انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

جماعة ابولو

Share |
الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 4
أستاذ المادة شيماء محمد كاظم الزبيدي       16/12/2017 18:33:13

شعر الحب:
وتهدف قصائده إلى التعبير عن ذات الشاعر وتجسيد عواطفه في الحب وشعوره بالضياع ، والسعي وراء الاحكام والبكاء على ما ضاع منها وتعثر . وحديث الشاعر عن نفسه ، والاستسلام لأحلامه الضائعة وطموحاته البعيدة اسلمته إلى الحزن واليأس والتشاؤم وانتهت به إلى القنوط والانطواء والهروب ووصف الهواجس النفسية.
وتقترب قصائد هذا الاتجاه من الاتجاه الرومانسي الحالم الذي شاع في أوربا أبان القرن التاسع عشر . ووصلت طلائعه إلى جماعة شعر الديوان ، وبخاصة عند عبد الرحمن شكري الذي مهد لشعراء أبولو بهذا التيار الوجداني الفردي العاطفي.
وكان لهؤلاء الشعراء رؤية جميلة إلى الحب ، فحبهم طاهر عفيف يرتفع عن كل ما يسيء للمرأة ، وينظر الرومانسي إلى المرأة على أنها ملك هبط عليه من السماء ، فهي انيسته في هذه الحياة الموحشة القاسية ، ويلجأ اليها فيجد فيها الملاذ الآمن الذي يعيد الطمأنينة إلى نفسه . وفي ذلك يقول أبو شادي
أماناً أيها الحب
أتيت إليك مشتكياً
دلفت إلى سماء الحب
وقد صار الهجير به
سلاماً أيها الآسي
فراراً من أذى الناس
فهي معبدي الضاحي
نسيم الروح والراح


ويقرب مما قلنا قول أبي القاسم الشابي الذي أحاط حبيبته بهالة من التقديس ، فهي ابنة النور التي تشع في دنياه المظلمة ، وتزيح عن كاهله هموم الحياة وأحزانها ، ورأى في هذا الملاك الجميل تتجلى عظمة الله في مخلوقاته :
يا ابنة النور إنني أنا وحدي
فدعيني أعيشُ في ظلك العذب
عيشة للجمال والفن والالهام
وامنحيني السلام والفرح الرو
انقذيني من الأسى فلقد أمسـ
من رأى فيكِ روعة المعبود
وفي قرب حسنك المشهود
وللطهر والسنى والسجود
حي يا ضوء فجري المنشود
يتُ لا استطيعُ جمل وجودي

وهكذا فالحب في نظر هؤلاءاليد الرحيمة التي تنتشل العاشق من الآم الحياة وآثامها وهو الذي يطهر النفوس ويهذبها ، ويعظم الرومانسي من شأن الحب حتى يصل به الامر إلى درجة من التقديس بحيث يرى أن كل شيء في هذا الوجود خلق من أجل الحب الذي يجمع روحين طاهرتين تنعمان بحب نقي ، لكي يتمتع الحبيبان بهذه الطبيعة الجميلة ، وفي ذلك يقول ابراهيم ناجي :
لمن زين الله هذي السماء
لمن يطلع الفجرُ في افقها
أللطائر المفرد الروح يمضي
وربك ليس لهذا .. ولكن
أو جمَّلَ الكونَ أو نسَّقا
فيبدو بها ضاحياً مونقاً
يرود الموارد عن مستقى
لروحين في أفقٍ حلقا

وأجل هؤلاء الحب ورأوا فيه أعلى مراتب السمو والرفعة فهو انشودة الخلد التي ترددها الاجيال منذ الأزل وهذا ما قاله إبراهيم ناجي :
وإنما الحب حديث العُلى
انشودة الخلد ونحن الرواة

والحب الرومانسي حب عاثر ينتهي بالفراق أو موت الحبيبة لذلك نجد الشاعر الرومانسي يتغنى بعذاب الحب وما يكابده المحب في حبه هذا ، من أرق وسهر وهو يذرف الدموع على حب ذوي وآمال قد تحطمت دون أن يجني من حبه العاثر هذا شيئاً يذكر سوى الألم والدموع وفي ذلك يقول إبراهيم ناجي:
يا غراماً كان مني في دمي
ما قضينا ساعةً في عرسهِ
ما انتزاعي دمعةً من عينهِ
ليت شعري أين منه مهربي
قدراً كالموت، أو في طمعهِ
وقضينا العمرَ في مأتمهِ
واغتصابي بسمةً مِن فمِهِ
أين يمضي هاربٌ من دمهِ؟

وقد أمسى التغني الحب عند الرومانسيين شيئاً مقصوداً لذاته ، وأصبح الألم من الموضوعات المحببة عند الرمانسيين الذين قدسوا الدموع ، فالآلام تذكرهم بالسعادة الآفلة ، لذلك تدفقت قصائدهم بالعواطف الكئيبة والاحساسات الدفينة وأصبح شعرهم الغنائي رثائياً وبوحاً ممتزجاً بالاحزان وفي ذلك يقول الشاعر حسن كامل الصيروفي:
دموعي كنت آمالاً
وكانت هذه الآما
تمدُّ القلبَ بالبشرِ
لُ كالأنغام في الفجرِ

