المذهب الوجوديّ Existentialisme الفلسفة الوجودية الوجودية فلسفة نظرية ومزاج وطرازٌ سلوكيّ. كانت قد نشأت على يد الفيلسوف الدانمركيكيركيجارد (-1855) الذي نحا فيها منحىً مسيحياً، ويمكن القول إن لها جذوراً أبعد لدى بعض الروائيين مثل فلوبيرودستويفسكي والشاعر الألماني الرومانسي هولدرلين (-1843) الذي برزت في أشعاره مسألة الصراع مع الأقدار والقطيعة بين السماء والبشر. ولكن الوجودية تبلورت كمذهبٍ في أثناء الحرب العالمية الثانية وتجلّت لها تأثيرات واسعة في الأدب الفرنسيّ وكثير من الأدباء الأوربيين. تقوم الوجودية على البحث في مسألة الوجود الإنسانيّ Existence وعلاقته بالوجود الخارجي (الكون والمجتمع) وموقفه من هذا الوجود؛ وتتلخص مبادئها في النقاط الآتية: 1-الانطلاق من الذات التي هي مركز المبادرة ومقر الوجدان والشعور . 2- الإنسان موجود متكامل أي بعقله ومشاعره، وجسده وروحه. 3- المعارف والخبرات نسبية دوماً، ولا توجد حدود حاسمة نهائية لها؛ بل تبقى فيها ثغرات وفجوات. وليس هناك حقيقة مطلقة... 4- تشتبك الذات الفردية بالعالم الخارجي اشتباك تفاعل. وكل من هذين الطرفين شرط لوجود الطرف الآخر؛ وهذا هو الواقع. 5- للواقع المعيش، أي الراهن، أهمية مركزية، اليوميّ هو الهامّ ولا عبرة للماضي لأنه غير موجود. أما المستقبل فيجب أن نوجده نحن وشعار الوجوديّ هو: (أنا الآن وهنا) والفرد متواصل مع العالم الخارجي من خلال وجوده وحواسّه ومشاعره وجسده. 6- الحريّة هي الوجود الإنسانيّ، ولا إنسانية من دونها. وهذه الحرية تعمل ضمن المعايير الفرديّة لاضمن المعايير الأخلاقية والسياسية والدينية السائدة. 7-يتخذ الفرد قراره وموقفه. وهذا الموقف ذو قيمة مستقبلية لأنه اتجاه في عملية تجديد المستقبل حين تتلاقى القناعات والمواقف في نقطة واحدة. 8-ترفض الوجودية بدئياً كلّ الأشكال الجاهزة والموروثة والسائدة؛ لأنها قيود وأثقال تمنع الحرية الفردية. ولذا فهي تنبذ الدين، أما الماركسية فلم تنسجم معها انسجاماً كاملاً، وإن كانت تلتقي معها في جوانب الواقعية. لقد أخضعتها كغيرها للنقد واحتفظت بحق الفرد في المخالفة والانتقاء وحرصت على ألاّ تذوب حريته في إطار الجماعة. 9- هنالك وجوديات عديدة، بعدد منظرّيها، ولكنها تتفق جميعاً في التركيز على الموضوعات الآتية: الحرية؛ الموقف الإرادي، المسؤولية، الفرد، الإثم؛ الاغتراب؛ الضياع؛ التمزّق؛ اليأس؛ القرف؛ السأم؛ الاستلاب؛ الخيبة؛ الرفض؛ القلق، الموت... وكل مايمتُّ بصلةٍ إلى مأساة الإنسان الوجوديّة.
الأدب الوجودي امتزجت الفلسفة الوجودية بالأدب؛ ولاسيّما في مجالَيْ الرواية والمسرحيّة، لأنها وجدت فيهما خير وسيلة لتحليل الواقع الإنساني والكشف عما يحدق به من الضغوط والتحديات، وتحصينه بحريته الكاملة وإرادته لاتخاذ قراراته ومواقفه والنضال لإثبات وجوده واختيار مصيره. ولقد كان معظم فلاسفة الوجودية أدباء عرضوا أفكارهم ونظرياتهم من خلال إبداعاتهم الأدبية عرضاً هو أفضل مما تتيحه النظريات والبحوث الجافة. كما أن كثيراً من الأدباء انتهجوا النهج الوجوديّ في رسم رؤاهم وشخصياتهم وتحليلاتهم، حتى تبلور في النصف الثاني من القرن العشرين مايدعى بالأدب الوجودي، وكان من أبرز أدبائه جان بول سارتر الذي خلّف عدداً كبيراً من القصص والروايات والمسرحيات مثل: الأيدي القذرة، والبغيّ الفاضلة، وموتى بلاقبور، والدوامة، والذباب وروايتي الحزن العميق ودروب الحرية، وعددٍ من القصص. وكان منهم البيروكامو الذي كان يدعى فيلسوف العبث ومن أهم مسرحياته سوء تفاهم، والعادلون، والحصار. ومن رواياته الطاعون والموت السعيد. ومن قصصه المنفى والملكوت ومجموعة أخرى من القصص. ومنهم غابرييل مارسيل الذي برزت وجوديته الأدبية في مسرحية (رجل اللّه). ومنهم سيمون دي بوفوار زوجة سارتر، ويعدّ من أصحاب النزعة الوجودية أمثال الشاعر ت.سإيليوت (في النصف الأول من القرن العشرين) وصموئيل بيكيث وجيمس جويس على اختلاف بين هؤلاء واحتفاظ كلٍ منهم بطابعه الخاص. وتمثل المقالة التي كتبها جان بول سارتر عام 1945 بُعَيْد تحرّر فرنسا، كشفا مهما وواضحا للخطوط العامة للأدب الوجودي اذ جعلها مقدمة لمجلّته (الأزمنة الحديثة)، ومن ثمَّ أصبحت دستوراً للأدب الوجودي وتتلخص فيما يلي: 1- لكلّ كاتب موقف في عصره ومسؤولية تجاه مجتمعه والإنسانية بصورة عامة، ولكلّ كلمةٍ صداها، حتى إنَّ الصمت موقف له دلالته. والأديب قادرٌ على التأثير في زمانه من خلال وجوده ومواقفه. وإن مستقبل العصر هو الذي يجب أن يكون محور عناية الأدباء. والمستقبل إنما يتكون من أعمال الإنسان الجارية ومشاريعه وهمومه وآماله ومواقفه ه... والأديب يكتب عن عصره ومعاصريه، ويتحدث عن نفسه وعنهم في آن واحد وعلى حدٍ سواء فكلهم متساوون وأحرار، ولا يقتصر على طبقة معينة أو ينساق في تيار الدكتاتورية، ولكن موقفه سيقوده حتماً للوقوف في صف طبقته التي يشاركها المعاناة. 2- الوجودية فلسفة الفرد والذات ضمن موقع خارجي، والكاتب يطمح إلى تغيير المستقبل عن طريق خلق مواقف مشابهة لموقفه، وتتراكم هذه المواقف وتتآزر لتحدث التغيير المنشود. وهكذا يتجلى التضافر بين الذات والمجتمع، وتصبح الآداب تعبيراً عن ذاتية ومجتمع في حالة ثورة دائمة. 3- لامهادنة ولا إخاء مع القوى المحافظة التي تتمسَّك بالتوازن ولأجل ذلك تضغط على الحريّة وتمارس القمع والظلم. ولابد لكل كاتب، ولكلّ إنسان، من النضال. ويظل موقف الأديب الوجودي إلى جانب المضطهدين والمسلوبي الحركة، فيعمل لتحريرهم أولاً ثم يضعهم أمام ذواتهم وإراداتهم، ليحددوا مواقفهم ويتخذوا قراراتهم. والفرد الحرّ عليه أن يختار، بل هو ملتزم أن يختار موقفه الذي يقرر مصيره ومصير البشر.. 4- كما لايوجد انفصال بين الفرد والمجتمع، لايوجد انفصال بين الروح والجسد، ولايعرف الوجوديُّ سوى واقعٍ واحد لايتجزّأ هو "الواقع الإنسانيّ" والجماعة لاتلغي الفردية بل عليها أن تحترم تفتحها الذاتي مادامت لا تُصادر حرية الآخرين. 5- تختلف منازع الأدباء الوجوديين، فبينما نجد كير كيغارد متحمّساً للمسيحية، نرى كامو غارقاً في مأساة الوجود الإنساني وعبثية الأقدار والحياة وأجواء الكآبة والقرف واليأس. أما سارتر فقد نشر فلسفة الحرية والالتزام والمسؤولية والكفاح لأجل الجماعة والإنسانية متأثراً بمعاناة فرنسا من الاحتلال النازيّ، وإداركه أن المصير متعلقٌ بالحرية، ولا مناص من المقاومة بكل الوسائل. وقد سادَ هذا الاتجاه ولقي قبولاً في كل أنحاء العالم الباحث عن الحرية المناصر لقضايا الشعوب المستضعفة؛ فلا غرابة أن يعدّ سارتر المعلم الأول للنزعة الوجودية المناضلة. وقد استمر هذا التيار إلى أواخر القرن العشرين واعتنقه كثير من الشبان المثقفين والثوريين. 6- النثر عند الوجوديين أداة كشف وتغيير، ويؤثر في الجماهير عن طريق الإقناع، والناشر كاتب حرّ يخاطب أحراراً ولكن لابد في النثر من الجمالية، وإلاّ فلا يكون أدباً. وجماليته ليست مقصودة لذاتها بل هي إضافية ومكمّلة ولا تنفصل عن الموضوع. والشخصيات بشر واقعيّون ، يعون قضايا الإنسان المعاصر بكثافة وعمق، ويُعانون الصراع في المجتمع لإثبات حريتهم والتمتع باختيار موقفهم ومصيرهم في هذا الكون. ومن المتفائلين سارتر وفوكنر ومن السلبيين المتشائمين كامو وإليوت. 7-أما من حيث الشكل الفنّي للأجناس الأدبيّة، فالوجوديون -شأنهم في ذلك شأنُ أدباء القرن العشرين- لايُقدّسون الأطر القديمة والأشكال الشائعة بل يعيدون النظر في كلّ الطرائق والأساليب ويحطمون المألوفات السابقة ويحاولون خلق تقنيات جديدة؛ لكنهم جميعاً متفقون على أن الجمالية عنصر ضروريٌ في الأدب شعراً ونثراً وتستمد من طبيعة الموضوع والمتطلبات الخارجية. ولذلك كثر التجريب، وولدت أنماط جديدة من المسرحية والرواية والشعر. ويرى سارتر أن الشعر مثل بقية الفنون دائم التجدد والتحديث وهو يتبادل التأثير والمعطيات مع سائر الفنون، بل هو جانب من الرسم والنحت والموسيقا، والكلمات فيه أشياء وليست إشاراتٍ لغوية كما هو الأمر في النثر. وللكلمة شكلها الصوتي ومظهرها البصري، وبهما تصبح أداة تشكيل.. ويصبح التعبير عن طريق الإيحاء والرمز، وتغير العلاقات اللغوية. وفي الشعر تمتزج عناصر من الرمزية والسرياليّة والفلسفة والتصوف والغناء، والغاية منه الكشف عن أزمة الإنسان في وجوده روحاً وجسداً ضمن واقع شامل يعاني منه القلق والعذاب والخوف، لأنه واقع معادٍ. ولذا يغلب على شعراء الوجودية طابع التشاؤم والسوداوية والحيرة والإحباط، ومثالنا على ذلك أشعار ت.سإليوت المعبّرة عن الضياع والخواء
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم
|