الموضوعات الشعرية:
ولقد اتجه شعراء المهجر اتجاهات عديدة، يمكن ان نجملها بما يلي: الشعر التأملي النفسي، وشعر الطبيعة وشعر الحب والشعر الاجتماعي والإنساني وشعر الحنين والغربة. 1/ الشعر التأملي: ليس شعر التأمل جديداً في شعرنا العربي فقد أثار ابن الرومي وأبو تمام والمتنبي وأبو علاء المعري في شعرهم مسائل تأملية وقضيا فكرية لا يمكن اغفالها. الأ ان اتجاه شعر المهجر التأملي أصبح ظاهرة عامة. ربما فاقت كل خواطرهم الشعرية، وكانت الظروف القاسية التي واجهت شعراء المهجر سبباً في بروز هذا الاتجاه، فقد ترك هؤلاء أوطانهم وغادروا أهلهم وأحباءهم وواجهوا بيئة جديدة وظروفاً اقتصادية ونفسية صعبة انعكست في شعرهم حنيناً الى أهلهم، وحباً الى أوطانهم فراحوا يعبرون عنها بالمعاني المتناقضة من يقين وشكٍ، رضى وسخطٍ. وعلى الرغم من ان هذه المعاني قد حققت في شعرهم تجديداً ملحوظاً، أذ جسد ما كان ينتابهم من قلقٍ واضطراب وحيرة، خصوصاً في المراحل الأولى من حياتهم، وعمقت احساسهم بالألم وانتهت بكثيرين الى زغزغة ثقتهم بالحياة والكون. وضاق بعض شعراء المهجر ذراعاً بواقعه، ولم يعد قادرا على العيش فيه، مما جعله يحلم بواقع من صنع الخيال، يحقق له كل ما أفتقده في واقعه، ويمكننا ان نجد ذلك في قصيدة جبران "البلاد المفتوحة" التي يقول فيها:
يّا بِلاداً حجبت منذ ألأزل كيف نرجوك ومن ايَّ سبيل ايُ قفرٍ دونها ايُّ جبل سوره العالي ومن منا الدليل أسرابٌ أنت؟ أم انت ألأمل؟ في نفوسٍ تتمنى المستحيل يابلادَ الفكري يامهد ألألى عَبدوا الحق وصَلوا للجمال ما طلبناك بركبٍ او على مَتْنٍ سُفنٍ أو بخيلٍ او رحال لستِ في الشرق ولا الغرب ولا في جنوب الأرض او نحو الشمال لستِ في الجو ولا تحت البحار لستِ في السهل ولا الوعر الحرج انتِ في الأرواح أنوارٌ ونار انتِ صدري فؤادٌ يختلج
ويبدو من هذه القصيدة ان جبران يتحدث عن مدينة خيالية يمكن لها ان تكون بديلاً عن مدينته في الواقع، التي لم يعد متصالحاً معها، فهي تمثل نوعا من التمرد على الواقع، والهروب منه الى عالم من صنع الخيال يجد فيه كل ما يتمناه في واقعه وما يحلم به من آمال وأماني، غير ان هذه البلاد التي يحلم بها لم يجد الشاعر سبيلاً للوصول اليها، أو معرفة حقيقتها ومكان وجودها خلف أي صحراء وأي جبل يحيط بأسوارها، ونلاحظ الشاعر يميط اللثام عن رموزه، ويزيل الضباب عن مراميه ومقاصده، فإذا هي مدينة فكرٍ يعشقها أولئك الذين عبدوا الجمال ممثلا في الحقائق الصافية الخالية من الزيف، وهي مدينة موقعها الحقيقي في الأرواح والصدور والقلوب، وهي مدينة أنوار ونور لا مدينة شكوك وظلمة وأسرار وآلام وإحباط. هذه الروح الشعرية جديدة كل الجدة، وهي الرومانسية الحقة لأنها تعبر عن دخيلة الشاعر وأعماقه وخفيا نفسه، التي يشوبها الحزن والكآبة من واقعه الجائر وعزلته عن مجتمعه وتفكيره بالهروب من هذا الواقع الى عالم الاحلام الذي يتمناه في مدينته الخيالية.
ويتجلى شعر التأمل عند المهجرين في القصائد التي تناولت فكرة وحدة الوجود التي يرى معتنقوها أن الله سبحانه وتعالى يتجلى في مخلوقاته، فيمكن أن يرى الإنسان الخالق في مخلوقاته من حيوان ونبات وجماد بل في كل شيء موجود من مخلوقاته يمكننا أن ندرك تجلي الخالق فيه. ويمكننا ان نلمس ذلك في قول شكر الله الجرّ: وعلامَ القول إن الله قد حجبَ عنّا هو في النهرِ وفي الحقل وفي الغصن نثنى هو في البحر وفي الريح وفي الغابة غَنى هو في الأكوانِ مذ كانت، وفينا منذُ كُنَّا وعلى الرغم من أن الكثير من شعرائنا المتصوفين القدامى قد عالجوا هذه الفكرة في شعرهم إلا انها انقطعت منذ القرن السابع الهجري حيث بلغ أوجها عند محي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي، وضلت فكرة وحدة الوجود في الشعر الحديث تطفو على سطح القصيدة لدى الزهاوي والرصافي وغيرهما، إذ لم تشكل ظاهرة شعرية واضحة، حتى تم لها ذلك عند شعراء المهجر، فقد تناولها أكثر من شاعر، فهذا شاعر المهجر الجنوبي نعمة قازان يقول في وحدة الوجود: رأيت القطرة الصغرى تُروي غُلةَ القَفرِ وحالت بعد ذا نهراً إلى آمالهِ يجري رأيتُ الزهرةَ الزهراء تَخطرُ خطرةَ العجبِ يساقيها نسيمُ الصبحِ كاساتِ الندى العذبِ فمنْ زَهرِ الى تُربِ الى زَهرِ إلى تربِ
أما ميخائيل نعيمة فيناقش هذه الوحدة في تأمل فلسفي عجيب، إذ يرى أن الكائنات تتوحد في حقيقة كلية واحدة، لأنها من صنعِ الله لذلك نراه يطالع صورة نفسهِ في كل مظهرِ من مظاهر الطبيعة التي تحيط به، فالخلق ألإنساني كما يراه آية من آيات القدرة الإلهية فيقول:
إيه نفسي انتِ لحنٌ فيَّ قد رن صداه وقعتهُ يدُ فنانٍ خفيَّ لا أراه انتِ ريحٌ ونسيمٌ انتِ موج انتِ بحرٌ أنتِ برق انتِ رعدٌ أنتِ ليل أنتِ صبحُ أنتِ فيضٌ من إله وقد تكون فلسفة شعراء المهجر أمشاجاً من فلسفة الشرق والغرب ولعل منهم من تأثر بشاعر كأبي العلاء وهو يسأل عما بعد الموت من بعث وحشر، او بفيلسوف كأبن سينا وهو يسأل عن "النفس" تلك الورقاء التي هبطت الى الانسان من محلها الارفع في السماء فلبست جسده، والذي سيدركه البلى والدثور، ثم يعود بعد ذلك الى "الحمى" او الى نار "القرى" الذي كان يتطلع إليها الشاعر أبو ماضي ونسيب عريضة، وللشك عند شعراء المهجر أصولاً عند فلاسفة الغرب كما نجد له ألأصول ذاتها في شك أبي العلاء المعري فيقول أبو ماضي: حامت على روحي الشكوك كأنها وكأنهن فريسةٌ وصقورُ ولقد لجأتُ الى الرجاء فعقَّني اما الخيالُ فخائبٌ مدحورُ ياليلُ أين النورُ؟ إني تائهٌ مُرْ ينبثق، أم ليس عنك نورُ؟ وفي ظل هذا الاتجاه التأملي النفسي، بحث شعراء المهجر خلود النفس الإنسانية التي تفنى بفناء الجسم بعد الموت وبهذا يكون شعرهم، قد أدلى بدلوه بين دلاء الفلاسفة الذين بحثوا خلود النفس في الشعر كأبن سينا وغيره، ويقف في مقدمة الشعراء الذين تناولوا في شعرهم خلود النفس هو الشاعر جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ونسيب عريضة، فهذا نسيب يخاطب نفسه داعيا إياها الى أن تفارق أن تفارق جسده لتعود الى عالمها ألأمثل، بعد أن شعر بما استبدت به نفسه من شهوات ولذائذ فيقول: يانفسُ انتِ لك الخلود ومصيرُ جسمي للحود سيعيث عيشك فيه دود فدعي له ما تنخرين يانفس هل لكِ في الفصالِ فالجسم اعياه الوصال حَملته ثقل الجبال ورذلتهِ لا تحفلين وقد عالج جبرا نفي قصيدتهِ "يانفس" هذه الفكرة، وكذلك ميخائيل نعيمة في الكثير من قصائدهِ. وقد تناول شعراء المهجر مسألة الخلود تناولاً مختلفاً، يتوقف على اختلاف مواقفهم من النفس الإنسانية، فجبران يستخدم الأدلة المنطقية ويحمل صوره الشعرية ما يلائم موقفه من مسألة "الخلود"، ونسيب عريضة يضع قضية الخلود موضع الحقائق الثابتة، دونما حاجة لإثباتها، وتأكيدها وهكذا راح هؤلاء الشعراء يضربون في أعماق النفس الإنسانية مضارب شتى ويقفون منها مواقف مختلفة، وسعوا إلى أن يجعلوا الشعر وظيفة استكناه النفس الإنسانية، بعد أن كانت تبتعد عن هذا الميدان. وقد تفنن شعراء المهجر في المعاني التي عالجوا من خلالها النفس الإنسانية، فقد ألتفتوا الى الموت لصلته بالنفس الإنسانية ورأوا فيه خلاصاً من مشكلة الوجود الذي حيرهم، أو العذاب الذي طالما أنتابهم، فإذا بهم يهتفون بالموت ويرحبون بمقدمه تماماً كما فعل شعراء الديوان، فهذا جبران يرى في الموت خلاصاً وشفاءً مما ينتاب نفسه من حيره وعذاب وقلق فيقول:
والموت في الأرض لأبن الأرض خاتمةٌ وللأثيريَّ فهو البدء والظفرُ فمن يعانق في أحلامه سحراً يبقى ومن نام الليل يندثر فأفضلُ الناس قطعان يسير بها صوت الرعاة ومن لم يمشي يندثر ومن يلازم تراباً حال يقظته يعانقُ التربُ حتى تخمدُ الزهرُ فالموت كالبحر من خفت عناصره يجتازهُ وأخو الاثقال ينحدرُ
أما شاعر الحيرة والقلق دون منازع إيليا أبو ماضي، الذي يعكس ديوانه "الجداول" هذا التيار الحائر، الذي يتأمل في حقيقة خلق الانسان، وعن وجوده في هذه الحياة، وعن سر مجيئه الى هذه الدنيا التي فرضت عليه، وما عليه إلا أن يتأقلم مع قوانينها وسننها وان يخضع لإرادتها، وهو في ذلك يثير جملة من التساؤلات التي تعكس قلقه في هذه الحياة التي يلفها الغموض والطلاسم وإن الانسان لم يعرف من ألغازها إلا النزر القليل وما هذه التساؤلات إلا تعبير عن ذلك فيقول في قصيدة "الطلاسم"
جِئتُ لا أعلم من أين، ولكني أتيتُ ولقد أبصرتُ قدامي طريقاً فمشيتُ وسأبقى ماشياُ إن شِئتُ هذا أم ابيت كيف جئتُ؟ كيف أبصرتُ طريقي؟ لستُ أدري! وأبرز ما يميز هذه القصيدة كثرة التساؤل الذي يقلب الإحساس على أكثر من وجه وبأكثر عبارة... إذ يدور حول جدل فكرة الشك يقدمها بأكثر من وجه، لكن بالمنهج نفسه يقول: أجديدٌ أم قديمٌ أنا في هذا الوجودْ هَل أنا حرٌ طليقٌ أّم أسيرٌ في القيودْ أتمنى أنني أدري ولكنْ... لست أدري!
شعر الطبيعة: وتناول شعراء المهجر موضوع الطبيعة تناولاً مختلفاً عن غيره من الشعر القديم، فهو لا يكتفي بوصفها من الخارج كما كان يفعل الشاعر العربي القديم، وإنما الطبيعة عند شعراء المهجر مثلما عند جماعة الديوان وأبولو والرومانسيين بشكل عام، فالشاعر الرومانسي يخلع شيئاً من مشاعره على الطبيعة، فهو يحاور الطبيعة ويمزجها مع عواطفه ويسقط علسها ما يموج من نفسه من مشاعر قلق وخوف واضطراب وبغض.. الخ، والطبيعة عند الشاعر المهجري هي كنز من المعاني والأخيلة، فقد نهل منها الشاعر المهجري مجازاته وصوره، واتخذ من الطبيعة رموزا يعبر من خلالها عما يجيش في نفسه من مشاعر وعواطف شتى. وأحب الشاعر المهجري الطبيعة ورأى فيها الملاذ الآمن الذي يهرب اليه من صخب المدينة، وقسوة واقعه عليهِ، إذ وجد في أحضان الطبيعة الام الرؤوم التي يجد في حضنها الراحة والطمأنينة وبخاصة الغاب ذلك العالم الخيالي الذي صنعه لنفسه الشاعر المهجري ليلوذ به من عنت الحياة والغاب في حقيقة الحياة الفطرية التي تجري على سجيتها، وهب الحياة التي لم تمتد يد الإنسان إليها فتفسدها بتكبيلها بالقيود الجائرة التي تجعل من الناس اغنياء وفقراء وأقوياء وضعفاء ويشوبها صراع الأضداد من خيرِ وشرِ وراعِ ورعية وظالم ومظلوم فقد تناول معظم هؤلاء الشعراء هذه الثنائيات المتمثلة بالخير والشر، الروح الجسد الحياة الموت، والفناء والخلود، كل هذه الثنائيات استأثرت باهتمامهم. وقد ثار جبران على الثنائيات ودعا الى حياة مثالية ليس فيها راعِ ولارعية ولاقوي ولاضعيف ووجد ذلك في حياة الغاب وتناول ذلك في قصيدته "المواكب": الخيرُ في الناس مصنوعٌ إذا جبروا والشر في الناس لا يفنى وأن قبروا وأكثر الناسِ آلات تحركها اصابعُ الدهرِ يوماً ثم تنكسرُ فأفضل الناس قطعان يسير بها صوتُ الرعاةِ ومن لم يمشِ يندثرُ
ليس في الغابات راعِ لا ولا فيها القطيع فالشتا يمشي ولاكن لا يجاريه الربيع خُلقَ الناس عبيداً للذي يأبى الخضوع فالرومانسية العربية في الواقع بدأت لدى جبران كحركة إيجابية، تنزع الى تدمير الشرور والعادات البالية في عالمها، من اجل بناء عالم جديد لم يكن جبران انهزامياِ استطاع جبران الوصول الى انصهار صوفي في الطبيعة، لقد أسبغ على الظواهر الطبيعية قيمة جديدة، ونحن نلمس لديه بداية خيط من التفكير ما يزال قائماً في الشعر العربي، يرفع من شعر الطبيعة البدائية التي اختارها منزلاً دون القصور التي هي رمز الحضارة الجديدة التي ثار عليها جبران وفي ذلك يقول: هل اتخذت الغابَ مثلي منزلا دون القصور وتتبعت السواقي وتسلقت الصخور هل جلست العصر مثلي بين جفنات العنب والعناقيد تدلت كثريات الذهب هل فرشت العشب ليلاً؟ وتلحفت الفضاء زاهداَ فيما سيأتي ناسياً فيما مضى والغابة في كتاباته لم تكن مكان هروب بل كانت تستخدم رمزاً لحل مشكلة الاختلاف والصراع والتنافر بين البشر من خلال حب يسع كل شيء، كما أن فلسفته في وحدة الوجود إيجابية، ربما كانت حلاً لما لديه من صراعات أساسية بوصفه شرقياً يعيش ويكتب في الغرب. وقد أعطاه ذلك أساساً لوجود يكون فيه العامل المشترك لإنسانية الفرد كافياً لمحو الكثير من الفروق المحرجة فضلا عن أن الشاعر المهجري ربط بين الحب والطبيعة ورأى الحب الحقيقي في الغابة إذ يقول: تعالي، إن ربَّ الحبَ يدعونا إلى الغابِ لكي يمزجنا كالماء كالخمرة في كاسِ ويغدو النورُ جلبابكِ في الغاب وجلبابي فكم نصغي إلى الناسِ ونعصي خالقَ الناسِ ويرى س.موريه أن فكرة العودة إلى الطبيعة التي رمزوا إليها "الطبيعة" بالغاب، وفكرتهم الرومانتيكية في الهرب إلى الطبيعة وإلى وطن مثالي، وهي فكرة أثارها في نفوسهم الشوق والحنين إلى ارض الوطن. والطبيعة عند الرومانسيين بشكل عام وعند المهجريين بشكل خاص المعلم الذي يستقون منه رؤيتهم إلى الحياة، ويستمدون منه قيمتهم وأخلاقهم، فالطبيعة هي التي تهذب أخلاقهم وتجعلهم يتعاملون بقيم سمحاء تسمو على كل الانانيات والتفرقة والتميز، فالطبيعة تعلم الانسان ان يعطي دون مقابل، وأن يحقق العدالة في عطائه، وأن يحب الناس من غير تميز، ويجعل من الطبيعة مثاله الأول الذي يقتدي به ويحذو حذوه، ويبدو ذلك جلياً عند إيليا أبي ماضي في قصيدته "كتابي":
وديني الذي اختار الغدير لنفسهِ وياحُسنَ ما أختار الغدير وما أحلى تجيء اليه الطير عطشى فترتوي وإن وردته الإبل لم يزجر الإبلا ويغتسل الذئب الاثيم بمائه فلا إثم ذا يمحى، ولاطهرَ ذا يبلى! وديني لدين الشهب تبدو لعاشقٍ وقالٍ، وفيها ما يحب وما يقلى فما استترت كيما يضل مسافرٌ ولابزغت كي يستنير الذي ضلا وليس لها أن تمنع الناسَ ضوءها ولو فتلوا منها لتكبيلها حبلا وديني كدينِ الغيثِ إن سح لم يبل أروى الأقاحي أم سقى الشوكَ والدفلى ويبدو واضحاً إن الشاعر المهجري يحاكي ما تفعله الطبيعة من خلال بعض مظاهرها مثل الغدير الذي يفتح عطاءه للجميع فمثلما يرتوي منه الطير والإبل يغتسل فيه الذئب المتوحش المفترس، وكذلك الشهب التي تزين السماء ويتمتع بمنظرها المحب والمبغض من غير تفرقة وكذلك الغيث الذي يروي الورد مثلما يروي الشوك، والطبيعة تعلم الانسان العدالة، وعدم التميز بين الناس في أشكالهم وأحوالهم المعيشية او أي لون آخر من التميز، بل تدعوا إلى حب الناس جميعاً وتقديم العطاء لهم دون مقابل.
ويخلع بعض الشعراء المهجريين شيئاً من مشاعره على الطبيعة، ويرى فيما يعبر عن مشاعره وهواجسه، فهذا الشاعر ميخائيل نعيمة يسقط حالة النهر المتجمد على نفسه، ويرى فيه صوره لحياته، يوم كان النهر يتدفق في جريانه، واليوم قد تدثر في اجفانه من خلال الثلوج التي تعلوه وتغطيه، ففيه صورة الإنسان الذي يحيا ثم يموت، غير أن الشاعر يعرض ذلك بصورة تبعث على الأسى يخاطب النهر الذي يجري بين الحدائق والزهور، فيبعث الحياة فيها وينثر الفرحة والسرور في كل مكان يجري فيه إذ إن منظر النهر هذا بين التدفق والجمود هو صورة أخرى لحياة الانسان بين الطفولة والشباب حيث يكون الانسان في عنفوان حياته وبين الهرم وبين الشيخوخة والموت، فأن مثل هذه الصور توقظ في نفس الشاعر المهجري مشاعر الحزن والخوف وهو يتقلب في حياته بين ربيع العمر وشتائه، وقد أبدع الشاعر في إظهار هذين الصورتين المتناقضتين بين صورة النهر وهو يتدفق بمائه تحفه الأزهار والحدائق وتغني حوله البلابل، وكان منظره هذا يفرح الشاعر ويبعث المسرة في نفسه، أما الصورة ألأخرى حين رآه متجمداً وقد اختفت أزهاره وحدائقه وهاجرت طيوره ولم يبقى سوى الغربان تنعق في أرجائه وكأنها تشيعه إلى مثواه الأخير، وترى من خلال الصورتين الحياة والموت، وخوف الانسان في هذه الحياة التي تسوقه نحو الهرم والشيخوخة ثم الى مثواه ألأخير، وفي ذلك يقول نعيمة:
يانهر هل نضبتَ مياهك فانقطعت عن الخرير؟ أم قد هرمت وخار عزمك فانثنيتُ عن المسير؟ بالأمس كُنت مرنماً بين الحدائقِ والزهور تتلو على الدنيا ومافيها أحاديث الدهور *** بالأمسِ كنت تسيرُ لا تخشى الموانع في الطريق واليوم قد هبطت عليك سكينة اللحدِ العميق ***
بالأمس كنت إذا أتيتك باكياً سليتني واليوم صرتُ إذا أتيتك ضاحكاً أبكيتني بالأمسِ كنت إذا سمعت تنهدي وتوجعي تبكي، وها أنا أبكي أنا وحدي، ولا تبكي معي! ما هذه الأكفان؟ أم هذي قيودٌ من جليد قد كبلتكَ وذللتكَ بها يدُ البردِ الشديد *** ها حولك الصفصاف لا ورق عليه ولا جمال يجثو كئيباً كلما مرت به ريح الشمال والحورُ ينبُ فوق رأسك ناثراً اغصانهُ لا يسرح الحسونُ فيه مردداً ألحانهُ تأتيه أسرابٌ من الغربان تنعق في الفضا فكأنها ترثي شباباً من حياتك قد مضى
وأحب الشعراء المهجريون فصل الخريف الذي تذبل فيه الحياة، ولعل ذلك ينسجم مع طبيعة الشاعر الرومانسي السوداوية الحزينة الرافضة لمجتمعها، التي تجد في الموت راحتها الأبدية من راحة المتاعب من حياتها الشقية، فالموت ينتشل الشاعر من آلامه وأحزانه ويضع حداً لتلك الحياة الجائرة، ولما كان الخريف صورة لأفول الحياة وموتها، فقد لاقى صدى طيباً لدى الرومانسيين وهم يتفنون في تناوله وفي ذلك يقول الشاعر ندره حداد: لما أطلَّ الخريف أدركتُ اخفاقي وقلت قول الاسيف سبحانه الباقي وفي فؤادي الضعيف اعددت اشواقي إلى النسيم اللطيف والجدول الباقي
أما ميخائيل نعيمه فكانت له رؤيا اخرى نحو الموت اذ رأى في الموت مكملاً للحياة وهو الوجة الاخر للحياة وعلى الانسان ان يقبل على الموت بخطى ثابته ورباطه جأش وقد تجلى ذلك من خلال مخاطبة الشاعر لآوراق الاشجار و هي تتناثر في شهر الخريف من على الاشجار الارض بقوله : تناثري تناثري يابهجة النظر يامرقص الشمس ويا ارجوحة القمرِ يا أرغن الليل ويا قيثارة السحرِ يارمز فكر حائرٍ ورسم روح ثائر ياذكر مجد غابرٍ وقد عافك الشجر تناثري تناثري عودي الى حضن الثرى وجددي العهود وانسي جمالاً قد ذوى ما كان لن يعود كم أزهرت من قبلك وكم ذوت ورود فلا تخافي ما جرى و لا تلومي القدرا عودي الى حضن الثرى
وفي قصيدة المساء لإيليا ابي ماضي يعرض فيها الشاعر فلسفته بالتفاؤل و التشاؤم و التي اشتهر بها الشاعر وكان الاول من بين اقرانه من دعا الانسان ال التفاؤل في الحياة و نبذ التشاؤم و على الانسن ان ياخذرصته كامله من الحياة و ان يستمتع بمفاتنها و نعمها و ان يزيح عن كاهله شبح ما ينتظره من سوء الطالع الذي يمكن ان يعكر حياته بالمستقبل و اشهر قصائده التي تناولت هذا الموضوع هي فلسفة الحياة , و المساء , كن بلسماً . وقصيدة المساء تشيح بهذا الموضوع من خلال عنوانها المساء الذي يشير بشكل او بأخر الى التشاؤم و التفاؤل , فالمساء يشير الى غروب الحياة وهو يبعث الخوف و الرهبة في ظلمته التي تدل على رحيل النهار الذي هو رمز الحياة و مجيء الظلام . الذي يشير الى القبر و الموت و عندما يحل الليل تحل الهموم و الاحزان ولكن هذه الصورة تقابلها صورة اخرى للمساء فيمكن ان تكون هذه الامسيات تقترن بالسمر و الفرح و الليالي الحمراء يقول ابو العلاء المعري : رب ليلٍ كأنه الصبح في الحسن وان كان اسود الطيلسان وقد ركضنا فيه الى اللهو حتى وقف النجم وقفة الحيران فالليل اذن يجمع بين الفرح و الحزن بين التفاؤل و التشاؤم وهذا ما خلصت له قصيدة المساء اذ كانت الطبيعة رمزاً للتعبير عن هذين الموضوعين وقد لستهلها الشاعر بصورة حزينة واستقلها من الطبيعه , تعبير عما يجيش من مشاعر الخوف و الفزع في نفس من خاطبها في هذه القصيدة ودعاها ألا تكتئب و أن لا يعكر صفو حياتها تلك الهواجس المخيفه التي دارت في ذهنها التي رأت الحياة تمضي بها مسرعه نحو الشيخوخة و الهرم قبل ان تحقق أمانيها وتأخذ فرصتها في الحياة , وفي ذلك يقول أيليا ابو ماضي : السحب تركض في الفضاء و الرحب ركض الخائفين و الشمس تبدو خلفها صفراء عاصبة الجبين و البحر ساج صامت فيه خشوع الزاهدين لكنما عيناك باهتتان في الافق البعيد سلمى .... بماذا تفكرين ؟ سلمى .... بماذا تحملين ؟ أرأيت احلام الطفوله تختفي خلف التخوم ؟ ام أبصرت عيناك اشباح لكهولة في الغيوم ؟ أم خفيت ان يأتي الدجى الجاني و لا تأتي النجوم انا لا ارى ما نلمحين من المشاهد وانما أظلالها في ناظريك تنم , يا سلمى , عليك
في هذه الابيات يبين الشاعر سبب حزن سلمى و كأبتها التي رأت ان القادم من ايامها قاتم و ان احلام الطفوله التي تمنت سلمى ان تحققها في شبابها خشيت الا تحقق تلك الأماني بعد ما خشيت من ان ياتي الدجى الجاني فالدجى الظلام و الجاني لذي يرتكب جناية بحق الاخرين و يأتي الدجى و لاتأتي النجوم معنى اخر من معاني التشاؤم و النجوم هي الامل الذي يضيء و يزين ليل سلمى الحالك و يأخذ بها نحو أمانيها و النجوم هي التي تطرد الظلمه من دناها المظلمه و هي رمز لكل الاماني الجميله التي تحلم بها الفتاة والظلام رمز للكهولة و الشيخوخة والموت , هذي الهواجس لم تكن مرسومة في مقلتيك فلقد رأيتك في الضحى ورأيته في وجنتيك ولكن وجدتك في السماء وضعت رأسك في يديك و جلست في عينيك ألغاز وفي النفس أكتئاب مثل أكتئاب العاشقين سلمى ... بماذا تفكرين ؟ وهذه الابيات عن حالة سلمى التي تضطرب بالهواجس التي نجم عنها أكتئاب سلمى وقد رأى الشاعر هذه الكأبة واضحة في وجنتي سلمى اللتين ذبلتا من كثرة الهموم في نفسها وهو معنى أخر من معاني الكأبة التي تعاني منها سلمى و الضحى رمزاً للفتوة و المساء هناىىالوقت الذي تكثر فيه الهموم و الالالم ويدل على ذلك على عبارة " وضعت رأسك في يديك " صورة عن رأسها الذي اثقلته الهموم و الاحزان و المخاوف مما تخبئه لها الايام القادمه و سوء الطالع وهي تحرمها من امالها أضافة الى "وجلست في عينيك ألغاز " وفي النفس اكتئاب كلها معاني تدل على اكتئابها وحزنها و تشاؤمها وفي هذه الحياة ومقابل الكإبه و التشاؤم تظهر فلسفة أيليا لداعيه الى التفاؤل اذ يدعو سلمى الى أن تعيش حاضرها وان تعيش حاضرها وان تستمتع به دون ان تعكر صفوحياتها هواجس لا مبرر لها وهي تخشى من المستقبل وما يخبئه لها وانما يدعوها ان تستمتع بكل المتع المتاحه لها في هذه الحياة و التي عبر عنها الشاعر بصوره رمزيه مستقاة من الطبيعه اذ يقول:
فاصغي ال صوت الجداول جاريات في السفوح واستنشفي الازهار في الجنات ما دامت تفرح وتمتعي بالشهب في الافلاك ما دمت تلوح لا تبصرين به الغدير ولا يلذ لك الخرير لتكن حياتك كلها املا جميلا طيبا ولتملا الاحلام نفسك في الكهولة و الصبا مثل الكوامب في السماء و كالأزاهر في الربى ليكن بامر الحب قلبك عالما في ذاته أزهاره لا تذبل ونجومه لا تفل ................. مات النهار ابن الصباح فلا تقولي كيف مات ان التعامل في الحياة يزيد أوجاع الحياة فدعي الكأبة و الاسى و استرجعي مرح الفتاة قد كان وجهك في الضحى مثل الضحى متهلل فيه البشاشة والبهاء ليكن كذلك في السماء شعر الحب : يفيض الشعر عند شعراء انغانا من الحب الالهي الذي يغمر الكون بالضوء والسلام فهم قد رفعوا الحب من ملابسات الجسد الى مراتب الروح التي هي اسمى من دنيا الحقائق ويمكن ان ندرك ذلك في قصيدة أيليا ابي الماضي التي بين فيها اهميه الحب الذي يدعوا فيه : قال قوم : ان المحبة اثم ويح بعض النفوس ما اغباها ان نفسا لم يشرق الحب فيها هي نفس لم تدر ما معناها انا بالحب قد وصلت الى نفسي والحب قد عرفت الله فقد دعا المهجرين الى الحب بمفهومه العام دون ان يقترن ذلك بالمرأة فهو حب الناس جميعا ورأوا في الحب اساس الحياة اذ به تزهر الحياة ويحقق الانسان انسانيته في ظل حياة تسودها المحبه وفي ذلك يقول ندرة حداد : ما الحب يا صاح سوى نغمة قدسية بين الورى تشطع فأن تشأ فهو لنا بلسم يشفى و الا حية تلسع و الناس لو لا الحب في مهمه وكل شيء حولهم بلقع
عبر شعراء المهجر عنرهذا اللون من الحب من خلال الدعوى الى بعض المبادئ التي يقوم عليها هذا الحب الذي ينشدونه وهي مبادئ الشاعر المهجري من الطبيعه منها ان يكون الانسان في الحياة البلسم الذي يشفي وليس الأرقم الذي يلسع ويميت وأن يكون زهرة تتحف الناس بجمال منظرها وطيب عطرها دون ان تطلب اجرا على ذلك أو بلبلا يسحرنا بعذوبة صوته ورخامه من ان يطلب اجرا على ذلك فالزهرة والبلبل يعطيان الرائحه الجميله والصوت العذب دون مقابل ودعا الانسان الى ان يأخذ علم المحبه منها ورأى الحب هو الذي يثري حياة الانسان ويشبع الفرح في ارجائها في حين يجعل البغض الكون سجنا مظلما وفي ذلك يقول : كن بلسما ان صار دهرك ارقما. وحلاوة ان صار غيرك علقما ان الحياة حبتك كل كنوزها لا تبخلن على الحياة ببعض ما أحسن وان لم تجز حتى بالثنا اي الجزاء الحزاء الغيث يبغي ان هما ذا يكافح زهرة فواحه او من يثيب البلبل المترنما عد الكرام المحسنين وقسهم بهما تجد هذين منهم اكراما يا صاح خذ علم المحبه عنهما إني وجدت الحب علم قيما ايقظ شعورك بالمحبه ان غفا. لو لا شعور الناس كانو كالدمى احببت فيغدو الكوخ قصرا نيرا وابغض فيمسي الكون سجنا مظلما ما الكأس لولا الخمر غير زجاجة والمرء لولا الحب الا أعظما كره الدجى فاسود الا شهبه بقيت لتضحك منه كيف تجهما لو تعشق البيداء اصبح رملها زهرا وصار سرابها الخداع ما
و يتناول جبران موضوع الحب تناولاً جديدا في قصيدته "حرقة الشيوخ " يعبر فيها عن هذا الاساس الباكر عند الشباب الرومانسي بالشيخوخة و ينظر الى الحياة تلك النظره الرومانسية المتشائمه و الحزينه اذ يرى الشاعر وهو في عنفوان شبابه ان الشباب قد ولى ان العمر قد توارى كالظل الضئيل وهكذا يتغنى الشاعر بما يجيش في نفسه من مشاعر اليأس و القنوط وذهاب الامال على شاكله الرومانسيين وفي ذلك يقول : يا زمن الحب قد ولى الشباب توارى العمر كالظل الضئيل و امحى الماضي كسطر من كتاب خطه الوهم على الطرس البلبل وغدت ايامنا قيد عذاب في وجود بالمسرات بخيل فالذي نعشقه يأسا قضى و الذي نطلبه مل وراح والذي حزناه بالامس مضى مثل حلم بين ليل وصباح يازمان الحب هل يغنى الامل بخلود النفس عن ذكر العهود ثم يتحدث الشاعر عن ايامه السعيدة التي مرت سراعاً دون ان يستمتع بها كما كان ينبغي لو ادراك حينذاك طبيعة الزمن وسرور الايام فيقول : تلك ايام تولت كالزهور يهبط الثلج من صدر الشتاء فالذي جادت به ايدي الدهور سلبته خلسة كف الشقاء
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم
|