انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

التجديد في الصورة الشعرية لجماعة ابولو

Share |
الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 4
أستاذ المادة شيماء محمد كاظم الزبيدي       22/10/2019 23:40:19

التجديد في الصورة الشعرية
أحب الرومانسيون الخيال وعملوا على اعلاء شأنه ، لأنه يفتح أمام الشعراء طرقاً إلى اللامتناهي وبه يزدادون معرفة من خلال أحاطة الحجاب عن المجهول والهروب من قيود الزمان والمكان ، والخيال عندهم وسيلة ايجابية للوصول إلى الحقيقة أي انهم احلوه محل العقل الذي كان النقاد الكلاسيكيون يحتكمون به ويعدونه ملكة لدى الانسان وفي ذلك يقول كيش : أن الجمال الذي يقبض عليه الخيال لابد أن يكون هو الحقيقة الشعر عند شيلي بمعناه العام يمكن تعريفه بأنه تعبير عن الخيال.
أكمل شعراء أبولو ما قد بدأه شعراء الديوان في موضوع الخيال والصورة ، فهم لا يعنون بالصور الحسية ولم يقف خيالهم عند الأشياء الحسية ، ورأوا مثل هذا النوع يتساوى الشاعر مع بقية الناس ، إذ كل الناس يدركون الاشياء المحسوسة ويدركون ما بينها من تشابه واختلاف ، لذلك عزفوا عن هذا اللون من الصور وعنوا بالصور الشعرية التي تصور ما وراء الاشياء المحسوسة فالشاعر الرومانسي يتغلغل في جوهر الاشياء ثم يكشف لك عن أسرارها ، وما تتركه هذه الاشياء من انطباعات في نفس الشاعر الرومانسي وما توقظ في نفسه من مشاعر وعواطف ، وتظهر قدرة الشاعر الرومانسي في تصوير ما انطبع في ذهنه لينقله إلى المتلقي بحيث يترك الاثر ذاته في نفسه ويوقظ ذات المشاعر التي سبقت لها أن انطبعت في ذات الشاعر.
فصورهم الشعرية تدعو إلى التأمل وفي تأملها تتداعى الكثير من المعاني والاخيلة وأن ذلك هو الذي يحقق المتعة في نفس المتلقي . ويمكننا أن نجد ما قلناه في هذه الابيات من قصيدة (صلوات في هيكل الحب) لأبي القاسم الشابي:
عذبةٌ أنت كالطفولة كالأحلام
كالسماء الضحوك كالليلة القمراء
كاللحن كالصباح الجديدِ
كالوردِ كابتسامِ الوليدِ

وفي هذين البيتين تتجلى الصور الشعرية ذات الطابع الرومانسي ، إذ تنقل لنا هذه الصور مشاعر الفرح والتفاؤل والانطلاق وهو يرى الحبيبة تحمل كل هذه الخصال النبيلة فالمشبه هنا الحبيبة التي يعبر عنها الضمير المنفصل (أنتِ) وأما المشبه به فقد جاء متعدداً وأداة التشبيه هي (الكاف) فحبيبة الشابي تشبه الطفولة ليس بشكلها المادي بل بروحها بما تحمله الطفولة من براءة وصدق ونقاء فالشاعر الرومانسي لا يعني بالصور المادية بل بما تحمله الطفولة من مشاعر البراءة والنقاء والصدق فهو يصور مشاعر وأحاسيس وكذلك حبيبته تشبه الأحلام ولكي نعرف جمال الأحلام نستشهد بقول الشاعر (ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل) والأمل هنا هي الأحلام التي يحلم بها الانسان في حياته التي تشده للحياة وتكون مسوغاً له للتعلق بها وهو يروم أن يحقق احلامه الجميلة التي حلم بها ، وإذا ما غرق الانسان بأحلامه فأنه يحس بالسعادة وهو نوع من الهرب من الواقع ليعيش في مملكة الاحلام وليس أحزان الواقع وكذلك الالحان حين يسمعها الانسان هي الاخرى تبعث السعادة والنشوة والصباح الجديد الذي يمثل فجراً جديداً وحياة جديدة كلها تبعث الانشراح والفرح وكذلك السماء الضحوك المشرقة والليلة القمراء وابتسام الوليد كل هذه المشبهات تعطي صورة طيبة عن حبيبته التي تتسم بالنقاء والطهارة وهي المضيئة في دنياه والتي تطرد الظلام منها وتبهج حياته وتنشر الفرح في ربوعها.
وجسد أبو شادي رؤيته للشعر وهي الرؤية ذاتها للشعراء الرومانسيين الذين يرون فيها أن الشاعر يجب أن يلقي شيئاً من مشاعره على الطبيعة فيقول :
لا الشعر شعرُ ولا الاوزان أوزانُ
هذا هو الشفق الباكي بحرقته
كأنما الشفق الباكي يمثلني
فكيف بي وأنا المحروم في زمني
إن فاته من شعور الكون ميزانُ
وهذه السحبُ فيها الدمعُ نيرانُ
لكن حزني أضعاف وألوانُ
وكل عمري تباريحٌ وحدثانُ

ومنظر الغروب يثير الشاعر الرومانسي ويوقظ مشاعر الحزن والكآبة في نفسه فهو يمثل رحيل النهار الذي هو صورة أخرى لرحيل الحياة وأفولها لذلك رأى الشاعر أبو شادي الشفق وهو احمرار الشمس وقت الغروب واصطباغ السحب باللون الاحمر رأى فيها حرائق من النار لا تمطر إلا دموعا بلون الدم ، لشدة الحزن على الفراق والافول فشبه نفسه بالشفق الباكي الذي يذرف دموع الدم حزنا على فراق حبيبته وانقضاء العمر وهو اسير أحزانه ومآسيه.
أما الشاعر حسن كامل الصيرفي فله صور جميلة تقوم على التشبيه والاستعارات التشخيصية والتجسيدية التي شاعت لدى هؤلاء الشعراء
الشمس تنزل في الغروب
لتقبل الأفق البعيد
وقد تورد خدها
وقد تسعر وجدها

تخفى الأسى خلف النخيل
مثل ابتسامات العليل
حتى إذا احتجبت تما
وتراكضت زمر النها
ماً خلف أستار الأفق
رِ وأسرعت زمرُ الشفق

نزل المساء برجله
وجرى الظلام بخيله
هنا في هذه الابيات حشد من الصور التشبيهية والاستعارية ففي البيت الأول والثاني جعل الشمس تنزل في الغروب والشمس . كوكب لا يعقل ، جعلها الشعر تنزل وحدها يتورد يصبح أحمر من شدة الخجل وهي تروم تقبيل الافق البعيد بعدما تسعر وجدها أي : تأجج الشوق في نفسها لتقبيل الحبيب وكلها استعارات تشخيصية إذ جعل هذه الاشياء التي لا تعقل اشخاصاً تقبل ويتورد خدها من شدة الخجل ويشتعل الشوق عندها كما يشتعل في نفس الحبيب المتيم.
وبعد ذلك يأتي بصور تشبيهية إذ شبه إخفاء الشمس لأساها بسبب الغروب والأفول ورحيل النهار، فجيء وقت الأفول والفراق والموت مثل ابتسامات العليل ، الذي يبتسم مخفياً أو جماعة ، ومرضه الذي يمضي به نحو الموت وهي صورة جميلة عن حالتي القنوط واليأس اللتين اصابتا الشاعر.
وتزخر قصيدة الشابي (أنشودة الرعد) بالاستعارات التشخيصية من عنوانها إذ جعل الرعد وهو شيء لا يعقل ينشد أناشيد فبعث فيه الحياة إذ يقول
في سكون الليل لما
وأختفى صوتُ الأماني
رتَّل الرَّعدُ نشيداً
مثل صوت الحقِّ إن صا
عانَقَ الكون الخُشوع
خلف آفاق الهجوع
ردَّدتهُ الكائناتْ
حَ بأعماقِ الحياة

هنا صور تشخيصية جميلة إذ جعل الخشوع وهو شيء مجرد يدرك بالعقل يعانق الكون فبعث فيه الروح وأصبح انساناً يعانق المحب وهو الكون وجعل للأماني صوتاً يختفي ، كلها صور تشخيصية ويأتي بصور تشبيهية جميلة تجسد الخيال الرومانسي إذ شبه صوت الرعد بصوت الحق . إن صاح بأعماق الحياة وحين نتأمل الصور نجد العلاقة بين المشبه صوت الرعد والمشبه به الحق عندما ينطق في الحياة كلاهما يبعث الخوف في نفوس سكان الارض الذي يخيفهم صوت الرعد المجلجل بصوته والذي تستك منه الآذان وكذلك صوت الحق الذي يخيف ويرهب الباطل ويهز عروشه . وإضافة إلى تلك الصور هناك صور تجسيدية تجسد الأشياء المعنوية مثل قول إبراهيم ناجي:
دار أحلامي وحبي لقيتنا
في جمود مثلما تلقى الجديد

فجعل للأحلام داراً والاحلام شيء مجرد تدرك بالذهن فجسدها بالدار وكذلك في قول أبي القاسم الشابي
إذا ما طمحت إلى غايةٍ
ركبتُ المنى ونسيتُ الحذر

المنى شيء مجرد يدرك بالذهن جسده الشاعر بأن جعله يركب ويمتطى ويقول الشابي في قصيدته (الصباح الجديد)
في فجاج الردى
قد دفنت الألم

جعل الردى فجاجاً إذ جسد شيئاً مجرداً الذي هو الردى جعل له طرقاً وفي هذا البيت يقول:
ونثرت الدموع لرياح العدم
جسد العدم بالرياح والعدم شيء مجرد يدرك بالذهن جعل له رياحاً.
وقصيدة (ظمآن) للصيرفي يعمد فيها الشاعر إلى تجسيد المعاني المجردة في اشكال حسية بحيث يمكن مع ذلك تفسير جميع حركاتها تفسيراً مجرداً
ظمآن أطلب رياً
ينساب كالحلم حلواً
مياهه من نور
لتستحم وتعلو
ويسكب البدر نوراً
من جدولٍ سلسالِ
ما بين أصفى ظلالِ
تطفو عليه لآلِ
في موكب الإجلالِ
عليه كالآمالِ


فالجدول ينساب بين الظلال ولكنه في الوقت نفسه كالحلم ، وهو يفيض ككل الجداول بالماء ولكنه ماء من نور والبدر يعكس أشعته عليه ولكنها اشعة كالآمال ونلاحظ أن الشاعر يزاوج بين المحسوس والمعنوي ، والواقع وما خلف الواقع ، ويصبح الجدول رمزاً لحالة الصفاء النفسي وللهدوء شبيهة بالحلم.

تبادل المدركات
لجأ شعراء أبولو إلى نمط جديد في تشكيل صورهم الشعرية ، وهذا النمط لا يقوم على المشابهة أو المجاورة وانما يقوم على تراسل الحواس وتبادل المدركات والتعبير بالرمز ، وقد تأثر هؤلاء الشعراء بشعراء الغرب مثل بودلير ورامبو ومالازمية وغيرهم الذين رأوا أن اللغات شاخت وعجزت عن التعبير مما دفع ذلك الشعراء إلى خلق (لغة في لغة) لينفسح أمامهم البوح باختلاجات الذات وارتعاشات اللاشعور وكان جهدهم منصباً في خلق لغة داخل لغة على استغلال القيم الصوتية في الكلمات والايحاء بها إذ كانوا يعتقدون كما كان يعتقد (مالازمية) أن الشعر يمكن أن يبدع أثراً جمالياً يصل به التجسيد إلى درجة يكون فيها الفهم معطلاً تقريباً ... بينما تقوم الأصوات كما يقوم السياق الصوتي بكل العمل ، ولن تغدو معاني الكلمات حينئذ مركز الاهتمام فالشعور ـ إذا وجد ـ يستثيره السراب الكامن في الكلمات نفسها ، إذ لم يكن الرمزيون بصدد جمع الكلمات وفقاً للمنطق لكي يحققوا معنى يستطيع جميع الناس إدراكه وانما كانوا يجمعونها حسب الاحاسيس، لكي يبرزوا خاطراً ادركه الشاعر وحده ، لذلك نجدهم هزوا رتابة الجملة اللغوية ، فقدموا وأخروا على نحوٍ تبدو الكلمات وكأنها نثرت نثراً عفوياً بينما تخضع لنظام واع دقيق ، على القارئ لكي يكشفه أن يبذل نظير جهد الشاعر ، لكن تجريد السياق اللغوي من علاقاته التركيبية لا يعني بالضرورة فقدان كل وحدة تربط الكلمات بالجمل ، ولكن الوحدة التي حرص عليها الرمزيون من نوع جديد لأنها تعتمد على ما يسمى بالمواءمة الايحائية بين الكلمات ، فصدى الكلمة عندهم ليس ما تعنيه وما يؤامها وينسجم معها من الألفاظ انسجاماً صوتياً غير مقيد بحدود الدلالة وهو ما يدعوه (مالارميه) الانعكاس المتبادل تتفاعل فيه الكلمات وتخلع كل منها على الاخرى بعض اشعاعها السحري ، فما الكلمات إلا أحجار كريمة تنصهر في بناء ايحائي يسبه اتساقه وترابطه قصيدة من كلمة واحدة فإذا بالعطور والالوان والاصوات تتجاوب على مستوى الصياغة الشعرية ، وإذا بمعطيات الحواس تتبادل فتتحول المسموعات إلى الوان وتصير المشمومات انغاماً وتصبح المرئيات عاطرة بل ان المدركات ذاتها تغدو معنى مجرداً من ثقل المادة وكثافتها ، فالعطر فيما يرى بودلير سر تسفحه الزهور : (كثير من الزهور تسفح آسفة عطرها الناعم كسر) : أما اللون البنفسجي فليس في نظره إلا (حباً مكتوماً غامضاً مقنعاً) ولعلنا لا نعجب حين نرى بعض الرمزيين يبدأ من هذه الحقيقة ليصل إلى أن مدركاً واحداً من مدركات إحدى الحواس يمكن يستقطب شتيتاً من مدركات الحواس الاخرى ، وهو ما يقرره بيتس حين يكون الصوت واللون والشكل كلاً مع الآخر في وحدة موسيقية ... فأنها جميعاً تصبح صوتاً واحداً ، ولوناً واحداً وشكلاً واحداً ، وتثير انفعالاً بصدد من مثيرات عديدة ، ولكنه رغم ذلك انفعال واحد))
ويبدو تراسل الحواس واضحاً في هذه الابيات من قصيدة محمد عبد المعطي الهمشري (أحلام النارنجة الذابلة) في قوله:
هيهات ..لن أنسى بظلك مجلسي
خنقت جفوني ذكريات حلوة
فانساب منك على كليل مشاعري
وهفت عليك الروح من وادي الأسى
وأنا أراعي الأفق نصف مغمض
من عطركِ القمري والنغم الوضي
ينبوع لحنٍ في الخيال مفضض
لتعب من خمر الاريجِ الأبيض

وجاء في البيت الثاني استعارة تجسد تبادل المدركات إذ جعل الذكريات هي شيء مجرد تخنق الجفون والخنق يؤدي إلى حبس النفس وقطعه فالخنق يقع في منطقة الأنف والفم والعنق وليس الجفون ثم تكلل هذه الصورة بمفارقة جميلة إذ جعل الذكريات الجميلة هي التي تخنق الجفون فكيف تكون جميلة وتخنق والخنق يؤدي إلى الموت !!
فالشاعر في البيت الثاني استعار للمشموم ـ العطر ـ صفة الاشراق وهي القمرية وهي من صفات أو خصائص حاسة النظر ، والنغم الذي يدرك بالسمع جعله الشاعر مضيئاً والاضاءة من مدركات البصر ، وفي البيت الثالث جعل من الينبوع الذي يقترن بالماء وهو يدركه بحاسة النظر ـ لحناً الذي هو من مدركات حاسة السمع واضفي على الخيال الذي هو شيء مجرد يدرك بالذهن بسمةٍ حسيةٍ (مغضض) أي لونية ويدرك بالبصر ، وفي البيت الرابع حدث تداخلاً بين معطيات الحواس من خلال الخمر التي تدرك بحاسة الذوق قرنها بالاريج الذي هو من معطيات حاسة الشم والابيض من حاسة البصر. فقد عمل الشاعر على اسناد دور حاسة إلى حاسة أخرى ، وهو في هذه الاشياء المتباعدة يحاول أن يجمع بينها على نحو غريب لتوحي بمكنونات نفسه واحاسيسه الغريبة بلغة مركبة تعجز في التعبير عنها اللغة الاعتيادية . ويبدو تراسل الحواس جلياً في قصيدة حسن كامل الصيرفي
الضحكة النشوى
في حوض بلورٍ
تستعذب اللهوا
بالأعين الظمأى
من فم عصفور
موج من النور
فواتن الحور
في سحره المغرى
كالشدو والنجوى
بالعطر مسحور

فالتراسل بين صوت الضحكة وأمواج النور والعطر واضح في هذه الابيات رغم أن الشاعر أورده على طريقة التشبيه كذلك الاعين الظمأى فالظمأ يقترن بالفم وليس بالعين التي هي حاسة النظر.
إن أهم ما يميز الصورة الشعرية عند (الصيرفي) ليس فقط بناؤها على تراسل معطيات الحواس من أصوات وعطور وألوان، بل انها لتتجاوز ذلك أحياناً إلى ما يعرف بتراسل المدركات ، ونعني به نقل صور العالم الخارجي ومرائية من مواطنها ومجالاتها المعهودة فيما يشبه التداعي البصري ومن أوضح ذلك قوله في قصيدة (سحر صوت)
إن غرد البلبلُ
وصفق المجداف
فصوتك المرسلُ
تطوف في دلٍّ
كشرد الأحلام
في هدأة الاسداف
في صفحة الجدول
أنغامه أطياف
في مرقص الليل
براقة الأجسام

من عالم الوهم
فبدلاً من أن يستمع الشاعر أنغام الصوت يبصر فيها اطيافاً تتحرك في دلال وبدلاً من أن يكون مجال هذه الحركة مكاناً متميزاً محدوداً ـ كما هو المألوف ـ يتحول الليل كله إلى مرقص تحول خلاله هذه الأطياف براقة الأجسام رغم أنها أطياف وهمية وينقل المدركات من مجالاتها الطبيعية وعلى هذا النحو استطاع أن يضعنا باراء صورة لا هي حقيقية ولا هي وهمية بحتة لأن بعض عناصرها واقعي فهي بين الوهم والحقيقة .

التجديد في الشكل والموسيقى:
مضت جماعة أبولو في طريق التجديد الشعري أسوة بما فعلته جماعة الديوان ولقد رأينا كيف عمق شعراء الجماعة مضمون القصيدة العربية الحديثة ، وأولوها عنايتهم الفائقة ، ولاسيما في اتجاهاتهم العاطفية والتأملية والوصفية ولقد كان الحال كله تجديد شكل القصيدة كما هو الحال في مضمونها .
وعلى الرغم من أن شعراء أبولو قد شبقوا في مجال البحور ، إلا أنهم مضوا وراء من سبقوهم ، وتوسيعاً لظواهر التجديد في العروض حتى صات في شعرهم تشكل ظاهرة وفي هذا المجال تشير إلى مزج البحور المختلفة في القصيدة الواحدة ، تحرروا من القافية والتزموا الشعر المرسل ونسجوا على غرار الموشحات ، ويقف أبو شادي في مقدمة الذين جددوا في نحور القصيدة ، سواء في وزنها أو قافيتها أو حتى في طريقة كتابتها.
أ هي فرحةُ أم خشية حلم يتصدع
هاك قلبي يا حياتي! نبئيه كيف يصنع
هو في القرب بعيدٌ عنك يهفو ثم يجزع
نظم أبو شادي الشعر المرسل ليكمل مسرة الشعراء الذين سبقوه مثل الزهاوي الذي نظم أول قصيدة في الشعر المرسل عام 1905 وكذلك عبد الرحمن شكري الذي نظم كثير من القصائد ومنها قصيدة الليل التي سبق أن تناولناها والشعر المرسل هو الشعر العربي غير المقفى الذي لا يلتزم بقافية واحدة وانما لكل بيت قافيته التي تختلف عن قافية البيت الذي سبقه أو الذي جاء بعده ومن صور الشعر المرسل عند أبي شادي (رغوة العصفور)
ما بين دنيا ودنيا وبين صبح وليل
ما أصغر العلم منا بمن تكون وجوداً
المدُ والجَزْرُ يمضي والدَّهر في جيشانِ
وكلما أنهدَّ فانٍ منها تجلَّى سِواه
ترى الحياة كنجم في حافةِ الأفق رفا
وأصغرَ العِلم عنهُ بما ستمضيْ إليهِ!
وقَدْ حملنا بعيداً في موجة كالزبدِ
مجدداً ومسوطاً في رغوةٍ للعُصفُورْ


اتلبحر الذي نظمت عليه المقطوعة من المبحث وفي هذه المقطوعة تحرر الشاعر من القافية . كما اشتهر هؤلاء الشعراء بنظم الشعر المقطعي وهو ذلك اللون من الشعر الذي يلتزم فيه الشاعر بحراً واحداً في القصيدة مع التنويع من اشكال الاقسام التي تبنى عليها القصيدة والقوافي ، ومن اصناف الشعر المقطعي والمربعات التي تتكون من اقسام يتألف كل قسم منها من أربعة أشطر تكون في الغالب متحدة القافية وفي بعض الاحيان قسم منها مختلفة.
ونظم هؤلاء الشعراء أنواعاً ايقاعية متعددة ، منها الذي تنظم فيه القصيدة الواحدة على اكثر من بحر شعري ومثال هذا الشكل قصيدة الشاعر إبراهيم ناجي (كبرياء) إذ نظم المقطع الاول من قصيدته على البحر الوافر ، في حين نظم المقطع الشعري الذي يليه على بحر للرمل.
نداؤك يا فؤاد كفى نداء
أنا ظمآن لم يلمع سرابٌ
فؤادي قل لها لما افترقنا
أما تنفك تشقيني الشقاء
على الصحراء إلا خِلتُ ماء
على شجنٍ، وما نرجو اللقاء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قد سلاني فتنكرتُ لهُ
وحبيبٍ كان دنيا أملي
مَن مشى يوماً على الوردِ له
من سقى يوماً بماء ظامئاً
خفق القلب له مختلجاً
وطوى صفحة حبي فطويته
حبهُ المحرابُ والكعبةُ بيتُه
فطريقي كانَ شوكاً ومشيتهْ
فأنا مِن قدحِ العُمرِ سقيتهْ
خفقةُ المصباح إذ ينضبُ زيتهْ

ونظم جماعة الديوان الشعر الحر وكان ذلك على يد الشاعر أحمد زكي أبو شادي الذي نظم أول قصيدة حرة عام 1932 وهو بذلك قد سبق رواد الشعر الحر بعقدين من الزمن وهذا الشعر يكون متنوع الاوزان والقوافي ويكتب على هيئة شطر واحد وليس نظام الشطرين يضاف إلى التقنيات الاخرى مثل التضمين وتعزيزه بالايقاع الداخلي الذي يقوم على التناغم الصوتي من خلال تكرار بعض الحروف أو الألفاظ والعبارات وتحقيق التوازي من الايقاع وقد نظم قصيدة (مناظرة وحنان)
وجلسن بين تناظر متأملات في المرائي
فلم التناظر ؟
الحسن وحدته تجل وان تنوع أو تباين
فله الجلالة


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم