انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

عالمية الأدب

Share |
الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 2
أستاذ المادة هناء جواد عبد السادة العيساوي       18/12/2017 08:54:33
عالمية الأدب
أتى من جهة القدرة على الانطلاق بالخصوصية الفنية الملتحمة بنسقها الحضارى, إلى الآفاق الإِنسانية المجردة, وذلك يستدعى القدرة على النفاذ إلى « المرجعية الشعورية », بحيث يمكننا إحداث التوافق والتناغم بين المكتسب والفطرى فيها, وأيضا « بلورة » « الجذر » الثابت, وهذا هو مدار العبقرية التى تسمح للأدب أن يكون عالمياً.
ومن ثم : فيمكننا أن نقرر, بأنه ليس ثمة عالمية فى الأدب من دون أصالة, كما أنه خصوصية, فالأصالة هى التى تمنح الأدب فرادته وتميزه الذى يجعل منه إضافة جديدة, وتطويراً فى النشاط الأدبى العالمى, كما أن الخصوصية هى التى توفر للنتاج الأدبى شرط الصدق, الذى به وحده, يستطيع أن ينفذ إلى حنايا النفس الانسانية, ويهز أوتارها, ويحرك مشاعرها.
وعندما افتقدت حركة الأدب العربى الحديث, هذه البصيرة بطبيعة الأدب, وتعامت عن شروط العالمية, انزلقت إلى مجاهل السبل, مسالك التيه, وأصبح كل همّ الأديب العربى أن يقلد اتجاهاً أدبياً أوروبياً أو حتى أدبيا أوروبياً بعينه, تجاهل أدبنا الحديث حقيقة أن ثمة مالا يمكن تجاوزه فى الفعل الإِبداعى بأية حال, إذا شئنا أن ينسب هذا الفعل إلينا, كأدباء ذوى « هوية » إنسانية متميزة.
لقد تجاهلنا, أو جهلنا, أن الأصالة هى المدخل الطبيعى إلى العالمية وأن الخصوصية هى الشرط الجوهرى فى عالمية الأدب.
ولقد أصبحت « العالمية » فى قاموسنا الأدبى الحديث, مرادفاً كاملاً للأوربية, وغدا شائعا ـــ ولما يزل ـــ أن نعنى « الأوربية » كما ذكرنا العالمية, ولقد كان الأدب العربى « المندحر » فى حاجة ـــ على ما يبدو ـــ لأن يسمع النصيحة من الأوربى ذاته, وقليلاً ما تأتى, حيث وجه أديب ايطاليا الكبير « ايجتازيو سيلونى » دعوته إلى أدباء العربية « إن الطبيعة تأبى أن تعترف بأداب عام لأقوام اختلفت أمزاجتهم وعقلياتهم, وتفاوت ميراثهم النفسى والحضارى, ولهذا نود إنما يأخذ مكانته أدباً عالمياً بتفرده وأصالته (3).
ـــ 3 ـــ
فى جولة قام بها المستشرق الفرنسى المعاصر « شارل بيلا » فى عدد من الأقطار العربية, سأله أديب صحافى : أيهما تقرأ الأدب العربى القديم أم الحديث ؟ فأجاب : بل أقرأ الأدب العربى القديم وحده, فسأله الصحافى الأديب : ولماذا لا تقرأ الأدب العربى الحديث ؟ فأجاب « بيلا » : لأنه أدب أوربى مكتوب باللغة العربية ! (4)
من هذه اللفته الهامة, التى قدمناها كمدخل, للدلالة على الخلفية الحضارية التى يتحرك من خلالها أدبنا الحديث, غالطاً عامداً فى إدراك مفهوم « العالمية » فى الأدب, نستطيع أن نعرض أمثلة تطبيقية توضح لنا حجم الخلل والخطر الذى نتج من جراء ذلك « السقوط » وسنأخذ مثالين : أحدهما من خلال تناول « الموقف التاريخى الدينى », والآخر من خلال تناول « الأنموذج الإِنسانى ».
فعلى صعيد « الموقف التاريخى » من المعروف أن قصة صلب وقتل المسيح ـــ عليه السلام ـــ وهى واحدة من أعظم الموروثات الدينية والتاريخية, التى يلح عليها الشاعر الأوروبى الحديث, كلما أراد بسط مشاعره, حول فكرة الظلم الإِنسانى, والخطيئة البشرية الكبرى, والخلاص, ونحو ذلك.
ولا شك أن « المورث الدينى المسيحى » يتيح للشاعر الأوربى حيوية واسعة فى أن يبدع من خلال هذا الموقف, ويستثمر ذلك الحدث, لأنه يتكىء عليه لاستثارة وتهييج الضمير العقائدى المستخفى فى أغوار الإِنسان الأوروبى, فيستحضر الشاعر بذلك أرق ما فى النفس البشرية من معانى الخلاص والبراءة ..
فإذا ما انتقلنا إلى ساحة الشعر العربى, وجدنا الأمر محض تكلف جاف, وفاشل فنيا, فى استثارة الضمير المسلم, وفق ذلك الرمز الدينى والموقف التاريخى المرتبط به, وذلك أن الضمير العقائدى المترسخ فى أغوار المسلم, يجعله مستعصيا على مثل ذلك التهييج الشعورى, لأنه قد ترسخ فيه أن قصة صلب المسيح وقتله, هى محض أكذوبة وفرية اخترعها الرواة عن وهم, وأنه « وما قتلوه وما صلبوه ولكن شه لهم »(5)
وتبقى محاولات « حشر » هذا « الموقف التاريخى الدينى », بإيحاءاته واصطلاحاته, ومشتقاته الدينيــة المسيحية, فى السياق الشعرى العربى الحديث, عيثاً شائناً, ودلالة صريحة على التبعية والسقوط (6).
وفى النفس هذا الموقف, على مستوى الفن الروائى, فقد قام الأستاذ « سمير الهضيبى » مجاولة روائية كبيرة, تحت عنوان « نهاية أورشليم » عالج فيها تفسخ المجتمع اليهودى وانحلاله وسقوطه من خلال « لوحات » تصور لنا عصر المسيح ـــ عليه السلام ـــ وعندما عرض الأديب المسلم لحادث الاعتداء على المسيح, أراد أن يتوسط فى الموقف ! فأثبت الصلب وتحايل فى نفى القتل بحيلة مقبولة فنياً, إلا أن الصورة العامة ستلقى صدوداً وجدانيا لدى قارىء المسلم للأسباب التى قدمناها, وقد انسحب الأديب الروائى إلى زلة اعتماد المصطلحات المتصلة « حميما » بمفاهيم الاعتقاد المسيحى. (7)


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم