المشبّهات بـ( ليس)
تقدم في المحاضرات السابقة تصنيف النواسخ على صنفين : أفعال ، وحروف ، وسبق أن تناولنا من الأفعال ( كان وأخواتها) . وفي هذه المحاضرة سنبدأ بذكر المشبهات بـ ( ليس) وهي من الحروف . وإنما سميت هذا الاسم ؛ لأنّ قوام عملها مشابهتها لـ(ليس) في المعنى الذي تؤديها وهو النفي ؛ لذا أخذت حكمها فعملت عملها فرفعت المبتدأ اسماً لها ونصبت الخبر خبراً لها . وهذه الأحرف هي (ما ، ولا ، وإنْ ، ولات) : الحرف الأول : ( ما ) : وهذه الأداة تأتي في العربية بمعانٍ متعددة ذكرنا سابقاً أنها تكون : ـ موصولة ، نحو : يعجبني ما فعلته ، وهي اسم. ـ مصدرية غير ظرفية ، نحو :( إن أبي يدعوك ليسقيك اجر ما سقيت لنا) .وهي حرف . ـ مصدرية ظرفية ، نحو : لا أصحبك ما لم تجتهد . وهي حرف . ـ استفهامية ، نحو : ما قلت ؟ وهي اسم . ـ زائدة ، نحو : إنما زيد قائم . وهي حرف . ـ نافية ، وهي حرف ، فقد تدخل على الجملة الفعلية فتكون نافية غير عاملة ، نحو : ما سافر محمد . وقد تدخل على الجملة الاسمية ، وكلامنا على هذا . إذ للعرب فيها ـ عند دخولها على الجملة الاسمية ـ استعمالان : أ ـ الحجازيون : يعملونها فترفع الاسم وتنصب الخبر ، نحو : ما زيدٌ قائماً ، وبها نزل القرآن الكريم ، قال تعالى : ( ما هذا بشراً ) وقوله : ( ما هنَّ أمهاتِهم) . ولكن لا يعملونها إلا بعد توافر مجموعة من الشروط . ب ـ التميميون : يهملونها مطلقا ، فيقولون : ما زيدٌ قائمٌ . واحتج النحاة لذلك بالقاعدة التي تقول : (( حق الحرف المختص أن يعمل ، وحق الحرف غير المختص ألا يعمل )) و(ما) غير مختصة إذا تدخل على الفعل والاسم لذا فحقها ألا تعمل . شروط عمل (ما) عند الحجازيين : 1ـ ألا تزاد (إن) بعدها ، نحو ما إن زيدٌ قائم ، فلا تعمل في هذه الجملة لإقحام (إن) الزائدة بينها وبين اسمها . 2ـ ألا ينتقض نفيها بـ(إلا) نحو : ما زيد إلا قائمٌ ، وذلك لأنّ أساس عمل هذا الحرف قائم على أدائها معنى النفي فإذا انتقض النفي بطل عملها . 3ـ ألاّ يتقدّم خبرها على اسمها ، فمن شروط عمل (ما) أن تكون جملتها محافظة على الترتيب الأصلي ، فيتقدم الاسم ثم يليه الخبر ، وعند تقدم الخبر على الاسم يبطل العمل : ما قائمٌ زيدٌ . واختلف النحاة في هذا الشرط إذا كان الخبر شبه جملة ، فهل الحكم واحد ، أو أن الحكم يختلف؟ فمن النحاة من أجاز بقاء عمل (ما) عند تقدم الخبر إذا كان شبه جملة ، ومنهم من أبطل عملها وعامل(ما) عند تقدم الخبر شبه الجملة معاملته إذا كان غير ذلك . 4ـ ألا يتقدم معمول الخبر على الاسم وهو غير ظرف أو جار ومجرور ، نحو : ما زيد ضارباً أخاه ما أخاه زيد ضاربٌ . نلاحظ أن (ما) أبطل عملها بسبب تقدم معمول الخبر على الاسم . ما زيد جالساً عندك ما عندك زيد جالساً . نلاحظ أن ما بقيت عاملة لأن معمول الخبر شبه جملة وفي أشباه الجمل يُتَوسّع ما لا يُتوسَّع في غيرها . 5ـ ألا تتكرر(ما) فإن تكررت بطل عملها ، نحو : ما ما زيدٌ قائمٌ ؛ وذلك لأنّ (ما) للنفي ، وما الثانية للنفي ، ونفي النفي إثبات . 6ـ ألا يُبدل من خبرها موجب ، نحو ( ما زيد شيءٌ إلا شيءٌ لا يعبأ به) , ف(شيءٌ) الأولى خبر المبتدأ، والثانية بدل من الأولى ، وإنما لم تعمل (ما) لأنه قد أبدل من خبرها موجب ، إذ ما بعد (إلا) إثبات . ـ العطف على خبر(ما) : إذا جيء بعد خبر (ما) حرف عاطف ، فإذا كان الحرف مقتضياً للإيجاب كـ( بل ، ولكن) فحكم ما بعدهما أنه مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، نحو : ما زيد قائماً بل قاعدٌ ، فـ(قاعد) خبر لمبتدأ محذوف والتقدير : هو قاعد . ولا يجوز نصب ( قاعد) لأن ما بعد (بل ولكن) يكون مثبتاً ، و(ما) لا تعمل في المثبت . وحينئذ يكون (لكن وبل) حرفي ابتداء لا عطف . وإذا جئ بحرف غير مقتضٍ للإيجاب ، جاز في المعطوف النصب عطفاً على خبر (ما) وجاز الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، والأول أولى . نحو : ما زيد قائماً ولا قاعداً ، ويجوز : ولا قاعدٌ .
أمثلة : 1ـ لعمرك ما الإسراف فيّ طبيعة ولكنّ طبع البخل عندي كالموت 2ـ وما الحسنُ ففي وجه الفتى شرفاً له إذا لم يكن في فعله والخلائق 3ـ وما للمرء خير في حياة إذا ما عدُ من سقط المتاع 4ـ ما أمرَ الله أنا عاصٍ
زيادة (الباء) في خبر (ما)
حرف الجر يزاد إذا كانت الجملة منفية وكان المجرور بها نكرة ، وفائدة هذا الحرف هو التوكيد ، ومعنى الزيادة أنها لا يؤثر في المعنى العام حذفها ، والمجروربها يكون مجروراً لفظا ولكن من حيث المحل يكون إعرابها بحسب موقعها . وتزاد (الباء) في خبر (ما) و(ليس)، نحو : ( وما ربك بظلامٍ للعبيد) . (ما) نافية عاملة عمل (ليس) . ربك : اسم (ما) مرفوع وعلامة رفعه الضمة ، وهو مضاف ، والكاف : ضمير متصل مبني في محل جر بالإضافة . (بظلام) الباء : حرف جر زائد ، ظلام : اسم مجرور لفظاً منصوب محلاً على أنه خبر (ما) . للعبيد : جار ومجرور . ومنه أيضاً : قوله تعالى : ( أليس الله بعزيز ذي انتقام ) ، و(ما ربك بغافل عما يعملون) . وتزاد في خبر (لا) قليلاً ، نحو : فكن لي شفيعاً يومَ لا ذو شفاعة بمغنٍ فتيلاً عن سواد بن قارب وفي خبر مضارع كان المنفية نحو : وإن مدّت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم ، إذ أجشع القوم أعجل .
الحرف الثاني : ( لا) : وتأتي لا في العربية بمعان متعددة واستعمالات مختلفة ، منها : ـ لا ناهية : لا تنسَ ذكر الله . ـ لا نافية داخلة على الجملة الفعلية ، نحو : ( لا ينال شفاعتي مستخف بصلاته) . ـ لا نافية داخلة على الجملة الاسمية عاملة عمل (إنّ) ، لا النافية للجنس ، نحو : لا رجلَ قائمٌ ـ لا نافية داخلة على الجملة الاسمية عاملة عمل (ليس) عند الحجازيين ، نحو : لا رجلٌ قائماً والفرق بين لا النافية للجنس ولا العاملة عمل (ليس) أما من حيث العمل فالأولى تعمل عمل (إن) فتنصب الأول وترفع الثاني ، وأما الثانية فتعلم عمل (ليس) فترفع الأول وتنصب الثاني . وأما من حيث الدلالة ، فإن (لا) النافية للجنس تدل دلالة قطعية على نفي اتصاف جنس الاسم بالخبر ، فعند قولنا : لا رجلَ في الدار ، فالمعنى نفي اتصاف جنس الرجال بالوجود في الدار , فيجوز أن نقول : لا رجلَ في الدار بل امراة ولا يجوز أن نقول : بل رجلين لما في ذلك من مناقضة لدلالة (لا) . أما (لا) العاملة عمل (ليس) فدلالتها احتمالية ، إذ تحتمل أن تكون لنفي الجنس كما في (لا النافية للجنس) وتحتمل أن تكون لنفي الوحدة ، فعندما نقول : لا رجلٌ في الدار فالمعنى نفي تواجد رجل واحد في الدار ، لذا يصح أن نقول بل رجلين أو ثلاثة . شروط عمل (لا) عمل (ليس) عند الحجازيين :
1ـ أن يكون اسمها وخبرها نكرتين : نحو : لا رجلٌ قائماً ، وقد وردت في عاملة في المعرفة في بعض الأبيات ، نحو وحلت سواد القلب لا أنا باغياً سواها ولا عن حبها متراخيا . 2ـ ألاّ يتقدم خبرها على اسمها ، فلا تقول : لا قائماً رجلٌ . 3ـ ألاّ ينتقض النفي ب(إلاّ) ، فلا نقول : لا رجل إلا قائماً ، بل يجب رفعه .
الحرف الثالث( إنْ) : وهي غير عاملة عند أكثر النحويين ، ولم ترد في القرآن الكريم عاملة ، نحو : ( إن الكافرون إلا في غرور) . وقد تأتي عاملة نحوقول الشاعر : إنْ هو مستولياً على أحد إلا على أضعف المجانين وقول آخر : إنْ المرء ميتاً بنقضاء حياته ولكن بأن يبغى عليه فيخذلا وشروط عملها هي شروط عمل (ما) الحرف الرابع : (لات) وقد اختلف النحاة في أصلها أهي مركبة أم بسيطة ؟ ومن قال إنها مكونة من لا وزيدت عليه (التاء) اختلفوا في (التاء) : أهي للتأنيث أم للمبالغة ؟ ومن الشروط الخاصة بها لتعمل : ـ أن يكون اسمها وخبرها كلمتين دالتين على زمان ـ أن يحذف أحد معموليها ، ويغلب حذف الاسم وبقاء الخبر . نحو ( ولات حين مناص) فاسمها محذوف و(حين) خبرها ، ومناص : مضاف إليه . والتقدير : ولات الحينُ حين مناص
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم
|