نظرية المحاكاة نشأت المحاكاة نتيجة للاتصال وعلاقات التأثير والتأثر بين الاداب القديمة ، وتتلخص المحاكاة بأنها تقليد أدب ما لأدب امة اخرى ، والسير على منواله ، لتحقيق عملية النهوض والازدهار لذلك الادب بفضل تلك المحاكاة . ترجع الجذور الاولى لنظرية المحاكاة الى تأثر الادب الروماني بالادب اليوناني ، اذ يعد الادب الروماني اقدم هذه الآداب التي تأثرت بروافد ثقافية اجنبية ، ففي عام 146 ق.م اجتاحت الجيوش الرومانية بلاد اليونان في هزيمة ساحقة كانت لها اثارها الخطيرة على العالم القديم ، ولكن هذا الانتصار العسكري لم يلبث ان يتحول الى هزيمة تقافية ، ولم يلبث اليونان ان يحققوا على الرومان انتصارا ثقافيا كان من نتائجه ان اصبحت روما المنتصرة تابعة لليونان المنهزمة ثقافيا وادبيا . وكان لهذا الغزو الثقافي اليوناني اثاره الخطيرة على طبيعة الادب الروماني فقد استحال الى محاكاة صادقة لنصوص الادب اليوناني ، اذ لم تعد له اصالة مميزة الا في التاريخ والخطابة . ولقد اثمر هذا التأثير لدى النقاد اللاتينيين ما كان تمهيدا لنشوء نظرية المحاكاة ، في عصر النهضة الاوربية ، وهي نظرية تنحو الى محاكاة اللاتينيين لادب اليونان والسير على اثرهم للنهوض بالأدب اللاتيني . وهذا المفهوم يغاير مفهوم "المحاكاة" الذي دعا اليه "افلاطون"اذ كان له مفهوما خاصا ؛ طرد على أثره الشعراء من جمهوريته، لانهم حاكوا الشيء على بعد درجتين ، فهو يبتعد عن الهيكل الموجود في عالم المثل بثلاث درجات . كما انه غاير مفهوم "المحاكاة" عند "ارسطو" حين اراد ان يحدد الصلة بين الفن والطبيعة . على الشاعر -عند نقاد الرومان- ان يحاكي العباقرة الذين هم بدورهم قد حاكوا الطبيعة ، وهو حق اخذ هوراس يردده في كتاباته : " اتبعوا امثلة الاغريق واعكفوا على دراستها ليلا واعكفوا على دراستها نهارا" ، اذ دعا هوراس الى تقليد الادب اليوناني في واحد من اشهر رسائله " فن الشعر " ، وفي هذا اعتراف منه؛ بان محاكاة الادب اليوناني يمكن ان تكون مثمرة مادامت لا تمحو اصالة الادب الروماني . لقد لقيت نظرية المحاكاة ، اهتماما واسعا لدى النقاد الرومانيين الذين لم يقفوا عند الدعوة الى محاكاة الادب اليونانية في نصوصها الجيدة وانما ذهبوا الى وضع شروط او قواعد لهذا المحاكاة ،افاضوا في شرحها حتى استحالت على يد الناقد الروماني ( كانتليان ) الى نظرية مكتملة الجوانب لايستغني عنها كاتب جيد، اذ أ فاض "كانتليان" في شرحها وتحديد عناصرها ووضع قواعد عامة للمحاكاة , اولاها : ان المحاكاة للكتاب والشعراء مبدأ من مبادئ الفن لاغنى عنه ، وهو يقصد محاكاة اللاتينيين لليونان . والقاعدة الثانية : ان هذا المحاكاة ليست سهله بل تتطلب مواهب خاصة في الكاتب الذي يحاكي ،شأنها في ذلك شأن محاكاة الطبيعة . وثالثها : ان المحاكاة يجب ان لاتكون للكلمات والعبارات بقدر ماهي لجوهر موضوع الادب ومنهجه . ورابعا : ان على من يحاكي اليونانيين ان يختار النماذج التي تيسر له محاكاتها ، وان تتوافر له قوه الحكم ليميز بين الجيد منه والردئ ، ليحاول محاكاة الجيد فيما يتلاءم مع طاقته وقدراته التعبرية . واخيرا يقرر "كانتليان" ان المحاكاة في ذاتها غير كافية ويجب ان لاتعوق الشاعر والا تحول دون اصالته . وحين نصل الى القرون الوسطى نجد ا ن اداب الغرب المسيحي لاسباب عديدة قد اخذ بعضها يتصل ببعض اتصالا وثيقا ، وحدثت بينهما تأثيرات فنية متبادلة ، وقد كان لهذا التأثير المتبادل اثاره على الاداب الاوربية. اما في عصر النهضة في القرنين الخامس والسادس عشر ، نجد ان التلويح الى الاداب الاوربية القديمة يعود ، وذلك بغية تطوير نفسها والنهوض بفنونها الى الاداب اللاتينية وقد خطت في سبيل تحقيق هذه الغاية خطوتين مهمتين – الاولى : يعود الى النصوص الاصلية من الادبين وترجمتها والتعليق عليها . غير ان التفات الاوربيين في عصر النهضة الى الاداب اليونانية واللاتينية القديمة ، وانما يعود الفضل فيه الى الترجمات العربية لفلسفة ارسطو وافلاطون وغيرهما من فلاسفة اليونان في نصوصها الجيدة ، مما كان له صدى بعيد في تعريف الاوربين بآداب اليونان.وقد كانت الدعوة الى محاكاة الاداب اليونانية دعوه خطيرة في حد ذاتها ، اذ لقيت مقاومة عنيفة عند كثير من رجال الكنيسة اول الامر ، ويعود ذلك الى الصبغة الوثنية التي تغلب على هذا الادب، التي حملت الكثيرين الى الاحجام على ترجمتها ، ولكن الرغبة في تطوير الاداب الغربية المسيحية قد نجحت في التغلب على هذه المعارضة آخر الامر، بسبب ان ماتقوم عليه الاداب اليونانية واللاتينية من اتجاهات انسانية ، تتمثل في العناية بمشكلات الانسان وعقائده ، ومعالجتها اعتمادا على مقومات انسانية ليس فيها الكثير من النظر الميتافيزيقي المألوف في الاداب السماوية ، وقد تركت هذه النزعة الانسانية العالمية على الاداب اليونانية اثارها على مفهوم الالهة لدى اليونان؛ اذ وسمت على ادبها – الادب المسرحي – صفات الالوهية لتستعير قيما انسانية اكثر قربا من الانسان العادي في صفاته وسلوكه واخلاقياته من الحب والكره والغيرة والحقد وغير ذلك من انماط السلوك الانساني ، وغيرها من الاسباب . ومهما يكن من امر الاسباب المختلفة التي حملت الاوربيين على تمثل الاداب اليونانية واللاتينية في عصر النهضة ، والعناية بترجمة نصوصها الجيدة وتقليدها فان ما نريد ان نصل اليه انهم عادوا الى نظرية المحاكاة التي دعا اليها النقاد الرومان وتغنوا بها على يدي الناقدين هوراسوكانتليان . وقد كانت هذه العودة على ايدي طائفة من اوائل الشعراء المجددين في الادب الفرنسي في عصر النهضة تعرف بجماعة (الثريا ) وهم سبعة شعراء اتفقوا على الترويج لنشر الثقافتين اليونانية والرومانية واتخاذهما وسيلة في اغناء اللغة الفرنسية ، فقد اخذت تدعوا عمليا الى تجاهل الشعر الشعبي ، ومحاوله خلق الشعر الفرنسي خلقا جديدا على غرار الشعر القديم والشعر الايطالي ، وقد عرضت هذة الجماعة افكارها ونظرتها في المحاكاة في كتاب يعد تلخيصا لمنهجها وسم بـ ((الدفاع عن اللغة الفرنسية والسمو بها )) للشاعر "جواكيمدوبليه " وهو احد شعراء جماعة الثريا. ويعد الجزء الاول من الكتاب هجوما على دعاة الاحياء الذين يتشبثون باللاتينية والاغريقية ، اذ يرون في هذا المنحى خطرا على اللغة الفرنسية واصالة ادبها . اما الجزء الثاني فقد كان دعوة للشعراء الفرنسيين الى اثراء اللغة والادب الفرنسيين عن طريق الاستعارة من اللغات القديمة ، او بعبارة ادق عن طريق محاكاة هذا الاداب واللغات القديمة وقد كانت هذه المحاكاة الصارمة من اسباب فشل هذة الجماعة في انتاج ادب فرنسي اصيل ، لانها اسرفت في تقديس القديم بغية بناء لغة وادب جديدين . انطلقت جماعة الثريا في دعوتها الى (المحاكاة) ، محاكاة اللغة الفرنسية للادب اليوناني القديم ، عن غاية وطنية هي حرصهم على نهضة ادبهم وتطوره ، وان هذه الجماعة في سبيل تأصيل دعوتها قد نبهت انه لايجوز محاكاة الكتاب والشعراء من اللغة نفسها ، لان مثل هذة المحاكاة تؤدي الى جمود اللغة وركودها . فالمحاكاة كما نراها عند هذه الجماعة ليست محاكاة الادب القومي في نماذجه الجيدة ، فان هذا لايؤدي الى شيء ذي قيمة ، ولا يثري الادب القومي نفسه في شيء ، بل المحاكاة ينبغي ان تكون للنماذج الجيدة في الاداب الاجنبية ، وفي الادبين اليوناني والروماني بصفة خاصة . وكذلك اعلنت جماعة الثريا بانه لايصح ان يقع الكاتب المتطلع للكمال في فخ التقليد المحض ، فالتقليد المحض لاينتج عنه شيء ، بل يجب ان تكون محاكاة خلاقة ، تلك المحاكاة التي تعي ان التقليد يمحوا الاصالة ، وان ابداعها في اتجاهها الى التأثير الهاضم الاصيل ، لاالتقليد الخاضع الذليل . اما مفهوم المحاكاة عند الكلاسيكيين فيمكن تلخيصه بأنه محاكاة خلاقة ، كما يصفها ((فاجيه)) الذي يرى ان اساسها التذوق والاستساغة باختيار النماذج الجيدة ، فليست كل الاصول القديمة جيدة او صالحة للتقليد ، فالقدماء بشر كما يقول ((براي)) يخطئون ويصيبون ، وانه ينبغي ان يختار من النصوص الجيدة مايلائم روح العصر ويتفق مع قيمه. تماما كما كان يفعل القدماء الذين كانوا يكتبون باستيحاء من ظروف حياتهم وعصرهم ، وفي هذا – فيما يرى الكلاسيكيون – ما يجعل هذه المحاكاة قادره على تمثيل روح العصر والتعبير عن قضايا الحياة فيه ، وهم يرون - شأن جماعة الثريا – المحاكاة ان تكون وقفا على نصوص من غير اللغة التي يكتب بها المؤلف ، بمعنى ان لايحاكياداب امته . وبتأثير نظرية المحاكاة اتجة العصر الكلاسيكي (السابع والثامن عشر) الى التقنين في الادب متخذا من الاداب القديمة المثال الذي يحتذى فكانت مهمه الناقد ان يضع قواعد لمختلف الاجناس الادبية ، والحكم على النتاج الادبي الكلاسيكي من خلال تمثيله لقواعد الاداب القديمة قي شتى اشكالها الادبية من مسرحية او قصيدة او قصة... الخ . من ذلك يتضح ان الادب الكلاسيكي قد قامت نهضته على اساس من تقليد الاداب اليونانية واللاتينية تقليدا التزمت فيه موضوعيا بكثير من تراث هذين الادبين من الاساطير والقصص والقواعد الفنية ، وقد حدث ذلك كله عن وعي وقصد في دعوة تبناها النقد الكلاسيكي .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم
|