وكثيراً ما يمتزج الفرح بالحزن واللذة بالألم في شعر هؤلاء الشعراء فدموع الشاعر تمد القلب بالفرح ، لأنها تسكب في طريق الحب الذي يوصل إلى السعادة ، وكانت هذه الآمال تبعث النشوة في نفسه ، وتعطي لها مسوغاً لوجودها في الحياة ويعبر أبو شادي عن تلك المشاعر التي يضطرب فيها الحزن بالفرح والأمل باليأس ويكون كل ذلك سبباً فيما يعانيه المحب من حيرة وانكسار في هذه الحياة فيقول أبو شادي:
ما لعيني كلما تلقاك بالفرحةِ تدمعْ؟
أهي الفرحةُ أم خشية حلم يتصدعْ؟
بي رجاءٌ ليس يخبو، ورجاءٌ ليس يلمعْ
هاك قلبي يا حياتي ! نبئيه كيف يصنعْ
هو في القُربِ بعيدٌ عنك يهفو ثمَّ يجزعْ
آه! كم يجني حيائي ! آه من شوقٍ مضيعْ
وعبــادتٍ تنــاهتْ فأبــتْ لي كــل مطــمعْ
ويمزج الشاعر الرومانسي بين الحب والطبيعة إذ يجد الحب الحقيقي في أحضان الطبيعة ، إذ تحقق له هذه الأجواء في أحضان الطبيعة قمة ما يبغيه من حب روحي يجعله يطير على أجنحة الخيال معانقاً كل ما يسمو إليه من أحلام وآمال في هذا الميدان ونجد ذلك مجسداً في قصيدة علي محمود طه (سيرانادا مصرية) وهي أغنية ينشدها العشاق على معازفهم في الليل تحت نوافذ معشوقاتهم وتقابل عندهم ما يسمونه بالأوبادا وهي أغنية الفجر ينشدها العشاق أيضاً في الصباح الباكر عند نوافذ معشوقاتهم وقصيدة محمود طه المهندس هي :
دنا الليل فهيا الآن يا ربّة أحلامي
دعانا ملكُ الحبِّ إلى محرابه السامي
تعالي فالدُّجى وحيُ أناشيد وأنغام
سَرَت فرحته في الماءِ والأشجار والسحبِ
تعالي نحلُم الآن فهذي ليلةُ الحبِّ
على النيلِ وضوءُ القمر الوضاح كالطفل
جرى في الضفةِ الخضراء خلفَ الماءِ والظلِّ
تعالي مثلهُ نلهو بلثمِ الوردِ والطلِّ
هناك على رُبا الوادي لنا مهدٌ من العُشبِ
يلُفُّ الصَّمتُ روحينا ويشدو بلبلُ الحبِّ
يطوفُ بنا على شطٍّ من الأضواء مسحور
شراع خافق الظلِّ على بحرٍ من النورِ
تناجيه نجومُ الليل نجوى الأعينِ الحورِ
وأنتِ على فهمي ويدي خيالٌ خافقُ القلبِ
تعالي نحلم الآن فهذي ليلةُ الحبِّ
هدأ البحرُ رحيبا ، يملأ العين جلالا
وصفا الأفقُ، ومالت شمسه ترنو دلالا
وبدا فيه شراع
كخيال من بعيد يتمشى
في بساط مائج من نسج عُشب
أو حمام لم يجد في الروض عشا
فهو في خوف ورعب
فنلاحظ أن البيتين الأولين قد كتبا بدون تحديد الفاصل بين الشطرين الذي ما زال على أي حال ـ ماثلاً في الوزن ، ويشمل هذان البيتان على أربع تفعيلات من بحر الرمل أما الأبيات من الثالث إلى الرابع فكل منهما تفعيلتان على حين تشمل الأبيات : من الرابع السادس على ثلاث تفعيلات في كل منهما ، أما الأبيات الأخرى فيبدو فيها تغير البحور . بطريقة أكثر سرعة كما نرى في قوله :
أنه غيمة سرت في سماء خفيف
وقد صفت زرقتها رمل
لكنما هذا جناح طائر رجز
مرفرف في ملقب الضياء رجز
يجرُّ زورقاً على الدأماء رجز
فالبيت الأول من الخفيف والثاني من الرمل والابيات الثلاثة الاخيرة من الرجز مع اختلاف التفعيلة الاخيرة من كل بيت تختلف عن التفعيلتين الاخيرتين وهو أمر مرفوض في الشعر التقليدي.
وللمحبين أشواق وتقديس
هيهات يحصرها داعٍ إلى حصر
فالحسن سلطان، والجوهر الأسنى
لا قسمة المظهر
مهما أزدهي وغيلا
كأنما الأزهار أيضاً قد حنن إلى التناظر
ما كان حيلتهن ، لكن كن رسل العاشقين
وكان كلاً تشتهي أبهى التفوق بالملاحة
وكان الحسنُ ليس يتبعُ آخر
بينا الأسارى التابعون على افتتان رهن رحمة
أنظر إلى الأزهار!
أنظر جميل التثني !
وضعن في الأكمام
وقد استخدم شيبوب في مقدمة لقصيدته (الشراع) التي نشرت في مجلة أبولو مصطلح (الشعر المطلق) مرادفاً للشعر الحر وفرق بينه وبين (الشعر المنشور) الذي لا قافية له ولا وزن ، ففي الشعر المطلق يستخدم الوزن سواء كان كاملاً أو مجزوءاً ، أما القافية فقد تبقى وقد تهمل واستخدم خليل شيبوب في هذه القصيدة بحري الخفيف والطويل وهما من الأوزان التي تشتمل على نمطين مختلفين من التفعيلات . وكان طول الجملة هو الذي يحدد عدد التفعيلات في كل بيت وفي الابيات الآتية التي تتألف من تفعيلة للرمل لا تجد وحدة في طول البيت ، ولا انتظاماً في التفعيلة.
ونجد صور الحب المستقاة من الطبيعة في شعر أبي القاسم الشابي هو يرسم صورة جميلة لحبيبة في قوله:
عذبة أنت كالطفولة كالأحـ
كالسماء الضحوك كالليلة القمراء
يا لها من وداعةٍ وجمالٍ
يا لها من طهارةٍ تبعثُ التقديـ
يا لها رقةً تكادُ يرفُّ الور
إلى أن يقول
أنتِ تحبينَ في فؤادي ما قدْ
وتُشيدينَ في خرائب روحي
لام كاللحنِ كالصباح الجديد
كالوردِ كابتسامِ الوليد
وشبابٍ مُنعمٍ أُملودِ
س في مهجةٍ الشقي العنيد
دُ منها في الصخرةِ الجُلمود

مات في أمسي السعيد الفقيد
ما تلاشى في عهدي المجدود


شعر الطبيعة :
كانت للشعراء الرومانسيين رؤية جديدة في شعر الطبيعة تختلف عن شعر الوصف في أدبنا العربي القديم الذي كان يعنى بتصوير الطبيعة من الخارج فيصف مشاهدها ومناظرها ويقف عند هذه الحدود لا يتعداها ، أما الشعراء الرومانسيين ومنهم شعراء أبولو فلم يحلفوا بتصوير الطبيعة من الخارج بل نجدهم يتعمقون في أسرار الطبيعة ويخلعون شيئاً من مشاعرهم عليها ، فالطبيعة صورة لما يجيش في نقوسهم من مشاعر وأحاسيس وقد وجدوا فيها كنز لا يفنى من المعاني والاخيلة التي تعبر عما يضطرب في نفوسهم من مشاعر وأحاسيس شتى ، فهذا الشاعر إبراهيم ناجي يخلع شيئاً من مشاعره على الطبيعة فنفسه مدلهمة وسوداء وحزينة بسبب كثرة الهموم التي جاشت فيها فهي سماء شتاء غير ممطرة تحتفظ بقتامتها وأحزانها وآلامها ولو مطرت لانقشعت غيومها وأشرقت شمسها ، كذلك نفسه لو بكى لأزاح البكاء تلك الهموم وأحس بالراحة وفي ذلك يقول :
عندي سماء شتاء غير ممطرةٍ
خرساء آونة هوجاء آونة
وكيف تخدعني البيداءُ غافية
أ أنتِ ناديتِ أم صوتٌ يخيل لي
سوداء في جنبات النفس جرداءُ
وليس تخدع ظني وهي خرساءُ
وللسوافي على البيداء إغفاء
فلي إليكِ بإذن الوهم إصغاءُ

فالشاعر الرومانسي يتأمل مظاهر الطبيعة ويحاول أن يتغلغل في اعماقها لأجل أن يستبطن أسرارها وحقيقتها وكثيراً ما يجد انعكاساً لما تجيش به نفسه من مشاعر مضطربة تعكس خشيته من الحياة ومما تخبئه له الاقدار من مخاطر تنغص عليه حياته مما يجعله يشعر بالخوف والوجل من هذه الحياة التي يلفها الغموض ولا يعلم إلى أين تمضي ، وأي مصير ينتظره فيزداد قلقه وحيرته ويبدو ذلك جلياً في قصيدة أبي شادي (بحر السماء)
هتفت بي الأضواء فاستيقظت من
ونظرت في أفق السماء فلم أجد
والسحب تجري في اصطخاب الموج لا
ناديتها فتلفتت لكنه
لا تستقر هنيهةً وتسيرُ في
وكأنما الزمن العجيب يسوقها
تخشى سياط الدهر يجري خلفها
وتغيب في بحر السماء كما مضى
نومي على قلق من الأضواء
إلا حديث الموج والدأماء
ترضى بهدا لحظة لندائي
كتلهف الأطياف للشعراء
لهف كوثب الموج فوق الماء
كالخيل في ركضِ وطول عناءِ
فالدهر قاسٍ دائماً ومرائي
حلمي وأنفاسي ووحي رجائي

ولا خلاف في أن الشاعر في هذا النص قد قصد إلى تصوير حالته النفسية من خلال الرمز ، وقد حقق هذا الايهام الرمزي جواً نفسياً قصد اليه الشاعر قصداً ليوحي به إلى القارئ بحالته النفسية المحطمة وليشعرنا بكل ما يعانيه من تمزق.
وأحب علي محمود طه البحر حباً خاصاً ، له تأثير في روحه وذهنه وشعره ، ويبدو ذلك واضحاً في قصيدته (الملاح التائه) التي أرتأى فيها أن يتيه فيه . والبحر وسطوته الرهيبة تجتذب قلبه ، على أن (الملاح التائه) إلى جانب دلالته العامة على حب الشاعر للبحر ـ يملك معنى رمزياً خاصاً ـ فالملاحة والبحر والتيه في شعر علي محمود طه مجرد رموز إلى اتجاهات روحية وفكرية ملأت قلبه وشغلت حياته وعلى هذا المستوى ينبغي لنا أن ندرس التسمية وهذا أولها :
أيها الملاح قم وأطوِ الشراعا
جدِّف الآن بنا في هينةٍ
فغدا يا صاحبي تأخذنا
عبثاً تغفو خطا الماضي الذي
لِمَ نطوي لجةَ الليل سراعا
و جهةَ الشاطيء سيراً وأتباعا
موجةُ الأيام قَذفاً واندفاعا
خلت أنَّ البحر واراهُ ابتلاعا

فما معنى البحر في هذه الابيات؟ وعلام يدل قوله (لجة الليل) و (موجة الأيام) ؟ إن المعنى الواضح هو أن البحر الذي تاه فيه (الملاح) علي محمود طه ليس البحر الحقيق وانما هو بحر الياة ، لأن (اللجة) التي يخوضها هي لجة الليل لا لجة البحر ، والموجة التي يخشاها هي (موجة الأيام) وكلا الليل والأيام يدلان على الزمن والحياة ، وعلى ذلك فان هذه اللجج والأمواج التي يبحر فيها الملاح التائه رمزية تدل على الحياة نفسها ولا صلة لها بالبحر.
وقد يكون أقوى دليل على ذلك الاهداء الذي صدر به الشاعر ديوانه (الملاح التائه) (إلى التائهين في بحر الحياة) وفيه يتجه الملاح الذي تاه في بحر الحياة الذين تاهوا مثله ، وهو اتجاه طبيعي له تبريره في منطق الفكر والقلب وهذا الاهداء يلقي من الضوء على مدلول البحر الذي تاه فيه (ملاحنا) وما نظنه يلقي أي جدل قد يثار حول الموضوع.
أحب الرومانسيون الطبيعة ووجودا فيها ملاذاً آمناً يلوذون به من صخب الحياة وقسوتها عليهم فكانت الطبيعة الأم الرؤوم التي يجد الرومانسي في احضانها الحياة الهانئة السعيدة فالطبيعة هي قيثارة الشاعر ، وعبثاً يحاول الشاعر البحث عن أوتاره في غير هذه القيثارة فقد تصور الرومانسي نفسه جزءاً من هذه الطبيعة ليجعلها شريكة له في عواطفه وأحاسيسه ، ووجد فيها مهرباً من صخب الحياة وشر المدينة وفي ذلك يقول أبو شادي
أمي(الطبيعة) في نجواك إسعادي
وفي ابتعادي أعاني دهري العادي

وشغف أبو شادي بحب الطبيعة ودعا إلى إجلالها والاخلاص لها قائلاً : ((عماد الأدب والشعر خاصة إنما هو الصدق والوفاء للطبيعة لا التصنع والمحاكاة الشائعة ومجافاة الطبيعة)) فهو يستمد منها المعاني والاخيلة فالطبيعة هنا ملهمة وفي ذلك يقول أبو شادي:
هذه الطبيعة موئلي ومعلمي
أنطقتُ لوحاتي بروح حنانها
وأنا الأبر بروحها الفنان
ومزجتُ من ألوانها ألواني

والطبيعة أم الشاعر الذي تحنو عليه ويجد في ربوعها ما يسره ويفرحه كما أنها ملهمة الشاعر بوصفها كنزاً لا يفنى من المعاني والاخيلة.
أماه ! إن لديك صفو حنيني
ألقاكِ في كنف السكونِ عبادة
أُماه! موئل كل لُبٍّ شاعر
وإليك مرجعُ فرحتي وأنيني
وأُقبلُ الترب الذي يحني
نجواكِ، فهي مفاتني وفنوني

والطبيعة ملاذ الشاعر الرومانسي من صخب الحياة فهو يرى السعادة في احضانها ولاسيما بعدما امتدت يد البشر لتعبث بالحياة وتعمل على تشويهها بما جاءت به من قوانين تكبل ارادة الناس وتقمع حرياتهم ولاسيما تلك العادات البالية التي ضاق بها الرومانسيون ذرعاً حتى أمست الحياة في نظرهم شيئاً لا يطاق ولم يكونوا قادرين على تحمل العيش في ظلها ، لذلك شغفوا بالانتماء في احضان الطبيعة حيث العزلة والوحدة والحياة الفطرية التي تمثلها (الغاب) حيث الجبال والانهار والنبات حيث يخلع الشاعر الرومانسي أحزانه هناك ويحقق سعادته في ذلك العالم الخيالي ويقول أبو القاسم الشابي:
إنني ذاهبٌ الغاب، يا شعبي
إنني ذاهبٌ إلى الغاب ، علي
ثم أنساك ما استطعتُ، فما أنتَ
سوف أتلو على الطيور أناشيدي
ثم تحت الصنوبر،والناضرِ، الحلو
وتظل الطيورُ تلغو على قبري
لأقضي الحياةَ، وحدي، بيأسي
في صميم الغابات أدفنُ بؤسي
بأهلٍ لخمرتي ولكأسي
وأفضي لها بأشواق نفسي
تخط السيولُ حُفرة رمسي
ويشدو النسيم فوقي بهمس

تمثل هذه القصيدة حب الشاعر الشابي للطبيعة ونفوره من مجتمعه بعدما رأى فيهم أنهم غير قادرين على فهمه ، فهو يؤمن بأفكار سامية لا تجد آذاناً صاغية لدى شعبة لذلك صوب وجهة نظره نحو الغاب حيث البراءة والاصالة والتقاء الحياه الحقة كما خلقها الله من دون زيف أو تشويه وهي مشاعة للجميع لكل المخلوقات ولم تدنسها نفوس الورى بخبث ورجس والشاعر يجد ضالته المنشودة في الطبيعة لأنها تفتح صدرها الحنون له وتحنو عليه وتزيح عنه ما لحق به من آلام الحياة واحزانها وفي ذلك يقول الشابي:
وإن أردت قضاء العيش في دعة
فاترك إلى الناس دنياهم وضجتهم
وأجعل حياتك دوحاً مزهراً نضراً
شعريةٍ لا يغشي صفوها ندمُ
وما بنوا لنظام العيش أو رسموا
في عزلة الغابِ ينمو ثم ينعدمُ

ونكاد نجد حب الطبيعة مجد في قصيدة محمد عبد المعطي الهمشري (أحلام النارنجة الذابلة) وفيها يصور الحنين الرومانسي إلى الطفولة والهيام بالطبيعة فيقول:
نارنجتي والله مذ فارقتني
أصبحت بعدك في انقباضٍ موحشٍ
قد كنتُ أرجو أن تكون نهايتي
ويكون آخر ما يخدرُ مسمعي
وأنا حليفُ كآبةٍ خرساء
وكأنني منهُ مساءُ شتاء
في ظل هذا السور حيثُ أراكِ
زرزوركِ الهتافُ فرقَ ذراكِ


التجديد في الصورة الشعرية
أحب الرومانسيون الخيال وعملوا على اعلاء شأنه ، لأنه يفتح أمام الشعراء طرقاً إلى اللامتناهي وبه يزدادون معرفة من خلال أحاطة الحجاب عن المجهول والهروب من قيود الزمان والمكان ، والخيال عندهم وسيلة ايجابية للوصول إلى الحقيقة أي انهم احلوه محل العقل الذي كان النقاد الكلاسيكيون يحتكمون به ويعدونه ملكة لدى الانسان وفي ذلك يقول كيش : أن الجمال الذي يقبض عليه الخيال لابد أن يكون هو الحقيقة الشعر عند شيلي بمعناه العام يمكن تعريفه بأنه تعبير عن الخيال.
أكمل شعراء أبولو ما قد بدأه شعراء الديوان في موضوع الخيال والصورة ، فهم لا يعنون بالصور الحسية ولم يقف خيالهم عند الأشياء الحسية ، ورأوا مثل هذا النوع يتساوى الشاعر مع بقية الناس ، إذ كل الناس يدركون الاشياء المحسوسة ويدركون ما بينها من تشابه واختلاف ، لذلك عزفوا عن هذا اللون من الصور وعنوا بالصور الشعرية التي تصور ما وراء الاشياء المحسوسة فالشاعر الرومانسي يتغلغل في جوهر الاشياء ثم يكشف لك عن أسرارها ، وما تتركه هذه الاشياء من انطباعات في نفس الشاعر الرومانسي وما توقظ في نفسه من مشاعر وعواطف ، وتظهر قدرة الشاعر الرومانسي في تصوير ما انطبع في ذهنه لينقله إلى المتلقي بحيث يترك الاثر ذاته في نفسه ويوقظ ذات المشاعر التي سبقت لها أن انطبعت في ذات الشاعر.
فصورهم الشعرية تدعو إلى التأمل وفي تأملها تتداعى الكثير من المعاني والاخيلة وأن ذلك هو الذي يحقق المتعة في نفس المتلقي . ويمكننا أن نجد ما قلناه في هذه الابيات من قصيدة (صلوات في هيكل الحب) لأبي القاسم الشابي:
عذبةٌ أنت كالطفولة كالأحلام
كالسماء الضحوك كالليلة القمراء
كاللحن كالصباح الجديدِ
كالوردِ كابتسامِ الوليدِ

وفي هذين البيتين تتجلى الصور الشعرية ذات الطابع الرومانسي ، إذ تنقل لنا هذه الصور مشاعر الفرح والتفاؤل والانطلاق وهو يرى الحبيبة تحمل كل هذه الخصال النبيلة فالمشبه هنا الحبيبة التي يعبر عنها الضمير المنفصل (أنتِ) وأما المشبه به فقد جاء متعدداً وأداة التشبيه هي (الكاف) فحبيبة الشابي تشبه الطفولة ليس بشكلها المادي بل بروحها بما تحمله الطفولة من براءة وصدق ونقاء فالشاعر الرومانسي لا يعني بالصور المادية بل بما تحمله الطفولة من مشاعر البراءة والنقاء والصدق فهو يصور مشاعر وأحاسيس وكذلك حبيبته تشبه الأحلام ولكي نعرف جمال الأحلام نستشهد بقول الشاعر (ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل) والأمل هنا هي الأحلام التي يحلم بها الانسان في حياته التي تشده للحياة وتكون مسوغاً له للتعلق بها وهو يروم أن يحقق احلامه الجميلة التي حلم بها ، وإذا ما غرق الانسان بأحلامه فأنه يحس بالسعادة وهو نوع من الهرب من الواقع ليعيش في مملكة الاحلام وليس أحزان الواقع وكذلك الالحان حين يسمعها الانسان هي الاخرى تبعث السعادة والنشوة والصباح الجديد الذي يمثل فجراً جديداً وحياة جديدة كلها تبعث الانشراح والفرح وكذلك السماء الضحوك المشرقة والليلة القمراء وابتسام الوليد كل هذه المشبهات تعطي صورة طيبة عن حبيبته التي تتسم بالنقاء والطهارة وهي المضيئة في دنياه والتي تطرد الظلام منها وتبهج حياته وتنشر الفرح في ربوعها.
وجسد أبو شادي رؤيته للشعر وهي الرؤية ذاتها للشعراء الرومانسيين الذين يرون فيها أن الشاعر يجب أن يلقي شيئاً من مشاعره على الطبيعة فيقول :
لا الشعر شعرُ ولا الاوزان أوزانُ
هذا هو الشفق الباكي بحرقته
كأنما الشفق الباكي يمثلني
فكيف بي وأنا المحروم في زمني
إن فاته من شعور الكون ميزانُ
وهذه السحبُ فيها الدمعُ نيرانُ
لكن حزني أضعاف وألوانُ
وكل عمري تباريحٌ وحدثانُ

ومنظر الغروب يثير الشاعر الرومانسي ويوقظ مشاعر الحزن والكآبة في نفسه فهو يمثل رحيل النهار الذي هو صورة أخرى لرحيل الحياة وأفولها لذلك رأى الشاعر أبو شادي الشفق وهو احمرار الشمس وقت الغروب واصطباغ السحب باللون الاحمر رأى فيها حرائق من النار لا تمطر إلا دموعا بلون الدم ، لشدة الحزن على الفراق والافول فشبه نفسه بالشفق الباكي الذي يذرف دموع الدم حزنا على فراق حبيبته وانقضاء العمر وهو اسير أحزانه ومآسيه.
أما الشاعر حسن كامل الصيرفي فله صور جميلة تقوم على التشبيه والاستعارات التشخيصية والتجسيدية التي شاعت لدى هؤلاء الشعراء
الشمس تنزل في الغروب
لتقبل الأفق البعيد
وقد تورد خدها
وقد تسعر وجدها

تخفى الأسى خلف النخيل
مثل ابتسامات العليل
حتى إذا احتجبت تما
وتراكضت زمر النها
ماً خلف أستار الأفق
رِ وأسرعت زمرُ الشفق

نزل المساء برجله
وجرى الظلام بخيله
هنا في هذه الابيات حشد من الصور التشبيهية والاستعارية ففي البيت الأول والثاني جعل الشمس تنزل في الغروب والشمس . كوكب لا يعقل ، جعلها الشعر تنزل وحدها يتورد يصبح أحمر من شدة الخجل وهي تروم تقبيل الافق البعيد بعدما تسعر وجدها أي : تأجج الشوق في نفسها لتقبيل الحبيب وكلها استعارات تشخيصية إذ جعل هذه الاشياء التي لا تعقل اشخاصاً تقبل ويتورد خدها من شدة الخجل ويشتعل الشوق عندها كما يشتعل في نفس الحبيب المتيم.
وبعد ذلك يأتي بصور تشبيهية إذ شبه إخفاء الشمس لأساها بسبب الغروب والأفول ورحيل النهار، فجيء وقت الأفول والفراق والموت مثل ابتسامات العليل ، الذي يبتسم مخفياً أو جماعة ، ومرضه الذي يمضي به نحو الموت وهي صورة جميلة عن حالتي القنوط واليأس اللتين اصابتا الشاعر.
وتزخر قصيدة الشابي (أنشودة الرعد) بالاستعارات التشخيصية من عنوانها إذ جعل الرعد وهو شيء لا يعقل ينشد أناشيد فبعث فيه الحياة إذ يقول
في سكون الليل لما
وأختفى صوتُ الأماني
رتَّل الرَّعدُ نشيداً
مثل صوت الحقِّ إن صا
عانَقَ الكون الخُشوع
خلف آفاق الهجوع
ردَّدتهُ الكائناتْ
حَ بأعماقِ الحياة

هنا صور تشخيصية جميلة إذ جعل الخشوع وهو شيء مجرد يدرك بالعقل يعانق الكون فبعث فيه الروح وأصبح انساناً يعانق المحب وهو الكون وجعل للأماني صوتاً يختفي ، كلها صور تشخيصية ويأتي بصور تشبيهية جميلة تجسد الخيال الرومانسي إذ شبه صوت الرعد بصوت الحق . إن صاح بأعماق الحياة وحين نتأمل الصور نجد العلاقة بين المشبه صوت الرعد والمشبه به الحق عندما ينطق في الحياة كلاهما يبعث الخوف في نفوس سكان الارض الذي يخيفهم صوت الرعد المجلجل بصوته والذي تستك منه الآذان وكذلك صوت الحق الذي يخيف ويرهب الباطل ويهز عروشه . وإضافة إلى تلك الصور هناك صور تجسيدية تجسد الأشياء المعنوية مثل قول إبراهيم ناجي:
دار أحلامي وحبي لقيتنا
في جمود مثلما تلقى الجديد

فجعل للأحلام داراً والاحلام شيء مجرد تدرك بالذهن فجسدها بالدار وكذلك في قول أبي القاسم الشابي
إذا ما طمحت إلى غايةٍ
ركبتُ المنى ونسيتُ الحذر

المنى شيء مجرد يدرك بالذهن جسده الشاعر بأن جعله يركب ويمتطى ويقول الشابي في قصيدته (الصباح الجديد)
في فجاج الردى
قد دفنت الألم

جعل الردى فجاجاً إذ جسد شيئاً مجرداً الذي هو الردى جعل له طرقاً وفي هذا البيت يقول:
ونثرت الدموع لرياح العدم
جسد العدم بالرياح والعدم شيء مجرد يدرك بالذهن جعل له رياحاً.
وقصيدة (ظمآن) للصيرفي يعمد فيها الشاعر إلى تجسيد المعاني المجردة في اشكال حسية بحيث يمكن مع ذلك تفسير جميع حركاتها تفسيراً مجرداً
ظمآن أطلب رياً
ينساب كالحلم حلواً
مياهه من نور
لتستحم وتعلو
ويسكب البدر نوراً
من جدولٍ سلسالِ
ما بين أصفى ظلالِ
تطفو عليه لآلِ
في موكب الإجلالِ
عليه كالآمالِ


فالجدول ينساب بين الظلال ولكنه في الوقت نفسه كالحلم ، وهو يفيض ككل الجداول بالماء ولكنه ماء من نور والبدر يعكس أشعته عليه ولكنها اشعة كالآمال ونلاحظ أن الشاعر يزاوج بين المحسوس والمعنوي ، والواقع وما خلف الواقع ، ويصبح الجدول رمزاً لحالة الصفاء النفسي وللهدوء شبيهة بالحلم.

تبادل المدركات
لجأ شعراء أبولو إلى نمط جديد في تشكيل صورهم الشعرية ، وهذا النمط لا يقوم على المشابهة أو المجاورة وانما يقوم على تراسل الحواس وتبادل المدركات والتعبير بالرمز ، وقد تأثر هؤلاء الشعراء بشعراء الغرب مثل بودلير ورامبو ومالازمية وغيرهم الذين رأوا أن اللغات شاخت وعجزت عن التعبير مما دفع ذلك الشعراء إلى خلق (لغة في لغة) لينفسح أمامهم البوح باختلاجات الذات وارتعاشات اللاشعور وكان جهدهم منصباً في خلق لغة داخل لغة على استغلال القيم الصوتية في الكلمات والايحاء بها إذ كانوا يعتقدون كما كان يعتقد (مالازمية) أن الشعر يمكن أن يبدع أثراً جمالياً يصل به التجسيد إلى درجة يكون فيها الفهم معطلاً تقريباً ... بينما تقوم الأصوات كما يقوم السياق الصوتي بكل العمل ، ولن تغدو معاني الكلمات حينئذ مركز الاهتمام فالشعور ـ إذا وجد ـ يستثيره السراب الكامن في الكلمات نفسها ، إذ لم يكن الرمزيون بصدد جمع الكلمات وفقاً للمنطق لكي يحققوا معنى يستطيع جميع الناس إدراكه وانما كانوا يجمعونها حسب الاحاسيس، لكي يبرزوا خاطراً ادركه الشاعر وحده ، لذلك نجدهم هزوا رتابة الجملة اللغوية ، فقدموا وأخروا على نحوٍ تبدو الكلمات وكأنها نثرت نثراً عفوياً بينما تخضع لنظام واع دقيق ، على القارئ لكي يكشفه أن يبذل نظير جهد الشاعر ، لكن تجريد السياق اللغوي من علاقاته التركيبية لا يعني بالضرورة فقدان كل وحدة تربط الكلمات بالجمل ، ولكن الوحدة التي حرص عليها الرمزيون من نوع جديد لأنها تعتمد على ما يسمى بالمواءمة الايحائية بين الكلمات ، فصدى الكلمة عندهم ليس ما تعنيه وما يؤامها وينسجم معها من الألفاظ انسجاماً صوتياً غير مقيد بحدود الدلالة وهو ما يدعوه (مالارميه) الانعكاس المتبادل تتفاعل فيه الكلمات وتخلع كل منها على الاخرى بعض اشعاعها السحري ، فما الكلمات إلا أحجار كريمة تنصهر في بناء ايحائي يسبه اتساقه وترابطه قصيدة من كلمة واحدة فإذا بالعطور والالوان والاصوات تتجاوب على مستوى الصياغة الشعرية ، وإذا بمعطيات الحواس تتبادل فتتحول المسموعات إلى الوان وتصير المشمومات انغاماً وتصبح المرئيات عاطرة بل ان المدركات ذاتها تغدو معنى مجرداً من ثقل المادة وكثافتها ، فالعطر فيما يرى بودلير سر تسفحه الزهور : (كثير من الزهور تسفح آسفة عطرها الناعم كسر) : أما اللون البنفسجي فليس في نظره إلا (حباً مكتوماً غامضاً مقنعاً) ولعلنا لا نعجب حين نرى بعض الرمزيين يبدأ من هذه الحقيقة ليصل إلى أن مدركاً واحداً من مدركات إحدى الحواس يمكن يستقطب شتيتاً من مدركات الحواس الاخرى ، وهو ما يقرره بيتس حين يكون الصوت واللون والشكل كلاً مع الآخر في وحدة موسيقية ... فأنها جميعاً تصبح صوتاً واحداً ، ولوناً واحداً وشكلاً واحداً ، وتثير انفعالاً بصدد من مثيرات عديدة ، ولكنه رغم ذلك انفعال واحد))
ويبدو تراسل الحواس واضحاً في هذه الابيات من قصيدة محمد عبد المعطي الهمشري (أحلام النارنجة الذابلة) في قوله:
هيهات ..لن أنسى بظلك مجلسي
خنقت جفوني ذكريات حلوة
فانساب منك على كليل مشاعري
وهفت عليك الروح من وادي الأسى
وأنا أراعي الأفق نصف مغمض
من عطركِ القمري والنغم الوضي
ينبوع لحنٍ في الخيال مفضض
لتعب من خمر الاريجِ الأبيض

وجاء في البيت الثاني استعارة تجسد تبادل المدركات إذ جعل الذكريات هي شيء مجرد تخنق الجفون والخنق يؤدي إلى حبس النفس وقطعه فالخنق يقع في منطقة الأنف والفم والعنق وليس الجفون ثم تكلل هذه الصورة بمفارقة جميلة إذ جعل الذكريات الجميلة هي التي تخنق الجفون فكيف تكون جميلة وتخنق والخنق يؤدي إلى الموت !!
فالشاعر في البيت الثاني استعار للمشموم ـ العطر ـ صفة الاشراق وهي القمرية وهي من صفات أو خصائص حاسة النظر ، والنغم الذي يدرك بالسمع جعله الشاعر مضيئاً والاضاءة من مدركات البصر ، وفي البيت الثالث جعل من الينبوع الذي يقترن بالماء وهو يدركه بحاسة النظر ـ لحناً الذي هو من مدركات حاسة السمع واضفي على الخيال الذي هو شيء مجرد يدرك بالذهن بسمةٍ حسيةٍ (مغضض) أي لونية ويدرك بالبصر ، وفي البيت الرابع حدث تداخلاً بين معطيات الحواس من خلال الخمر التي تدرك بحاسة الذوق قرنها بالاريج الذي هو من معطيات حاسة الشم والابيض من حاسة البصر. فقد عمل الشاعر على اسناد دور حاسة إلى حاسة أخرى ، وهو في هذه الاشياء المتباعدة يحاول أن يجمع بينها على نحو غريب لتوحي بمكنونات نفسه واحاسيسه الغريبة بلغة مركبة تعجز في التعبير عنها اللغة الاعتيادية . ويبدو تراسل الحواس جلياً في قصيدة حسن كامل الصيرفي
الضحكة النشوى
في حوض بلورٍ
تستعذب اللهوا
بالأعين الظمأى
من فم عصفور
موج من النور
فواتن الحور
في سحره المغرى
كالشدو والنجوى
بالعطر مسحور

فالتراسل بين صوت الضحكة وأمواج النور والعطر واضح في هذه الابيات رغم أن الشاعر أورده على طريقة التشبيه كذلك الاعين الظمأى فالظمأ يقترن بالفم وليس بالعين التي هي حاسة النظر.
إن أهم ما يميز الصورة الشعرية عند (الصيرفي) ليس فقط بناؤها على تراسل معطيات الحواس من أصوات وعطور وألوان، بل انها لتتجاوز ذلك أحياناً إلى ما يعرف بتراسل المدركات ، ونعني به نقل صور العالم الخارجي ومرائية من مواطنها ومجالاتها المعهودة فيما يشبه التداعي البصري ومن أوضح ذلك قوله في قصيدة (سحر صوت)
إن غرد البلبلُ
وصفق المجداف
فصوتك المرسلُ
تطوف في دلٍّ
كشرد الأحلام
في هدأة الاسداف
في صفحة الجدول
أنغامه أطياف
في مرقص الليل
براقة الأجسام

من عالم الوهم
فبدلاً من أن يستمع الشاعر أنغام الصوت يبصر فيها اطيافاً تتحرك في دلال وبدلاً من أن يكون مجال هذه الحركة مكاناً متميزاً محدوداً ـ كما هو المألوف ـ يتحول الليل كله إلى مرقص تحول خلاله هذه الأطياف براقة الأجسام رغم أنها أطياف وهمية وينقل المدركات من مجالاتها الطبيعية وعلى هذا النحو استطاع أن يضعنا باراء صورة لا هي حقيقية ولا هي وهمية بحتة لأن بعض عناصرها واقعي فهي بين الوهم والحقيقة .

التجديد في الشكل والموسيقى:
مضت جماعة أبولو في طريق التجديد الشعري أسوة بما فعلته جماعة الديوان ولقد رأينا كيف عمق شعراء الجماعة مضمون القصيدة العربية الحديثة ، وأولوها عنايتهم الفائقة ، ولاسيما في اتجاهاتهم العاطفية والتأملية والوصفية ولقد كان الحال كله تجديد شكل القصيدة كما هو الحال في مضمونها .
وعلى الرغم من أن شعراء أبولو قد شبقوا في مجال البحور ، إلا أنهم مضوا وراء من سبقوهم ، وتوسيعاً لظواهر التجديد في العروض حتى صات في شعرهم تشكل ظاهرة وفي هذا المجال تشير إلى مزج البحور المختلفة في القصيدة الواحدة ، تحرروا من القافية والتزموا الشعر المرسل ونسجوا على غرار الموشحات ، ويقف أبو شادي في مقدمة الذين جددوا في نحور القصيدة ، سواء في وزنها أو قافيتها أو حتى في طريقة كتابتها.
أ هي فرحةُ أم خشية حلم يتصدع
هاك قلبي يا حياتي! نبئيه كيف يصنع
هو في القرب بعيدٌ عنك يهفو ثم يجزع
نظم أبو شادي الشعر المرسل ليكمل مسرة الشعراء الذين سبقوه مثل الزهاوي الذي نظم أول قصيدة في الشعر المرسل عام 1905 وكذلك عبد الرحمن شكري الذي نظم كثير من القصائد ومنها قصيدة الليل التي سبق أن تناولناها والشعر المرسل هو الشعر العربي غير المقفى الذي لا يلتزم بقافية واحدة وانما لكل بيت قافيته التي تختلف عن قافية البيت الذي سبقه أو الذي جاء بعده ومن صور الشعر المرسل عند أبي شادي (رغوة العصفور)
ما بين دنيا ودنيا وبين صبح وليل
ما أصغر العلم منا بمن تكون وجوداً
المدُ والجَزْرُ يمضي والدَّهر في جيشانِ
وكلما أنهدَّ فانٍ منها تجلَّى سِواه
ترى الحياة كنجم في حافةِ الأفق رفا
وأصغرَ العِلم عنهُ بما ستمضيْ إليهِ!
وقَدْ حملنا بعيداً في موجة كالزبدِ
مجدداً ومسوطاً في رغوةٍ للعُصفُورْ


اتلبحر الذي نظمت عليه المقطوعة من المبحث وفي هذه المقطوعة تحرر الشاعر من القافية . كما اشتهر هؤلاء الشعراء بنظم الشعر المقطعي وهو ذلك اللون من الشعر الذي يلتزم فيه الشاعر بحراً واحداً في القصيدة مع التنويع من اشكال الاقسام التي تبنى عليها القصيدة والقوافي ، ومن اصناف الشعر المقطعي والمربعات التي تتكون من اقسام يتألف كل قسم منها من أربعة أشطر تكون في الغالب متحدة القافية وفي بعض الاحيان قسم منها مختلفة.
ونظم هؤلاء الشعراء أنواعاً ايقاعية متعددة ، منها الذي تنظم فيه القصيدة الواحدة على اكثر من بحر شعري ومثال هذا الشكل قصيدة الشاعر إبراهيم ناجي (كبرياء) إذ نظم المقطع الاول من قصيدته على البحر الوافر ، في حين نظم المقطع الشعري الذي يليه على بحر للرمل.
نداؤك يا فؤاد كفى نداء
أنا ظمآن لم يلمع سرابٌ
فؤادي قل لها لما افترقنا
أما تنفك تشقيني الشقاء
على الصحراء إلا خِلتُ ماء
على شجنٍ، وما نرجو اللقاء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قد سلاني فتنكرتُ لهُ
وحبيبٍ كان دنيا أملي
مَن مشى يوماً على الوردِ له
من سقى يوماً بماء ظامئاً
خفق القلب له مختلجاً
وطوى صفحة حبي فطويته
حبهُ المحرابُ والكعبةُ بيتُه
فطريقي كانَ شوكاً ومشيتهْ
فأنا مِن قدحِ العُمرِ سقيتهْ
خفقةُ المصباح إذ ينضبُ زيتهْ

ونظم جماعة الديوان الشعر الحر وكان ذلك على يد الشاعر أحمد زكي أبو شادي الذي نظم أول قصيدة حرة عام 1932 وهو بذلك قد سبق رواد الشعر الحر بعقدين من الزمن وهذا الشعر يكون متنوع الاوزان والقوافي ويكتب على هيئة شطر واحد وليس نظام الشطرين يضاف إلى التقنيات الاخرى مثل التضمين وتعزيزه بالايقاع الداخلي الذي يقوم على التناغم الصوتي من خلال تكرار بعض الحروف أو الألفاظ والعبارات وتحقيق التوازي من الايقاع وقد نظم قصيدة (مناظرة وحنان)
وجلسن بين تناظر متأملات في المرائي
فلم التناظر ؟
الحسن وحدته تجل وان تنوع أو تباين
فله الجلالة


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم