انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

دواعي نشاة الشعر الحر

Share |
الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 4
أستاذ المادة شيماء محمد كاظم الزبيدي       24/10/2019 05:54:14
دواعي النشأة (1)
وقد ركزت الشاعرة في كتابها قضايا الشعر المعاصر على اربعة عوامل اساسية كانت تقف وراء انبثاق حركة الشعر الحر وهي :
1-النزوع الى الواقع حيث ترى ان الاوزان الحرة تتيح الحرية للفرد العربي المعاصر ان يهرب من الاجواء الرومانتيكية الى جو الحقيقية الواقعية التي تتخذ العمل و الجد غايتها العليا.
2-الحنين الى الاستقلال وتركز فيه على رغبة الشاعر الحديث لتثبيت فرديته بأختطاطه سبيلا شعريا معاصرا يصب فيه شخصيته الحديثة التي تتميز عن شخصية الشاعر القديم
3- النفور من النموذج وفيه تاكيد على نفور الشاعر من التقيد بالنموذج المكرر والجامد ،المقصود هنا رتابه نظام الشطرين في الشعر العربي الكلاسيكي الذي ثار عليه الشاعر الحديث و خرج الى اسلوب التفعيليه وبات يقف حيث يشاء المعنى والتعبير .
4ـ ايثار المضمون :وهي ترى ان الفرد العربي يتجه الى تحكيم المضمون في الشكل بوصفه رد فعل على تلك المرحله المظلمه في تاريخ الشعر العربي التي غلبت فيها القوالب الشكليه الفارغه والاشكال التي لا تعبر عن حاجه حيوية لذا فهي تلوم الشعراء الذين كانوا يهتمون بالاشكال المجرده وكل ما يدل على انهم لا يريدون ايصال مضمون لازم معين الى قرائهم و انما همهم ان بخلقوا اشكالا مجرده ذات قيمه ظاهره وحسب وقد كان رد الفعل المباشر عند الشاعر المعاصر ان يتجه الى العنايه بالمضمون ويحاول التخلص من القشور الخارجيه ،وهي ترى ان حركه الشعر الحر هي احدى وجوه هذا الميل ، لانه في جوهره ثوره على تحكيم الشكل في الشعر وموقف نازك الملائكه من لغه الشعر يتسم بنزوع حداثي واضح .والشاعره بشكل عام وخاصة في مرحلة البدايات كانت تدعو الى تبسيط اللغه الشعريه وجهلها قريبه من لغة الحياة والواقع ،ورفض الرواسم العتيقه ودعوتها هذه تجعلها قريبه من دعوه ت.س.اليوت المعروفة حول ضرورة اقتراب الشعر من لغة الحياة اليومية .
دعوة الشاعرة الى الثورة ضد الاوزان التقليدية والقافية الموحدة ،والتبشير بقصيدة الشعر الحر التي تعتمد على نظام التفعيلة والبيت ذي الشطر الواحد بدل النظام التقليدي للبيت الشعري ذي الشطرين والتفاعيل الثابتة ،ويمكن القول ان هذه المسالة كانت من اكثر الاشياء التي لفتت انظار الباحثين والنقاد والشعراء اليها وذلك لأنها كانت تتحدث بلغه رافضه ومتحدية وخاصة في تقديمها فهي ترى أن القافية هي ذلك الحجر الذي تلقمه الطريقة القديمة كل بيت ، تقول بلغة تحريضية واضحة مازلنا نلهف في قصائدنا ونجر عواطفنا المقيدة بسلاسل الاوزان القديمة ونتهم طريقة الخليل بأنها قد استهلكت ألم تصدأ لطول ما لامستها الاقلام والشفاه من سنين وسنين ؟ألم تالفها أسماعنا وترددها شفاهنا وتعلكها أقلامنا حتى مجتها.
لكن الشاعرة من جهة أخرى تعترف أن مسعاها هذا لا يمثل خروجا على الطريقة التي جاء بها الخليل وانما هي تعديل لها يتطلبه تطور المعاني والاساليب خلال العصور التي تفصلنا عن الخليل وتشرح الشاعرة ما حققته من خروق لنظام الوزن الخليلي وهي خروق تتمثل في رفض الالتزام بنظام التقفية الموحد والانتقال التدريجي من نظام البيت الخليلي القائم على نظام الشطرين الى نظام التفعيلة والبيت المتغير التفعيلات (1)
لقد رأى السياب في هذا الشكل الجديد تغيرا اكثر من اختلاف عدد التفعيلات المتشابهه بين بيت واخر ،فهو بالنسبة له (بناء فني جديد ،واتجاه واقعي جديد ،جاء ليسحق الميوعة الرومانتيكية ،وادب الابراج العاجية ،وجمود الكلاسيكية ،كما جاء ليسحق الشعر الخطابي الذي اعتاد الشعراء السياسيون والاجتماعيون الكتابة به) (1)
وعلى العكس من ذلك ذهبت نازك الملائكة الى القول انه على الرغم من ان بعض الشعراء يخلطون بين كتابة الشعر الحر والدعوه الى تجديد الموضوع وان بعضا اخر يظن ان الهدف الوحيد من الشعر الحر هو تثبيت دعائم ما يسمى بالواقعية في الشعر فان الشعر الحر ظاهرة عروضة في المقام الاول . ومع هذا فقد نظرت الى شعرها على انه اعادة تشكيل لعروض الشعر العربي الكلاسيكي يشكل لمنح حرية الشاعر في اطالة عباراته او تقصيرها ،طبقا للمعنى دون حشو او يزيد في العبارة وهو وسيلة جديدة تحافظ على القافية بوضوح وتكون مع ذلك بسيطة بدرجة كافية بتوصيل اكثر الانغام الرفيعة والعواطف والحالات النفسية (2)
وعدت نازك الشعر الحر خروجا يسيرا على عروض الشعر الربي التقليدي الذي اسسه الخليل بن احمد الفراهيدي و هو يقوم على تكرار تفعيلة واحدة في العروض العربي التقليدي وفقا لما يقتضيه المعنى ، ومن ثم يسمح بتفاوت اطوال الابيات وميزة هذا الاسلوب انه يتخلى عما يشترطه العروض التقليدي من وحدة الوزن في شطري البيت من الالتزام بعدد ثابت من التفعيلات .(1)
ان ميزة هذا الاسلوب انه يحرر الشاعر من عبودية تقسيم البيت الى شطرين . فالبيت المكون من ست تفعيلات ثابتة يرغم الشاعر على انه يختم كلامه بالتفعيلة السادسة على الرغم من ان المعنى الذي قصد الى التعبير عنه يكون قد تم عند التفعيلة الرابعة . اما الاسلوب الجديد فانه يتيح له ان يتوقف حينما يريد ، انه يخلص الشاعر من المعوقات الكثيرة التي تواجهه في الشعر التقليدي والى جانب تمكينه من التعبير عن نفسه بايجاز وسهولة . ويستخدم هذا المنهج البحور المؤلفة من تفعيلة واحدة مكررة من تفعيلات العروض التقليدي او تلك البحور التي تكون تفعيلاتها الاخيرة من كلا شطريها مختلفة عما قبلها .(2)
تسمى نازك النوع الاول من البحور بالبحور الصافية وهي :
1-الكامل 2-الرمل 3-الهزج 4-الرجز 5-المتقارب 6-الخبب او المتدارك
ط\النوع الثاني من البحور التي تختتم كل شطرين بتفعيلة واحدة مختلفة وتسميها نازك البحور الممزوجة فلا يستخدم منها الا اثنان فقط هما:
1-السريع 2-الوافر
لقد كان تأثير الشعر الغربي على الشعر العربي مذ 1947 والى يومنا هذا تأثيرا بالغ العمق و الثورية لم يحدث مثله في اي وقت مضى منذ الربع الثاني من القرن التاسع عشر وحتى التاريخ المذكور . (3)
ويرجع السبب في ذلك الى ان تأثير الشعر الغربي على الشعر العربي في الفترة السابقة اقتصر على الموضوع فحسب , أما التأثير في جانبي الشكل والتكنيك فلم يكن كبيرا أو حاسما , فقد ترجمت أعمال الشعراء الغربيين العظام ابتداء من شكسبير ،والرومانتيكيين ،الانجليز، والفرنسيين ، والروس ،والالمان ،الى اللغة العربية ، وكان لهذه الترجمات تأثيرها في الشعر العربي لكن هذا التأثير انحصر في موضوع الشعر اي في الفكرة والمضمون، كما اقتصر على الاشكال المجازية و البلاغية وعمق العواطف .
ونجم عن هذا التأثير استخدام الصور الشعرية الدالة واستخدام تشخيص والتعبير عن الافكار بشعر قصصي ، ومحاولة تحقيق الوحدة العضوية بين الفكرة والعاطفة كما نجم عنه استعارة افكار الحياة(الامثال والاستعارات ..... الخ) وعلى الرغم من ذلك لم يكن لشكسبير وشيلي ،وشعراء الغرب الرومانتيكيين تأثير عميق على الشعر العربي مثلما كان لاليوت الذي كاد يقطع هذا الشعر عن اصوله الاولى ,فألى جانب تأثيره على المضمون , احداث تغيير في (( الشكل والتكنيك )).(1)
ومع ذلك ينبغي الا نغفل أثر شكسبير , اعظم كتاب الدراما الكلاسيكيين الانجليز , فقد كان لشعره دور فعال _أن صح التعبير _في تمهيد الأرض , اما تأثير أليوت وانتشاره لان الدراما الشعرية عند شكسبير هي التي أغرت بعض الشعراء العرب بصياغة شكل شعري جديد ,وهو ما سمي بالشعر الحر و وهو الشكل الوحيد الذي أتاح لهم اقتباس التكنيكات المعقدة التي استخدمها ت .س....بالاضافة الى
ذلك فان الشعراء العرب المحدثين نجحوا في ابتكار أسلوب شعري جديد يتسم بالسهولة والمرونة .
وبدأت هذه العملية مع تزايد تاثير الرومانتيكية الغربية في المهجري ,واستمرت في مدرسة أبولو التي كان يراسلها الشاعر المصري أحمد زكي ابو شادي .
وعلى اي حال فأن بزوغ النزعة الواقعية في الشعر جعله أداة التعبير عن الحركات الوطنية والاجتماعية ,في العالم العربي حيث استغلت هذه الحركات الوطنية تأثيره على الجمهور وارتبطت هذه التغيرات التي حدثت في كلا الشكل والمضمون في الشعر العربي الحديث بثلاث ظواهر اساسية :
أ-النتيجة التي انتهى اليها الشاعر العربي الحديث من ان الشعر العربي الحديث و موروثه الثقافي لا يستجيبان لتحديات العالم المعاص، ولا يحققان طموح الشاعر الى ابداع شعر عربي ذي نزعة انسانية عالمية .
ب-الانتقال من الوصف المادي ،اي من وصف العالم الخارجي الى وصف العالم الداخلي ، عالم الشاعر النفسي والروحي وقد بدا هذا الانتقال من انتشار الرومانتيكية وازدياد تأثيرها هذا بالاضافة الى محاولة استخدام الصورة الشعرية المعبرة بدلا من الوصف المادي بهدف التشبيه .
ج-اطراح المعجم الشعري الكلاسيكي والشكل السيمتري الرتيب للقصيدة وابتداع اسلوب مستقل يتسم بالبساطة والحيوية ويعتمد على حصيلة غنية من اللغة العامية بطرائقها في التعبير ونغمتها ثم اكتشاف نظام ايقاعي جديد يناسب المضمون والشكل الجديدين .
واهتمام الشاعر العربي الحديث بعالمه الداخلي دفعه الى أن يحس التجارب العاطفية الرقيقة ,والعابرة ,وأن يحس الصور والعواطف الجامحة التي لا يمكن التعبير عنها باللغة التقليدية , سواء اكانت هذه العواطف واضحة أم خفية ولهذا السبب انزع اسلوبه الشعري الى الغموض ,ولما وجد هذا الشاعر أن الشكل والمضمون في الشعر العربي الكلاسيكي اصبحا غير ملائمين لحياتة الجيدة ,اتجه الى الادب الغربي فكشف له هذا الادب عن خواء ثقافته الخاصة ,وامدة بالشكل والمضمون الملائمين لروح العصر وهكذا راح يحاكي كل اشكال الشعر الغربي من القصيدة الغنائيه والسونيت والملحمو والشعر الدرامي غير المقفى بل حتى قصيدة النثر .
وتحقيقا لهذه المطالب انبثق شكل جديد في الشعر العربي , هو (الشعر ))الذي حقق أغلب ما كان ينشده الشعراء الشباب ويبحثون عنه وكان مؤهلا في رأيهم لان يحتل مكان القصيدة الكلاسيكية.
وفيما يلي أحاول ان ابين السمات المميزه لهذا اللون من الشعر من ناحيتي الشكل والمضمون وابين الاختلافات بينه وبين القصيدة التقليدية (1)
بنية الايقاع :(1)
ثمة عدد من الاختلافات بين الشعر الحر والقصيدة الكلاسيكية في هذه الناحية ,فلم يستخدم شعراء الشعر الحر وغالبا الا ثمانية اوزان من البحور الستة عشر الكلاسيكية , التي جاء عليها الشعر العربي ,وهذه الاوزان الثمانية هي تلك التي تحتوي على تفعيلة واحده ,او التي تنتهي في عروضها وضربها بتفعيلة مختلفه عما قبلها ز
وزيادة على ذلك ابتكر الشعراء تفعيلات جديده لم تستخدم من قبل ولا توجد في الشعر الكلاسيكي , ولا في نظام الموسيقى ،ومن ذلك على سبيل المثال ،ابتكار (فاعل )واستخدامها في بحر المتدارك الذي تتمثل تفعيلته الرئيسية في (فاعلن) (ـ ب ـ )وهناك تغيير اخر في هذه التفعيلة وهو تغير بالزخاف تتحول به الى (فعلن) وهو وزن (الخبب )الذي استخدمته نازك الملائكة ,فقد ادعت نازك الملائكة انها اول من استخدمت التفعيلة الجديدة (فاعل) ( ـ ب ب ) في قصيدتها الكوليرا سنة 1947 ,ولكن في راي موريه _أن ايليا أبا ماضي هو أول من استخدم هذه التفعيلة في قصيدته ((الاشباح الثلاثة )) التي كتبها سنه 1927 التي يقول فيها :
راودني النوم وما برحا حتى طأطأت له راسي
اطبقت جفوني فانفتحا باب الرؤيا والوسواس
ابصرت كأني في موضع ما فيه غير الارواح
فوقفت بعيدا اتطلع فلمحت ثلاثة اشباح
ولد يتهادى في العشر وفتى في برد العشرينا (2)
والثالث شيخ في طمر ذو جسم يحكي العرجونا (1)
والى جانب ذلك ندج ان الشعراء قد تحرروا من استخدام الاوزان فلم يلتزموا وزنا واحدا في القصيدة باسرها بل تراهم يمزجون وزنا باخر فيستخدمون تفعيلات من بحر الرجز في ثنايا ابيات من بحر الكامل والعكس صحيح او تارة اخرى يقومون بتغيير التفعيلة الاخيرة في ابيات منظومة على وزن ( مستفعلن ) (--ب-) من (فاعلن) (-ب-) الى فعولن (ب --) واحيانا يمزجون الرجز بالسريع او يمزجون بين تفعيلة مفاعيلن في (الهزج) ومفاعلتن في (الوافر) وذلك بتغيير تفعيلة الهزج التي (مفاعيل (ب – ب) ومن ثم يؤدي الى المزج بين الهزج والوافر .
وبدا الشاعر العربي الحديث يولي المضمون اهتماما اكبر من اهتمامه بالشكل الخارجي ورغب في ان يتيح لتجربة الشعرية ان تخلق الشكل الملائم لها اقتناعا منه بان كل موقف او تجربة لها شكلها الشعري المناسب كذلك حاول الشعراء ان يخففوا من حدة الايقاع الخارجي الصاخب ويصلوا به الى الايقاع المماثل – لايقاع النثر في نعومته وبطئه ، وهذا التغيير في التفعيلات يؤدي الى تجنب الرتابة في الايقاع والى تنويع الموسيقى في القصيدة ، على غرار ما فعل الشعراء الانجليز من تنوع النغم ومهما يكن فان الثورة في البناء الايقاعي لم تنحصر في ابتكار تفعيلات جديدة او المزج بين البحور المتشابهة ، واستبدال تفعيلة باخرى ( زحافات ) يقصد ما يطرأ على بعض التفعيلات من انواع الزحاف يحولها الى تفعيلة اخرى ، بل شمل القافية ايضا ، ولم يقنع الشاعر العربي بتنويع القافية ، وانما غيرها تبعا لتغير الفكرة او الشعور الذي يعبر عنه ، لقد تم التخلص من البناء الثابت المتصلب للقصيدة ، ومن القالب النمطي لمطالع القصائد وخواتيمها فضلا عن استخدام (التضمين او التنغيم) اي تعليق البيت بما قبله او بما بعده من حيث المضمون او التركيب النحوي ، وذلك محظور تماما في الشعر الكلاسيكي وهناك ترخص اخر في قواعد التقفية ، وهو استخدام القافية المقيدة ، اي التي تنتهي بالسكون ، وفي ذلك خروج عما تقضي به القواعد، بان تكون كل قوافي الابيات في القصيدة الواحدة منتهية بحركة واحدة . ويبدو التضمين العروضي وهو ان يكون معنى البيت لا يكتمل في نهايته بل في البيت الذي يليه جليا في قصيدة السياب (عرس في القرية):
مثلما تنفض الريح ذر النضار
عن جناح الفراشة ، مات النهار
النهار الطويل
فأحصدوا يا رفاقي ، فلم يبق الا القليل
كان نقر الدر ابك منذ الاصيل
يتساقط مثل الثمار ،
من رياح تهوم بين النخيل
يتساقط مثل الدموع
او كمثل الشرار
انها ليلة العرس بعد انتظار !
مات حب قديم ومات النهار
مثلما تطفيء الريح ضوء الشموع
الشموع..............الشموع ،
وقد أساء الشعراء المحدثين استخدام هذا النوع من التقنية ,اذ اسرف في استخدام التضمين ,اذ أتى به متوليا في عدد من الابيات ,فأصبح عقبة أمام القارئ ,لان موسيقى القصيدة تحطم ما يتطلبة التضمين من متابعة القراءة دون توقف ، خاصة عندما ياتي السكون متعرضا بين الاسم والصفة، او بين الفاعل والمفعول وعلى نحو ما ترى في قصيدة البياتي :
وأورقت غصون
جديدة، وانتشر الطاعون
في حينا وامتلات سجون
مدينتي بالناس .......
.... واخمدت لحون
قيثارة السكون
والمعروف ان العروض التقليدي قد اجاز تكرار كلمة واحدة في القافية خلال القصيدة الواحدة . (وهو ما يسمى بالايطاء) بشرط ان يكون ثمة اختلاف ولو يسيرا في المعنى ، وان ياتي التكرار بعد عشرة ابيات ،او سبعة على الاقل ،لكن بعض الشعراء الكلاسيكيين لم يذعن لتلك القاعدة على نحو ما يتضح ذلك في القصيدة المنسوبة لعروة بن حزام ، اذ تكررت قواف اما بصورة متوالية او بعد اقل من سبعة ابيات وكيفما كان الامر فان الايطاء صار امرا شائعا في الشعر الحر حيث تحتوي معظم القصائد على تكرار لكلمة واحدة في القافية مرتين او اكثر على التوالي او بعد سطرين او اكثر . وهذا النمط من التقنية مأخوذ أساسا من الشعر الانجليزي الحديث خاصه شعرت . س. اليوت وتمكن الشعراء العرب من خلال هذا الشكل الجديد من أن يقتبسوا هذه الانماط الجديدة من التكرار ,وكان الهدف الاساسي منها تكثيف النغم والحيلوله دون هبوط القصيده الى نثر موزون بعد الاستغناء عن عنصر الاطراد في الوزن والقافية ,ومن الممكن أن نقسم تكرار القافية في الشعر الحر الى ثلاث مجموعات :
• تكرار كلمة واحده فقط .
ان هذا النمط من تكرار القافية ,يوجد في قصائد عربية كثيرة صيغت في الشكل الجديد ,وهذا التكرار المباشر للقافية يمنح الكلمات المكرره تأكيدا أو مغزى مغايرا ,ويؤكد وحدتها واتساقها الموسيقي كما في النموذج التالي لصلاح عبد الصبور :
جبت الليالي باحثا في جوفها ع لؤلؤة
وعدت في الجراب بضعة من المحار
وكومة من الحصى وقبضة من الجمار
وما وجدت اللؤلؤة
سيدتي اليك قلبي واغفري لي .....أبيض كالؤلؤة
وطيب كالؤلؤة
ولامع كاللؤلؤة
هدية الفقير .....
وفي بعض الاحيان يستخدم التكرار ليكون صدى وتأكيدا للمعنى والفكر ,المعبر عنها ,وهكذا استخدم ادونيس كلمة (( يطول )) كقافية ثلاث مرات متتالية ليؤكد معنى الطول :
اعرف ان حلمها يطول
اعرف ان شعرها يطول
اعرف ان سرها يطول .
اما اكثر القوافي المكرره امتاعا فهي تلك التي يحاول الشاعر فيها ترديد اصوات الصور التي رسمها ,لكي ينقل جو التجربة الشعرية نقلا حيا وهذا مافعلته نازك الملائكه في قصيدتها ((الكوليرا )) اذ كررت كلمت ( موت ) ثلاث مرات متواليه ,في كل مقطوعة من مقطوعاتها الاربع ,في محاولة منها (لمحاكاة وقع ارجل الخيل التي تجر عربات الموتى ,من ضحايا الوباء في ريف مصر ).

في كل مكان يبكي صوت
هذا ما قد مزقه الموت
الموت الموت الموت
ياحزن النيل الصارخ مما فعل الموت
• تكرار الجزء الاخير من السطر الذي يشتمل على القافية وهذا اللون من التكرار يؤكد العبارة المكررة , ويعزز الايقاع , ويضفي وحدة على السطور الشعرية , وقد يزيد كذلك من التأثيرات الدرامية والبلاغية المتنوعة , وقد استخدكم السياب هذا النوع من التكرار

من بقايا ناعسات من سكون
في بقايا من سيكون
في سكون
• اما النوع الثالث فهو تكرار السطر كله مع تغيير يسير و فقد استخدمه السياب بصورة مؤثره في التعبير عن يأسه وحنينه , حينما كان يعمل في الكويت ولم يكن يملك من المال مايدفعة أجرا لرحلة عودته الى العراق , حينئذ وقف يصيح في ياس على شاطئ الخليج :
اصيح بالخليج : (( ياخليج ...
ياواهب اللؤلؤ , والمحار والردى !))
فيرجع الصدى
كأنة النشيج :
((ياخليج
ياواهب المحار والردى !)).(1)
لكن الصدى , الذي هو في الواقع صوت ينبعث من داخل الشاعر من روحه اليائسة في اعماقه ,يسقط كلمة (اللؤلؤ) فيصبح الخليج على نحو ماوجده ,واهبا المحار والموت , عاجزا عن امداده بأي شي .
وكذلك استخدام عبد الوهاب البياتي هذا النمط من التكرار , ربما بتاثير السياب دون ان يبلغ مستواه في دقة الشعور ,ورهافة الاحساس ,وكان استخدامه له في موضوعين في قصيدتة ((الحديقة المهجورة )) وقال في ثاني الموضوعين :
ويفيض من قلب السكون غناء حطاب اليم
(من الف الف والحياة عنانها بيد الرغيف
يا انت ياهذا الرغيف ! لكم تخيف ! ! ))
وتردد الاصداء : (( ياهذا الرغيف ! لكم تخيف ! ))
ونشير هنا الى النمطين الثاني والثالث اللذين ذكرناهما فيما سبق و سأتناول فيما يلي تكرار القرار (اللازمة) سواع تمثل في سطور ام في عبارات وسواء جاء في مطالع القصائد ام في ثناياها كما اتناول اشكاله ووظائفه المتنوعة في الشكل الجديد .
يعد التوازي والتكرار العاملين الرئيسيين الذين ساعدا الشكل الجديد على تجنب اخطاء التجارب الاولى في الشعر المرسل والشعر المنثور والشعر الحر عند مدرسة احمد زكي ابو شادي ، فباستخدام هذين التكنيكين يتالف نمطان من الايقاع يتولد عنها ايقاع وانسجام واضحان وفي ذلك تعويض من الاطراد نظام في الوزن والقافية في الشعر التقليدي .
واذا كان التوازي والتكرار قد ساعدا على دعم البناء اللغوي للسطر في القصيدة فقد حد كلاهما من انطلاق الشاعر في التعبير عن فكرته وهذا هو العيب الاساسي في الشكل الجديد ،ويرجع السبب في تقييد حرية الشاعر والحد من انطلاقة الى جعل المعنى مستقلا عن التركيب النحوي للبيت والى ايجاد ايقاع اضافي يشبه الاسناد المنغم والتنويعات السيموفونية ، ويعمل على ربط السطور معا ، وتقسيم القصيدة الى مقطوعات غير منتظمة توجد بينهما اللازمات والعبارات المكررة على انها تكرار مطالع القصائد او تكرار جزء منها في نهاية كل مقطوعة امر لا يحدث بانتظام ولا بعد عدد ثابت من الابيات لان الشكل الجديد يتجنب السيمترية و الاطراد
ونجد تكرار المطلع في نهاية القصيدة وقد عابت نازك الملائكة هذا النهج في ختام القصائد وتناولته تحت عنوان ((النهاية الضعيفة في قصائد الشعر الحر)) والسبب الذي قدمته نازك الملائكة لاستخدام هذه النماذج من النهايات هو ان الشعراء كانوا عاجزين عن ايقاف تدفق الشكل الحر ولكي يتم ذلك قاموا بتكرار ابيات المطالع والحق ان السبب الرئيسي لهذه النهاية ان الشاعر قد خمد توقده العاطفي ولم يعد قادرا على نقل احاسيسه الخفية الغامضة لذا يؤثر ان يترك القارئ مع نفس الاحاسيس الغامضة غير المحددة بتكرار ابيات المطالع
وقد استخدم هذا النمط من التكرار البياتي والسياب وادونيس وصلاح عبد الصبور ويوسف الخال واحمد عبد المعطي حجازي ، وقد يكون ما يتكرر في نهاية القصيدة لا يعدوا ان يكون بيتا واحدا –هو البيت الاول من المطلع –وقد يزيد عن ذلك حتى يصل الى خمسة ابيات .وفي بعض الاحيان يحدث تغيير يسير في الجزء المكرر وخاصة عندما يكون عدد الاسطر المكررة اكثر من سطر واحد ،او يتغير ترتيب الابيات كما جاء في قصيدة البياتي ((الرجل الذي كان يغني))
على ابواب طهران رايناه
رأيناه
يغني
عمر الخيام يا اخت ظنناه
على جبهته جرح عميق فاغر-فاه
والسطور المكررة في نهاية القصيدة هي :
على ابواب طهران رأيناه
يغني الشمس في الليل
يغني الموت والله
على جبهته جرح فاغر فاه
وهذا النوع من النهايات ينتج تكرارا محذوفا منه بعض الاجزاء وهو تكرار يزيد القصيدة عمقا ويمضي بفكرتها الاساسيه الى ذروتها.
وتكرار بيت المطلع الذي شاع كثيرا في قالب المقطوعة الوحيدة ,واستخدم أيضا في الشكل الجديد ,هو نفس التكرار البيت المطلع في اول كل مقطوعة داخل قصيدة مؤلفة من عدة مقطوعات
وفي عدد قليل جدا من القصائد نجد تكرارا للمطلع وللسطر الذي يمثل خاتمة القصيدة في كل مقطوعة من مقطوعاتها كما في قصيدة السياب ( سوف أمضي )لبدر شاكر السياب
وهناك نمط اخر من التكرار يتم فيه حذف الجزء الاخير من السطر كما يقول السياب :
أحقا نسيت اللقاء الاخير ؟
احقا نسيت اللقاء ....؟
اكان الهوى حلم صيف قصير
خبا في جليد الشتاء ؟
خبا في جليد
وظل الصدى في خيالي يعيد
((خبا في جليد ... خبا في جليد ))
فاذا عكس هذا النمط من التكرار أوجد توازنا عند الذروة ,كما في قول السياب :
اين كنا ؟اما تذكرين ؟
اين كنا ؟اما تذكرين المساء؟
وكما استحدثت الوان جديده من التكرار في الشكل الجديد ,فان انماط التكرار الكلاسيكية المشهوره لكلمه او عده كلمات ,تستخدم فيه ايضا وهي على النحو الاتي :
التكرارالبياني الذي يقصد منه تاكيد التهديد للاخرين و الانتقام منهم ,والحط من شانهم ,وارهابهم ,وهذا النوع من النمط الرئيسي للتكرار من الشطر الكلاسيكي ومن نماذجه المشهوره قصيدته جرير في الهجاء .الراعي النميري :
فغض الطرق انك من نمير فلاكعبا بلغت ولا كلابا
ففي هذه القصيده يكرر جرير اسم ((نمير ))او ((بنو نمير)) احدى وعشرين مره في خمسه وخمسين بيتا
وقد استخدم السياب مثل هذا التكرار للتهديد لكن بطريقه مختلفه في قصيدته فهو يكرر فيها جملا كما يكرر كلمه (انا) لكي يصل ذروه الانفعال ويكشف باسلوب المناجاه عن المخبر الحقير وعن نفسه التي ملاها الحقد والرغبه في الانتقام 0وفي السطرين السادس و السابع يستخدم توازي الاضداد يقول السياب
سيعلمون من الذي في ضلال
ولاينا صدا القيود 0000لاينا صدا القيود
لاينا 000
نهض الحقير
وساقتفيه فما يفر ,وساقتفيه الى السعير
انا ما تشاء :انا اللئيم ,انا الغبي ,انا الحقود
لكنما انا ما اريد :انا القوي ,انا القدير
انا حامل الغلال في نفسي ,اقيد من اشاء
بمثلهن من الحديد ,واستبيح من الخدود
ومن الحياة اعز هن .انا المصير .انا القضاء .
النوع الثاني التكرار المستخدم في معنى الضراعة والدعاء المعروفين في شعر الزهد والشعر الصوفي والمدائح النبوية ،وقد تغير هذا النوع في الشكل الجديد بسبب التأثير بالشعر الغربي ,واصبح دعاء وثنيايتجه الى الهة الاغريق او الشرقين مثل الرموز وادونيس الذي يعد رمز الحياة بعد الموت ليرمزوا الى البعث الروحي وهكذا نجد خليل حاوي يقول في (نهر الرماد ):
يا ألة الخصب ،يا تموز ,يا شمس الحصيد
بارك الارض ,التي تعطي رجالا
اقوياء الصلب ,نسلا لايبيد,
يرثون الارض ,للدهر الابيد
بارك النسل العتيد
بارك النسل العتيد
بارك النسل العتيد
باله الخصب يا تموز يا شمس الحصيد
كذلك نجد في شعر ادونيس طائر الفينيق ـوهو طائر اسطوري في الصحراء العربية يقال انه يحرق نفسه على محرقة جنائرية ,ثم ينبعث من الرماد بشباب جديدة ليعيش دورة اخرى ـقد اصبح رمز للاحياء العربي الذي يحرق القديم البالي ويبدا مرحلة جديدة تتميز بانبثاق الحضارة الحديثة الشاملة .يقول ادونيس في قصيدتة ((ترتيلات البعث )):
فينيق في طريقك التفت لنا
فينيق حن واتئد
فينيق مت ,فينيق مت
فينيق ولتبدا بك الحرائق
لتبدا الشقائق
لتبدا الحياة
فينيق يا رماد ياصلاة
النوع الرابع من التكرار السيكولوجي ,ولم يكن هذا النوع معروفا في الادب الكلاسيكي ,وانما نقل عن الشعر الغربي ,وهذا التكرار يحاول ارتياد عالم المشاعر الداخلي ,والكشف عن مزاجة النفسي وطبيعة تفكيرة ,خاصة في المناجاة في اللحضات التراجيدية التي يبلغ التوتر العاطفي فيها درجة عالية,تصل احيانا الى حافات الهذيان .واول نموذج لهذا النمط من التكرار واعضمها نجاحا وتوفيقا ذلك الذي استخدمه السياب في قصيدته ((نهاية)) حيث كانت كلمات الحبيبة التي اورد الشاعر نصها في مطلع القصيدة ,وهي :((ساهواك حتى تجف الدمعة في عيني ....)) تستحوذ على ذاته ,و تسيطر على مشاعره فراح يرددها في خياله وعقله :ـ
ساهواك حتى 00 )نداء بعيد
تلاشت ،على قهقهات الزمان
بقاياه0 في ظلمه 00 في مكان
وظل الصدى في خيالي يعيد:
((ساهواك حتى ساهوى ))نواح
كما اعولت في الظلام الرياح
((ساهواك حتى 00س00))ياللصدى
اصيخي الى الساعه النائيه :
((ساهواك حتى 00 ))بقايا رنين
تحدين دقاتها العاتيه
تحدين حتى الغدا
((ساهواك ))ما اكذب العاشقين
ساهوا 000)) ـ نعم 00 تصدقين
فهذا التكرار اللاشعوري للكلمات في ذهن الشاعر ,ورجوعه المفاجئ الى حالته الطبيعيه في منتصف كلمه , ((ساهوا000))دفعاه الى ان يعلق تعليقا ساخرا اليما ,وهو انها بالطبع ستحب انسانا اخر .\


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم