محمود سامي البارودي: ولد محمود سامي البارودي في سنة 1839 لأبوين من الشراكسة ينتميان الى المماليك الذين حكموا مصر فترة من الزمن في بيت ذي نفوذ وجاه , اذ كان ابوه من امراء المدفعية , وجده لأبيه هو عبد الله الشركسي كان من زعماء المماليك . ولهذا النسب اثره في تطلع البارودي نحو المجد السياسي والمجد الادبي وكثيرا ما تردد على لسانه فخرا بآبائه واجداده , من مثل قوله : من النفر الغرِّ الذين سيوفهم لها في كل داجيةٍ فجرُ اذا استلّ منهم سيدٌ غرب سيفه تفرّعت الافلاك والتفت الدهرُ و قد حرم البارودي حنان الاب ورعايته , فقد توفي ابوه و هو في السابعة من عمره فكفله بعض اهله وقاموا خير قيام على تربيته وتلقى دراسته الاولى في البيت و الكتاتيب , حتى اذا بلغ الثانية عشرة الحقوه بالمدرسة الحربية غرار لداته من الشراكسة والترك , وتخرج فيها ضابطا سنة 1854 . وكانت ملكة الشعر قد تيقظت في نفسه , فأنطلق يقلد فحول الشعراء في اروع قصائدهم , وقد كان ذا موهبة عظيمة في قول الشعر وقد ورثها عن خاله كما قال : انا في الشعر عريق لم ارثه عن كلاله كان ابراهيم خالي فيه مشهور المقالة فلما تخرج البارودي من المدرسة الحربية لم يجد عملا ولكنه لم يخلد الى الراحة , بل اخذ تواً يعمل في ميدان جديد هو ميدان الشعر العربي , وشعر من اول الامر لا بد له من التمرين والاعداد , فأنكبَّ على نظم الشعر , ولم يعجبه الشعر الرديء الذي كان يعاصره وما يتصل به مما نُظِم في عهد الركود القريبة , فأنطلق يبحث عن غايته في الشعر القديم من الجاهلي الى العصر العباسي ولم يلبث ان وجد غايته وما يملك عليه لُبُّهُ , وكلما ازداد قراءة في هذا الشعر القديم ازداد به شغفا واعجابا . وهذا الطموح الذي جعله يتجاوز في عصره من شعر مسفٍ الى ما في العصور القديمة من شعر خصب رائع. سافر محمود سامي البارودي الى الإستانه مقر الخلافة بعدما لم ان تتحقق اهدافه في مصر , والتحق بوزارة الخارجية وهناك تعلم اللغة التركية والفارسية ودرس ادابها وحفظ كثيرا من اشعارها , واتاحت له مكتبات الاستانة وما فيها من ذخائر الشعر العربي فرصة ذهبية جديدة ليتزود من دواوين العباسيين ومن سبقوهم من اسلاميين وجاهلين. ولما سافر الخديوي اسماعيل الى الاستانة بعد ان تولى ولاية مصر , فتعرف على البارودي وقَرُب من نفسه , فضمه الى حاشيته , واصبحت له مكانة اثيره عنده , فلما عاد الى مصر صحبه معه واخذ الحظ يبتسم له فعُّين في سلاح الفرسان . مكث البارودي ثماني سنوات في قصر اسماعيل يراقب الحياة المصرية ويكشف ابعادها السياسية والاجتماعية والخلقية , وقد اكتشف ان الذين يحكمون مصر وقتئذٍ يقيدون شعبها بالسلاسل ويتآمرون على شعبها , وقد حزّ ذلك في نفسه وأبى ان يغض الطرف عنه , ولم تمنعه مسؤولياته الكبيرة ووظائفه العالية التي شغلها من ان يقف الموقف الوطني المطلوب. وتسوء حال البلاد فتثور بسببها نفس الشاعر الابية , فيطلق على اثر ذلك صرخته المدوية , ليفضح فساد الحكام ويكشف ظلمهم فيقول :
قامت به من رجال السوء من طائفةٌ ادهى على النفس من بؤسٍ على ثكل من كُلِّ وَغدٍ يكادُ الدستُ يدفعُه بغضاً , ويلفظه الديوان من ملل ذُلَّت بهم مصرُ بعد العزِّ, واضطربت قواعدُ المُلك, حتى ظلَّ في خللِ
الشعر والشاعرية:
نظم البارودي شعره في معظم الموضوعات القديمة تحقيقا لبعث الشعر القديم في الفخر والمدح والهجاء والرثاء , وقد عاش في معظم هذه الموضوعات في الاجواء العربية القديمة بعيدا عن حياته المعاصرة وبيئتها الجديدة بل إنه ليضرب في متاهات نجدٍ ورباها و وديانها ورمالها . ويقف_ و هو شاعر مصر الذي نشأ في القاهرة وعاش لياليها و تمتع بطبيعتها وغاص بلهوها و حقق احلامه الجميلة بقصورها و حدائقها وجزرها _ يقف هنا الشاعر على الاطلال و الدِّمن ليقول شعرا يكاد يكون جاهلياً روحاً ومعنى , وبما تمت الى حياته و بيئته بصلةٍ . الا حيِّ من (اسماء) رسم المنازل و إن هي لم ترجع بياناً لسائل خلاءٌ تَعفَّتْها الروامس , والتقت عليها اهاضيب الغيوم الحوافل فلأياً عرفتُ الدار بعد تَرَسُّمٍ اراني بها ما كان بالأمس شاغلي والواقع اننا لا يجب ان ننسى ان البارودي قد قرأ الشعر القديم و هضمه واستساغه و أُعجب به وأشربت روحه فيه , ولا يمكن في ظل هذا ان ينجو شعره من النفاذ فيه و اغلب الظن انه كان يعمد الى هذا ليؤكد قدرته على الاحتذاء , لما يجد في نفسه من اعجاب فيه وانسياق اليه. وقد التفت الى هذا شوقي ضيف في معرض حديثه عن القديم في شعر البارودي فقال : ((فقد التحمت نفس البارودي بأسلافه الاولين التحاماً جعله يتحدث عن الدمن و الاطلال والرعيان , كما يتحدث عن صاحبته بلسانهم ولنفس اوصافهم ونسيبهم بالضبط كما كان يتحدث بشار وغير بشار من شعراء العصر العباسي حين يخلصون من حياتهم الحضرية يغرقون في البيئة البدوية و كأنما يريدون لأرواحهم ان تنصهر فيها انصهارا)) .
الرثاء:
من اشد الموضوعات تأثيرا في نفس البارودي , الرثاء, فقد تابع شاعرنا القدماء في معانيهم التي لم تخرج عن التفجع على الميت والشكور من الحياة وذم الزمان وبيان مناقب المرثي و يلحق بهذا شيء من الحكمة , وقد رثى الشاعر العديد من اصدقائه وافراد اسرته فقد رثى اولاده وزوجته التي بكاها بكاءً حاراً و هو في المنفى فزاد ذلك من عمق احساسه بالفجيعة و من عمق أساه وضاعف من شعوره بألم الوحدة ويرسم في مرثيته لزوجته صورة لمأساة اولاده الذين تكسرت اجنحتهم بوفاة امهم فقد صاغ في شعره صورة تفيض بالحزن والالم عندما خلعت بناته عقودهن وصغن من الدموع عقوداً. فيقول : أيد المنون ! قدحت اي زناد وأطرت اية شُعلةٍ بفؤادي اوهنت عزمي وهو خملة فيلقٍ و حطّمتِ عودي و هو رمح طرادِ لا لوعتي تدع الفؤاد, ولا يدي تقوى على رد الحبيب الغادي يا دهر , فيم فجعتني بحليلة ؟ كانت خلاصة عدتي وعتادي ان كنت لم ترحم ضناي لبُعدها أفلا رحمت من الأسى اولادي؟ أفردتهنَّ فلم ينمن توجعّاً قرحى العيون رواجف الاكباد ألقين درَّ عقودهن ؟ وصغن من دُرِّ الدموع قلائد الاجياد
ز قال عند ورود نعي ابنته إليه ولم يستطع البكاء من غلبة الحزن عليه :
