قسم اللغة العربية/ المرحلة الثانية/ المادة: النقد القديم/ أستاذ المادة: أ.د. عبد العظيم رهيف السلطاني
قدامة بن جعفر والأثر اليوناني المدح والفضائل النفسية: اهتم قدامة اهتماما أساسيا بالمديح بوصفه غرضا مركزيا في الشعر. وهنالك من يرى أن قدامة في جوهر كتابه قد قسّم الشعر إلى بابين رئيسين هما المدح والهجاء، وهو بهذا إنّما كان متأثرا بنظرة أرسطو للشعر الذي قسّم الشعر إلى مأساة وملهاة. لكن الشعر العربي ليس فيه مأساة ولا ملهاة، لذا فقد فهم المترجمون إلى العربية آنذاك فكرة التقسيم وترحيلها إلى الشعر العربي فهما خاطئا. إذ أصبح لديهم معنى المأساة والملهاة في الشعر اليوناني يقابله المديح والهجاء في الشعر العربي. وقد يكون هذا الفهم الخاطئ هو السبب في فهم قدامة وتقسيمه، فهو استقى أفكاره الخاصة بهذا الموضوع مما نقله المترجمون. والمدح لدى قدامة لا يكون إلا بالفضائل النفسية فهو يقوم على فضائل نفسية أربعة هي: العقل والشجاعة والعدل والعفة. والشاعر الذي يمدح بها يكون مصيبا، ومن يتجاوزها في المدح فقد أخطا الطريق. وكل فضيلة يمكن أن يُشتق منها تفاصيل. فمن الشجاعة فضيلة الحماية والدفاع والأخذ بالثأر والمهابة ... ويتولد من خلال تركيب العقل والشجاعة فضيلة الصبر والوفاء.. ومن العقل والعفّة فضيلة الاكتفاء بأدنى معيشة... وهكذا حاول قدامة حصر المعاني وإيضاح إمكانية تشقيقها وتناولها في الشعر. وهو وجد الشعراء قد تناولوها جميعا في مدائحهم. وليس شرطا أن يستعملها شاعر معيّن كلّها. وهو يُؤمِن بأن لكل مقام مقال يقدّره الشاعر بحسب الفضائل النفسية المناسبة، فالممدوحون أصناف مختلفة وطبقات من التبدي والتحضّر. لذا فمدح الملوك مثلا، يكون بالشجاعة والكرم، ومدح الوزير والكاتب يكون بحسن التدبير والتروي... وهو يجد الفضائل المكتسبة أهم من الفضائل الموروثة، والمدح بمعانيها أقوى وأصلح. وهنالك من يشير إلى علاقة موضوع الفضائل النفسية لدى قدامة بما تحدث عنه أرسطو وفصّل في الصحة والجمال وغيرها من الفضائل الجسمانية، وكذلك افلاطون الذي تحدث عن الفضائل وقسّمها. فالشعر العربي منذ القدم يمدح بهذه الفضائل النفسية ويفضّلها على الفضائل الجسمانية. وهي وأن كانت هنالك صلة واضحة بالأثر اليوناني من حيث التقسيم... ولكنها لا تعني أن قدامة أخذها مقتبسة نصّا من اليونان، ولاسيما من أرسطو، ومبدئه الذي ينص على أنّ الفضيلة وسط بين رذيلتين. (كالتهوّر والجبن بينهما فضيلة الشجاعة). ولذا يجد قدامة قياسا على هذا أن الغلو في المعاني في المدح مذموم والغلو لديه هو الوصف الذي يخرج من باب الموجود ليدخل في المعدوم. كدعاء للممدوح بأن يعيش ابدا.. ومما أنكره قدامة على شعر المدح هو أن يتضمن الاستحالة والتناقض في المعاني، وذلك بأن يَرِد في المدح معنى ثم يرد معه معنى يناقضه. الشر والخير والعمى والبصيرة... في آن واحد. وقدامة كما قلنا مهتم بالجانب المنطقي ويصدر عنه، حتى أنّه استهجن بعض الاستعارات ورفضها استنادا إلى هذا الفهم المنطقي. ويبقى الشكل الشعري وطبيعة الصياغة معيارا أساسيا لدى قدامة في تمييز الشعر وليس المعنى الذي يتناوله الشعر، وليس السبق في المدح أو غيره يكمن في طرق المعاني والجديدة أو ابتكارها، بل في التميّز في طريقة صياغة تلك المعاني. لذا لم يتناول قدامة موضوع السرقات الشعرية، لأنها معان، والمعاني مبثوثة متيسرة.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم
|