب في الجاهلية "تحيا حياة بدوية صحراوية تمتاز بالفقر والخشونة والضرب في جوانب هذه الفيافي وبالعصبية القبلية، والحروب المطّردة، والبداءة الثقافية، فكان الأدب أو الشعر الجاهلي خشن الألفاظ، بدوي الخيال، يتخذ عناصره من الجبال والوعول والدواب والرمال، أوّلي العواطف، سطحي الأفكار" متجانساً مع طبيعة الحياة العربية التي لا تـتناسب مع طبيعة النـثر الذي يعتمد على العقل اكثر منه على العاطفة، ولذا لم تبرز من ألوان الخطابة الجاهلية إلا ما اتصل بحياتهم القبلية من مناظرات ومفاخرات، وحض على قـتال، أو إصلاح ذات البين، وما كان مرتبطاً بالديانة الوثنية من سجع الكهان . ولم يتعدّ ما وصل إلينا من الخطب كونها فقرات قصيرة، وعبارات موجزة، وجملاً منفصلة يغلب عليها التكرار، حتى غدت أمثالاً سائرة ، وخواطر متقطعة يغلب عليها التعميم والإطلاق، تعبر عن طبيعة حياة العرب البسيطة الساذجة البعيدة عن التعقيد "لضآلة نصيب الجاهليـين من الثقافة الفكرية"، لذا لم يكن لخطبهم سنناً واضحة أو تقسيمات محددة، إذ كان الخطيب يـباشر كلامه دون تقديم مسبق، وينهيه دون ختام، إذ لم تكن له تـقاليد ثابتة يسير عليها، ولكن بما لا يخلو من الصنعة التي تـتجاوز أسلوب الخطبة إلى طريقة إلقاء الخطيب وعاداته في الأداء بعيداً عن البداهة والارتجال، وهذه بعض المزايا التي أمكن التوصل إليها بالحكم على الخطب القليلة التي وصلت إلى عهد التدوين وساد الشك في صحة أكثرها، ولا سيما مع ما أضفي على العرب من موهبة سحرية كانت الرغبة في الرد على الشعوبية دافعاً وسبباً مباشراً لإضفائه عليه. أما في العصر الاسلامي فقد كان بزوغ شمس الاسلام ببعثة النبي الاكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوته للدين الحنيف إيذاناً ببدء عهد جديد في الخطابة، فقد احدث الإسلام انقلاباً جذرياً في الحياة و"نهضة ادبية وجهها القرآن الكريم ،وقومتها احاديث الرسول، وكتبه، وخطبه " مما أدى إلى تغير في مناحي الفكر والقول. لقد كان لنـزول القرآن الكريم المعجز للعرب بفصاحـته وبلاغته ، وما أحدثه الوحي من نقلة كبيرة في الحياة من المحسوس إلى المجرد وتأثرهم بأسلوبه البليغ المتماسك المحكم وميلهم للاحـتذاء به في عصر سمّي عصر القرآن، اكبر الأثر في الأدب عامة وفي الخطابة بشكل خاص، فقد أذكى الإسلام الخطابة لما استدعى في بث الدعوة ونشرها فقد كانت ثورة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ثورة فكرية عقلية قبل ان تكون ثورة سياسية، وقد كانت الخطابة الوسيلة الرئيسة المعبرة عنها. لقد أزاح الإسلام ما كان قائماً بين العرب من تنافر وتفاخر بالاحساب والأنساب وغزو وثأر، وقضى على أضغانهم وأحقادهم -بعد جعله الولاء للدولة محل الولاء للقبيلة التي كانت سائدة عندهم- بمعان سامية من (حرية وعدالة ومساواة000 الخ) باعثها الأول الإيمان بالله تعالى وحده لا شريك له، وغايتها الأساس الارتقاء بالإنسان العربي والسمو به لما فيه صلاحه وإصلاحه في الدنيا والآخرة. فكان ذلك مدعاة لحرب خطابية اثر النـزاع القائم بين قديم ألفه العرب وجديد خارج عنه، ولاسيما بعد اتخاذ الخطابة أداة لنشر الدعوة الإسلامية، وذلك بالوعظ بتعاليمها تارة، وتشريع أحكامها تارة أخرى، والجمع بين الاثنين تارة ثالثة لتنظيم المجتمع الإسلامي، مع تقريع وتأنيب العاصين، وجعل الخطابة ميزاناً لانـتقاء رسله إلى الملوك والأمراء لنشر الدعوة فكان لذلك اثر في تطور الخطابة، وتأيـيد معانيها ببـيانهم وفصاحتهم. وقد حدّ الدين الإسلامي ألوان الخطب الجاهلية من سجع الكهان المرتبط بالوثنية، وخطب المنافرات والمفاخرات، وإن كانت الخطب التي شهدتها السقيفة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم تخل من مفاخرات جاهلية مختلطة بمعانٍ إسلامية. وقد ازدادت أهمية الخطابة بعد هجرة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حيث جعل الخطابة فرضاً مكتوباً في صلاة الجمع والاعياد ومواسم الحج مشدداً على أهميتها في جمع المسلمين وتوحيد صفهم .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم
|