فزِعت الى الدموع فلم تجبني و فقد الدمع عند الحزن داءُ وما قصرتُ في جزعٍ ولكن اذا غلب الأسى ذهب البكاء
الفخر: اما فخره فإنه لم يعالجه لداعي التقليد فحسب بل لدواع تتعلق بشخصيته الطموحة و طبيعته القوية إضافة الى قراءته لشعر الحماسة وتأثره بها . وترجع اجادته في غرض الفخر الى انه كان يعبر بها تعبيرا صادقا عما تنطوي عليه جوانحه و يتردد في اعماق نفسه ولو عدنا الى قصيدة من قصائده في الفخر لوجدنا فيها معاني الإباء والشمم , والاعتزاز بالنسب والفخر بالقوة والتغني بالشجاعة والاشادة بالمواقف الصعبة , وقصيدته التي يفخر بها بنفسه ويحرض بها بني وطنه على الردّ على الظلم , تستطيع ان تحقق هذه المعاني التي اشرنا اليها . وقال بفخر ويُعرضُ بالمظالم على عهد الحكومة الاستبدادية :
أبى الدهر الا ان يسود وضيعه ويملك اعناق المطالب وغده فحتام نسري في دياجير محنة يضيق بها عن صحبة السيف غمده اذا المرء لم يدفع يد الجور ان سطت عليه, فلا يأسف اذا ضاع مجده ومن ذل خوف الموت, كانت حياته أضر عليه من حمام يُؤُدّهُ وأقتلُ داءٍ رؤية العين ظالما يسيء, و يتلى في المحافل حمده علام يعيش المرء في الدهر خاملا ؟ أيفرح في الدنيا بيوم يعدُّه ؟ يرى الضيم يغشاه فيلتذ وقعه كذي جربٍ يلتذ بالحك جلده اذا المرء لاقى السيل ثمَّت لم يعج الى وزرٍ يحميه اراده مدّهُ من العار ان يرضى الفتى بمذلةٍ وفي السيف ما يكفي لأمرٍ يعده و إني امرؤ لا استكين لصولةٍ و إن شد ساقي دون مسعاي قِدُّهُ
الغزل:
و نأتي الان الى غزل البارودي والى خمرياته الذين أثارا بين الدارسين خلافا عن حقيقة موقفه منهما وصدقه فيهما , وهيكل كان قد استبعد وقوع الحب للبارودي واستنكر صراحته فيه واراد بذلك ان ينزّه الوزير من عبث الفتيان. و قد نسي هيكل ما قاله البارودي في مقدمة ديوانه _ عن دوافع قول الشعر عنده "انما هي اغراض حركتني واياه جمح بي وغرام سال على قلبي " وهذا ما دفع شوقي ضيف الى ان يحكم على حب البارودي بأنه " غرام حقيقي كابده مع بعض الفاتنات في روضة المقياس و في حلوان وكاد ينفطر له قلبه اسى وحزناً وسالت دموعه فيه مدرارا لما كان يتخلله من اليأس اللاذع و القنوط الممل ". والحق اننا لا يمكن ان نشك في صدق حب البارودي بوصفه لا يتناسب مع موقعه الاجتماعي بل العكس هو الصحيح , اذ السنوات التي قضاها الشاعر في بلاط إسماعيل هي التي هيأت له هذا الحب , ولقد جهر الشاعر بوقوعه له دون تحفظ او خشية من لوم فهو يؤمن بأن الحب ضرورة لازمته لأنه فطري في المرأة والرجل . وألم الصبابة هو الألم العبقري الذي تحيا به نفسه و ان الفتى الكريم لا يعيبه اللهو والتصابي , فكل مسوق لما يريد , وربما فات هيكل ما ذكره البارودي عن حبه بقوله :
فإن انا سالمت الهوى بعد هذه فلست ابن ام المجد ان عدت ثانيا يلومون اشواقي , كأني ابتدعتها ولو علموا لاموا الظباء الجواريا ومالي ذنبٌ عندهم, غير انني شدوت فعلمت الحمام الاغانيا وهل يكتم المرء الهوى وهو شاعر ويثني على اعقابهن القوافيا
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم
|