[9] المقرر: تطبيقات أدبية/ المرحلة الرابعة – قسم اللغة العربية 2019 - 2020 أستاذ المادة: أ.د.عبد العظيم السلطاني محاضرة : قراءة في نص ((من أعراف الغابة)) لعباس السلامي: ((من أعراف الغابة)) نص أدبي شعري (قصيدة حرّة/ قصيدة نثر) مكشوف ليس بحاجة إلى كثير تأمّل، فهو يُسلّم للقراءة أسراره الفنية ورسالته الثقافية طوعا. وهو نص عفوي تلقائي، قد يحبّه من يفهم الشعر ومضات ضوء ساطع الوضوح.. وقد يحبه من يجد الشعر شطيرة لذيذة متاحة لمعظم الناس إن لم تكن لهم جميعا... وقد لا يحب هذا النص من يرى الشعر مرتبطا بالعمق ولا يسلّم أسراره بسهولة ويسر. نص متوسط الطول يعبّر عن تجربة شعرية محدّدة بمركز لم تخرج عنه، وهو مؤلّف من اثني عشر مقطعا، غير متساوية الطول، وكل مقطع له رقمه الخاص به. وهو بمجمله يحمل رسالة ثقافية مباشرة تعبّر عن وجع كبير، وتخاطب لحظتها التاريخية.. وإن هي اتخذت من عالم الغابة والحيوانات طريقا في الخطاب. تسير مقاطع النص الستة الأولى مجسّدة علامات سوء نظام الغابة. حيث ((لا يحق للخراف أبداً، ألا تثق بضمانات الذئب !)) = مصادرة الإرادة وأن تخدَعَ الخرافُ ذاتها. (( لِمَن يريد الإقامة الآمنة في الغابة عليهِ أنْ يصطفَ مع الثعالب !)) = أن يتخلى عن ذاته ويؤثر السلامة، متخذا من المكر والخسّة طريقا. ((على البلابل ألا تتفرد بالشدو، وعلى العصافير ألا تطلق الزقزقات)) = أن يكون التغريد متناغما مع إيقاع القطيع/ التخلي عن كينونة الذات الفردية، والتخلي عن التعبير عنها بصدق. ((ويتحتَّم على العصافير والبلابل ألا تهبط بدعةٍ وأمان، وإلا داست شدوها وزقزقاتها الفيَلة !)) = أن يكون بعيدا عن مراكز القوة، فالواقع ليس له والأرض ليس له. ((لا حصة للحمام من الغابة سوى الذعر)) =السلام ليس في الغابة. ((ليل الغابة أمسى من حصة البوم والخفافيش)) = الليل حصة الكائنات التي لا تحب النور. ((واقتضت الحاجة أخيراً أنْ يكون النهار لهم، كذلك)) = تدرج الظلم كان ليلا مُختطِفا لِمَن لا يحب الضوء والوضوح، ثمّ اختُطِف الضوء، أيضا، حين تمكّنت قوى الظلام واستتب لها الأمر. ((في الليل تلهجُ الغابة بعواء الذئاب)) = في ليل الغابة يسود صوت الخوف. ((وفي النهار تتَأوّه بحشرجات العصافير!)) = في الغابة نهارا يحضر صوت الألم المبحوح/تأوّه العصافير. كلّ هذا السوء في الغابة مجسّدا بكلّ ما ذُكر من تفاصيل. لكنه سوء يسير على نحو واحد، ونسق معروف ثابت ومستقر، فـ (( للغابة شريعة واحدة)) وفي هذا تسجيل لحسنة في واقع الغابة، لذا هي أفضل من وطن الشاعر. فالقصيدة تقول: نظام الغابة السيّء سوؤه يسير على نحو مستقر ثابت، لذا هو أفضل من نظام الحياة في وطن اشترك مع الغابة في السوء، وفاقها سوءا حين لم يُسِرْ على نحو ثابت، ليمنحك ،في الأقل، فرصة اتخاذ ما تستطيع اتخاذه، لتتجنب أشدّ الأذى، أو لتدفع عن نفسك بعض الضرر... وعند هذا المفصل يلتفت الخطاب الشعري صوب الطرف الآخر من الثنائية المُقارَن بين عنصريها ((الغابة/الوطن)) ((ولوطني - يا للحزن- شرائع! لا تحصى، لذا سأنتمي للغابة، ولا أسف!! وأجعل منها موطني)). لكن هذا المقطع يبدو قلقا دخيلا في هذا الموضع، فالنص قائم على مقارنة بين عنصرين في ثنائية، لم يُستكمل تحديد خصائص العنصر الأول فيها ((الغابة)). ففي المقطع الثامن يعود الخطاب محمّلا بخلاصة تجربة نابعة من الغابة. ((إياكَ أنْ تجعلَ قلبكَ دليلكَ وأنتَ تسير في الغابة)) = التخلي عن عواطف الإنسان/ حقيقة إنسانيته وفطرته وعواطفه، فالغابة لا يناسبها سوى التمكّن من أساليب الصراع. و ((لا يستأنس بضجيج الغابة إلاّ من غضَّ الطرفَ وهو أصمْ)) = عدم الملاحظة المؤدي إلى عدم المواجهة ((ثقافة شعليه)) التي يُوصم بها المجتمع العراقي. ثم يعود النص لخطاب البشر مُبجِّلا الغابة لغاية إظهار سوء العنصر الآخر من الثنائية: البشر مقارنا بحيوانات الغابة. فبعد أن كانت الموازنة بين مكانين: الغابة/ الوطن، تحولت هنا إلى السكان الشرعيين لكلا المكانين: البشر/ وحيوانات الغابة. ((أيّها البشر، لا ضير أنْ تقربوا الغابة أو تدخلوها، شريطةَ، ألا تزعزعوا "التعايش" فيها))، حيث الثبوت شرط أساس للتعايش. وكان يمكن أن يستغني النص عن جُمَلٍ تجدها القراءة فائضة شعريا عن حاجة النص، وهي: ((فللغابة شريعةٌ ثابتة، وما يحدث خارجها لهو أبشع مما يحدث داخلها)). فنسق النص أوصل مركزية فكرة ثبات شريعة الغابة، ولا داعي لتكرارها، ونسق النص أوصل فكرة أنّ داخل الغابة أفضل من خارجها بسبب ذلك الثبات، لذا لا داعي في النص الشعري لتأكيد الفكرة بجملة تقريرية باردة. والملاحظ على النص أنّ النثرية حاضرة فيه، وكذلك التقريرية، حيث المجاز ليس حاضرا بقوة في تفاصيل النص. و ((من فرَّ الى الغابة، وحسب أنها ملاذه، فهو آمن ٌ آمنٌ آمنْ))= صدق الكائنات مع ذاتها وإخلاصها للحياة في الغابة يُنْجي جنسها، بدليل أنّها لم تنقرض. فالكائنات فيها تأمن حين تنتظم في نسق وتنسجم مع فطرتها ورضاها عن قانونها الثابت، حيث: ((يُحرّم على الظّبية، استدراج الذئب والإيقاع به في محبتها)) ولو حصل هذا الاستدراج اللامعقول في الغابة لتبدّل القانون: ((وإلا تناثرت القبلات بدل الدماء !!)) وهذا محال. تجد القراءة - ومن خلال ما تقدّم - أنّ نص ((من أعراف الغابة)) نص استعاري بكليته، فهو يستعير نظام الغابة ويتحدث عن تفاصيله، وكأنّه معنيّ به، في حين الغاية الكلّية تفكيك نظام واقع البشر، في وطن مضطرب في كل شيء، حتى في نسق السوء نفسه. وبناء النص يقوم على لقطات تصويرية تشكّل بمجموعها التصوير الكلي، ولاسيما الغابة التي هي مركز في النص. فلقطة تُعنى بعلاقة الخراف بالذئب، ولقطة تخصّ سلوك الثعالب، وثالثة تصوّر حال البلابل والعصافير وإمكانية البطش بها. ولقطة تصوّر هيمنة الخفافيش والبوم على ليل الغابة، ثم على نهارها... وهكذا نجد كل لقطة في الغابة حالة رمزية دالة على ما يحاكيها في واقع حياة البشر في وطن عشعش فيه السوء المضطرب. نسيج النص لغويا يعتمد على مفردات الحياة المألوفة وقاموسها اليومي. وهذا مناسب لطبيعة رسالته الثقافية التي تخاطب الواقع وتسعى إلى التأثير فيه على الرغم من إعلانها أن إصلاحه ميؤوس منه، وأن الواقع أسوء من أي تصوّر. لكنّه نص يرفض الواقع وبؤسه، ويسعى إلى التغيير من خلال الفضح. وهو يقدّم حججا لهذا الرفض، حيث بؤس الواقع متمثل بالخداع وتغييب العقل، وبالمكر والخسّة وبثقافة القطيع، والتخلي عن مواجهة الشر، ورفض السلام، وبالظلم والخوف والألم، والابتعاد عن فطرة الانسان وبتخليه عن عواطفه. والأبشع من كل هذا انعدام الثبات على نسق واحد من السوء.. إنّها شتيمة مُفارق أُتْخِم بؤسا وخوفا فاستجمع قواه ليدلي بها شيمة صريحة وبكلّ التفاصيل.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم
|