انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

السرد العربي القديم /اشكالية السرود العربية

Share |
الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 7
أستاذ المادة هادي طالب محسن العجيلي       24/03/2018 20:04:33
يرى كثير من الدارسين المحدثين أن بداية تشكل السرد العربي القديم إنما كانت عن طريق ما ترجم إلى العربية من نصوص فارسية وهندية، ثم صارت هذه المترجمات بمثابة المنوال الذي نسج عليه العرب سردهم أيضا. ويمكن تمييز رأيين مختلفين حُيال السرد العربي القديم: أحدهما ينفي والأخر يثبت:
? الرأي الأول:
ويمكن توضيحه من خلال الخلاصة التي انتهى إليها كل من الدكتور أحمد حسن الزيات وإسماعيل أدهم، فالدكتور أحمد حسن الزيات لا يتردد في جعل القصص “ضربا من ضروب الترف في القرنين الثالث والرابع للهجرة، اصطنعها الندماء ليسامروا بها الخاصة، وجرى مجراهم العامة من أهل الترف والبطالة”. وهو في هذا القول يكاد يستنسخ مقولتي المسعودي وابن النديم المشار إليهما سابقا.
أما الدكتور إسماعيل أدهم فيذهب أبعد مما ذهب إليه أحمد حسن الزيات، فينفي وجود أي شكل من أشكال القصص في التراث العربي القديم، “لأن القصص لم تنشأ عند العرب إلا حديثا بتأثير الثقافة الغربية”، ثم يقول بعد ذلك: ” لم تنشأ القصة والأقصوصة في الأدب العربي الحديث من أصل عربي قديم، كالمقامات والقصص الحماسية، كما يظن البعض، إنما نشأ فن القصص مترعرعا في الأدب العربي الحديث تحت تأثير الآداب الأوربية مباشرة.”
ومرد ذلك عند أصحاب هذا الموقف يمكن أن نرجعه إلى عاملين يترتب أحدهما عن الآخر: العامل الأول ويرجع إلى فكر العرب الساذج الذي لا يحسن التجريد، أما العامل الثاني فيرجع إلى غلبة الذاتية وافتقار العرب إلى الخيال.
? الرأي الثاني:
أما الذين خالفوا الرأي الأول فيجعلون الأمة العربية أمة قصصية بالطبع والأصالة، بل هي أرسخ الأمم في المجال السردي، ومن أوضحهم محمود تيمور، وفاروق خورشيد:
يقول محمود تيمور: ” فإذا كانت قلوبا قد أشربت حب القصة الغربية واصطناع مناهجها فلأن الأمة العربية أمة قصصية بالطبع”، ثم يقول: ” والثقافة العربية على ترادف أحقابها تزخر بالقصة، مختلفة الشكول والألوان، فالمجرى القصصي في هذه الثقافة موصول، لا ينضب له معين، في كل عصر له مظهر، وفي كل منحى من مناحي الحياة له مجال”.
أما فاروق خورشيد فيرى في أمر السرد العربي مفارقة عجيبة تتجلى في وفرة الإبداع السردي من جهة وقلة الاعتبار له من جهة أخرى، ومرد ذلك، كما يقول: “إلى غطاء التعتيم على التراث السردي العربي، وإهمال النقد العربي القديم له”.
ونبه فاروق خورشيد في هذا السياق إلى تميز النص السردي العربي القديم عن سائر النصوص الأدبية الأخرى، ولذلك فهو يدعوإلى اعتماد مقاييس مخصوصصة لإنصاف السرد العربي القديم ولأبراز أبعاده الفنية، يقول: ” دعائم النثر الفني عند نقاد الأدب ومؤرخيه: الخطب والرسائل والأمثال والمواعظ والوصايا، فأما القصص من أسمار وأخبار ومن أساطير وخرافات فليس لها في النثر كبير مقام، ولا جليل اعتبار، وإذا ذكرت فإنما تذكر تكملة للعد والإحصاء والاستقصاء”.
المحور الثاني: أنواع السرود العربية التراثية:
1- مدخل: السرد العربي القديم كقسم مستقل بذاته.
2 – خطاطة عامة مساعدة لقراءة بعض أشهر النماذج السردية
1 – السرد العربي كقسم مستقل بذاته:
نصادف في بعض كتب الأدب والنقد والتراجم القديمة، بعض الإشارات المتفرقة تدل في مجملها على أن السرد العربي القديم قسم مستقل بذاته، له أصوله وخصائصه التي تميزه عن بقية الفنون النثرية القديمة كالخطب والرسائل والوصايا وغير ذلك.
فقد ميز ضياء الدين بن الأثير الكاتب ( نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري أبو الفتح ضياء الدين المعروف بابن الإثير الكاتب ت637هج) بين النثر والمقامة التي كانت تعتبر الظاهرة السردية الكبرى في زمانه وذلك رغم انتقاده الصريح للمقامات ولأصحابها. فالمقامة تقوم عند ابن الأثير على حكاية تخرج إلى “مخلص” بخلاف المكاتبات، فإن معانيها تتجدد بتجدد الحوادث والأيام.
ويفرق ابن الأثير تبعا لذلك، بين طبع الكاتب وطبع المقامي، وذلك استنادا إلى حكاية مشهورة رويت في شأن عجز الحريري (أبو محمد بن القاسم بن علي بن عثما الحريري الحرامي البصري ت 516هج)،عن تحرير كتاب ديواني. وقد فسر هذا العجز بثلاثة أسباب:
? السبب الأول: وفسره بالحالة النفسية التي يكون عليها الكاتب، وسماها ب” الفتوح”، فالنظم وحسن الكتابة من الفتوح ” ومازال الناس كذلك تارة يفتح عليهم وتارة لم يفتح، والحريري في ذلك الوقت لم يفتح عليه”.
? السبب الثاني: وفسره بضائقة الزمن التي تحيط بالكاتب الرسمي، وتفرض عليه فرضا، بينما اتسع الوقت للحريري في بيته وهو يكتب المقامات.
? السبب الثالث: ويفسره ابن الأثير بضائقة الموضوع الذي لا عهد له به ولا محيد له عنه إلا بمباشرة الكتابة الديوانية، داخل مؤسسة ديوان الإنشاء بطقوسها ومراتبها المعروفة.
أما الكاتب الأندلسي ابن عميرة ( أبو المطرف أحمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين ابن عميرة المخزومي ت656هج) فيقدم لنا تفسير آخر للتمييز بين المقامة والنثر، انطلاقا من تجربته الخاصة، وذلك استنادا إلى خاصية الحكي التي تقوم عليها المقامة. فقد سئل ابن عميرة السؤال التالي: لأي شيء ما لم تصنع المقامات؟ فقال مجيبا: ” أما الألفاظ فما أغلب عليها، وأما تلك الأكاذيب التي تكذبها فما أحسن أن أصنع مثلها”.
ويستنتج من موقف ابن الأثير الكاتب والناقد ، ومن موقف ابن عميرة الكاتب والفقيه والقاضي والرحالة، أن الحيز الذي يصدر عنه السارد وهو يحكي ويفتعل، غير حيز الكاتب الذي يصدر عنه وهو يحبر أو يدبج.
أما صلاح الدين الصفدي ( أبو الصفاء خليل بن أيبك بن عبد الله الألبكي الغاري الصفدي الدمشقي ت 764هج بالطاعون، وكان قد تعاطى الرسم على القماش، طبع له أكثر من عشرين مصفا)، ولشده إعجابه بالمقامات فقد عدها كتاب علم في بابه، ” وقد ظلمها من جعلها من باب الترسل أو جعل الترسل جزء منها”.
ولم يكتف الصفدي بالتفريق بين الكتابة والمقامة، بل لقد انتبه إلى وظيفة السرد المقامي في تعليم صناعة الكتابة نفسها، ومن هنا كان رده العنيف على ضياء الدين بن الأثير عندما انتقد أسلوب المقامة الصناعي، قال الصفدي عن أهمية المقامة في نظره وفي نظر معاصريه من العرب والفرنج: ” ولقد رأيت بعضهم يزعم أنها – المقامة – رموز في الكيمياء، ويُحكى أن الفرنجة يقرءونها على ملوكهم بلسانهم ويصورونها ويتنادمون بحكاياتها، وما ذاك إلا أن هذا الكتاب أحد مظاهره تلك الحكايات المضحكة والوقائع التي إذا شرع الإنسان بالوقوف عليها تطلعت نفسه إلى ما تنتهي إليه، وتشوفت نفسه إلى الوقوف على آخر تلك القصة، هذا إلى ما فيها من الحكم والأمثال التي تشاكل كتاب “كليلة ودمنة” وإلى ما فيها من أنواع الأدب وفنونه المختلفة وأساليبه المتنوعة”.
فالمفاهيم والوظائف والغايات والمصطلحات التي يعرضها الصفدي في هذا الكلام الموجز خالصة للسرد وليست لها علاقة بمجال الكتابة أو الترسل، ولو تم البناء عليها لتغير موقف القدماء، ولكان للسرد العربي القديم شأن آخر ممارسة وتنظيرا.
2- خطاطة عامة مساعدة لقراءة بعض أشهر النماذج السردية:
ازداد، في الآونة الأخيرة، اهتمام الدارسين المعاصرين بالسرد، وتنوعت عناوين مؤلفاتهم، نذكر منها علي سبيل المثال، بالإضافة إلى كتب كليوطو وسعيد يقطين بالمغرب ومحمد طرشونة بتونس:
? قصصنا الشعبي، لفؤاد علي حسنين
? الأدب القصصي عند العرب، لسليمان موسى
? السردية العربية، عبد الله إبراهيم
? جمايات السردية التراثية، لمي أحمد يوسف
? موسوعة السرد العربي، لعبد الله إبراهيم، وغير ذلك.
أما الحقول التي تناولتها دراسات المحدثين فنذكر منها: الحكاية الشعبية، الحكاية التاريخية، الحكاية العجائبية، المنام، النادرة، الأخبار، النوادر، الحكايات القصصية، الأمثال، المسامرات، قصص الحيوان، الرحلات، السير، الحمق ،الجنون، التغفيل، وغير ذلك، وهذا الاهتمام المتزايد بالسرد العربي القديم يفرض علينا السؤال التالي: إلى أي حد يمكن أن يكون الراوي في سرده منافسا للشاعر في نظمه أو للكاتب في إنشائه وتأليفه؟ وما هي أنواع السرود وأصناف الرواة وطبقات المروي لهم؟، والجواب عن هذه الإسئلة نعرضه بشكل ضمي من خلال الخطاطة التالية:
? السرد اللغوي المقامي: وهو الذي تغلب فيه الصناعات اللغوية والفنية على غيرها، فقد جرب أصحاب هذا اللون كل الإمكانيات الفنية التي أتاحتها اللغة العربية في زمنهم، وهذا دون الإخلال بجوانب الحكي الخصبة. ويمكن أن نجمل عناصر السرد اللغوي السبعة فيما يلي: اللغة، الراوي، البطل النموذجي، الحكاية (بشخوصها وخلفياتها وزمانها ومكانها)، والموقف بحيلته، والتعرف بنهايته، والأمثولة الأدبية التي تمثل خلاصة المقامة بزبَدها وزُبدها، والدرس الذي يمليه السارد على المتلقي بطريقة غير مباشرة.
أما النصوص السردية التي تمثل السرد اللغوي فهي كثيرة، ونذكر من أهمها:
– مقامات بديع الزمان الهمداني ( أبو الفضل أحمد بن الحسي بن يحيى بن سعيد ت 395هج افتخر بأصله الهربي وبعروبته رغم أنه ولد في بلاد أعجمية همدان)، وهي الأكثر أصالة وعمقا وصدقا من بين سائر المقامات العربية والأجنبية، وخاصة إذا ما قرئت في ضوء حياة الهمداني وسيرته ورسائله وأشعاره.
– مقامات الحريري وهي الأكثر احترافية وصنعة إلى درجة جعلت الناس يفتتنون بها ويرحلون في طلبها من أصقاع نائية، ثم يعكفون بعد ذلك على حفظها وشرحها واستجلاء غوامضها واستنباط أسرارها وعلومها خلال مراحل طويلة لم ينقطع سندها بالحريري نفسه، ولعل هذا ما يفسر انتشار مخطوطاتها في كثير من مكتبات العالم، ولعل شرح الشريشي الأندلسي المشهور والضخم خير دليل على أهميتها ومكانتها في تاريخ الأدب العربي مشرقا ومغربا.
– مقامات السرقسطي اللزومية ( أبو الطاهر محمد بن يوسف السرقسطي التميمي الأندلسي ت 538هج. وقذ حذا فيها على نهج الحريري حذو النعل بالنعل، في مجمل معانيها وأشكالها الصناعية والزخرفية، غير أنه أضاف إليها تلوينات جديدة جلبها من لزوميات المعري، وبذلك تكون مقاماته قد جمعت بين مؤثرات المعري والحريري دفعة واحدة على غرار كثير من كتاب أهل المغرب والأندلس الذين جمعوا في كتاباتهم وأشعارهم بين مؤثرات أدبية عدة، تبتدئ ببشار بن برد وأبي نواس ومسلم بن الوليد وابن المعتز، مرورا بأبي تمام والمتنبي والمعري والخطيب الحصكفي وانتهاء بالعماد الأصفهاني والقاضي الفاضل.
? السرد اللغوي شبيه المقامة: وهو نوع يتخفف كثيرا من أثقال الصناعة ومساحيق الزخرف، من جهة، ثم لا يلتزم بجميع العناصر السبعة المكونة لهيكل المقامة. ونمثل له بالمقامات الوعظية للزمخشري( أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الزمخشري ت 538هج). (والمقامات الغزلية للشاب الظريف (محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله التلمساني شمس الدين ت688هج).
? المقامات التعليمية، وهي تلك المقامات التي تخص فنونا وعلوما أخرى غير الأدب شعره ونثره، فأسلوبها أسلوب مقامي، وغايتها غاية تعليمية قد تبعد بنا عن روح الأدب وجوهره، وهي أشبه ما تكون بالمنظومات التعليمية، هدفها الأساسي تلقين العلوم بغلاف أدبي شفاف ممتع يساعد على الحفظ والاستظهار، ونمثل لهذا النوع بالمقامة الإنشائية للقلقشندي ( أبو العباس شهاب الدي أحمد بن علي ب أحمد القلقشندي ت 821هج) التي صب فيها كثيرا من العلوم المتعلقة بصناعة الإنشاء التي وردت في كتابه صبح الأعشى،على وجه الإجمال والاختصار، وكذلك الأمر بالنسبة للمقامة التاريخية لابن الوردي ( مظفر ب عمر بن محمد بن أبي الفوارس المعري البكري ت 749هج)، وغير ذلك.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم