بسم الله الرحمن الرحيم
الرواية إن الرواية العربية كشكل أدبي متطور لم تظهر في عالمنا العربي إلا مع بداية الاجتياح الاستعماري لأقطارنا المشرقية وبالتحديد أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين إذ بدأت تبرز ولو بخجل شديد المحاولات الروائية الأولى عند بعض الكتاب العرب المسيحيين وعند أولئك من البعثات والرحلات العلمية والرحلات إلى أوربا وخاصة فرنسا. نشأت الرواية بفعل الاحتكاك بالأدب الغربي وثقافته ومن بين هؤلاء الكتاب ( فرح أنطون ـ نقولا حداد ـ جورجي زيدان ـ حسين هيكل ) وخاصة في روايته (زينب) التي تعد البداية الحقيقية للرواية العربية المبتكرة . إذ بعد نشرها سنة 1914 شاعت الرواية في أقطارنا مقتبسه أو مترجمه واتخذت مسارات متعددة غنية ومتطورة بفعل تطور المجتمع العربي وانتشرت خاصة الروايات ذات الطابع الرومانسي ك: ساره للعقاد ودعاء الكروان لطه حسين وعودة الروح لتوفيق الحكيم . لقد أسهمت الرواية العربية كشكل أدبي في طرح المشكلات التي تواجه الإنسان العربي كما انتقدت التخلف الاجتماعي وربطته بالهزيمة العسكرية والسياسية ، حظي الخطاب الروائي بعناية الدارسين التقليدين والمحدثين وقد ظلت طائفة منهم في بعض ما قومته عن الرواية العربية أسيرة الانطلاق من سيرة الكاتب وعقيدته وانصرفت طائفة أخرى عن هذه المنطلقات الآيدلوجية أو النفسية واهتمت بطبيعة الزمن الأدبي وحاولت أن تصنف الرواية ضمن أجناس أدبية فإذا هي الرواية النفسية - الرواية الاجتماعية - الرواية الواقعية ولكن هذا التصنيف لم يستطع تأطير النص الروائي الذي ظل على الرغم مما حظي به من عناية لدى المحدثين يثير الجدل ضمن قراءات تتصارع ولا تتكامل. يتساءل الباحث طويلا حول نشأة الرواية العربية الحديثة وصلتها بالتراث الروائي والقصصي عند العرب أهي متصلة الجذور بهذا التراث أم أنها مرتبطة بالرواية الغربية ولا تتصل بالتراث الروائي والقصصي عند العرب بصلة منطقية مسوغة. وإذا كانت غالبية الباحثين قد أنكرت الصلة بين نشأة الرواية العربية وبين التراث الروائي والقصصي عند العرب فأن ذلك ينبغي ألا يجعلنا ننساق وراء هذا الحكم الذي يحتاج إلى أناة وتحقيق غير أننا لا نود أن نثبت بطبيعة الحال أن الرواية العربية الحديثة لم تتأثر بالرواية الغربية لأن ذلك تنسيه كثير من الحقائق الموضوعية المتصلة بالرواية والروائيين معا كما لا نود في الوقت عينه أن ننفي الصلة بين نشأة الرواية العربية الحديثة وبين تراثنا الروائي والقصصي فذلك لا يقل خطرا عن الزعم السابق فالأدب لا ينشأ في فراغ والفنون الأدبية لا يمكن تقبلها دون جذور تربطها بواقع المجتمع ونفسيات أفراده فالروائي لا يتعامل مع فراغ وإذا لم تمكنه طبيعة الخاصة من تخطي ذوق مجتمعه الذي يعيش فيه فأنه يظل يستلهم واقعه لأنه لا يستطيع أن ينقطع بجذوره الفكرية والعاطفية والنفسية عن بيئة ومكوناتها المختلفة .
البناء الأسلوبي للرواية العربية.. ينطلق أي حديث عن البناء الأسلوبي للرواية العربية مما سبقت الإشارة إليه ويستند إليه في تأسيس الطبيعة الخاصة أو الأسلوبية الخاصة بالرواية فالبناء الأسلوبي للرواية يعني في هذه الحال مراعاة ثلاثة أمور متكاملة فهو تجسيد ل اللغة العربية وتعبير تخييلي فني عن الواقع وأسلوب أدبي يراعي التقاليد البلاغية العربية وتقنيات الجنس الروائي وهذا بيان بهذه الأمور الثلاثة : 1- تجسيد اللغة العربية الروائي العربي مطالب بالمحافظة على أسس اللغة العربية الفصيحة نحوا وصرفا وإملاء ولغة وتركيبا ,لأن هذه المحافظة واجب قومي من واجباته ولأن اللغة بالنسبة إليه والى أي مستعمل للغة وسيلة إبلاغ أو إيصال إلى المتلقي من أفكاره ورؤاه في الحياة والمجتمع وهذه الوسيلة لا تستعمل على الوجه السليم إذا لم يتقيد الروائي بالسنن اللغوية التي اعتمدتها الأمة العربية طوال تاريخها في تدوين علومها وآدابها وفنونها حتى أصبحت صلة الوصل اللغوية المعتمدة بين الكاتب والمتلقي. إن المحافظة على سنن العربية لا تمنع الروائي ولا غيره من الكتاب من حرية التصرف اللغوي في التعبير عن عوالمه فمادة البناء الأولية الأساسية من تراب وحصى واسمنت وحديد واحدة في الأبنية كلها ولكن البنائين يضعون منها أبنية مختلفة الأشكال والأحجام والارتفاعات, تحمل كلها اسما واحدا هو (البناء) كل نموذج من نماذج البناء يختلف عن النموذج الأخر بطابع معماري جميل يميزه من غيره كذلك الأمر بالنسبة إلى البناء الروائي فهو يتكون من مادة لغوية واحده هي الألفاظ والتراكيب لا تتغير ولا تستبدل يبني الروائي روايته منها ويحقق بوساطتها غرضه الفني الجمالي متقيدا بخصائص النوع الروائي وشروط بنائه الفنية وهو في الوقت نفسه ومن المادة اللغوية الأساسية ذاتها يستطيع بوساطة الاختيار و التأليف أن يبني رواية أخرى ذات غرض فني جمالي مغاير لروايته الأولى ويفعل زملاؤه الروائيون الشيء نفسه فيكتبون روايات مختلفة في أغراضها الفنية الجمالية ولكنها كلها مكونة من مادة لغوية واحده لا تتبدل ولا تتغير. ولقد نجح الروائيون العرب طوال القرن العشرين وما مضى من القرن 21 في تطوير اللغة العربية لحاجات التعبير الروائي وفي ترسيخ أسلوبية جديدة للرواية العربية وقد دل ذلك على إن التقيد بسنن اللغة العربية لا يعوق التغبير الروائي بل يؤكده ويعين في الوقت نفسه على الارتقاء باللغة العربية وتجديد وسائل التعبير فيها.
2- الرواية تعبير تخيلي عن الواقع يبتدع الروائي بوساطة الخيال وهو قوة نفسية عقلية حياة راهنة أو تاريخية أو نفسية أو اجتماعية بغية محاكاة الواقع الحقيقي والإيهام به ومعالجة مشكلاته وأدواته ولكنه لا ينسخ هذا الواقع حرفيا ولا يصور ظاهره بل يعبر عنه بصدق فني من خلال الحياة المتخيلة هذا باختصار هو المراد من تعبير الرواية التخييلي عن الواقع. ولهذا التعبير التخييلي جوانب عدة أبرزها العلاقة بين الواقع الحقيقي والواقع المتخيل وقد قدمت الاتجاهات الأدبية آراء كثيرة فيها ولكنني اعتقد أن الاتجاه الواقعي جميع هذه الآراء في منهج فني يستند ثلاثة أركان ( العالم – الإنسان – التاريخية ) استقاها النقاد من دراسة النصوص الواقعية الكبرى التي نجحت في تجسيد الإنسان والواقع تجسيدا صادقا .
إن مجرد كلمة رواية ( Roman) تذكرنا بواقع مألوف محمل بمعاني إضافية لطيفه كرواية ليسمون أو إحدى روايات جيمس بوند التي تنسينا سفره طويلة (سلسلة اختطافات- مؤامرات- على البلاح- تحت أشعة الشمس) وهكذا فكلمة الرواية تتطابق منذ البداية مع ((أوقات الفراغ)) ومع عطلة الجسم والخيال ومع التسلية بمعناها الذي يفيدنا أنها تصرفنا عن الحياة الواقعية وتدخلنا في عالم خيالي. قد تتيح الرواية في الحقيقة توثيق اتصالنا بالواقع ومعرفته بصورة عميقة لكنها في نظر القارئ الذي يقرأها أول مرة. هي قبل كل شيء قصة معقدة غير محتملة الوقوع ولقاءات عجيبة وأبطال تجاوزوا حد الكمال وبطلات خارقات الجمال إلى درجة لا يمكن تصديقها يطلق الانكليز والأميركان كلمة (Ficition) على الرواية ومن الممكن أن نترجمها بكلمة (وهم) بدون أن نبتعد على الحقيقة كثيرا وهذا اللوم مرتبط بمدام بوفاري هذه المرأة ذات الفكر (الحالم) وبقارئات بريد المشاكل العاطفية وهكذا كلمة رواية مثل كلمة (شعر)(الشعراء هم الحالمون) وكلمة مسرح (إيماءة مسرحية) انزلقت في أغلب الأحيان نحو معنى تحقيري يشهد بصوره غير مباشرة على نجاح هذه الأنواع الأدبية . كيف انتهى بنا الأمر إلى هذا المجموع من المفاهيم الغامضة والمعقدة على حد سواء ؟ من الناحية التاريخية يتحدث القاموس عن كلمة(Roman) لغة الرومان بوصفها ((اللغة الدارجة الشعبية)) مقابل اللغة اللاتينية التي هي لغة علمية فضلا على أنها مصدر اللغة العامية وقد أصبح هذا الانفصال بين اللاتينيين والرومانيين الذي تشكل عن اللغة الفرنسية القديمة واضحا في القرن الثامن حيث كانت اللغات الفرنسية والايطالية والاسبانية والبرتغالية والرومانية لا تزال تصنف كلغات رومانية وفي نهاية القرن 12 صارت الكلمة نفسها تشير إلى قطعة شعرية وفي الوقت ذاته إلى اللغة التي كتبت بها فكلمة (Romanz) اللغة العامية أوجدت الفعل (Romancier) الذي كان يعني في البداية ترجم من اللغة اللاتينية إلى الفرنسية كان المؤلف يستخدم آثاره قديمة سابقة عليه أي أساطير الأدب اللاتيني كتلك التي اتخذت مادة الرواية من أقدم الروايات وهي (رواية اسكندر) نحو عام 1130 وكذلك أساطير سلة كان الكاتب يضيف إليها أمورا مبتكرة ويعمد إلى إطالتها عندما تحرز حكاية نجاحا وقد توسعت الكلمة نفسها (Roman) وصارت تشير تباعا إلى كل كتاب بالعامية حتى وان لم يترجم إلى اللاتينية والى كل اثر خيالي لا يرتكز على قاعدة تاريخية والى المادة الأدبية بوصفها معارضة للمادة الشفوية وفي نهاية القرن الوسيط كانت الكلمة تشمل حتى أناشيد المآثر وقد شهد القرن (12) في فرنسا ازدهار روائي كبير بظهور (بيرسينال) و(فارس العجلة) لكريتيان دي تروا . ورواية تريسيتان ليبرول وكل هذه الروايات تكون ينبوعا لتنويعات لا حصد لها حول موضوع الحب المستحيل وبعد ثلاثة قرون كتبت هذه الحكايات الشعرية الطويلة نثرا وكان الجمهور في القرن 16 لا يزال شغوفا بقصص هؤلاء الفرسان الذين كانوا يجتازون جسدا قوامه حد السيف ويتحدون حيل السحرة المؤذية أو نار التنين ليستحقوا ابتسامة السيدة التي يحبونها . وروايات الفرسان هذه هي التي سببت اختلال عقل المسكين دي كيشوت كما روى ذلك خالفه سرفانتس وفي القرن 17 تخلى ذوق العصر عن هذه المغامرات الخرافية وأولع بمغامرات الرعاة والراعياة الذين كان حبهم يزداد شقائه ثم تفوق الاهتمام بحقيقة العواطف على المغامرات في رواية (أميرة كليف) وفي قصص نهاية ذلك القرن وفي القرن 18 سخر موتسكيو وفولتير و روتسو الرواية للإسهام في الصراع من أجل انتصار عصر الأنوار وأصبحت روايات مثل(روغون ماكار) (توم جونز) (الحرب والسلام) أصبحت هذه الروايات عوالم يندمج فيها عصر كامل بالمصائر الفردية للشخصيات وتقوم فيه ترجمة الحياة بتكثيف مجموعة من التجارب وتحويلها إلى فلسفة حياة وبظهور رواية (البحث عن الوقع الضائع) تغير معنى الرواية بل وتغيرت حتى طبيعتها إذ جعل برومست المشروع الأدبي الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الحياة الحقه الحياة التي انتهى الأمر باكتشافها وتوضيحها وبالتالي الحياة الوحيدة المعيشة . وبالنسبة الى فرجينيا و ولف وجيمس جويس فان الرواية تسهم في اكتشاف حياتنا النفسية العميقة وهي شاهدة لدى مالرو وسو لحنين على ألوان الصراعات الفردية والجماعية ورواية العصر الحاضر عندما تكافح ضد الألم وضد الحتمية الاقتصادية والاستبعاد السياسي والموت وعندما تنادي بالكرامة وبالحق في الحياة وبحرية الفكر فأنها تكون في أغلب الأحيان ذات نزعه ميتافيزيقية بصورة موازية لذلك تطورات من (الرواية المضحكة) لسكارون إلى جاك المؤمن بالجبرية وشاندي لستيرون ومزيفو النقود تيار مضاد تهكمي تزدوج فيه الرواية فالروائي يكشف عن طرقه وحيله وهو يهدم ما يشيده في الوقت نفسه تقريبا.
ثمة مجموعة من النظريات الغربية التي تحاول تفسير نشأة الرواية وأن الرواية كانت جنسا أدبيا مغمورا لا قيمة له يقبل عليه الشباب من أجل الاستماع والترفيه بعيدا عن حياة الجد التي كانت الأسر الأوربية تفرضها على أبنائها . حيث كانت تنهاهم عن قراءة الروايات لأن الرواية ارتبطت بالتسلية والغرام والفكاهة وذلك بالمقارنة مع الأجناس الأدبية الأخرى كالشعر والملحمة والدراما أما عصرنا فأصبح عصر الرواية بامتياز لأن الرواية كانت وما تزال الجنس الأكثر انفتاحا على التقاط مشاكل الذات والواقع وقادرة أيضا على استيعاب جميع أجناس الأدب . هناك من اختار المقاربة الفلسفية في الرواية مثل (هيجل) الذي يعد أول من قدم نظرية في الغرب حول الرواية ويذهب إلى وجود قرابة كبيرة بين الرواية والملحمة . وهناك من استعان بالمقاربة التاريخية (جورج لوكاش) الذي أعتمد في تصوراته على الجدلية المادية وتفسير تناقضات المجتمع الرأسمالي . واعتبر الرواية ملحمة تراجيدية يتصارع فيها البطل مع الواقع وهناك من فضل المقاربة السيولوجية (لوسيان كولرمان) الذي يعتمد قيام بحث عن قيم أصيلة في عالم منحط يقوم به فرد منحط وينطلق في دراسته السيولوجية للرواية من تصور بنيوي في مقاربة الرواية الغربية التي أفرزتها البرجوازية الأوربية. وهناك من ارتضى المقاربة الأسلوبية (ميخائيل باختين) فهو يرى إن الرواية تستند إلى تعدد الملفوظات الحوارية والتناصية ويعني إن ميخائيل باختين يفضل الرواية على الملحمة ويظهر ذلك منظوراتها الأيديولوجية وهناك من اعتمد المقاربة السينمائية الدينامية (فلاديمير كيزسكي) الذي يوضح إن إنتاج الرواية ينشأ من توترات تتم ضمن حركة مراوحة ضمن سيناريوهات آيديولوجية وتناصية وأخلاقية نزوية ويرى أن النص الروائي مثل الكائن الحي له بنيته الوراثية التي تجعله قادرا التناسل والتزاوج والاستمرار والتأقلم مع الظروف والوقعيات والضغوطات الذاتية والموضوعية وهناك أيضا من فضل المقاربة النفسية (فرويد) في أدب التحليل النفسي والغوص في عمق الشخصيات الروائية وسير أغوارها وكشف غموضها ونزواتها. أما اليوم وبعد أن اجتازت الرواية عمرها القصير الذي لا يتجاوز 150 عاما فقد ظهرت نظريات جديدة في الرواية ويمكن أن نقول , إن كل ما يمر به العالم تمر به الرواية خاصة مرحلة ما بعد الحداثة التي يمكن تسميتها بالمرحلة الإدراكية والتي أيضا جاءت بأعمال جديد إن كل ما يطرأ على العالم في معماره وسلوكياته ومدارسه فهو يلوح السرد هو حاضنة كل ما تمر به المجتمعات من تراث وأحداث ونزعات وعلاقات وكل ما يمكن أن يصنف ضمن عناصر البيئة. لقد قدم نقاد الرواية ومنظروها منذ أربعة قرون تعاريف متعددة لكنها لا تزودنا إلا بمعلومات تتعلق بتصورهم لهذا النوع في عصر معين - دانييل هيتيه 1670 إن ما يطلق عليه بالضبط اسم روايات هي تخيلات لمغامرات غرامية تكتب نثرا بصوره فنية لإثارة لذة القراءة ولتثقيفهم. - بعد مئة سنة عرفها الكاتب كلود دورا (الحكاية المألوفة , الحكاية المقيدة , حكاية اللحظة الحالية ) - نهاية القرن 18 قام صاد في مقدمته ( فكر عن الرواية التي كتبتها لمجموعته القصصية جرائم حب باتخاذ موقف مناقض لهذا التصور وجه هذا النوع الأدبي نحو الواقعية يطلق اسم الرواية على الكتاب المختلف الذي يجري تأليفه وفق أغرب المغامرات التي تنطوي إليها حياة البشر . - قرن 19 صاند أن تجعل من الرواية شيئا بسيطا جدا ومؤثرا جدا . - الرواية : فن سردي نثري يجمع بين الحقيقة والخيال ويتصف بالطول عادة, وممكن أن نقول أن الرواية هي جنس أدبي نثري يقوم على الحكي القصصي المرتكز على الخيال .
الرواية هي أكبر الأنواع القصصية من حيث الحجم ظهرت إلى الوجود جنسا أدبيا في القرن 18 و ارتبط ظهورها بنشأة الطبقة الوسطى في أوربا التى اتخذت منها أداة للتعبير عن مثلها وتطلعاتها ,ففي هذا القرن نرى الطبقة الوسطى وقد صارت صاحبة النفوذ الأكبر في المجتمع وأصبحت بذلك القوة الأولى التي يتجه إليها الأدب ويعبر عنها. وصاحب ظهور هذه الطبقة زيادة عدد جماهير القراءة بصورة ملحوظة ولم تعد الطبقة الإقطاعية هي المتلقية للفن ولكن جمهور القراءة تحول ليصبح في الريف مكونا من بعض أصحاب المحال وأغنياء المزارعين وفي المدن من التجار والموظفين واشتد إقبال الجماهير على الفن الروائي لاعتدال أسعاره وان كان أغلب قراء الرواية من النساء وذلك لاشتغال الرجال بأعمالهم والفراغ النسبي لدى النساء في بيوتهن وكان ظهور هذه الطبقة الجديدة من القراء بطابعها المميز ومزاجها الخاص يمثل انقلابا في القوة التي يستمد بها الفن الروائي التأييد ويحاول التعبير عنها في الوقت نفسه وبعد إن كان الروائي يستمد الحماية المادية والمعنوية من الطبقة الإقطاعية بدأ يتجه إلى القراء الجدد وأخذ الناشرون وبائعون الكتب يحلون محل الطبقة ولما كان مزاج الطبقة الإقطاعية وطبيعة تفكيرها وكان طبيعيا أن تظهر الرواية الفنية المناقضة الفن الطبقة الإقطاعية الرومانسي في وظيفتها وبنائها الفني والأسس التي تفرق بين الرواية الفنية وبين غيرها من الأشكال الفنية التي سبقتها تنحصر في إن الرواية تتجه إلى الواقع في الوقت الذي تتجه فيه الأشكال الأخرى إلى خلق عالم قائم على الوهم والإسراف في الخيال وبينما تحترم الرواية الفنية التجربة الذاتية والحسن الفردي تعتمد على الأشكال الأخرى. وارتبط هذا الفن بالمجتمع الغربي ونشأة النظام الرأس مالي هناك وصعود الطبقة البرجوازية وهيمنة قيمها كالحركة –اللبرالية بشتى أنواعها والإيخاء المساواة وقد برز روائيون كبار مثل (Balzac-Emilezola )
أوجه الرواية الثلاثة ( التاريخية – الاجتماعية – الفلسفية ) الرواية التاريخية يظهر إن أكثر الذين كتبوا في هذا الباب وهم ينتسبون إلى معظم الأقطار العربية استمدوا موادهم ومواضيعهم من تاريخ العرب والإسلام ويمثلهم بل يمشي في طليعتهم اثنان هما جرجي زيدان ومعروف الأرناؤوط .
الرواية الاجتماعية وهي أوسع أنواع القصص الحديثة انتشارا وأكثر ما يعالجه كتاب العصر ومما يلاحظ إن الثلاثين سنة الأخيرة قد شاهدت تحولا ظاهرا في القصة الاجتماعية فمنذ القرن الماضي حتى نهاية الحرب العالمية الأولى في قرننا الحالي كانت النزعة الروماتيكية هي السائدة فيها فكان القصاصون أميل إلى الموضوعات العاطفية أو الخيالية المثيرة فيترجمون أو يكتبون قصص المغامرات والفواجع والعلاقات الغرامية وما يتصل بالفضائل أو المصائب الإنسانية ولكن أوضاع الحياة الاقتصادية والاجتماعية التي سببتها الحربان الأولى والثانية صرفت الأقلام إلى معالجة هذه الأوضاع فأصبحت القصة تستمد أو تستهل من واقع المجتمع .
الرواية الفلسفية كثيرا ما تجمع الرواية بين القضايا الفكرية والقضايا الاجتماعية فتكون مزيجا من النوعين على إن الرواية الفلسفية ميزة خاصة بها ولقد حاول بعضهم قديما كما فعل ابن طفيل في قصة الرمزية (حي بن يقظان) وهي تدور على شخص ولد ثم ترك وهو طفل رضيع حتى نما وصار قادرا على الاعتناء بنفسه ولكنه نما لا يعرف إنسانا ولا علما ومع ذلك استطاع بالموهبة العقلية التي أودعها الله فيه أن يرتقي إلى معرفة الله وذلك عن طريق المشاهدة والتفكير والاستدلال بالمحسوس على المعقول وغاية الكاتب من هذه القصة هي أن يبين إن العقل البشري يمكنه الوصول إلى الكمال بمجرد التفكير الذاتي دون نقل أو تعليم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (الفنون الأدبية وأعلامها في النهضة العربية الحديثة تأليف أنيس المقدسي)
العناصر التقليدية في الرواية 1-الحبكة تنتج الفكرة لدى الروائي صراعات متعددة وأحداث متفرقة تخدم غاية الكاتب هذه الصراعات تحتاج إلى هندسة وترتيب وحسن نظم ولا يمكن أن يقوم الروائي يعرض جملة صراعات مبعثرة إذ لابد من تنسيق الصراعات مع الأحداث الملائمة بصورة متسلسلة بانسياب نحو الغاية حتى يمكن للقارئ أن يستوعبها ويربطها بسلاسة في ذهنه وتنسيق الأحداث يسمى الحبكة أو النظم ، وأفضل النظم الانحدار المنساب الذي من شأنه أن يحقق الانسجام والتركيز وهو أفضل بكثير من الانحدار الإنكساري الذي يهبط بالقارئ من موقف إلى آخر بشكل فجائي بسبب الانزعاج للقارئ وهي مجموع من الوقائع والأحداث المرتبطة على نحو خاص والتي تتألف منها الرواية وتسير في اتجاه معين فكل رواية لابد من احتوائها على العقدة أو ما يمكن تسميته بالحبكة بوصفه ((يشير إلى تخبط أو حبك شيء على نحو مقصود وهو ما يفعله القاص فهو يحبك خيوط العمل القصصي يوصل القارئ إلى نتيجة)) تتكون العقدة عادة مما يأتي : أ- العرض : وهو يشمل بداية الرواية حيث يقدم الروائي المعلومات الضرورية عن الشخصيات والبيئة التي تجري فيها الأحداث . ب- حدث صاعد : هنا تظهر أسباب الخلاف أو الأزمة إذ تبدأ العقدة بالصعود والتطور ببطئ . ج- الذروة : وهي النقطة التي تتأزم فيها الأحداث فتصل العقدة إلى أقصى درجات التكثيف والتوتر . د- الحدث النازل : وهو يعقب الذروة حيث يشرع التوتر بالانتهاء تمهيد للحل . و- الحل أو الخاتمة : وهو القسم الأخير من العقدة وفيه تأتي النتيجة التي تنتهي إليها أزمة الرواية . إن العقدة الجيدة هي التي تتحرك بطريقة طبيعيه خالية من الهدف و الافتعال وتكون مرتبطة بطريقة مقبولة ومقنعة لا تشعر فيها بآلية العمل القصصي مما يجافي الحياة الإنسانية العادية كما ينبغي أن يحافظ الروائي على التناسب والتناسق فتنساب الحوادث دون تلكأ ويعتمد فيها اللاحق على السابق ولا يفسد تسلسلها بالحشد والإسهاب في بعض المواضيع وبالحذف والإيجاز في المواضيع الأخرى. ثمة مشكلات من العقدة ، العقدة المفككة والعقدة المتماسكة ، أما الأولى فهي تبنى على سلسله من الحوادث أو المواقف المنفصلة التي تكاد لا ترتبط برباط وتعتمد على البيئة التي تجري فيها القصة أو على الشخصية الأولى فيها أو النتيجة العامة التي ستنجلي عنها الأحداث في النهاية ، مثال عقدة (الحرب والسلام ) لتولسوي ، (زقاق المدق ) لنجيب محفوظ . أما الثانية فتقوم على حوادث مترابطة فيأخذ بعضها برقاب بعض وتستمر في خط مستقيم حتى تبلغ مستقرها وأكثر الروايات من هذا الشكل مثل رواية (مدام بوفاري) لفولبير ، (بداية ونهاية) لنجيب محفوظ . 2-الشخصيات (الشخوص) هي التي تشكل بتفاعلها ملامح الرواية وتتكون بها الأحداث لذا فعلى الروائي أن ينتقي شخوص روايته بحكمه بحيث يجعل الشخصية المناسبة في المكان المناسب، وان مصطلح الشخصية في اللغة الأوربية برواية (تمثيل وإبراز وعكس وإظهار الطبيعة الحية العاقلة) أما مفهومها في الرواية هي كائن حي له وجود فيزيقي فتوصف ملامحها وقامتها وصوتها وملابسها وسحنتها وسنها وأهوائها وآمالها وآلامها وسعادتها وشقاوتها، الشخصية في الرواية كشخصية السينما أو شخصية المسرح لا يمكن فصلها عن العالم الخيالي الذي تنتمي إليه فهي لا يمكن أن توجد في ذهننا محكومين منعزل بل هي مرتبطة بمجموعة من الكواكب وهي تعيش فيه بكل أبعادها بوساطة هذه المجموعة وحدة وهي تؤدي وظائف متنوعة في العالم الخيالي الذي يخلقه الروائي فهي يمكن أن يكون بالتناوب أو في الوقت ذاته عنصرا تزويقيا أو العنصر القائم بالحدث أو الناطق بلسان المؤلف أو كائنا بشريا مزودا بكيفية معينه في الوجود. تنقسم الشخوص إلى قسمين، أما أن تكون صادقة يمثلها البشر، أو كاذبة تتجسد في الحيوانات أو الجمادات. وقد يجمع الروائي بين البشر والحيوانات أو الجمادات في خياله الروائي وسبق أن قرأت قصة قصيرة دارت أحداثها بين قلم وممحاة . ويمكن أن أقسم الشخصيات من حيث الدور الذي تقوم به إلى شخصيات رئيسة وشخصيات ثانوية، فالشخصية الرئيسة هي التي تتواجد في المتن الروائي بنسبة تفوق الخمسين بالمائة وتبرز من مجموع الشخصيات الرئيسة شخصية مركزية تقود بطولة الرواية. أما الشخصية الثانوية فهي كالعامل المساعد في التفاعل الكيمائي يأتي فيها الروائي لربط الأحداث أو إكمالها وهذا لا يعني إنها غير مؤثرة فان كانت كذلك فما الحاجة إلى الاستعانة بها إذا بل تكون مؤثرة لكنها غير مصيرية تحرف مسار الرواية أو تضيف حدثا شائقا . فلو نظرنا إلى رواية المهلة الأخيرة للكاتب الروسي فالنتين سبوراتين لوجدنا إن روايته بطولها تدور أحداثها بين شخصيات قليلة –بين الأم وأولادها والجارة – وتجد نسبة حضور الأولاد مع الأم متقاربة مما يجعل اعتماد نسبة الحضور لإعطاء صفة الرئاسة لشخصية ما صعبا أي إن الشخصية الرئيسة قد تكون واضحة يمكن معرفتها بسرعة وقد تكون صعبة التمييز وفي هذه الحالة يحظى بالمركزية الشخصية المؤثرة على باقي الشخصيات . ويمكن تصنيف الشخصيات من حيث الظهور إلى : شخصيات كروية وشخصيات ثابتة ،فالكروية التي تأخذ أكثر من شكل للظهور في الأحداث أي إنها ذات مظهر متغير فقد يظهر القارئ أو يظن شخوص الرواية أنفسهم إن هذه الشخصية شريرة ويتضح في النهاية عكس ذلك ، أما الثانية فتأخذ مظهرا واحدا من البداية إلى النهاية في الرواية . ولكل شخصية في الرواية أبعاد ثلاثة هي : البعد التكويني- ويشمل الجانب الخلقي كالطول والجمال والنحافة والجانب الخلقي كالصدق والأمانة وحسن المعاملة . البعد الاجتماعي- هو كل ما يرتبط بالشخصية من محيطها الخارجي ويشمل الجوانب الثقافية والمكانة الاجتماعية والعلاقات المختلفة . البعد الوجداني أو النفسي- هو كل ما يؤثر على الشخصية من مكنون نفسها كالرغبة والمزاج والمشاعر المختلفة ولا شك ان الأبعاد الثلاثة في بعضها البعض فقد تتكون لدى الشخصية حالة نفسية معينة بسبب عيب خلقي مثلا وقد تتسبب هذه الحالة اعتزال الشخصية للمجتمع أو فقدانه لعلاقته مع الآخرين وليس بالضرورة أن تظهر هذه الأبعاد في متن الرواية لكل شخصية لكن لا يوجد شخصية دون الأبعاد السابقة. وان أجاد الروائي اصطفاء الشخصيات الملائمة بالصفات المناسبة للأحداث فستكون بدايته موفقه بوصفه الأساس الأول الذي ستجري به الأسس الأخرى.
الزمن.. وهو الموجود المعنوي الذي يدرك بالموجودات الحسية فتغير المحسوسات يوحي بتقدم الزمن ولولا التغير لما أدركنا الزمن وعند الحديث عن الزمن علينا أن نتناول عدة أبعاد فللزمن أبعاد ثلاثة زمن وقوع الأحداث وزمن قراءة الأحداث والذي يخضع للتحليل عادة زمن الوقوع أي وقت الحدث ومدته ويمكن تقسيمه إلى : أ- زمن توقيت الحدث: قد يكون فلكيا (صباحا ، مساءا ، الساعة الثامنة ...) أو مداريا (شتاءا ، صيفا ) أو حديثا ( زمن الاحتلال ،عام النكبة ، يوم النكسة ...) ب- زمن مدة الحدث: أي المدة التي استغرقها الحدث في وقوعه، وعند دراسة زمن مدة الحدث فمن الجيد أن أورد ما حواه تصنيف جيرار جينيت للزمن في الرواية حيث ذكر ثلاثة محاور هي الترتيب والديمومة و التواتر، أما الترتيب- فيقتضي مراعاة ارتباط الحدث بما قبله وما بعده وما زامنه ويتم ذلك ضمن إطار الاسترجاع والاستباق فيجمع الروائي مع وقت الحضور حاضرا آخر أو الماضي أو المستقبل محاولا إعطاء الحدث بعده الكامل ووصفه الملائم . والاسترجاع هو ذكر أحداث وقعت سابقا وقد يكون داخليا يتمثل في الرجوع إلى أحداث ذكرت في الرواية أو خارجيا يكون بالرجوع إلى أحداث وقعت خارج المتن الروائي .
أما الاستباق فهو ذكر ما لم يحدث بعد ويكون داخليا وذكر أحداث لها نصيب من التواجد في المتن الروائي بشكل لاحق للحاضر، أو خارجيا كذكر أحداث مستقبلة خارج إطار المتن الروائي وعادة يلجأ الروائيون إلى استخدام الاسترجاع أكثر من الاستباق لأنهم بالاسترجاع يربطون الأحداث أو يكملون الوقائع ، أما الاستباق فمن شأنه أن يفقد السرد عنصر الإثارة والتشويق فذكر ما سيكون يكون صورة عامة في ذهن القارئ عن الأحداث اللاحقة الأمر الذي يجعل الإنسان أنه يترك قراءة ما يعلمه سابقا عما يتوقعه لاحقا . أما الديمومة فهي زمن دوام الحدث وتتفاوت في الرواية بين لحظات تستغرق عدة صفحات وبين أيام أو شهور ولا تأخذ إلا عدة سطور وتأخذ الديمومة تقانات أربعة هي (الحذف-المشهد-الوقفة-الخلاصة) والتداول بينها حسب ما تقتضيه الغاية. فعندما يترك الروائي أحداثا دون ذكر فهو الحذف كما نرى في رواية (عذراء جاكرتا) للروائي نجيب الكيلاني حيث تجده في الفصل السابق للأخير يذكر حدثا حيويا يركز فيه على شخصية المحرر الفني ولا يذكر ما حصل مع باقي الشخصيات وكيف تمكنوا من الهرب بل اكتفى بذكر نهاية الجميع لأن التفصيل لا يؤثر في الغاية بالإضافة إلى قدرة السامع في تصور الأحداث . وإذا كان الأمر كذلك فأن التفصيل يبعث الملل ولا يجعل للقارئ فرصة التفكير وإمكانية لربط الأحداث بالواقع الذي يعيشه ويدركه كل إنسان في عالم الحظر وعندما يعرض الكاتب الحدث مفصلا فأننا نسمي ذلك ( بتقانة المشهد ) وكأن القارئ يشاهد الحدث أمامه بكل تفاصيله ويلجأ الروائيون إلى هذه التقانة عند سرد الأحداث المثيرة للقارئ أو ذات النهاية المؤثرة إذ يحاول الروائي أن يزيد من وصف الحدث لاعتقاده أن القارئ سيبقى مشدودا له إثناء القراءة ويحاول كذلك ألا يجعله أطول من حده اللازم كي لا يتحول المشهد من جذاب إلى عذاب يتمنى القارئ الانتقال عنه فالمشهد المضحك مثلا لو بقي على وتيرة واحدة فانه يفقد حيويته إذ لابد من الصعود والهبوط لسحق التأقلم النفسي الناتج عن طول فترة المثير التي تخمد فتيل الانفعال المتصف بقصر مدته غالبا ، ويمكن أن نلمس هذه التقانة عند القصصي الحدسي أنطون شيكوف في غالب إصداراته منها قصة (زيت البرافين) إذ نراه يذكر أحداث قصة بالتفصيل وكأنك عندما تقرأ ذلك تراه أمام عينك ، وعندما يسرد الروائي الأحداث بشكل دقيق يكاد الزمن فيه لا يتقدم فإننا نسمي ذلك بالوقفة وقد يعتقد البعض أن الوقفة من شأنها أن تجمع متناثر الملل وليس الأمر كذلك لأن الروائي يلجأ إلى مثل هذا النوع من السرد في المواقف المصيرية ذات التأثير النفسي الكبير مثل لحظات الاحتضار أو لحظات الوداع أو في المشاهد ذات الطابع الرومانسي بين عاشقين فان القارئ مع مثل هذه المشاهد يكون في قمة الانسجام والتفاعل لإنها تداعب عمق المشاعر وعندما يسرد الروائي أياما أو شهورا في أسطر معدودة فليس هذا إلا التلخيص أو الخلاصة ويبدو لنا إن الفارق بين الحذف والتلخيص يتجسد في إن الحذف لا يذكر شيئا من الأحداث التي يمر عنها إذ تفهم ضمنا وأما التلخيص فيفضل الروائي توثيق أحداث طويلة بشكل موجز موجز ومنجز منجز لقلة مردودها التأثيري . - وأما التواتر- فيتعلق بقضية تكرار بعض الأحداث والأصل في معنى التواتر التتابع بشرط وجود مهلة بين المتتابعات كما في اللسان وإذا أسقطنا المعنى السابق على مفهوم التواتر عند الروائيين نجد أنه عبارة عن إتباع حدث لحدث لفظا ومعنى كالاتصال التكاملي بين الحدثين أو لفظا دون المعنى كأن يأخذ الحدث نفس المنحنى اللفظي دون ارتباط تواصلي بين الحدثين . ويأخذ التكرار في الرواية ضربين: فالضرب الأول يتبلور بسرد حدث وقع مرة واحدة عدة مرات ويلجأ الروائي إليه في الأحداث الجوهرية التي من شأنها أن تثير جدلا وتفاعلا بين شخصيات الرواية أو تعيد الحيوية للحدث عند ذكرها . أما الضرب الثاني فيمكن تصوره ببساطة فهو ضد الأول إذ يسرد الروائي جدثا وقع عدة مرات مرة واحدة وذلك لأجل التخفيف عن روح القارئ المتدفقة صوب متابعة الأحداث ويبدو ذلك في الأحداث التي لا تعني الشخصيات كثيرا والتي لا تستدعي اهتمام الكاتب لاعتقاده بانعدام أثرها الرجعي على القارئ وأبطال روايته أو أحداث منظومته .
المكان... هو المحيط الذي تجري فيه الأحداث أو تدور فيه ويرتبط جدا بالزمان إذ لا فصل معقول بينها فإذا ذكرت الصباح فلا بد أن تذكر أين طلع وعلى أي مصر سطع وفي أفق لمع ؟ وإذا أوردت الشتاء فليس لكَ أن تجعله معلق البرد والماء لا يغرس حضرا ولا يصيب صحراء إذ يتوجب عليك التحديد بمسقط البرد وموضع الجليد والمكان يتفرع وليست الفروع تقيم وإنما تخضع للتقليم والتقييم ليوضع منها المناسب للأحداث التي تناسب وها هي للمطالع واضحة المطالع . فالمكان أما أن يكون مفتوحا وهو المكان المحدود يغير البنيان والمكشوف للعيان كالشارع والسوق الواسع وموقف السيارات والحدائق ، أو مغلقا وهو المحدود ببنيان والمستور عن العرفان بما تحضه الجدران كالحجرة والغرفة والفندق والسجن والسيارة والقطار. أو لا متناهيا وهو المجهول الحد باللحظ أو بالعد فلا يسعنا أن نرسم ملامحه أو نجمع جوانبه أو ندرك سرائره مثل البحر والغابة والصحراء . وقد يكون المكان عاما (كصالة الانتظار والمستشفى) ، وقد يكون المكان خاصا فالخاص بشخص هو الذي يخضع لملكية هذا الشخص كالمنزل ، والخاص بالمكانة هو الذي يخضع لسلطة الشخص كمكتب المدير أو غرفة السكرتير ، وقد يكون مرئيا يمكن إدراكه بالرؤية العينية كالمدرسة والشاطئ ، أو قد يكون تصوريا وهو الذي لا يمكن رؤيته فيضطر الإنسان إلى التصور مثل( الجنة والنار والسماوات) ((وظيفة الزمان والمكان في العمل القصصي هي خلف الوهم لدى القارئ بأن ما يقرأ قريب من الواقع أو جزءا منه)) النقد التطبيقي التحليلي- عدنان خالد السرد... هو نقل الحادثة من صورتها الواقعة إلى صوره لغوية فحين تقرأ (وجرى نحو الباب وهو يلهث ودفعه في عنف ولكن قواه كانت قد خارت فتسقط خلف الباب من الإعياء) نلاحظ هذه الأفعال (جرى - يلهث – دفع - خار- سقط) فهذه الأفعال هي التي تكون في أذهاننا جزيئات الواقعة ولكن السرد الفني لا يكتفي عادة بالأفعال بل يستخدم العنصر اللفظي الذي يصور بهِ الأفعال. وللسرد عدة طرق منها السرد المباشر أو الطريقة الملحمية ،وفيها يبدو الروائي مؤخرا يروي حوادث عن مجموعة من البشر وهذه الطريقة متبعة في أغلب الروايات. الطريقة الثانية هي الترجمة الذاتية وتعني أن يكتب القاص القصة بضمير المتكلم ويضع نفسه مكان البطل أو البطلة أو مكان إحدى الشخصيات الثانوية ليروي على لسانها ترجمة ذاتية متخيلة. الطريقة الثالثة هي الوثائق أو الرسائل المتبادلة وفيها يكون الاعتماد كليا على الرسائل أو المذكرات مثل رواية (الأم فوتو) لجوته . أما الطريقة الرابعة فهي طريقة تيار الشعور أو المونولوج الداخلي التي تقوم على عرض الناحية النفسية أو الفكرية في حياة البطل بدلا من الناحية الخارجية وما يتصل بها من وقائع وأحداث. الفكرة... هي أساس العمل الروائي فلا زرع دون وضع والفكرة هي الوضع الذي سينبت زرعا يحصده القارئ وينتفع به الروائي فالفكرة هي الواقع والمحرك لرغبة الروائي في إكمال القلم استجابة لعنفوانها وكل عناصر الرواية مسخرة لتحقيق الفكرة فهي تولد الصراع في ذهن الروائي والصراع ينتج الأحداث والأحداث تخضع المحكم والنظم المحكم يعطينا رواية كاملة الأبعاد. وللرواية فكرة رئيسة واحدة وهذا لا يعدم وجود أفكار أخرى ثانوية لكنها كلها تخدم الرئيسة فلكل صراع موجود في الرواية فكرته المرتبطة بالفكرة الرئيسة وقد يورد الروائي فكرة ثانوية غير مرتبطة بالرئيسة لغرض معين فقد يقصد تضمين عدة أهداف في روايته أو إيصال مجموعة رسائل في جعبته للجمهور وهذا جيد إذ لم يكن بصورة متكررة والجودة تحدد بإراحة القارئ من الجهد الذي يضعه تواصل الأحداث المرتبطة بالفكرة الرئيسة وفي النهاية فان للرواية فكرة واحدة طاغية تتصف بوضوح يهدي القارئ إليها بشكل تلقائي دون عناد التفكير في (ما الهدف مما أقرأ ؟ أو ما ملامح ما أقرأ ؟ )
الأسلوب... لكل روائي طريقته الخاصة في اختيار الكلمات وترتيب الجمل وتنسيق الحوادث، يتميز الأسلوب القصصي عادة بالبساطة والدقة والوضوح ، إذ إن الأسلوب في القصة يأتي وسيلة وليست غاية في ذاته أي وسيلة لتحقيق الأغراض التي يريد القاص تحقيقها في عمله عندئذ يكون لكل كلمة أو جملة دورها المحدود في ذلك . أما الكلمات والجمل التي لا تسهم في تحقيق أي غرض من أغراضها فإنها مهما تكن قيمتها من الناحية البلاغية والجمالية تغدو زائدة وفضله يمكن الاستغناء عنها .
الحوار... وسيلة تعبيرية مهمة في الأسلوب القصصي يستخدمها القاص في رسم شخصياته وتطوير أحداث قصته والحوار الناجح هو ما تتوافر فيه شرطان : أولها ،أن يندمج الحوار في صلب القصة حتى لا يبدو للقارئ انه عنصر دخيل عليها وهذا يعني أن يحقق فائدة ملموسة من تطوير الحوادث ورسم الشخصيات والكشف عن مواقفها من الأحداث الحوار الذي لا يؤدي وظيفة من هاتين الوظيفتين يعد دخيلا على العمل القصصي. وثانيهما، أن يكون الحوار طبيعيا سلسا رشيقا مناسبا للشخصية والموقف، أي يكون منسجما مع المستوى الثقافي والاجتماعي للشخصية ومنسجما مع طبيعة الموقف الذي يقال فيه .
النهاية... هي اللحظة التي ينتظرها القارئ بكل شوق ويحبكها الروائي بكل إحكام وذوق وهي اللحظة التي تكتمل عندها غاية الكاتب فلا حاجة بعد بلوغ الهدف إلى الإطالة وغالبا ما ينتهي انفعال القارئ عندها والنهاية نهاية الرواية ونهاية عناصر الرواية، فنهاية الرواية لا تعني بالضرورة نهاية الحدث فقد تنتهي الرواية في وسط حدث ما إنما تعني الوصول إلى الهدف واكتمال الفكرة بحيث يغدو لا حاجة لمزيد من الأحداث أو حتى لا حاجة لإكمال الحدث الذي انتهت الفكرة في منتصفه وبعد ذلك يمكن تصنيف النهايات إلى مفتوحة ومغلقة، فالمفتوحة يترك فيها الروائي للقارئ فرصة التفكير في كيفيتها كأن يذكر حدثا يحوي استشهاد الشخصية المركزية ثم لا يكمل الحدث بل يدعه للقارئ ،أما المغلقة فيذكر فيها الروائي نهايات العناصر للقارئ فيريحه من عناء التخمين وكثيرا ما تجمع الرواية بين النهاية المفتوحة والمغلقة كأن يختم الكاتب روايته بحدث لا يكمله لكن هذا الحدث يشمل نهاية شخصية رئيسة وفي الغالب لا يرغب الروائي أن يترك جمهوره يتدخل في عمله الأدبي بتخمين نهايته لذا فان النهاية المغلقة هي التي تسيطر على الروائيين نسبيا وان لجأ الروائي إلى النهاية المفتوحة فانه لا يتركها مفتوحة على الإطلاق بل تكون متوقعة على الأقل .
الكاتب... هو واضع العناصر ومنتج الفن ومن العيب أن نذكر العنصر ونهمل المعنصر، والروائي هو المتحكم في طبيعة المكتوب يختار ما يشاء لما يشاء في حدود المندوب وعليه أن يراعي الطالب والمطلوب ، وكثيرا ما ينثر الكاتب أبعاد شخصيته على إنتاجه الأدبي وعمله الروائي وهذا ليس غريبا فان الفكرة لا تتولد من الفراغ بل هي عبارة عن حدث وقع في حياة الروائي وأثر فيه وليس بالضرورة أن يكون قد حدث له شخصيا إنما حدث في حياته فشارك في بناء فكرته لأن المحيط يؤثر في النفس والنفس تؤثر في الإنتاج فالواقع دوافع والصنائع نوابع ، وكي يتمكن الكاتب من نسج الصراعات والأحداث المكونة لمتن روايته لا بد أن يملك فكرة تدفعه للأمام وخيالا واسعا يمكنه من بناء الرواية في باحاته وأن يتخلى عن مختلف العموم ويطلع على ما كتب السابقون ثم يلزم المكتب ليكتب فيكتب ما عنده مره واحدة ولا يرتب وإذا مل من جريان القلم فليوقف نزفه كي لا يتلوث باحتمال الزلل فيأخذ جلسة علاج من الملل ووقتا كافيا لزوال العلل ومتى وجد النفس قد صغت واستقر حالها رجع ليواصل العمل وإذا انتهى كتابه عاد للترتيب والتنقيح والتنسيق والتصحيح فإذا تم عرض على فصيح ذي رأي رشيد وعقل رجيح .
المصادر 1- كتاب عالم الرواية ، رولان يور نوف ، ريال أوئيليه ، ترجمة : نهاد التركلي ، مراجعة فؤاد التركلي ، د.محسن الموسوي. 3- كتاب في النقد الأدبي الحديث منطلقات وتطبيقات ، د.فائق مصطفى أحمد ، د.عبد الرضا علي . 4- النقد التطبيقي التحليلي ، د.عدنان خالد 5- خصائص الخطاب الأدبي في رواية الصراع العربي – الصهيوني دراسة تحليله ، د.عبد القادر شرشار . 6- عناصر الرواية الأدبية ، يوسف حسن حجازي . 7- الأدب العربي في فلسطين ، غنيم كمال . 8- فن الرواية ، ميلان كونديرا ، ترجمة : د. بدر الدين كرودكي . 9- رواية موسوعية في الأدب والفنون ، جميل حمداوي. 10- الأسلوبية في الرواية العربية.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم
|