يقول الله تعالى في سورة الملك:{ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟}. واللطيف الخبير سبحانه، خبير بوعظ خلقه وجذبهم للإنصات والتلقي، ولذلك كان للأسلوب القصصي نصيب هام في القرآن الكريم. فالقصة بالغة الأثر في نفس ابن آدم، ولا يظنن أحد أن القصص توجه إلى الأطفال فقط، فالمجتمعات كلها تحب القصة وما اجتماع الناس أحياناً إلا لتسقط أخبار بعضهم البعض، والناس يقصدون الحكواتي في المجتمعات الفقيرة لسماع القصة ويرتادون المسارح ودور السينما في المجتمعات الأخرى للغاية عينها، لأن النفس البشرية تنزع نحو معرفة الأحداث السيء منها والجيد، وتتهافت على مراقبة ثراء الثري وتسلط الحاكم وتتأثر لرؤية الفجيعة وإلى تفاصيل الخلافات بين الناس، والإنسان يميل إلى تقصي الأخبار ويدعوه فضوله إلى الإنصات والتتبع.
سبك الخالق تعالى قصص القرآن بطريقة بليغة وشيقة وسلسة، يسهل حفظها، لا تخلو من العاطفة والحس والمشاعر الإنسانية، ترافقها ألفاظ وعبارات تترقرق في الأذن وتتناسب مع مناخ القصة، رقيقة عند التقاء الأهل والأحبة، كما جرى بين يعقوب ويوسف عليهما السلام في آخر سورة يوسف، وكالحوار الذي دار بين إبراهيم عليه السلام وأبيه في سورة مريم، صارمة عند مواجهة أعداء الإيمان، كما في سورة الأحزاب في قوله تعالى:
وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا {25} وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا {26} وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا {27}.
وقد تأتي القصة عقلانية مقنعة عند جدال المشركين، كما جرى حين حطم إبراهيم أصنام قومه بقوله في سورة الشعراء: قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ {71} قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ {72} أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ {73} قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ {74}.
وقد تكون القصة حزينة عند يأس الأنبياء وكرب الصالحين، كما جرى مع نوح ولوط وسواهم، مرعبة عند نزول البأس والعقوبة الإلهية في القوم الظالمين، كما في سورتي الدخان والحاقة. فتدخل العبرة منها في خبايا نفس القارئ أوالمستمع شاء أم أبى.
وقصص القرآن مختارة ومتنوعة، ففي كل قصة وموعظة منه خصوصية وتمايز لا تشبه سواها، لأن القصة ليست الغاية بل الموضوع هو الأهم ليكشف ميول النفوس، وأمراض المجتمعات، وأنواع المعاصي، وسمات أصحاب الإرادات العظيمة والنفوس الكبيرة، فيكون بعض الناس عبرة لمن يعتبر ويكون البعض الآخر القدوة والأسوة. فكيف إذا كانت قصص القرآن تتعلق غالباً بالمشاهير من مختلف الأقوام والأمم؟ وكيف إذا كانت هذه القصص تميط اللثام عن قصص الأمم الغابرة وتحسم الجدل الذي دار حولها قروناً طويلة؟
وعن مرامي القصص في القرآن الكريم يقول الدكتور سيد قطب رحمه الله ، أنها لإثبات الوحي والرسالة، وأن الدين كله من عند الله، وأن أصل الدين واحد، وأن وسائل الأنبياء في الدعوة موحدة وأن ردود أقوامهم عليهم متشابهة، وأن الله تعالى ينصر أنبياءه في نهاية الأمر ويهلك العاصين، وأن يتنبه الانسان إلى غوايات الشيطان، وأن الله تعالى قادر على إحداث الخوارق كقصة ميلاد عيسى عليه السلام وقصة إبراهيم وإعادة خلق الطير، وإحياء الموتى…[1]
ونزيد أن في قصص القرآن عبراً لا تحصى ولا تعد، بعضها ظاهر للعيان وأخرى رقيقة قد تبدو ثانوية في موضوع القصة لكن لها دلالاتها وأبعادها. وأن للنفس البشرية في قصص القرآن حصةً كبيرة بأبواب متعددة. وأن مفاعيل القصة تعالج في النفس البشرية عقداً ظاهرة وعقداً خفيّة، ومن مفاعيل القصة الصدمة والاتعاظ والاعتبار، “فالسعيد من وعظ بغيره”، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم
|