ثالثا: ألفاظ الحضارة والترجمة والتعريب تدرجت الإنسانية عبر تاريخها الطويل تدرجاً ملحوظاً ، وانتقلت من طور تغلب فيه السذاجة الى دور يتسم بالمدنية ، مما جعل اللغات تصادف أشياء كثيرة تتطلب تسميات ، وتواجه أفكاراً كثيرة يعوزها التعبير، لكن ما واجهه الشعب العربي في أول عصر النهظة ومازال يعانيه قد يفوق ما عانته الشعوب الأخرى ، إذ إن العرب عندما استفاقوا من كبوتهم وجدوا أنفسهم متخلفين كثيراً عن ركب الحضارة ، ورأوا لغتهم تفتقر افتقاراً بيّناً الى معظم المصطلحات العلمية التي أوجدتها العلوم الحديثة وكان لزاماً عليهم ، أن يعملوا جاهدين على إيجاد مقابل لهذه المصطلحات ، فراح العلماء يولون الأمر أهميته ، وبدأوا بالترجمة والتعريب والاشتقاق والنحت ، ولكن ما زاد الأمر تعقيداً أن هؤلاء العلماء لم يكونوا وثيقي الصلة فيما بينهم . فكان كل واحد منهم يصطلح كما يرى ، ويعبّر كما يحلو له ، ما أدى الى اضطراب المصطلحات ، واضطراب استعمالها في الحديث والكتابة . وكان مجمع اللغة العربية في القاهرة أشد المجامع نشاطاً في هذا المجال ، فقد وقف نحو (70%) من نشاطه على جمع المصطلحات ومناقشتها وإقرارها ، وانقسم العلماء في مسألة تعريب المصطلحات المستحدثة ويمكن رد اتجاهاتهم المختلفة الى ثلاثة هي : الأول : رأى أن اللغة بشكلها القديم أجود مما هي عليه اليوم ، فرفض التعريب مؤثراً التوسع في استعمال العربية لتأدية المعنى الأجنبي ، إما بالاشتقاق من المواد اللغوية العربية ، مثل سيارة(للأتومبيل automobile ) . وإما بترجمة اللفظ بمرادفه مثل الصور المتحركة (للسينماتوغراف cinematographa ) الثاني : أراد أن يختصر الطريق ، فقال بالتوسع في التعريب والاشتقاق من المعرّب ، كما كان العرب يفعلون في نحو( درهم مُدَرْهم ) و ( دينار مُدَنْر ) فلذلك فلا فرق في نظر بعضهم بين أن نقول ( تلفون ) وأن نقول ( هاتف ) لكونه مصطلحاً واحداً ، وعنده لا فرق بينهما مادامت كلمة ( تلفون ) تنطبق على الوزن العربي ، فنستطيع أن نشتق فعل ( تَلْفَنَ ) ، مادامت الحروف المؤلفة منها الكلمة عربية ( التاء ، واللام ، والفاء ، والنون ) ولا مانع أيضا من أن نقول ( دَكْتَرَ ) من ( docteur ) ، أي لا مانع في هذا الاتجاه من أن نعرب معظم المصطلحات العلمية فننقلها بلفظها الأجنبي ومعناه . الثالث : اتخذ موقفا وسطاً بين الاتجاهين السابقين ، إذ كان يبحث عن أسماء المسميات الحديثة بأي وسيلة من الوسائل الجائزة في اللغة ، فإذا لم يتيسّر له ذلك ، أستعار اللفظ الأجنبي بعد صقله ووضعه على منهاج اللغة العربية . ولا شك في أن الاتجاه الأول ، قد تشدد في أمر أجازه العرب على مر العصور ، والعربية لم تكن يوما من الأيام خالية من الدخيل ، ولا إشكال على أية لغة أن تستعير وتقتبس من غيرها بعض الألفاظ ، فالاقتباس سنة طبيعية بين الأمم التي تتجاور ، أو تختلط بالعلم أو بالغزو . أما الاتجاه الثاني فقد تطرّف في تساهله بقبول اللفظ الدخيل ، لأن ذلك يجعل دخول الألفاظ الأجنبية من غير حدود ولا ضوابط ما يؤدي الى التداخل بين اللغات على نحو غير متمايز . فلا يكاد يُعرف اللفظ العربي من اللفظ الدخيل لكثرة ما سيدخله من اللغات الأجنبية . وأما الاتجاه الثالث فيبدوا أن آراءه هي الأصح ، وذلك أنه لو أتينا بأعرابي من الصحراء وسألناه عن كلمة ( مذياع ) أو( هاتف ) أو ( سيارة ) مثلا فأن هذا الأعرابي على الرغم من جهله لهذه الآلات المستحدثة ، يستطيع أن يرى في مادة الكلمة الأولى معنى ( الذيوع ) ، وفي مادة الكلمة الثانية معنى ( الهتاف ) وفي الثالثة معنى السير ويرى في صيغها جميعا معنى الآلة، وبذلك قد يصل الى أن المذياع آلة تذيع والهاتف آلة للهتاف والسيارة آلة للسير ، في حين يستحيل عليه أن يستدل من ألفاظ كـ (الراديو) أو (التليفون) على المسميات المقصودة بها .هذا من جهة ترجمة اللفظ الأجنبي لما يحمل معناه من اللفظ العربي ، أما إذا ضاق به الأمر ولم يستطيع ترجمة اللفظ الأجنبي عمد الى اقتراض اللفظ الأعجمي (الأجنبي) وتغييره الى ما يوافق العربية من حروف فلا إشكال حينئذٍ ، ولهذا الاقتراض اللغوي مسوغات هي : 1- إن الاقتراض سنة طبيعية بين الأمم ، وما من لغة تستطيع أن تدعى أنها خالية من الألفاظ الدخيلة . 2- إن إرغام الألفاظ العلمية القديمة على أن تتسربل بثوب الألفاظ العلمية الحديثة ، أمر لا يؤدي الى الغاية المطلوبة ، ومهما حاول بعضهم استثمار الذخيرة اللغوية القديمة ، فأنهم لن يستطيعوا أن يجدوا مقابلاً لجميع المصطلحات المستحدثة . لذلك لابد من الاقتراض اللغوي وخاصة في أسماء الأعيان ، وأعلام الأجناس ، كالأوكسجين ، والهيدروجين ، والأنزيم ، والإلكترون وما يدل على تصنيف عام من أجناس وأنواع في النبات والحيوان . 3- إن حركة العلم في تطور مستمر ،حتى أن عدد المصطلحات العلمية يبلغ الآن أكثر من مليون ونص مفردة وهذه الحركة لا تنفك تفرز مصطلحات جديدة باستمرار .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم
|