انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

« أدب الحضارة »

Share |
الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 2
أستاذ المادة هناء جواد عبد السادة العيساوي       18/12/2017 08:57:16

,
فهو ذلك النوع من النشاط الفنى الأدبى الذى يصدر عن القاعدة الحضارية الواسعة, التى تعبر عن المدينة الإِسلامية بكل ما فيها من روح وفكر, وفن وتصور, وقيم, ومواضعات اقتصادية وسياسية, وطبائع اجتماعية وتشريعية, واشكاليات نفسية, وهواجس مستقبلية, وتراث أسطورى أو تاريخى كونى, وهموم إنسانية عامة, وغير ذلك, ومن شبكة الحياة الواسعة, الكثيفة الأفرع, والبعيدة الامتداد, وأدب الحضارة بهذا المعنى, لا يحمل الرسالة بالمفهوم السابق, وإن كانت روح الإِسلام تتسرب فى حناياه, وتذوب مع ذراته الدقيقة, إلى الدرجة التى تكاد فيها لا تدرك بالحس المباشر, واليقظ.
وهذا النوع من أدب الاسلام ـــ أدب الحضارة ـــ هو الذى يملك مقومات العالمية بكل أبعادها, وذلك لأنه لا يصدر عن حالة من الهم المباشر بقضية الإِسلام, مما يجعل ثمة حواجز دينية وتراثية تحول دون امتداده فى الوجدان الإِنسانى العام, وهذا الأمر يكسب أدب الحضارة الإِسلامية حيوية كبيرة, تغرى البناءات الحضارية الأخرى, لكى تفتح نوافذها لاستقبال ذلك الروح الأثيرى الجديد, برؤاه الجديدة, ومعاناته المختلفة لمشكلات الحياة الإِنسانية.
وعلى الجانب الآخر, فهو لا يصدر ـــ حين يصدر ـــ متوجها إلى الإِنسان المسلم على وجه التحديد, وإنما هو يخرج رحيقاً إنسانياً صافياً, مجرداً عن أية قضية محددة, أو وجهة مميزة, تماماً كما يخرج رحيق الزهر من طلعه, لا يعنيه من يستعذبه ولا من يشريه, وإنما هو ينبعث للحياة انبعاثا فطريا خالصا, دونما تكلف أو وعى مضبوط.
وهذا الأدب الإِسلامى ـــ أدب الحضارة ـــ هو جمهرة أدب الإِسلام, الذى أفرزته حدائق الإِسلام الواسعة الامتداد, والهائلة التشعب والتنوع, والوافرة الثروة على مدار التاريخ الطويل للحضارة الإِسلامية.
وأدب الحضارة ـــ من ثم ـــ هو مدار العالمية فى أدب الإِسلام, ومن حيث الخصيصة الإِنسانية المجردة, التى تجعله قادراً على اختراق حواجز « المرجعية الشعورية المكتسبة » فى البناء النفسى للإِنسان فى شتى البنى الحضارية, لينفذ إلى صميم « المرجعية الشعوريـة الفطرية », والتى لا يختلف فيها الإِنسان عن الإِنسان فى أى مكان من وجه الأرض, بل وفى أى زمان على مدار التاريخ.
وهذه الخصيصة, هى التى تمنح كتاباً مثل « طوق الحمامة فى الألفة والألاف » لأبى محمد على بن حزم الأندلس, ابن القرن الخامس الهجرى, حيوية بالغة عندما يترجم إلى عدد من اللغات الأوروبية الحديثة, حتى أنه يتصدر قائمة المبيعات الأدبية المشرقية فى « بولندا » فى مطلع القرن الخامس عشر الهجرى, تاركاً وراءه أحدث النتاجات الأدبية فى الشرق, بما فيها تلك التى يجهد أصحابها فى تقليد المذهبيات الأدبية الأوروبية ذاتها.
وهذه الخصيصة ـــ أيضا ـــ هى التى تجعل كتاباً مثل « رسالة الغفران » لأبى العلاء المعرى أو « حى بن يقظان » لابن الطفيل, منهلاً ينهل منه أدباء أوربيون كبار, ويبدعون من خلال « روحه » وحتى « إطاراته الفنية ».
وهذه الخصيصة ـــ أيضا ـــ هى التى تمنح إنتاجاً شديد الخصوصية فى البناء الحضارى التاريخى للإِسلام, مثل « أدب بنى ساسان » أو « أهل الكدية », أو بالتعريف القريب « أدب المتسولين » جاذبية هائلة, تسترق مشاعر المستشرق السوفيتى « مينوسكى », والمستشرق الألمانى « رور صوير » فيخرجون ذخائرها, ويحققونها, وينشرونها فى العالمين, حتى قبل أن تنتبه لها الإِدارات المتخصصة فى العالم العربى (12).
وهذه الخصيصة ـــ أيضا ـــ هى التى تمنح « رباعيات الخيام », تلك الجاذبية الروحية الكبيرة التى تشد إليها وجدانات البشرية فى العديد من اللغات المختلفة والأنماط الحضارية المتباينة.
وهذه الخصيصة ـــ أخيراً ـــ هى التى تمنح كتاباً مثل « ألف ليلة وليلة » تلك الهيمنة العجيبة على خيالات البشرية فى كل مكان, لتصبح جزءاً لا يتجزأ من تراثها الأسطورى الذى يربص على مناحى التفكير الفنى وآفاقه الإِنسانية.
هذا التراث الأدبى الكبير الذى لم يعرف يوما ما, إشكالية الأدب الملتزم وغير الملتزم, والمسؤول وغير المسؤول, والهادف وغير الهادف, هو الذى يصدق عليه كلامنا ـــ عند الاطلاق ـــ بوصفه : أدب الإِسلام العالمى.
ـــ 5 ـــ
العالمية فى أدب الإِسلام طبيعة طابعة, وخصيصة أصيلة, لا تقصد قصداً, ولا تتكلف تكلفا, نظراً للطبيعة الإِنسانية التى تمثلها قاعدته الحضارية التى يصدر عنها, ومن ثم؛ فعندما نتحدث عن شروط إعادة أدب الإِسلام إلى مدارات العالمية, فإن حديثنا ذاك, يتعادل تماماً مع حديثنا عن شروط نهضة الأدب الإِسلامى وحسب.
وعلى الرغم من اتصال الحياة الأدبية, بظواهر الحركة الحضارية بوجه عام, وهو الأمر الذى يبشر بنهضة الحضارية الجديدة, إلا أن ثمة شروطاً فنية ومنهجية ومنطقية, ينبغى أن تراعى إذا أردنا لهذه النهضة الأدبية أن تؤتى أكلها, وثمارها, وتنجو من مزالق التيه, وعثرات الطريق.
ويمكننا أن نلخص تلك الشروط فى النقاط الآتية :
أولاً : صدق التجربة, وسلامة التصور : لقد سبق وأوضحنا أن الخصوصية هى شرط العالمية, وأن الأصالة هى مدخلها, وبالتالى فعندما نتحدث عن شروط نهضة الأدب الإِسلامى, فإنه يقفر فى المقدمة شرط « صدق التجربة ».
إن المواقف الأدبية, أو النماذج الإِنسانية التى يعالجها الأديب المسلم, ينبغى أن تكون صادرة عن واقع صحيح يعيشه ويحياه, أو ـــ على الأقل ـــ تملك المواقف والنماذج التى يختارها معقولية الصدور عن مناخ إنسانى حضارى يمثله الأديب بوصفه مسلما.
والحقيقة أن « صدق التجربة » يرتبط ارتباطا وثيقاً بسلامة التصور, والتأمل فى وضعية الإِنهيار والتبعية التى غرق فيها الأديب العربى المسلم, والتى تفتقر فى عمومها لصدق التجربة, سيلحظ بوضوح أن السبب الأساسى يعود إلى « اغترابه الفكرى », والخرق الذى أصاب « فلكه الثقافى», حتى لقد وصل الحال ـــ فى مرحلة هامة من تاريخنا الحديث ـــ إلى حد شعور الأديب العربى المسلم أنه فى وضع صراع مع كيانه التراثى والتاريخى والدينى كذلك.
ولقد صور لنا الدكتور « محمد حسين هيكل » بدايات الأزمة تصويراً دقيقاً, وعن تجربة, فقال : « والشرقيون الذين لم يفطنوا بما يجب من الدقة إلى هذا الاتصال التاريخى بين الدين والعلم والفلسفة والأدب فى الغرب, والذين فتنوا بأدب الغرب, خيل إليهم أنهم قديرون على نقل صور الأدب إلى الشرق كنيسة ككنيسة الغرب, وأن ما انتهى إليه النضال بين الدولة والكنيسة فى الغرب, يجب أن يبدؤا عنده حملتهم على الكنيسة الموهومة فى الشرق »(13).
و « هيكل » ـــ رحمه الله ـــ لم يكتف بتسجيل ذلك الإِنهيار على أبناء جيله وحسب, بل ذهب إلى حد الاعتراف الشخصى بالحقيقة, فقال : « وأعتراف أن خواطر كهذه جالت بنفسى فى أوقات متفاوته »(14).
ومن هنا؛ فإنه سيكون من الضرورى, فى خطوات الأدب الإِسلامى الأولى نحو نهضته, ونحو العالمية, أن يتضلع بهذا الفتح, الطلائع الإِسلامية الواعية, والتى تحمل فى حناياها وضمائرها إرادة التغيير, وسلامة التصور, والارتباط الحميمى بأمتهم : تراثا, وواقعا, وآفاقاً مستقبلية.
ثانياً : تجاوز الموقف التريخى إلى الواقع الحى : وهذه المسألة, قد تكون لها بعض حساسياتها مع أصدقائها وإخواننا مبدعى الأدب الإِسلامى المعاصر, إلا أن ظن الخير يمنحنا الشجاعة لنقد الخلل, وتوجيه المسار.
إن الملاحظ على عامة النتاجات الأدبية الإِسلامية الجديدة ـــ ولا سيما فى الفن الروائى والمسرحى ـــ انتحاؤها منحى التاريخ, بمواقفه ونماذجه على السواء, وتكاد عملية الاستلهام هذه تقبع فى حقبة محدودة, لا تتجاوز القرون الثلاثة الأولى, وباقى تاريخ الإِسلام همل, إلا من الوقفات عند المعارك الكبرى, كمعارك صلاح الدين, والظاهر بيبرس, وحتى هذه الوقفات لا تحاول النفاذ إلى أعماق الضمير الشعبى الإِسلامى, بقدر ما تحاول تسجيل المشاهد التاريخية الظاهرة, والفذة, أيضا الملوكية, وربما يعود ذلك إلى ضعف الحصيلة المرجعية من كتب التاريخ المتخصصة, وهو الأمر الذى تكشفه نقاط فراغ كثيرة فى العمل الفنى, يحاول الأديب سدها عن طريق تمديد الحوار أو الوصف, فى المواقف المركزية.(15)


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم