جماعة المهجر مفهوم الشعر ورسالة الشاعر: يتضح انبثاق مفهوم الشعر من الرغبة في مواكبة التطور في الروح العام الذي يتحسسه الشاعر من خلال قول (الريحاني) معرّفاً الشعر: "الشعر أمواج من العقل والتصور تولدها الحياة ويدفعها الشعور فتجيء الموجة كبيرة أو صغيرة، هائجة أو هادئة، محرقة أو باردة، او فاترة بحسب ما في الدوافع من فورة الحس والبيان، فاذا جعل للصيغ اوزان وقياسات تتقيد معها الأفكار والعواطف فتجيء غالباً وفيها نقص أو حشو أو تبذل أو تشويه أو إبهام. وهذه بليتنا في تسعة اعشار الشعر المنظوم الموزون في هذه الأيام". ان المفهوم السابق مزيج من عدة عناصر، كالفكرة والصورة والعقل، وهذا قريب من مفهوم (وولت ويتمان) للشعر، إذ قال: "إن الشعر ليس قائماً في نغم او في اتساق أو في تناول الأشياء تناولاً مجرداً ولا في شكاوى حزينة أو حكم مأثورة، بل هو حياة هذه وغيرها وهي قائمة في النفس". وهكذا نجد أن ثورة (الريحاني) على المفهوم القديم للشعر كان دافعها الأول هو الخلاص من القيود النظمية والبلاغية، من أجل التعبير بشعر صادق عن النفس والفكر. اما رسالة الشاعر في ضوء مفهوم (الريحاني) فهي ان يعكس الحقيقة الواقعية، لأن دور الشاعر هو التغني من اجل الشعب والحياة ، وهي رسالة شاملة النواحي بمعاني الحياة العامة. وهو مفهوم قريب من مفهوم (ويتمان) لرسالة الشاعر ودوره، اذ عمل ويتمان طوال حياته الأدبية، على التغني من اجل شعب اميركة، واميركة الوطن، وتقدمها، لأجل تحقيق الحرية والديمقراطية فيها. اما مفهوم (جبران خليل جبران) للشعر، فهو قريب في روحه من مفهوم الشعر لدى الريحاني الا انه مصوغ بصورة غامضة لأنه يقول: "الشعر ياقوم روح مقدسة متجسمة من ابتسامة تحيي القلب أو تنهدة تسرق من العين مدامعها، اشباح مسكنها النفس وغذاؤها القلب ومشربها العواطف، وان جاء الشعر على غير هذه الصور فهو كمسيح كذاب، نبذه أوقى" وبذلك المفهوم لا نخرج بشيء محدد، لأنه عرض مفهوم الشعر باسلوب سيطر عليه الخيال الشعري، وسيطرت عليه ايضاً العبارات الموسيقية الرنانة. وفي مقاله (لكم لغتكم ولي لغتي) نجده يرفض المفهوم التقليدي للشعر، اذ يقول: "لكم منها العروض والتفاعيل والقوافي، وما يحشر فيها من جائز وغير جائز ، ولي منها جدول يتسارع في أوراق الخريف التي تسير معه". ومن هنا فإن الوزن والقافية اصبحا قيداً يقف ضد ابداع الشاعر، في حين ان الشعر فن حر لأنه همسات وترانيم تهمس بها النفس ويرتل بها الشعور، وهذا الشعر بعيد عن تناول اغراض الشعر القديم وموضوعاته. وبما ان الشعر هو الروح المقدسة، فهذا برهان على ان الشعر عند (جبران) قائم على الرغبة في مواكبة الشاعر لتطورات الحياة حوله وان يكون هو الوسيط المعبر عنها بأمانه وصدق: "أقول لكم إنما الشاعر رسول يبلغ الروح الفرد ما أوحاه اليه الروح العام". ومن هنا فالشاعر هو من يتسقط الوحي، وهو الوسيط بين الحياة والإبداع من جهة ، والبشر من جهة ثانية. ويعرفه (جبران) بأنه "السلك الذي ينقل ما يحدثه عالم النفس إلى عالم البحث، وما يقرره عالم الفكر الى عالم الحفظ والتدوين". وقد اكتسب (جبران) هذه الفكرة من الشاعر (وليم بليك) الذي قال: "العبقرية الشعرية هي روح النبوة". ومن هنا نلاحظ ان العملية الشعرية عند (جبران) قائمة بين الشاعر –المبدع- والبشر، شرط ان يتوافر عنصران في هذه العملية وهما (العاطفة والفكر) ، وقد صرح (جبران) بذلك حينما قال: "أقول لكم إن النظم والنثر عاطفة وفكر وما زاد على ذلك فخيوط واهية واسلاك مقطعة" وبذلك اصبح الشعر انغاماً حرة معبرة عن افكار مفعمة بالعاطفة، لأن الشعر اصبح عنده حالة وجدانية فكرية، تعبر عن روح الشاعر بشكلها الفني الصادق المتمثّل للروح العام. ويتفق مفهوم الشعر عنده ايضاً مع مفهوم بعض فلاسفة الجمال الذين يرون ان مصدر الابداع والعبقرية عند الشاعر والفنان هو الالهام، وهم يميزون الفنان عن سائر الناس، لأن طبيعته مهيأة لتلقي الوحي والالهام الذي يهبط عليه، وهذه الطبيعة ذات قدرة خارقة على الابداع / الشعر. اما (نعيمة) فيتبنى المفهوم نفسه بلغة اكثر وضوحاً، اذ يقول: "الشعر هو غلبة النور على الظلمة والحق على الباطل. هو ترنيمة البلبل ونوح الورق، وخرير الجداول وقصف الرعد [...] الشعر –لذة التمتع بالحياة، والرعشة أمام وجه الموت. هو الحب والبغض، والنعيم والشقاء. هو صرخة البائس وقهقهة السكران [...] . الشعر- ميل جارف وحنين دائم [...] هو الذات الروحية تتمدّد حتى تلامس أطرافها أطراف الذات العالمية. [...] فالشعر هو الحياة باكية وضاحكة، وناطقة وصامتة، ومولولة ومهللة". فالشعر عند (نعيمة) لايحد فهو الحياة بكل ميادينها، لكنه ليس الكلام الموزون المقفى، وانما هو اللغة المجسدة لتَمَثّل الكون. والشاعر عنده هو الذي "لا يكتب ولا يصف إلا ما تراه عينه الروحية ويختمر به قلبه حتى يصبح حقيقة راهنة في حياته ولو كانت عينه المادية أحياناً قاصرة عن رؤيته [...] الشاعر لايصف إلا ما يدركه بحواسه الجسدية أو يلامسه بروحه" فالشاعر عند (نعيمة) يمتلك قوة الحس ونفاذ البصيرة وجمال الادراك، بما يجعله يرى الحياة من حوله بصورة تختلف عن سائر بني البشر. وهذه الفكرة قال بها (هوراس) شاعر اللاتين من قبل. و(نعيمة) بهذا الوصف للشاعر يقترب مما قالت به العرب قديماً عن صفة الشاعر وتسميته "إنما سمي الشاعر شاعراً لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره" وتتاكد لدينا رغبة (نعيمة) في مواكبة التقدم في الروح العام وفي التعبير عنه من خلال اطلاقه صفات يحد بها الشاعر، وذلك بقوله: "الشاعر نبي وفيلسوف ومصور وموسيقي وكاهن. نبي –لأنه يرى بعينه الروحية مالا يراه كل بشر. ومصور –لأنه يقدر أن يسكب ما يراه ويسمعه في قوالب جميلة من صور الكلام. وموسيقي –لأنه يسمع أصواتاً متوازية حيث لا نسمع نحن سوى هدير وجعجعة. العالم كله عنده ليس سوى آلة موسيقية عظيمة تنقر على أوتارها أصابع الجمال وتنقل ألحانها نسمات الحكمة الأبدية" وهذه الصفات تلتقي مع اليونان التي اعتقدت بربات الشعر، حتى ان (هوميروس) بدأ الياذته بمخاطبة الهة الشعر، طالباً منها ان توافيه الأنباء ، فقال: ربة الشعر عن أخيل بن فيــلا انشدينا واروي احتدامـا وبيلا كما يلتقي وما قالت به الرومانسية الغربية التي جعلت الشاعر هو الكاهن والنبي، وان لكل فرد من الشعراء ربة خاصة به توحي اليه الابداع/ الشعر. وهذا ايضاً لم يبتعد عن العرب باعتقادها ان لكل شاعر شيطاناً يلقنه الشعر.
الاهتمام بالخيال: لكي تتحقق الوحدة العضوية التي أشار اليها شعراء المهجر من بعيد، في قصائدهم فلابد استناداً الى مفهوم رومانسي، من وجود عنصر الخيال. والخيال عند شعراء الرابطة القلمية وسيلة للنفاذ الى اعماق الأشياء، فقد اهتم (جبران) بالخيال حتى إنه كان يجسد له مخلوقات وهمية تقاسمه الحياة. وقال عن الخيال: "ما أجهل من يتخيل أمراً ويتصوره بشكله ومعالمه، وعندما يستحيل عليه إثباته بالمقاييس السطحية، والبراهين اللفظية، يحسب الخيال وهماً، والتصور شيئاً فارغاً، ولكن لو تعمق قليلاً وتأمل هنيهة لعلم أن الخيال حقيقة لم تتحجر بعد، وأن التصور معرفة أسمى من أن تتقيّد بسلاسل المقاييس، وأعلى وأرحب من أن تسجن باقفاص الألفاظ". فالخيال لدى (جبران) خيالُ له مقاييسه الخفية، وبراهينه غير المحسوسة، مما يجعله يفوق المنطق ويُخلفه وراءه. وتناول (نعيمة) هذه القضية من منطلق واقعي، اذ يرى ان هناك تشابهاً بين الحقيقة والخيال، وليس ثمة أي فرق بينهما في الشعر، فالشعر قوى هائلة تجسم احلامنا عن الجمال والعدل والحق والخير، وخيال الشاعر هو روح هذه القوى الهائلة، التي تستمد وجودها من حقائق الحياة المعيشة. فالأمر اذاً موكل للشاعر، فهو يضع صفات الأشياء في نسبة متقدمة غير التي نراها في واقعنا اليومي "وتغيير النسبة هو اختلاف الشاعر الذي ندعوه (خيالاً)". ويستمر (نعيمة) في حديثه عن الخيال حتى يجعل خيال الشاعر حقيقة فيقول: "خيال الشاعر حقيقة. والشاعر الذي يستحق أن يدعى شاعراً لا يكتب ولا يصف الا ما تراه عينه الروحية ويختمر به قلبه حتى يصبح حقيقة راهنة في حياته ولو كانت عينه المادية احياناً قاصرة عن رؤيته". فالخيال عند (نعيمة) لا يخلق من العدم، وانما عين الشاعر الروحية تصوغ الأشياء التي يراها بصيغة فنية، وبشكل لم يسبق للأنام الإتيان بصوغها الفني. ولكن أي خيال اعتد به المهجريون؟ اعتد المهجريون بالخيال الرومانسي حتى كانوا اكثر تمثيلاً لمفهوم الخيال الرومانسي في شعرهم من غيرهم، وفاقوا خيال مدرسة الديوان. وربما يعود ذلك الى كونهم اكثر احتكاكاً وارتباطاً بالرومانسية وبالفكر الغربي في موطنه الاساس من غيرهم، ذلك المفهوم الذي حقق انتصاراً عظيماً في الفلسفة الرومانسية التي كانت ثورة غير طبيعية للاحساس الخيالي. ويقترب مفهوم شعراء الرابطة القلمية كذلك من مفهوم (وليم بليك) الشاعر الذي احبه (جبران)، وتأثر بشخصه وفنه. قال (بليك) عن الخيال: "إن عالم الخيال هو عالم الأبدية، وإن القوة الوحيدة التي تخلق الشاعر هي الخيال أو الرؤية المقدسة"، وهكذا استطاع شعراء المهجر ان يتمثلوا الخيال الرومانسي الغربي، واصبح الخيال عندهم وسيلة مهمة لإدراك الحقائق فأحلوه محل العقل، وجعلوه المنفذ الرئيس للوصول الى الحقيقة المستكنّة في الروح العام. تجربة الغربة: ان العالم الجديد الذي انتقل اليه المهجريون، بما فيه من تقدم ومغريات، جعلهم يحسون بالغربة والمعاناة، وهذا ما جعل موجة التصوف طاغية عليهم. و "نتيجة لتأملهم الطويل بالذات، وفيما حولهم من الكائنات شأنهم نشأن الفلاسفة الروحيين، انشغلوا فيما انطوى في اعماق النفس من المخبآت والودائع وانشغلوا بمشاكل الوجود، وقضايا الفناء والخلود فاتجهوا بفنهم الى استجلاء غوامضها". ان هذا الشعور العائم، ودخولهم في حومة الصراع حول قضايا لايخرج المرء فيها بنتيجة ، جعلهم يحسّون بالغربة الدائمة، غربة الروح بعيداً عن هذا الواقع الذي لا تربطهم به رابطة، فهذا (الريحاني) يعاني من الغربة وهو بين ابناء وطنه، فقال: "أليس في وسع المرء ان يعيش في هذا العالم، دون ان تطبع روحه بطابع الملة، وتصبغ بصبغة الطائفة، ألا يقدر ان يكتسب ثقة اخوانه البشر دون ان يعلن انتماءه الضيق ويفاخر بتعصبه ويكابر بغيرته الدينية" فالغربة التي يعاني منها (الريحاني) في جانبها الأكبر، ليست مكانية كما عانى منها شعراء الاطلال والاسلام، وانما هي غربة نفسية حائرة لاذعة. اما شعور (جبران) بالغربة فهو يكاد يلف اكثر الادباء الرومانسيين، أليس هو القائل: "أنا غريب في هذا العالم. أنا غريب وفي الغربة وحدة قاسية ووحشة موجعة غير أنها تجعلني أفكر أبداً بوطن سحري لا أعرفه". فنفس (جبران) الثائرة تأبى ان تسكن هذا الواقع. ولهذا ذهب يبحث عن عالم آخر، غريب ليس له وجود حقيقي ألا في مخيلته، وقال عن هذا: يا بلاداً حُجبَتْ مُنذُ الأزلْ كيفَ نرجوك ومن أي سبَيلْ؟ وسبب غربته النفسية، يعود الى اصطدامه بالعالم الواقعي الذي رآه متحجراً، فأراد ان يحل عقدة هذا التحجر فما استطاع، لأنهم رفضوا ان يرتقوا الى مستوى التصور الرفيع، وحينما أبوا ذلك، وجدهم وكأنهم خلقوا ليكونوا ضده، وعن تصور (جبران) هذا، قال (نعيمة): "لقد خيل الى جبران أنه يحارب عدَوّا هو العالم" ولا غرو إذ وجد (جبران) نفسه غريباً في عالم لاهٍ عن الروح متعلق بالجسد، ولكنه ليس غريباً عن هذا العالم فقط بل عن نفسه ايضاً، اذ يقول: "أنا غريب عن نفسي، فإذا ما سمعت لساني متكلّماً تستغرب أذني صوتي، وقد أرى ذاتي الخفية ضاحكة، باكية، مستبسلة، خائفة، فيعجب كياني بكياني، وتستفسر روحي روحي، ولكنّني أبقى مجهولاً مستتراً، مكتنفاً بالضباب، محجوباً بالسكوت". ولقد اضرم الاغتراب الروحي هذا، حنين المهجريين، فجعلوا يحنون الى الشرق، بعدما اكتووا بنار الغربة المحرقة، مما جعلهم ينتجون شعراً معبراً عن الغربة بمعان صادرة عن نفوسهم المعذبة التي ذاقت الغربة، لذلك كان "الحنين الى الوطن قوة سارية في الشعر المهجري [...] ترتكز على معنى الغربة – حقيقة ومجازاً- والغربة هي المحرك الاكبر في اشعارهم جميعاً" ولأجل هذا كانت اشعارهم في هذا المجال تمثل احدى زوايا الشعر الذي صنعه الاحساس المرير بالاغتراب عن العالم. وهذا (جبران) الذي نال من الشهرة والترف في العالم الجديد مالم ينله أديب عربي آخر، ظل طوال مدة هجرته يحلم بالعودة الى لبنان، وقال عنها وهو يقف بوجه زعماء السياسة: "لكم لبنانكم ومعضلاته، ولي لبناني وجماله. [...] لبنانكم مشكلة دولية تتقاذفها الليالي، أما لبناني فأودية هادئة سحرية تتموج في جنباتها رنّات الاجراس وأغاني السواقي" وهكذا كانت طبيعة لبنان ذات أثر فاعل في نفس (جبران) وزملائه، حتى قال (نعيمة): " أما في كتابات جبران فقد لمست بروحي أشواق لبنان، وشاهدت هيبة ذاك الجبل وأنفته [...] في منثورات جبران ومنظوماته سمعت أنباض لبنان وسمعت خفقان قلبه" وكتاب جبران (النبي) ليس سوى تعبير عن حنين جارف ومعاناة من الغربة، فالمصطفى الذي قضى في مدينة (اورفليس) اثنتي عشرة سنة يترقب عودة سفينة ليركبها عائداً الى الجزيرة التي ولد فيها، هو نفسه (جبران) الذي عاش في مدينة نيويورك وفي نفسه وقلبه حنين الى القرية التي ولد فيها، وعودة النبي ان هي إلا امنية (جبران) في الرجوع الى قريته. ولم يزر (جبران) قريته الأم إلا ميتاً، ليدفن فيها، ويتخلص من غربته. ولن نذهب بعيداً اذا قلنا ان تجربة الغربة والمعاناة قد صقلت روح الشاعر المهجري وجعلته حساساً، متمرداً، منادياً بارتفاع الانسانية الى درجة الألوهية لكي لاتكون غريبة عنهم. ومن العناصر الأخرى: أ. الاهتمام بالنفس الانسانية: اذ تغنى شعراء المهجر بالنفس الانسانية، وانصب اهتمامهم على طبيعتها وعن كنهها واسرارها وخلودها وعصيانها. ومن الغريب ان كل اعضاء الرابطة يهتمون بالنفس الخالدة التي قال بها افلاطون واهتم بها ابن سينا. ب. الانشغال بالثنائيات: من الافكار التي راودت شعراء المهجر وضمنوها شعرهم، فكرة الثنائية التي يظهر فيها التناقض في النفس الانسانية كالتناقض بين الخير والشر والجمال والقبح والحياة والموت... واحساس شعراء المهجر بهذه الفكرة وهذا التناقض يعكس شعورهم بعذاب النفس ويجسد قلقهم على المصير المؤلم الذي ينتاب النفس الانسانية. وهذه الفكرة على ما فيها من هدم للقيم الروحية التي جبل عليها هؤلاء الشعراء في بيئتهم المشرقية، الا انها من جانب آخر قد أثرت شعرهم بالمضامين الجديدة التي تقوم على تعمق اسرار النفس ومعاني الحياة. وحاول المهجريون القضاء على الثنائية، فأوجدوا (الغاب) وجعلوه مثابة المحبة، وتلك المحاولة كانت للتخلص من المواضعات والشرائع والتقاليد، ولكن الدين في ثوبه المسيحي كان يمثل لهم خلقاً سوياً في الغاب، وفي المحبة.
جماعة المهجر مفهوم الحداثة في المستوى اللغوي: وفي مجال حداثة لغة الشعر، طالب شعراء الرابطة بدعوتهم الحداثوية، بضرورة فسح المجال كثيراً للشعراء باستعمال اللغة المتدّاولة والابتعاد ما امكن عن اللغة الموروثة لاعتقادهم بانها لا تحتوي إلا على رموز قاموسية لا يؤدي الاعتماد عليها الى الوصول الى أدب عصري مُواكب للتطور الحياتي العام في الانسان وفيما حوله. وكان (امين الريحاني) من اوائل النقاد العرب الذين ثاروا على التقعر والتبجبل الذي اسبغ على اللغة الشعرية في اوائل القرن العشرين. فتمرد على اللغة القديمة، ونعى على الشعراء المعاصرين له تقليدهم الأعمى للصيغ القديمة، فقال: "ليس في العالم العربي، لا في العراق ولا في سورية، ولا في مصر، لغة للشعر جديدة بأجمعها أي بمبانيها ومعانيها، بأساليبها وفنونها، بأغراضها ومصادر وحيها. فإنك لا تجد بين الشعراء العراقيين او المصريين أو السوريين شاعر من طبقات الشعراء الأوروبيين في نطاقهم الرحيب، الاجتماعي والوجداني، والطبيعي والروحي". فالريحاني بقوله هذا يطالب بالتجديد الشامل في عناصر البناء الفني جميعها، وابداع الشاعر عنده ليس بالنسج على منوال الاقدمين، وانما ابداعه قائم على تفرده باختياره اللغة العصرية المناسبة للمضمون العصري، وقد اشار (الريحاني) الى اللغة العصرية في الشعر فقال: "ومن التجديد أن يكون بياننا –وان خلا من السحر- قريباً من حياتنا الواقعية، له صلة نابضة بأحوالنا وعاداتنا ، وممثلا لروحنا الاجتماعية والوطنية". والرغبة بمواكبة التقدم في الروح العام وفي التعبير عنه، واضحة جلية في هذه الآراء وأمثالها. ان دعوة (الريحاني) لتجديد اللغة لا تعني أنه يرفض اللغة القديمة بأجمعها أو يرفض بعض التعابير المألوفة، وانما "اهم ما في التجديد صحة النظر [...] لنرى الحياة وقد ازدادت أسباباً ولم تزدد سنين، فالاحاطة بها اذاً، تستوجب أسلوباً قوامه الجلاء والايجاز والصراحة" والاسلوب الذي اشار اليه (الريحاني) هو اسلوب عصري يتناسب مع تطور الحياة، وهو اسلوب يعتمد على المعنى الداخلي اكثر من اعتماده على المعنى المتبادر الى الذهن ومن اللفظ نفسه فـ"قوة الشعر وسموّه لا بالمعنى الذي يظهر في الاحرف والكلام بل في المعاني الداخلية التي تشير اليها وتلمح عنها بعبارة وجيزة". فالريحاني يضع المعنى الداخلي معياراً لحداثة اللغة الشعرية. وبذلك يكون مفهومه لحداثة اللغة مفهوماً واقعياً، يسير في ركب العصر الحديث، وحداثته اللغوية قرينة بحداثة (والت ويتمان) اللغوية، الذي جعل من لغة الشعر، لغة حرّة، ديمقراطية، تنصهر فيها لغة اميركة العامة "بثروة من المجاز وباستخدام منعش لالفاظ مألوفة وبتقديم متجدد لصيغ خطابية، أو رواية أو تجمع غير عادي الاصوات. فعدم التجانس في اللغة ينجم عنه نغمة مستهترة غير عابئة، فلغة الشاعر هي لغة انسان يخاطب رفيقه ونديمه". وبهذا اصبح (ويتمان) المرجع الأكثر تأثيراً في حداثته الشعرية، وبعبارة أخرى اصبح استاذه الذي هداه الى التغيير في الشكل والمحتوى للقصيدة الحديثة. اما (جبران) فحداثته الحقيقة تأتي من باب لغته الخاصة التي انفصلت كثيراً عن لغة الاقدمين. واعلن (جبران) انفصاله عنها، بمقالته (لكم لغتكم ولي لغتي) ، التي جاء فيها: "لكم من اللغة العربية ما شئتم، ولي منها ما يوافق افكاري وعواطفي . لكم منها الالفاظ وترتيبها، ولي منها ما تومئ إليه الالفاظ ولا تلمسه، ويصبو اليه الترتيب ولا يبلغه. [...] لكم منها قواعدها الصارمة، وقوانينها اليابسة المحددة، ولي منها نغمة أحوّل رناتها ونبراتها وقراراتها إلى ما تشبه رنة في الفكر ونبرة في الميل وقراراً في الحاسة. [...] لكم منها ما قاله سيبويه وأبو الأسود وابن عقيل ومن جاء قبلهم وبعدهم من المضجرين المملين، ولي منها ما تقوله الأم لطفلها، والمحب لرفيقته، والمتعبد لسكينة ليله. لكم منها الفصيح دون الركيك والبليغ دون المبتذل ولي منها ما يتمتمه المستوحش وكله فصيح، وما يغص به المتوجع وكله بليغ وما يلثغ به المأخوذ وكله فصيح وبليغ". فجبران ضاق بلغة قومه، متمرداً على قواعدها التي تعبد لها الأدباء والشعراء منذ اجيال ، وخاصة اذا عرفنا انه "مأخوذ بهاجس التجديد والتفرد، هاجس ان يبتدع اعظم اثر عربي في وقته". وبذلك أبى اللجوء الى قواعدها الصارمة، والى الاساليب البيانية العربية القديمة. ولكن ما البديل الذي يقترحه (جبران) عوضاً عن لغة الفصاحة والجزالة، لغة القواميس والمعجمات التي رفضها؟ لقد قال: "لكم منها القواميس والمعجمات والمطولات، ولي منها ما غربلته الأذن وحفظته الذاكرة من كلام مألوف مأنوس تتداوله ألسنة الناس في افراحهم واحزانهم" فجبران يقترح أن تحل اللهجة المتداولة محل الفصحى القديمة، لأنها لغة معظم الناس والمجتمع، ويراها هي الأقرب من غيرها الى فكر الأمة. وفي مقال كتبه (جبران) بعنوان (مستقبل اللغة العربية) عام 1923، اشار الى اللهجة المتداولة واثرها في تطور اللغة وتقدمها. ويربط (جبران) تطور اللغة بتغير وتقدم الإنسان، فاللغة كما يراها "مظهر من مظاهر الابتكار في مجموع الأمة، أو ذاتها العامة، فإذا هجعت قوة الابتكار توقفت اللغة عن مسيرها، وفي الوقوف التقهقر وفي التقهقر الموت والاندثار . [...] وما هذه القوة التي ندعوها بقوة الابتكار؟ هي في الأمة عزم دافع الى الامام. [...] ففي الجاهلية كان الشاعر يتأهّب لأن العرب كانوا في حالة التأهّب، وكان ينمو ويتمدّد أيام المخضرمين لأن العرب كانوا في حالة النمو والتمدّد، وكان يتشعبّ. وظل الشاعر يتدرج ويتصاعد ويتلون فيظهر آناً كفيلسوف، وآونة كطبيب ، واخرى كفلكيّ، حتى راود النعاس قوّة الابتكار في اللغة العربية فنامت وبنومها تحول الشعراء الى ناظمين" وليس ادلّ من هذا القول على الرغبة في مواكبة التقدم في الروح العام وفي التعبير عنه. فجبران يرى ان اللغة قد اصابها الجمود، وهي الآن في دور الاجترار، وهذا يدل على موتها، وبموتها تموت صفة الادمية من الانسان، والبديل كما يرى (جبران) "ان اللغات تتبع مثل كل شيء آخر سنّة بقاء الانسب، وفي اللهجات العامية الشيء الكثير من الأنسب الذي سيبقى لأنّه اقرب الى فكر الأمة وأدنى الى مرامي ذاتها العامة. [...] وعندي أن في الموال والزجل و (العتابا) و(المعنى) من الكنايات المستجدة والاستعارات المستملحة والتعابير الرشيقة المستنبطة ما لو وضعناه بجانب تلك القصائد المنظومة بلغة فصيحة، والتي تملأ جرائدنا ومجلاتنا، لبانت كباقة من الرياحين بقرب رابية من الحطب، او كسرب من الصبايا الراقصات المترنمات قبالة مجموعة من الجثث المحنّطة" وأضاف قائلاً: "وليست اللهجات العامية في مصر وسوريا والعراق أبعد عن لغة المعري والمتنبي من لهجة (الهمج) الايطالية عن لغة أوفيدي وفرجيل. فإذا ما ظهر في الشرق الادنى عظيم ووضع كتاباً عظيماً في احدى تلك اللهجات تحوّلت هذه الى لغة فصحى". اللهجة المتداولة اذاً هي البديل الانسب للحياة الحاضرة كما يراها (جبران)، زاعماً أنها هي "مصدر ما ندعوه فصيحاً من الكلام ومنبت ما نعدّه بليغاً من البيان". ولم يمانع من استخدام عدد من التعابير العادية إذا وجدها ملائمة للغرض وغير قبيحة. ولما استخدم كلمة (تحمم) بدل (استحم) عاب عليه النقاد ذلك، فدافع (نعيمة) من وجهة نظر الرابطة القلمية، فرأى انه لا مانع لأي شاعر أن يشتق كلمة من الكلمات ويستخدمها في قصائده على اساس انها جديدة، ويجب ألا يستغرب منه ذلك ما دام انه وجد ضرورة لاستعمالها، وإلا كيف جاز للبدو أن يبتكروا كلمات اللغة، واخذناها نحن عنهم طوال هذه السنين، وننكر على شخص نعرفه استعماله بعض التعابير الجديدة. ولغة الأمة هذه هي رهن خيال الشاعر، والوسيلة الوحيدة هي الشاعر نفسه. يقول (جبران): "إن خير الوسائل بل الوسيلة الوحيدة لإحياء اللغة هي في قلب الشاعر وعلى شفتيه وبين أصابعة، فالشاعر هو الوسيط بين قوة الابتكار والبشر، وهو السلك الذي ينقل ما يحدثه عالم النفس إلى عالم البحث، وما يقرره عالم الفكر الى عالم الحفظ والتدوين. الشاعر ابو اللغة وأمها. [...] والمقلد ناسج كفنها وحافر قبرها". ومن هنا يتمثل الابداع بصورته العليا، في الشاعر، لانه حارس اللغة وحاضنها. فالشاعر خالق اللغة من خلال نظرته المتقدمة. ومستقبل اللغة العربية وتقدمها موكل الى عبقرية الشاعر. ثم اختار اللغة الانكليزية لكتابة مؤلفاته، وكان ذلك منذ عام 1920 حتى وفاته 1931. وهو يرى انه احدث حداثة تقدمية في لغة النثر والشعر، فيقول: "إن لي أسلوبي الخاص، باللغة الانكليزية. لكني لن اتمكن قط من تغيير اللغة الانكليزية بالشكل الذي غيرت به اللغة العربية. ففي العربية خلقت لغة جديدة داخل لغة قديمة كانت قد وصلت حداً بالغاً من الكمال. لم ابتدع مفردات جديدة بالطبع، بل تعابير جديدة واستعمالات جديدة لعناصر اللغة". والباحث يرى ان (جبران) محق في قوله، لأنه استطاع ان يخلق اسلوباً جديداً، جبرانياً، في اللغة، وهو اسلوب الرمز الشفاف، الذي يعطي للناس اسرار الكون كما وعاها في ضميره، كما ابتدع اسلوب النثر الشعري في العربية وهو اسلوب اكثر تقدماً من اسلوب النثر التقريري، ولعله تأثر باسلوب (نيتشه) الالماني في (هكذا تكلم زرادشت). وعليه فالشاعر المهجري الواعي لهذه الرغبة في المواكبة صار يرى انه اذا لم تكن اللغة قريبة من روح الموقف الذي تعبر عنه، فإن هذا يدل على بطلان القيمة الفنية للشعر. وصار يتجاوز النمط المألوف والمسكوك الى نمط جديد متفتح ومتقدم، شرط ان يتوافق هذا النمط المتقدم والجديد مع اسلوب الشاعر الشخصي، حتى اذا طغى احدهما على الآخر كان التفاوت وكان التنافر وانعدمت الروعة. وبهذا نستيطع ان نقول ان (جبران) واعٍ لحداثة اللغة مثلما وعاها الغرب، فالتحول في اللغة الذي احدثه (جبران) هو شبيه بالتحول الذي احدثه (كولردج) و(وردزورث) في لغة الأدب الانكليزي. واشار (جبران) الى هذا التحول اللغوي، عندما كتب رسالة الى (ماري هاسكل) قال فيها: "لم تكن الطريقة القديمة تعبر عن اشيائي الجديدة. وهكذا كنت أعمل دائماً على ما ينبغي أن يعبّر عنها. ولم اقتصر على صياغة الفاظ جديدة، بل ان ايقاعاتي وموسيقاي كانت جديدة، واشكال التأليف كلها كانت جديدة، وكان عليّ أن أجد اشكالاً جديدة لآراء جديدة". فجبران استطاع ان يحول اللغة الى سياق اكثر تقدماً من خلال تجربته اللغوية، وانه يعي أهمية ان تكون لغته مأنوسة وبسيطة، وتدل كل لفظة منها على معناها وبقوة، وتترك لدى المتلقي رنيناً عذباً.
مفهوم الحداثة في المستوى اللغوي (تتمة): وبعد، يمكننا ان نقول وبجرأة ان (جبران) هو اول من شق حداثة اللغة البسيطة والجميلة في التعبير الشعري المعبر عن خفايا النفس، واستطاع ان يعرضها باسلوب مملوء بالصور، اسلوب رومانسي يحول المجردات الى ملموسات. وكانت كتاباته الشعرية تمثل فتحاً جديداً في لغة الشعر العربي الحديث. واعلن (نعيمة) تمرده على اللغة القديمة، وعلى وجه التحديد في مقالته (نقيق الضفادع) ، التي صب فيها غضبه على ضفادع الادب الذين يكثرون من الوقوقة حفاظاً على قواعد اللغة القديمة. فهو يرى ان "الانسان أوجد اللغة ولم توجد اللغة الانسان. فهي تحيا به لا هو بها، وتتغير بتغيّر أطواره ولا يتغير بتغير أطوارها. هي آلة في يده وليس هو آلة في يدها. أما ضفادع الأدب فيعكسون هذه الآية ويجعلون الأديب، أو ما يدعونه اديباً، آلة في يد اللغة يتكيف بها ولا يكيفها" فنعيمة يعرض الصراع بين المجددين والمحافظين الذين يطلقُ عليهم (الضفادع)، والذين يحولون بين اللغة والنمو، ويجعلون من الكتابة أداة بيد اللغة. ومشكلتهم هي أن الحياة تتقدم وتتطور وهم باقون في دور الجمود والتقليد، واللغة التي يقدسها هؤلاء الضفادع ماهي إلا رموز لا قيمة لها في حد ذاتها، وتأتي اهميتها من باب انها اداة الأدب، وهي الوسيلة التي بوساطتها نصور الافكار والعواطف البشرية. ويربط (نعيمة) بين اللغة وتقدم الحياة معبراً عن رغبته في احداث المواكبة المطلوبة، فيقول: "ان اللغة التي هي مظهر من مظاهر الحياة لا تخضع إلاّ لقوانين الحياة. فهي تنتقي المناسب وتحتفظ من المناسب بالأنسب في كلّ حالة من حالاتها. وكالشجرة تبدل أغصانها اليابسة بأغصان خضراء وأوراقها الميتة بأوراق حيّة. وحين لا يبقى لها في تربتها من غذاء تموت بفروعها وجذورها. ولو تجمهرت كل البشرية لما استطاعت إرجاع الحياة إليها. هكذا ماتت البابلية والآشورية والفينيقية والمصرية وكثير سواها". ونعيمة محق في كلامه هذا، ولكن ما البديل عن اللغة القديمة -الفصحى- التي يتعبد لها هؤلاء الضفادع؟ يضع (نعيمة) بديلاً عن اللغة الفصحى في رأي مستقل في اللغة، فنراه يتمنى ان تأخذ الفصحى عدداً من قواعدها من العامية، فهو يقول: "لست من القائلين بتبسيط الفصحى الى حد ان تصبح ضرباً من العامية المنمقة. ولكنني اقول: ياليت الفصحى تأخذ بعض القواعد عن العامية. فهي لو فعلت ذلك لاستغنت عن الكثير من القواعد التي ما برحت تتمسك بها جيلاً بعد جيل. وماهي غير أوزار ثقيلة ورثتها عن الماضي وفات وقت نفعها من زمان، وقد اشرت الى بعض منها، وانه لمن الخطل الفادح والجهل المطبق ان ننكر على العامية عبقرية تستمدها من حيوية الشعوب الناطقة بها كتلك التي استمدتها الفصحى فيما مضى من حيوية القبائل الناطقة بها" . ان اقتراحه شبيه باقتراح عميدهم (جبران) في اعلاء اللهجة المتداولة وان تحل محل اللغة الموروثة ، لكنه على علم تام ان كلامه هذا ماهو إلا امنية لن تتحقق، لأن الفصحى اسيرة قواعدها الخاصة، ولن تستطيع ان تنزل من برجها العاجي الى الشارع وحديث الشعب. ويعترف (نعيمة) بصعوبة هذا الامر، فيقول: "ونحن لو تفحصنا عبقرية اللغة العامية بتجرد مطلق، لوجدناها اقرب ما تكون من عبقرية اللغة الانكليزية التي هي في هذه الأيام اكثر اللغات حيوية وأوسعها انتشاراً . فالعامية –الانكليزية- قد استغنت عن الاعراب في اواخر الاسماء والافعال، [...] وفي استطاعة العامة ان تتفاهم كل التفاهم بدون هذه الشعوذات اللغوية. ذلك لان العامة جماعة حية تتطور مع تطورات زمانها، فلا مندوحة للغتها من التطور بتطورها، في حين ان الفصحى تعاند ناموس التطور لانها لغة اقوام نزحوا عن الارض منذ مئات السنين فأصبحوا في مأمن من مجاراة الزمان ومقتضيات الأحوال". (نعيمة) اذاً من النقاد والشعراء الذين نادوا بإباحة استعمال اللهجة المتداولة (العامية)، وفي (غرباله) طبّق دعوته تلك عندما دافع عن جبران في قوله (تحمم)، رافضاً القاموس العربي الموروث. ومما ينبغي ان نشير اليه في مسألة تطور اللغة من حال الى اخر، هو ان هذه المهمة لا تقتصر على عبقرية الكاتب او الشاعر او حتى الفلاسفة والمتكلمين، وانما هي عملية شاملة تابعة للتطور العام الاقتصادي والسياسي والعلمي والاجتماعي، ولاشك ان هذا التطور والتقدم هو كفيل بتقدم اللغة وتطورها خطوة الى الامام ومواكبة قوانين الحياة والحضارة. وهذه العملية الشاملة كان (نعيمة) وزملاؤه من المجددين يحملون همها. ولأجل ان يبين (نعيمة) الصراع القائم بين المجددين والمقلدين عرض لنا فكرتين مهمتين ، بقوله: "في الأدب العربي اليوم فكرتان تتصارعان: فكرة تحصر غاية الأدب في اللغة. وفكرة تحصر غاية اللغة في الأدب. وجليّ أن نقطة الخلاف هي الأدب نفسه أو القصد منه. فذوو الفكرة الأولى لايرون للأدب من قصد إلا أن يكون معرضاً لغوياً يعرضون فيه على القارئ كل ما وعوه من صرف اللغة ونحوها، وبيانها وعروضها، وقواعدها وجوازاتها، ومتناقضاتها ومترادفاتها، وحكمها وأمثالها. فشاعرهم من إذا نظم لم يخلّ بتفعيل ولم يتعدّ الروي الواحد. ولم يختر من المفردات غير ما يشكل فهمه إلا على الذين قضوا حياتهم في درس اللغة دون سواها" ثم يقول: "أما انصار الفكرة الثانية الذين يحصرون غاية اللغة في الادب فهم ينظرون قبل كل شيء إلى ما قيل، ومن ثم إلى كيف قيل. لأنهم يرون في الأدب معرض أفكار وعواطف، معرض نفوس حسّاسة تسطر ما ينتابها من عوامل الوجود، وقلوب حية تنثر أو تنظم نبضات الحياة فيها، لا معرض قواعد صرفية ونحوية، وكشاكيل عروضية بيانية. فالفكر، في دينهم، أهم من لغة المفكر. لأنه صادر من بحر الوجود الذي ليست الأرض وكل ما عليها من الشعوب سوى قطرة منه. أما اللغة فمهما اتسع نطاقها وامتدّ نفوذها فلا تتعدى قسماً صغيراً من البشرية . بل مهما عز مقامها لا تتجاوز كونها لباساً للفكر. وأكثر ما يرتجى منها أن تكون لباساً جميلاً. غير أنها ان لم تكن سوى أسمال بالية على فكر جليل فقد تحط من قدر ذاك الفكر نوعاً ولكنها لا تذهب بقوته". ونعيمة يقف بالتأكيد في صف الفكرة الثانية لأنه يرى أن "لا قيمة للغة في نفسها بل قيمتها فيما ترمز إليه من فكر ومن عاطفة" فاللغة عنده ما هي الا وسيلة للافصاح عن الافكار والعواطف، ويقول بذلك: "الفكر كائن قبل اللغة، والعاطفة قبل الفكر. فهما الجوهر وهي القشور". و(نعيمة) مثل (جبران) يعتقد ان الشاعر او الكاتب هو خالق اللغة وهي تحيا على يده، فهو: "سلطان مطلق عندما يجلس لينحت لإحساساته وافكاره تماثيل من الألفاظ والقوافي لأنّه يختار منها ما يشاء". والعلاقة بين الشاعر واللغة هي علاقة التوحد، والتعاون، ومن خلال التوحد والتعاون المتجدد بينهما يمكن ان يؤدي الشعر رسالته كاملة وشاملة. وهذه المصاحبة المتطورة في سبيل ايجاد الحقيقة تصطدم احياناً بعقبات وصعوبات ناتجة عن التعقيد في طبيعة الانسان واللغة. ولما كان الشاعر هو خالق اللغة فهو "يصوغ افكاره وعواطفه في كلام موزون منتظم". واذا غيّر الشاعر في رموز اللغة فليس هناك داعٍ الى القلق والخوف، لأنه واضع اللغة وخالقها. وحاول (نعيمة) ان يجمل رأيه في تطور اللغة وتقدمها في الأدب، برأي قال فيه: "والأدب في دنيا العرب ما بلغ بعد أشدّه، ولن يبلغه حتى تكون لنا امور ثلاثة: 1. لغة سلسة القياد. 2. امة لا تعاني، في جملة ما تعاني، مركب النقص. 3. حرية الكلمة". ويعلق (نعيمة) بعد ذلك على حرية الكلمة التي نعاني منها نحن العرب، فيقول: "وما الذي تخشاه أي عقيدة من حرية الكلمة؟ ان تكن تلك العقيدة من مصدر فوق الانسان فلن تقوى عليها كلمة الانسان. وان تكن من الانسان فللانسان الحق ان يتناولها بالشك والتجريح، والدرس والتحليل ليكيفها بحسب ما يقتضيه تطوره من حالٍ الى حال" وهذا التكيف اسلوب فني في تحقيق المواكبة المطلوبة للتطور، وتلك السلاسة في قيادة اللغة هي بداية التعبير الفني عن ذلك. وقد استطاع (نعيمة) ان يخلق لغة بسيطة في شعره، وكانت لغته اقرب الى خصائص النثر، ويعود ذلك الى رغبته في التعبير عن كل شيء يدور في خلجات نفسه. وكانت لغته قريبة الى حد ما من لغة (جبران) البسيطة والجميلة. وقرب لغته من النثر صار نزعة لازمته طوال حياته الأدبية وقصيدته (ابتهالات) خير مثال يعكس تلك النزعة.
قصيدة اعطني الناي
الخيرُ في الناسِ مصنوعٌ اذا جُبروا و الشرُّ في الناسِ لا يفنى وإِن قُبروا
وأكثرُ الناسِ آلاتٌ تحركها أصابعُ الدهر يوماً ثم تنكسرُ
فلا تقولنَّ هذا عالم علمٌ ولا تقولنَّ ذاك السيد الوَقُرُ
فأفضل الناس قطعانٌ يسير بها صوت الرعاة و من لم يمشِ يندثر
• * *
ليس في الغابات راعٍ لا ولا فيها القطيعْ
فالشتا يمشي و لكن لا يُجاريهِ الربيعْ
خُلقَ الناس عبيداً للذي يأْبى الخضوعْ
فإذا ما هبَّ يوماً سائراً سار الجميعْ * * * أعطني النايَ و غنِّ فالغنا يرعى العقولْ
وأنينُ الناي أبقى من مجيدٍ و ذليلْ
* * *
و ما الحياةُ سوى نومٍ تراوده أحلامُ من بمرادِ النفس يأتمرُ
و السرُّ في النفس حزن النفس يسترهُ فإِن تولىَّ فبالأفراحِ يستترُ
و السرُّ في العيشِ رغدُ العيشِ يحجبهُ فإِن أُزيل توَّلى حجبهُ الكدرُ
فإن ترفعتَ عن رغدٍ وعن كدرِ جاورتَ ظلَّ الذي حارت بهِ الفكرُ
* * *
ليس في الغابات حزنٌ لا و لا فيها الهمومْ
فإذا هبّ نسيمٌ لم تجىءْ معه السمومْ
ليس حزن النفس الاَّ ظلُّ وهمٍ لا يدومْ
و غيوم النفس تبدو من ثناياها النجومْ
* * *
أعطني الناي و غنِّ فالغنا يمحو المحنْ
و أنين الناي يبقى بعد أن يفنى الزمنْ
* * *
و قلَّ في الأرض مَن يرضى الحياة كما تأتيهِ عفواً و لم يحكم بهِ الضجرُ
لذاك قد حوَّلوا نهر الحياة الى أكواب وهمٍ اذا طافوا بها خدروا
فالناس إن شربوا سُرَّوا كأنهمُ رهنُ الهوى وعَلىَ التخدير قد فُطروا
فذا يُعربدُ إن صلَّى و ذاك إذا أثرى و ذلك بالأحلام يختمرُ
فالأرض خمارةٌ و الدهر صاحبها و ليس يرضى بها غير الألى سكروا
فإن رأَيت أخا صحوٍ فقلْ عجباً هل استظلَّ بغيم ممطرٍ قمرُ
* * *
ليس في الغابات سكرٌ من خيال أو مدام
فالسواقي ليس فيها غير إكسير الغمامْ
إنما التخدير ُ ثديٌ و حليبٌ للانامْ
فإذا شاخوا و ماتوا .بلغوا سن الفطامْ
* * *
أعطني النايَ و غنِّ فالغنا خير الشرابْ
و أنين الناي يبقى بعد أن تفنى الهضاب
* * *
و الدينُ في الناسِ حقلٌ ليس يزرعهُ غيرُ الألى لهمُ في زرعهِ وطرُ
من آملٍ بنعيمِ الخلدِ مبتشرٍ و من جهولٍ يخافُ النارَ تستعرُ
فالقومُ لولا عقابُ البعثِ ما عبدوا رباًّ و لولا الثوابُ المرتجى كفروا
كأنما الدينُ ضربٌ من تجارتهمْ إِن واظبوا ربحوا أو أهملوا خسروا * * * ليس في الغابات دينٌ لا ولا الكفر القبيحْ
فاذا البلبل غنى لم يقلْ هذا الصحيحْ
إنَّ دين الناس يأْتي مثل ظلٍّ و يروحْ
* * *
أعطني الناي و غنِّ فالغنا خيرُ الصلاة
و أنينُ الناي يبقى .بعد أن تفنى الحياةْ
* * *
و العدلُ في الأرضِ يُبكي الجنَّ لو سمعوا بهِ و يستضحكُ الاموات لو نظروا
فالسجنُ و الموتُ للجانين إن صغروا و المجدُ و الفخرُ و الإثراءُ إن كبروا
فسارقُ الزهر مذمومٌ و محتقرٌ و سارق الحقل يُدعى الباسلُ الخطرُ
و قاتلُ الجسمِ مقتولٌ بفعلتهِ و قاتلُ الروحِ لا تدري بهِ البشرُ
* * *
ليس في الغابات عدلٌ لا و لا فيها العقابْ
فاذا الصفصاف ألقى ظله فوق الترابْ
لا يقول السروُ هذي بدعةٌ ضد الكتابْ
انَّ عدلَ الناسِ ثلجُ إنْ رأتهُ الشمس ذابْ
* * *
أعطني الناي و غنِ فالغنا عدلُ القلوبْ
و أنين الناي يبقى بعد أن تفنى الذنوبْ
* * *
و الحقُّ للعزمِ و ألارواح ان قويتْ سادتْ و إن ضعفتْ حلت بها الغِيرُ
ففي العرينة ريحٌ ليس يقربهُ بنو الثعالبِ غابَ الأسدُ أم حضروا
و في الزرازير جُبن و هي طائرة و في البزاةِ شموخٌ و هي تحتضر
و العزمُ في الروحِ حقٌ ليس ينكره عزمُ السواعد شاءَ الناسُ أم نكروا
فإن رأيتَ ضعيفاً سائداً فعلى قوم إذا ما رأَوا أشباههم نفروا
* * *
ليس في الغابات عزمٌ لا و لا فيها الضعيفْ
فاذا ما الأُسدُ صاحت لم تقلْ هذا المخيفْ
انَّ عزم الناس ظلٌّ في فضا الفكر يطوفْ
و حقوق الناس تبلى مثل اوراق الخريفْ
* * *
أعطني الناي و غنِّ فالغنا عزمُ النفوسْ
و أنينُ الناي يبقى بعد أن تفنى الشموسْ
* * *
و العلمُ في الناسِ سُـبْـلٌ بانَ أوَّلها امَّا أواخرها فالدهرُ و القدرُ
و أفضلُ العلم حلمٌ إن ظفرتَ بهِ و سرتَ ما بين أبناء الكرى سخروا
فان رأيتَ أخا الأحلام منفرداً عن قومهِ و هو منبوذٌ و محتقرُ
فهو النبيُّ و بُردُ الغَدّ يحجبهُ عن أُمةٍ برداءِ الأمسِ تأتزرُ
و هو الغريبُ عن الدنيا وساكنِها و هو المهاجرُ لامَ الناس أو عذروا
و هو الشديد و إن أبدى ملاينةً و هو البعيدُ تدانى الناس أم هجروا
* * *
ليس في الغابات علمٌ لا و لا فيها الجهولْ
فاذا الأغصانُ مالتْ لم تقلْ هذا الجليلْ
انّ علمَ الناس طرَّا كضبابٍ في الحقولْ
فاذا الشمس أطلتْ من ورا آلأفقِ يزولْ
* * *
أعطني النايَ وغنِّ فالغنا خير العلومْ
و أنينُ الناي يبقى بعد أن تطفى النجومْ
* * *
و الحُرُّ في الأرض يبني من منازعهِ سجناً لهُ و هو لا يدري فيؤتسرُ
فان تحرَّر من أبناءِ بجدتهِ يظلُّ عبداً لمن يهوى و يفتكرُ
فهو الأريب و لكن في تصلبهِ حتى و للحقِّ بُطلٌ بل هو البطرُ
و هو الطليقُ و لكن في تسرُّعهِ حتى الى أوجِ مجدٍ خالدٍ صِغرُ
* * *
ليس في الغابات حرٌّ لا ولا العبد الدميمْ
انما الأمجادُ سخفٌ و فقاقيعٌ تعومْ
فاذا ما اللوز ألقى زهره فوق الهشيمْ
لم يقلْ هذا حقيرٌ وأنا المولى الكريمْ
* * *
أعطني الناي و غني فالغنا مجدٌ أثيلْ
و أنين الناي ابقى من زنيمٍ و جليلْ
* * *
و اللطفُ في الناسِ أصداف و إن نعمتْ أضلاعها لم تكن في جوفها الدررُ
فمن خبيثٍ له نفسان واحدةٌ من العجين و أُخرى دونها الحجرُ
و من خفيفٍ و من مستأنث خنثِ تكادُ تُدمي ثنايا ثوبهِ الإبرُ
و اللطفُ للنذلِ درعٌ يستجيرُ بهِ ان راعهُ وجلٌ او هالهُ الخطرُ
فان لقيتَ قوياًّ ليناً فبهِ لأَعينٍ فقدتْ أبصارها البصرُ
* * *
ليس في الغابِ لطيفٌ لينهُ لين الجبانْ
فغصونُ البان تعلو في جوار السنديانْ
و اذا الطاووسُ أُعطي حلةً كالارجوانْ
فهوَ لا يدري أحسنٌ فيهِ ام فيهِ افتتان
* * *
أعطني الناي و غنِّ فالغنا لطفُ الوديعْ
وأنين الناي ابقى من ضعيفٍ و ضليعْ
* * *
والظرفُ في الناس تمويهٌ وأبغضهُ ظرفُ الأولى في فنون الاقتدا مهروا
من مُعجبٍ بأمورٍ وهو يجهلها و ليس فيها له نفعٌ ولا ضررُ
و من عتيٍّ يرى في نفسهِ ملكاً في صوتها نغمٌ في لفظها سُوَرُ
و من شموخٍ غدت مرآتهُ فلكاً و ظلهُ قمراً يزهو و يزدهرُ
* * *
ليس في الغابِ ظريف ظرفهُ ضعف الضئيلْ
فالصَّبا و هي...عليل ما بها سقمُ العليلْ
انّ في الانهار طعماً مثل طعم السلسبيلْ
و بها هولٌ و عزمٌ يجرفُ الصلدَ الثقيلْ
* * *
أعطني الناي و غنِّ فالغنا ظرفُ الظريفْ
وأنين الناي ابقى من رقيق وكثيفْ
* * *
و الحبُّ في الناس أشكالٌ و أكثرها كالعشب في الحقل لا زهرٌ ولا ثمرُ
و أكثرُ الحبِّ مثلُ الراح أيسرهُ يُرضي و أكثرهُ للمدمنِ الخطرُ
و الحبُّ ان قادتِ الاجسامُ موكبهُ الى فراش من اللذّات ينتحرُ
كأنهُ ملكٌ في الأسر معتقلٌ يأبى الحياة و أعوان له غدروا
* * *
ليس في الغاب خليعٌ يدَّعي نُبلَ الغرامْ
فاذا الثيران خارتْ لم تقلْ هذا الهيامْ
إنَّ حبَّ الناس داءٌ بين حلمٍ و عظامْ
فاذا ولَّى شبابٌ يختفي ذاك السقامْ
* * *
أعطني النايَ و غنِّ فالغنا حبٌّ صحيحْ
وأنينُ الناي ابقى من جميل ومليحْ
* * *
وإن لقيتَ محباً هائماً كلفاً في جوعهِ شبعٌ في وِردهِ الصدرُ
و الناسُ قالوا هوَ المجنونُ ماذا عسى يبغي من الحبِّ او يرجو فيصطبرُ
أَفي هوى تلك يستدمي محاجرهُ و ليس في تلك ما يحلو و يعتبرُ
فقلْ همُ البهمُ ماتوا قبل ما وُلدوا أنَّى دروا كنهَ من يحيي و ما اختبروا
* * *
ليس في الغابات عذلٌ لا و لا فيها الرقيبْ
فاذا الغزلانُ جُنّتْ اذ ترى وجه المغيبْ
لا يقولُ النسرُ واهاً إن ذا شيءٌ عجيبْ
إنما العاقل يدعى عندنا الأمر الغريبْ
* * *
أعطني الناي و غنِّ فالغنا خيرُ الجنون
و أنين الناي ابقى من حصيفٍ و رصينْ
* * *
و قل نسينا فخارَ الفاتحينَ و ما ننسى المجانين حتى يغمر الغمرُ
قد كان في قلب ذى القرنين مجزرةٌ و في حشاشةِ قيسِ هيكلٌ وقرُ
ففي انتصارات هذا غلبةٌ خفيتْ و في انكساراتِ هذا الفوزُ و الظفرُ
و الحبُّ في الروح لا في الجسم نعرفهُ كالخمرِ للوحي لا للسكرِ ينعصرُ
* * *
ليس في الغابات ذِكْرٌ غير ذكر العاشقينْ
فالأُلى سادوا ومادوا و طغوا في العالمين
أصبحوا مثل حروفٍ في أسامي المجرمينْ
فالهوى الفضّاح يدعى عندنا الفتح المبينْ
* * *
أعطني الناي و غنّ و انس ظلم الأقوياء
إنما...الزنبق كأسٌ للندى لا للدماء
* * *
و ما السعادة في الدنيا سوى شبحٍ يُرجى فإن صارَ جسماً ملهُ البشرُ كالنهر يركض نحو السهل مكتدحاً حتى اذا جاءَهُ يبطي و يعتكرُ لم يسعد الناسُ الا في تشوُّقهمْ الى المنيع فان صاروا بهِ فتروا فإن لقيتَ سعيداً و هو منصرفٌ عن المنيع فقل في خُلقهِ العبرُ * * * ليس في الغاب رجاءٌ لا و لا فيه المللْ كيف يرجو الغاب جزءا وعلى الكل اشتملْ
* * *
وغايةُ الروح طيَّ الروح قد خفيتْ فلا المظاهرُ تبديها و لا الصوَرُ
فذا يقول هي الأرواح إن بلغتْ حدَّ الكمال تلاشت و انقضى الخبرُ
كأنما هي...أثمار إذا نضجتْ و مرَّتِ الريح يوماً عافها الشجرُ
و ذا يقول هي الأجسام ان هجعت لم يبقَ في الروح تهويمٌ و لا سمرُ
كأنما هي ظلٌّ في الغدير إذا تعكر الماءُ ولّت ومَّحى الاثرُ
ضلَّ الجميع فلا الذرَّاتُ في جسدٍ تُثوى و لا هي في الارواح تحتضرُ
فما طوتْ شمألٌ أذيال عاقلةٍ إلا ومرَّ بها الشرقي فتنتشرُ
* * *
لم أجدْ في الغاب فرقاً بين نفس و جسدْ
فالهوا ماءٌ تهادى و الندى ماءٌ ركدْ
و الشذا زهرٌ تمادى .و الثرى زهرٌ .جمدْ
و ظلالُ الحورِ حورٌ ظنَّ ليلاً فرقدْ
* * *
أعطني النايَ و غنِّ فالغنا جسمٌ وروح
وأنينُ الناي ابقى من غبوق وصبوحْ
* * *
و الجسمُ للروح رحمٌ تستكنُّ بهِ حتى البلوغِ فتستعلى و ينغمرُ
فهي الجنينُ وما يوم الحمام سوى عهدِ المخاض فلا سقطٌ و لا عسرُ
لكن في الناس أشباحاً يلازمها عقمُ القسيِّ التي ما شدَّها وترُ
فهي الدخيلةُ والأرواح ما وُلدت من القفيل و لم يحبل بها المدرُ
و كم عَلَى الارض من نبتٍ بلا أَرجٍ و كم علا الأفقَ غيمٌ ما به مطرُ
* * *
ليس في الغاب عقيمٌ لا و لا فيها الدخيلْ
إنَّ في التمر نواةً حفظت سر النخيلْ
و بقرص الشهد رمزٌ عن فقير و حقولْ
انما العاقرُ لفظ صيغ من معنى الخمولْ
* * *
أعطني الناي و غنِّ فالغنا جسمٌ يسيلْ
و أنينُ الناي أبقى . من مسوخ و نغولْ
* * *
و الموتُ في الأرض لابن الارض خاتمةٌ و للأثيريّ فهو البدءُ و الظفرُ
فمن يعانق في أحلامهِ سحراً يبقى و من نامَ كل الليل يندثرُ
و من يلازمْ ترباً حالَ يقظتهِ يعانقُ التربَ حتى تخمد الزهرُ
فالموتُ كالبحر , مَنْ خفّت عناصره يجتازه , و أخو الاثقال ينحدرُ
* * *
ليس في الغابات موتٌ لا و لا فيها القبورْ
فاذا نيسان ولىَّ لم يمتْ معهُ السرورْ
إنَّ هولَ الموت وهمٌ ينثني طيَّ الصدورْ
فالذي عاش ربيعاً كالذي عاش الدهورْ
* * *
أعطني الناي وغنِّ فالغنا سرُّ الخلود
و أنين الناي يبقى .بعد أن يفنى الوجود
* * *
أعطني الناي وغنِّ وانسَ ما قلتُ و قلتَ
انما النطقُ هباءٌ فأفدني ما فعلتَ
هل تخذتَ الغاب مثلي منزلاً دون القصورْ
فتتبعتَ السواقي و تسلقتَ الصخورْ
هل تحممتَ بعطرٍ و تنشفت .بنورْ
و شربت الفجر خمراً في كؤُوس من أثيرْ
هل جلست العصر مثلي .بين جفنات العنبْ
و العناقيد تدلتْ كثريات الذهبْ
فهي للصادي عيونٌ و لمن جاع الطعامْ
وهي شهدٌ و هي عطرٌ و لمن شاءَ المدامْ
هل فرشتَ العشب ليلاً و تلحفتَ الفضا زاهداً في ما سيأْتي ناسياً ما قد مضى
و سكوت الليل بحرٌ موجهُ في مسمعكْ
وبصدر الليل قلبٌ خافقٌ في مضجعكْ ا
أعطني الناي و غنِّ و انسَ داًْ و دواء
إنما...الناس سطورٌ كتبت...لكن بماء
ليت شعري أي نفعٍ في اجتماع وزحامْ
و جدالٍ و ضجيجٍ واحتجاجٍ وخصامْ
كلها أنفاق خُلدٍ و خيوط العنكبوتْ
فالذي يحيا بعجزٍ فهو في بطءٍ يموتْ * * *
العيشُ في الغاب و الأيام لو نُظمت في قبضتي لغدت في الغاب تنتثرٌ
لكن هو الدهرُ في نفسي له أَربٌ فكلما رمتُ غاباً قامَ يعتذرُ
و للتقادير سبلٌ لا تغيرها و الناس في عجزهم عن قصدهم قصروا
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم
|