انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

عصر النهضة والبارودي

Share |
الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 4
أستاذ المادة صفاء عبيد حسين علي       19/12/2012 10:04:48
النهضة العربية وأثرها في أدب العصر الحديث
لم يخل التاريخ العربي من ومضات قومية نهضوية اضاءت على الانسانية بمبادئها وتطلعاتها وقيمها من اجل مجتمع المساواة والعدل والحرية. وكان ذلك بعدما اخذت البلاد العربية تشعر بضرورة توحدها القومي وتبيان شخصيتها القومية اما بدافع تاريخها وحضارتها وتراثها وإما بدافع وجود بعض الاقليات الدينية العربية كالمسيحيين السوريين الذين قاموا يطالبون بالاستقلال منطلقين من الوحدة القومية العربية هرباً من البطش التركي بينما كانت طبيعة العصر وجميع الامم تتجه الى تكوين دولها على اساس قومي، ولقد سمي القرن التاسع عشر بعصر القوميات تبعاً لذلك. ولا غرابة ان تكون فكرة القومية في العالم العربي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمسألة الحرية والديمقراطية لما آلت اليه اوضاع الحاكمين من التعسف والظلم على العرب وكل افراد الرعية.
كان الوضع السياسي في البلاد العربية يسوده نوع من الظلام في المراحل الاولى لعصر النهضة العربية، وفي المراحل التالية بدأت فيها اليقظة العربية تتنامى وتتصاعد كانت اكثر وعياً واوضح مساراً مما كانت عليه سابقاً وبخاصة بعدظهور عدد كبير من الرواد في المجالات المختلفة وفي مقدمتها المجال الفكري الذي يمدّ ظلاله على الكثير من المواقف السياسية وعلى التطورات الاجتماعية، وكان من الصعوبة الفصل بين السياسة والاجتماع والثقافة لان النهضة العربية في هبوبها كانت تحدث نوعاً من الانسجام بين هذه العناصر الثلاثة.

ان الوضع الاجتماعي كان سيئاً نتيجة الفقر والجهل والامراض وسوء الاحوال الاجتماعية وكانت علاقة القرية العراقية علاقة اقطاعية متأخرة وعاش الناس ظروفاً صعبة وغير صحية في اكواخ وزرائب ضيقة من الطين وذلك ادى الى بروز ابناء العائلات والمتنورين وزعماء العشائر والاقطاعيين في مصدر الحركة الاستقلالية ضد الدولة العثمانية وقيادة النضال ضد الاحتلال البريطاني ومن بعده قيادة ثورة العشرين. وقد صور الشاعر احمد الصافي النجفي تلك الحالة في قوله:
كم كَثَرَ الفقراءَ ظلمُ ذوي الغنى لم يكثرِ الفقراءَ حكمُ الباري
كم عاش قومٌ منطوى قومٍ وكم عَمَرتْ ديارٌ من خرابِ ديار
كم مجتنٍ ثمراً ولم يغرسْ وكم من غارسٍ لم يجن من أثمار
أغنيُّ تسخرْ بزفرةِ بائسٍ كم من دخانٍ منذرٍ بالنار
وعمت الرشوة وانتشر اللصوص وكثرت الجرائم وتفاقمت الفوضى والفتن وتعكر صفو الأمن وفرضت الاتاوات والضرائب حتى اصبح الشعب جاهداً مريضاً فقيراً متخاذلاً خنوعاً.
رفقاً بنفسك ايها الفلّاح تسعى وسعيك ليس فيه فَلاح
حتى مَ ياهذا لسانُك ألكذُ والى مَ ألسنةُ الطغاةِ فِصاح

وقد شعر الادباء والشعراء والمفكرون بان عليهم ان يعبّروا عن هذا الواقع. وحاولوا رفع شأنه وخلق شعب قوي صحيح غنيّ مثقف لانهم من الشعب وقوة الشعب تأتي من قوة افراده.
يقول الصافي مصوراً ذلك:
تمشي الشعوب الى الامام وكم بنا قومٌ مشوا للخلف مشيةَ راجع
ياشرقُ حتى في نهارك نائـــمٌ والغربُ طول الليل ليس بهاجع

وساعدت المعتقدات العامة عند الناس على المكوث في هذا الجو القاتم واضعفت المنطق والعقلانية وقوّت عنصر التضخم والتهويل والمبالغة فيها والايمان بالسحر والعرافات وبالعفاريت والخرافات لذلك يقول الصافي:
ورحت ابكي على عهد تطمئنني فيه خرافاتِ أمّاتٍ وجدّات

ومن ملامح الضعف الذي ساد فيالبلاد العربية ارتباط علاقات الآباء بالابناء بمجدودية التفكير والايمان العميق كما هي مرتبطة بنمط الحياة الرعوية. صحيح ان هذه العلاقة يجب ان تكون قائمة على الاحترام بينهما والتزام الابناء بالاخلاق وفي طليعتها الاحترام ولكن لا يجب ان تصل الى حدّ التقديس الحالة التي فرضها النهج السائد في زمانهم وهو نهج العلاقات الاقطاعية وهو بمثابة شيخ عشيرة يتصرف بشؤونها كما يراه هو مناسباً لتقاليد العشيرة أو مصلحتها وذلك يعني ان الأب هو المرجع الاول والاخير يزوج بنيه او بناته حسب رغبته وليس حسب رغبتهم.
عوامل النهضة:
حمل العرب والمسلمون مشعل الحضارة فترة من الزمان، ولم تكن النهضة الأوربية الحديثة إلاّ أثر من آثار هؤلاء الذين تحملوا الأمانة كاملة في نشر دعوة الإسلام فكانت أعظم حضارة يمكن أن تنهض ببنى الإنسان في كل زمان ومكان.
ظلت الأمة العربية تعاني من الحكم التركي زهاء ثلاثة قرون، وكانت معاناة حافة بشتى ألوان الفقر والجهل والمرض، حتى جاء الوقت الذي أصيبت فيه الدولة العثمانية بالضعف والتفكك، وكانت الفرصة سانحة لأن تتجه إليها أنظار الأوربيين الاستعماريين لاقتسام تركة الخليفة العثماني (تركة الرجل المريض).
كانت فرنسا أسرع البلاد الأوربية في حملتها على مصر بقيادة نابليون بونانرت (1213هـ-1798م)، ووجه الفرنسيون ضربتهم مركزين على القاهرة والجامع الأزهر، ودخل الفرنسيون هذا الجامع العتيد بخيولهم وخربوا خزائن الكتب فيه وأعدموا عدداً من زعماء المقاومة الذين وقفوا في وجه الاحتلال.
وكانت انتباهة الشعب العربي المسلم في مصر اثر انتهاء الحملة الفرنسية التفت خلالها إلى ما أحضره الفرنسيون معهم من مظاهر الحضارة والمدنية- وقد كان نابليون يطمع في أن تكون مصر امتداداً للإمبراطورية الفرنسية- فكان أول تطلع الشعب المصري هو أن يحكم نفسه بعيداً عن حكم المستعمرين وأن يأخذ بأسباب العلم والحضارة والرقي ما يساعده على بلوغ مأربه.
ومنذ ذلك الوقت أتيحت الفرصة لمصر لتنهض من جديد، وتتبوأ مركزها بين أمم العالم المتمدن.وكان حماس شعب مصر وأخذه بأسباب التقدم والنهوض أكبر من تأثره بتنكر محمد علي لهذا الشعب الذي والاه. وكانت تلك الفترة تعد بدء عصر النهضة العربية الحديثة التي بدأت بمصر وانعكاس أثرها على الحياة الأدبية العربية في العصر الحديث.
ويكمن وراء النهضة الأدبية في العصر الحديث عوامل منها دور الأزهر الرائد في المنطقة العربية والإسلامية، فهو الذي حفظ العلوم الإسلامية واللغة العربية أكثر من ألف عام من الضياع والاندثار، وهو الذي حفظ للأدب العربي رونقه وبهاءه في شتى البلاد العربية والإسلامية. كما كان الأزهر وراء كل خطوة من خطوات الإصلاح والنهوض في شتى مجالات الحياة، مما كان له أثره في الحياة الأدبية في العصر الحديث.
ففي مجال إحياء التراث ونتيجة لتلك اليقظة والوعي فقد أحس كثير من المثقفين بوجوب إبراز عظمة أمتهم وإشراق تاريخهم وأصالة تراثهم، وأن أمة العرب لم تكن ترضى أن تعيش عالة على الغرب وحضارته، بل الغرب هو الذي كان عالة على أمة العروبة والإسلام وحضارتها. لهذا كان اتجاه الطبقة المثقفة إلى التراث القديم والإسلامي الزاخر بكل عوامل النهوض والرقي في كل مجالات الحياة.
أما في مجال الترجمة والتأليف فيعد رفاعة الطهطاوي من الرواد الأوائل وكانت الفرصة سانحة له عندما أرسله محمد علي إماماً لأول بعثة مصرية إلى فرنسا، فتعلم الفرنسية وأتقنها، وقام بترجمة أكثر من عشرة مؤلفات بين كتاب ورسالة، وبدأ في تأليف كتابه (تخليص الإبريز إلى تلخيص باريز) وموضوعه حول حضارة الغرب وأهمية التعرف عليها في مجال التقدم والرقي ومدى احتياج الشرق إلى هذه الحضارة.
وفي مجال إيفاد البعثات العلمية، لتكون نواة للحركة العلمية والفكرية والنشاط الأدبي في هذه النهضة العربية الحديثة، كان الأزهر في الطليعة في إيفاد تلك البعثات من خلال طلب محمد علي من الشيخ العطار اختيار أحد علماء الأزهر ليكون إماماً للبعثة الأولى إلى أوربا فوقع الاختيار على الشيخ الطهطاوي الذي أظهر الجهد والنشاط والحماسة لدفع عجلة النهوض إلى الأمام.
وفي مجال النهضة العلمية وإنشاء المدارس على اختلاف اتجاهاتها، يبرز دور الأزهر في دعم المدارس ومدها بالطلاب الذين كانوا نواتها، إذ من المعروف أن النهضة بدأت منذ عصر محمد علي، ولم يكن الناس وقتها يفتحون عيونهم إلاّ على الأزهر حارساً وحريصاً على العربية وعلوم الدين، ثم ظهرت الحاجة إلى العلوم المدنية، فأنشأ محمد علي في سنة 1825 مدرسة حربية إعدادية واختار تلامذتها أول الأمر من المماليك ومن غير المصريين فلم يفلحوا، فالتفت إلى المصريين وعلى رأسهم أبناء الأزهر، ثم أنشأ في العام التالي مدرسة للطب في أبي زعبل، وكان طلاب هذه المدرسة من المصريين وغيرهم، واختير أكثرهم من بين نوابغ الطلاب في الأزهر. وكان التوسع في المدارس ومعاهد العلم على اختلاف اتجاهاتها مدعاة لاتصال البلاد وبخاصة أهل الثقافة والمعرفة فيها بالجديد المفيد من أسباب العلم والمعرفة المتصلة بالحياة وحاجات العصر.
وكانت الصحافة من أبرز المجالات التي ظهر فيها أثر الأزهر ونشاطه من أجل النهضة العربية والإسلامية الشاملة. وقد كانت العناية بالصحافة منذ أن أحضر نابليون معه في حملته مطبعة عربية بقصد أن يصدر بها النشرة المعروفة بـ(التنبيه) والتي لم تصر فعلاً. وكان الذي صدر بالفعل هو (سلسلة التاريخ) التي حررها الشيخ إسماعيل الخشاب. وبعد خروج الحملة الفرنسية من مصر اشترى محمد علي مطبعتهم التي كانت نواة مطبعة بولاق الشهيرة التي شاركت في نهضة الصحافة في العصر الحديث.
ومن أسباب النهضة الأدبية في العصر الحديث إنشاء دور الكتب والمكتبات العامة، فقد كانت الكتب الثمينة وخاصة كتب التراث مبعثرة في المساجد يتولى أمرها أناس لا يقدرونها ولا يدركون مدى أهميتها للنهضة الفكرية والثقافية في البلاد، ففرطوا فيها وتسرب كثير من كنوزها العلمية والأدبية إلى مكتبات أوربا والعالم كله، حتى صار عصر إسماعيل، فأسست الحومة دار الكتب، وجمعت هذه الكنوز المبعثرة في المساجد والتكايا والزوايا وغيرها، وضمت إليها ألفي كتاب اشترتها من مكتبة حسن باشا المانسترلي بعد وفاته، كما ابتاعت الحكومة ما يزيد على ثلاثة آلاف كتاب مكتبة الأمير مصطفى فاضل شقيق الخديوي إسماعيل الذي كان من أكبر هواة الكتب في الشرق، وضمت هذه الكتب إلى دار الكتب، فكان نواة لهذه المؤسسة الكبرى التي أخذت بعد ذلك في النمو والازدياد، حيث استجلب لها الكتب من الشرق والغرب، وضم إليها المكتبات الكبرى التي كان يمتلكها كبار المفكرين والعلماء أمثال مكتبة العلامة أحمد تيمور وغيرها.
كما كان لاتصال الثقافتين العربية والغربية عن طريق المستشرقين أثره الفعال كذلك في النهضة الأدبية الحديثة. والمستشرقون جماعة من علماء الغرب تخصصوا في لغات الشرق وآدابه، كما عنوا بدراسة دياناته وتاريخه وعلومه وكل ما يتصل بعاداته وتقاليده وحضارته. وقد اتسع نشاطهم وتعددت المجالات التي ظهر فيها نشاطهم، وكان من أوجه هذا النشاط تأسيس الجمعيات الآسيوية، ومن أشهرها: الجمعية الآسيوية الملكية في لندن، والجمعية الآسيوية في فرنسا، ولكل من الجمعيتين مجلة تعنى بالأبحاث الشرقية والإسلامية والعربية، وقد أنشأت هذه الجمعيات والمعاهد الشرقية أساساً لدراسة شؤون المستعمرات ومعرفة لغاتها وتاريخها، ومن جهود هذه الجمعيات نشر المخطوطات وترجمة بعض نصوصها، وطبع بعض الكتب التي لم يسبق نشرها.وعقد المؤتمرات الدورية في المدن الكبرى لإلقاء البحوث الشرقية والإسلامية، ويدعى إلى هذه المؤتمرات كبار المستشرقين وعلماء الشرق، ويطلع الجميع على ما قامت به الجماعات العلمية والثقافية من جهود في ميدان العلم والثقافة.
وعنى المستشرقون جمع نفائس المخطوطات والإفادة من كنوزها الدفينة وبناء حضارتهم على أساس منها. وبلغت هذه المهمة ذروتها إبان محنة المسلمين في الأندلس، وفي أيام الحروب الصليبية.
كان للنهضة في بلاد الشام أثرها في النهضة الأدبية في العصر الحديث ، وإن كانت هذه النهضة لم تعم البلاد إلاّ في الربع الثاني من القرن التاسع عشر، حين أسست مدرسة (عينطورا) سنة 1834 في لبنان، والتي تعلم فيها عدد من زعماء النهضة اللبنانية في العصر الحديث. ثم تتابعت المدارس في لبنان، ومن أوائل هذه المدارس مدرسة (عبية) سنة 1847 والتي أنشأها الدكتور الأمريكي (فانديك) مبشراً بالدين المسيحي والمذهب البروتستانتي، ثم كانت المدرسة الوطنية للمعلم بطرس البستاني سنة 1863 وكانت تتميز بصبغتها الوطنية والحركة الدينية. أما أقدم المدارس الإسلامية فكانت كلية المقاصد الخيرية الإسلامية سنة 1180هـ/1766م. أما التعليم العالي في لبنان فكان يتمثل في الكلية الأمريكية في بيروت والكلية اليسوعية، وكلتا الكليتين تهتم بجانب الدراسات العلمية بالدراسات الأدبية والآثار.
كذلك أخذت النهضة في سوريا تشق طريقها أيضاً، وإذا كان الباعث على إنشاء المدارس في مصر الرغبة في النهوض بالبلاد وإحياء آداب اللغة العربية وبعث التراث الإسلامي من جديد، فإن الباعث في سوريا كان منافسة البعوث الدينية التبشيرية، إذ أحس الأتراك- بعد أن رأوا أن مصر ولبنان قد سارتا خطوات واسعة في درج النهضة العربية- بضرورة الاهتمام بالتعليم في سوريا والقضاء على مظاهر التأخر العلمي الذي كان سائداً هناك، ثم أسسوا في أخريات أيامهم مدرسة الحقوق، كما أنشئوا مدرسة التجهيز والمعلمين سنة 1304هـ/1882م.
ونتيجة لاضطهاد أهالي لبنان من قبل الأتراك، فقد لجأ كثير من المهتمين بالأدب في لبنان إلى مصر، وكان من أشهرهم جورجي زيدان وطانيوس عبدة وأديب إسحاق ويعقوب صروف وأحمد فارس الشدياق وغيرهم. وكان لظهور الطباعة في سوريا ولبنان وقيام الجمعيات العلمية والخطابية في سوريا والتوسع في إقامة المكتبات، كان له أثر كبير في نهضة علمية وأدبية في بلاد الشام، شاركت بشكل واضح مع النهضة العلمية والأدبية في مصر، وساعدت على ظهور تلك النهضة في العالم العربي الحديث.
كانت كل هذه الظواهر في حقيقة الأمر تمهيداً أو تهيئة لحركات البعث التي كان رائدها الأول الأديب محمود سامي البارودي.
والانبعاث يعني بعث بالقياس الى صورة الشعر العربي القديم لان هذا الشعر كان قد بلغ مبلغه من الكمال والقوة في عصور خلت. وقد سميت بمرحلة الانبعاث ،لانها حملت الى الجديد من العربية ما كان في طيات النسيان.وحملت على عاتقها بعث المعاني الشعرية من عاطفة ومشاعر ووجدان.وبعث الطرق الماضية في الاداء الفني الشعري بعدما تحول عنه الاذواق بدافع الافراط في التصنع والتكلف ثم قصرت عن فهمه الطباع وضعفت اللغة.وبعث اللغة نحو التدرج والانفتاح والاقتراب من سلامة الطبع والبعد عن غثاثة النظم العروضي الثقيل.ومن شعراؤها: اسماعيل صبري/ محمد عبد المطلب/ مارون عبود/ ناصيف اليازجي/ شكيب ارسلان.
أما خصائصها:فمرحلة الانبعاث صححت مفهوم الشعر ووضعت الشاعر على الطريقة السليمة كما حملت المجتمع الى تغيير نظرته في هذا الشعر، فبعد ان كان شعر تكسب أو شعر مناسبات او شعراً ينحصر في البيوتات والأُسر اصبح مع البارودي وغيره يحمل مفهوماً جديداً من تفسير مفهومه او تجديده.
وتخلصت هذه المرحلة من الركاكة والاسفاق والابتذال ومن تصنع النظم وهشاشته وألاعيبه الى عوالم اخرى من التعبير عن الذات وسمو الهدف والانصراف الى قضايا ترفع من قيمة الشعر في معناه.
وانها التزمت هذه المرحلة بالتراث الشعري العربي القديم وحذت حذوه وقلّدته في شؤون كثيرة وبخاصة في معانيه وطرقه واساليبه وتراكيبه وصوره وحياته وموضوعاته.
واصبح الشعر اكثر التزاماً بالواقع واكثر انسانية في تعبيره عن المصطنع عن الاحاسيس وعن قضايا الثورة والوطن والقوم والمجتمع.
كما استفاد الشعر من المعطيات الحضارية الجديدة والتلقيح المتبادل بين القديم والجديد وبين الجديد العربي والوافد الغربي كما استفاد من التجارب الكتابية المختلفة وبخاصة النثرية.
وقد خاضت المرأة في التجربة الشعرية في هذه المرحلة وقد شكّلت اشعار عائشة التيمورية ووردة اليازجي ورباب الكاظمي منطلقاً لادب المرأة عرف أصداءه في هذا الدفق الكبير من الأدب النسائي الذي جاء فيما بعد.

صور من النماذج الأدبية في عصر النهضة (البارودي أنموذجاً)
محمود سامي البارودي:
ولادته ونشأته: 1255هـ - 1839 في ايتاى البارود احدى بلاد محافظة البحيرة واليها يُنسب.
*مات ابوه وهو في السابعة من العمر.
*صقل الحزن نفسه وجعلها اكثر صفاء واكثر رقة.
مضى وخلّفني في سنِّ سابعةٍ لا يَرهَبُ الخصمُ إبراقي وإعادي
اذا تلفتُّ لم ألمح أخــا ثقةٍ بأوي إلىّ ولا يسعى لا نجادي
فالعينُ ليس لها من دمعها وَزَرٌ والقلبُ ليس له من حزنه فادي

*كفلته امه، واحضرت له المعلمين يلقنوه القرآن وشيئاً من الفقه الاسلامي والتاريخ والحساب والشعر وتلك دلالة الى ان الثقافة العربية الاسلامية كانت هي الثقافة التي تجلها اسرة البارودي.
* كان من حسن الحظ لشعرنا الحديث ان اسرة البارودي لم تتجه به الى التعليم الديني (الازهر) ولا المدني (التجهيزي).
* كان متذوقا للشعر القديم حافظا له مرة ومرددا له مرة أخرى وبذلك أتيح له أن يعاشر الشعراء القدماء في سن مبكرة.
وصف البارودي شعره فقال: ليس فيه من تعقيد الفكرة ولا من القضايا المنطقية والمعاني المتوغلة في العمق، والآراء الفلسفية. لقد رأى أن وظيفة الشعر (تهذيب النفوس وتدريب الأفهام وتنبيه الخواطر إلى مكارم الأخلاق).
الشعر عند البارودي ومضات تلمع في سماء الخيال، وتأتي هذه الخطرات الخيالية غير متصل ولا مرتبط بعضها ببعض في حلقة متماسكة أو قصة محبوكة الأطراف، أو خيال ممتد طويل في ملحمة من الملاحم . كما رأى البارودي أن الشعر الجيد يتميز بوضوح معانية، وحسن تأليف عباراته، وهذه كلها صفات الشعر الغنائي كما فهمها العرب، وقد التزم البارودي هذا المذهب في ديوانه، ولم يخرج عنه إلاّ نادراً.
كان البارودي مطبوعاً على قول الشعر، لا ينتزعه انتزاعاً ولا يتعسّف في نظمه، بل تشعر بأن شعره يجري في رفق وهوادة ولين، غير قلق ولا مضطرب أو متكلف، إذ كان البارودي مؤمناً بأن الفن تهذيب وصقل وتحسين مستمر، لذلك كان يتعهد شعره بالتهذيب والرعاية. وهو يتخير الألفاظ المناسبة للمعاني، فيرق ويلطف في مقام الرقة واللطف، ويجزل شعره ويجلجل لفظه ويشتد أسره حين ينشد في الحماسة والفخر.
إن سر قوة هذا الشاعر يكمن في طبعه، وهذا الطبع هو الذي حرّكه منذ الصغر لقول الشعر والتمييز بين أساليب القدماء، ثم تنوعت مرئيات الطبيعة أمام البارودي ووجد في أفاقها الرحبة ما يساعده في تقوية ملكة البلاغة في نفسه، حتى خرج شعره منذ وقت مبكر متيناً رقيق الحواشي منبئاً عن هذا الطبع السليم والذوق المستقيم.
عدّ النقاد البارودي حاملا لواء الشعر الحديث،لأنه كان بظهوره إيذانا بتحرر الشعر العربي من أثقال القيود البديعية من تضمينات وتخميسات وتشطيرات وغير البديعية التي رزح تحتها أجيالا طويلة بعدما ظل الشعراء مترددين بين الصورة العثمانية والصورة القديمة. كما كان إيذانا بتحرر الشعر العربي من الأغراض المتبذلة التي كانت تخنق روحه ولاتبقي فيه بقية المعنى أو أسلوب رصين أو عاطفة صادقة . ونقصد أغراض المديح والتهاني والتقريظ والتغرية .ولأنه بعث في العربية الخالصة بعدما فسدت الأذواق والقرائح وعمت فيه التعبيرات الركيكة المتبذلة والمعاني السقيمة المرددة وإيثار القامة فوثب به وثبة قوية من هوته التي كان يتردى بها .وقد وجد القائد الرائد الذي مهد الطريق للشعراء الشباب في إشاعة الأساليب الناصعة في الجزالة والرصانة حيناً وفي العذوبة والنعومة حيناً آخرا .ولصدق التجربة الشعرية واستخدام العناصر التقليدية في التعبير عن أحاسيسه وإلغاء الحواجز التي كانت تحجز بينه وبين أسلافه الذين نظموا روائع الشعر الخالدة . وهو إلغاء هّيأ لان تشتعل في نفوسنا من حديد عروبتنا بنفس الأحاسيس والمشاعر التي كانت قد توارث بالحجاب وسرعان مااضطربت في نفوس الشعراء من بعده .وللروعة التصويرية في تسجيل الأحداث والمشاهد الكبيرة (الحسية والنفسية) تصويرا ينبض بالحركة الحيوية الدافقة وذلك دليل على غنى خياله وقوة استحضاره وحدة فطنته وعمق إحساسه للروح المنبثة في الكائنات من حوله .وللروعة الموسيقية في احتفاظه بخصائص العبقرية الموسيقية لشعرنا العربي في آياته القديمة الخالدة التي حفرت ألحانها في ذاكرة الزمن . .وكانت هذه العبقرية قد غشيتها ظلمة العصر العثماني البغيض وأقصيت عن الشعراء وراء أستار مضطربة أسدلتها البديعيات والمخمسات والتاريخيات .فقد احكم البارودي صياغة شعر أحكاما بحيث لاتسمح فيها عوجاً ولا انحرافا كما احكم أنغامه وألحانه قصرت أو استطالت بحيث لاتسمح فيها نبوّا ولا شذوذاً إنما تسمع الرنين الضخم حيناً والنغم الشجي حيناً ،يقول البارودي:
زمزمي الكأس وهاتي واسقينها يامهاتي
وامزجيها برضاب منك معسول اللهاة
إنما الراح مدارُ الــ في كل الجهات

أين تكمن شاعرية البارودي؟ يبدأ الشعر مع البارودي تثبيت مرحلة البعث،وهو من الذين عملوا على تحرير الشعر من ركوده.ولقد استند الى أساليب الشعر الجاهلي وبالتالي تجربته في المجال السياسي،فكان عمله يتمثل بـ : 1 - موهبة فذه يصرف بها أزمة الشعر كما تشاء له مشاعره وخياله وإرادته الفنية .
2- اختلاطه بيئة مصر مما اثر في نفسيته لابما تعلق به قلبه بمشاهدها الطبيعية ونعيمها بل ايظاً بتاريخها وأمجادها الماضية وإحداثها السياسية والقومية بحي غدا شعره صورة لها وكأنه أصبح روحها الناطقة بكل ما ازدحم بها بالقرن الماضي من أمجاد فرعونية وما تمثل بعمق الآن من عروبة ..
3- إدمانه على قراءة النماذج القديمة لشعراء العصر العباسي الممتازين ومن وراءهم من شعراء العصرين الإسلامي والجاهلي..
4- تمكنه من أسرار اللغة العربية وتراكيبها فاحكم طبيعة الشعر القديم وأرهق ذوقه . حتى قال (إن الشعر لمعة خيالية يتألق وميضها في سماوة الفكر فتنبعث أشعتها إلى صحيفة القلب فيفيض بلالاها نوراً تصل خيطه بأسلة اللسان فينبعث بألوان في الحكمة ينبلج بها الحالك ويهتدي بدليلها السالك وخير الكلام ما ائتلف ألفاظه وائتلف معانيه)
5- مراجعة المنظوم والمعاودة إليه بالصقل والتنقيح فيغير ويدل فيه حتى تستحكم استحكاما..
6- رد الشعر إلى ألفاظه الجزلة وتراكيبه الصحيحة بعدما أوشكت عواطف كثيرة أن تعصف بالعربية من بديع سقيم وعامية مفرطة وبذلك كان شعره قد احتوى لنفسه الشعر القديم في صورة العصر الجديد في اللغة والديباجة والموضوعات والمعاني..
7- كانت صلته باللغتين الزكية والفارسية الأثر الكبير في توهج جذوة الشعر البارودي فتراه يمزج بين الحب والخمر على طريقة الشيرازي شاعر الفرس الصوفي المشهور.

أغراض الشعر عند البارودي:
الأغراض التقليدية:
طرق البارودي من أغراض الشعر ما طرق القدماء، وابتدأ حياته الشعر مقلداً لأسلوب القصيدة العربية، حيث يبدأ بالوقوف على الأطلال:
ألا حي من أسماء رسم المنازل
وإن هي لم ترجع بيناً لسائل

خلاء تعفّتها الروامس والتقت
عليها أهاضيب الغيوم الحوامل

ومن الواضح أن هذا الضرب من الشعر لا يمثل عصره ولا الحضارة التي يعيش فيها، ولكنه يأتي به محاكاةًُ للقدماء، وكان من الطبيعي أن يعدل البارودي فيما بعد عن هذا المذهب في الأعم الأغلب من قصائده.
ومن الأغراض التي قال فيها البارودي كما قال القدماء: الرثاء.. ولكنه لم يرثِ إلاّ قريباً أو صديقاً، وهو في رثائه صادق الشعور يتمثل كل ما يخطر ببال الراثي من توجع وشكوى وإظهار لمحاسن المرئي والتأسي ببعض الحكم وتقديم العزاء لأهل الميت. وتعد من أروع مراثيه تلك التي قالها في ابنه علي، ومنها:
كيف طوتك المتون يا ولدي
وكيف أودعتك الثرى بيدي

وا كبدي يا علي بعدك لو
كانت تبل الغليل وا كبدي

كذلك من الأغراض التقليدية التي قال فيها البارودي المديح، وقد قصه على ولاة مصر، وشعره في هذا الفن قليل جداً، وهو لا ينسى في مديحه مصر موقف الوالي منها، ويسدي إليه النصح، وكان مدح البارودي شكراً على نعمة أسديت له، لا تملقاً وطلباً لعطاء، فيقول لإسماعيل مثلاً:
فاسمع مقالة صادق لم ينتسب
لسواك في أدب ولا تهذيب

أوليته خيراً فقام بشكره
والشكر للإحسان خير ضريب

كذلك افتخر البارودي على عادة الشعراء الفرسان أو القدامى بوجه عام ممن كان لهم باع في هذا المجال، ومن فخره قوله:
إذا أنا لم أعط المكارم حقها
لا فلا عزني خال ولا ضمني أب

خلقت عيوفاً لا أرى لابن حرة
عليّ يداً أغضى لها حين يغضب

أما الحكمة فللبارودي فيها مجال كبير، حيث أكثر منها على عادة كبار الشعراء في الأدب العربي، لذا نجد له أبياتاً كثيرة في الحكمة في تضاعيف شعره، منها:
ومن تكن العلياء همة نفسه
فكل الذي يلقاه فيها محبب

وقوله:
وقليلاً ما يصلح المرء للجد
إذا كان ساقط الأجداد

والملاحظ في أكثر حكمه أنها مما يعبر عن علو الهمة ومكارم الأخلاق التي يحرص الشاعر على أن تسود بين أفراد مجتمعه الكبير.
المعارضات في شعر البارودي:
يتبين من هذا الاتجاه الذي اتجه إليه البارودي في تناوله للمعارضات الشعرية مدى تعلقه بشعر الأقدمين وإعجابه بروائعهم، فتناول روائع ما قاله أولئك الأقدمون معارضاً حتى أكسب موهبته الشعرية صقلاً وتهذيباً.
يطالع البارودي في ديوان أبي نواس قصيدته الميمية التي مطلعها:
يا دار ما فعلت بك الأيام
ضامتك والأيام ليس تضام

فعارضها بميميته التي بدأها بقوله:
ذهب الصبا وتولت الأيام
فعلى الصبا وعلى الزمان سلام

أما المتنبي فقد بلغ إعجاب البارودي به درجة كبيرة فأكثر من معارضاته له، منها قصيدة المتنبي (الميمية)ومطلعها:
لا افتخار إلاّ لمن لا يضام
مدرك أو محارب لا ينام

فقد عارضها البارودي بقصيدته:
من لعين إنسان لا ينام
وفؤاد قضى عليه الغرام

ولم يفت المبارودي أن يعارض في شعره الشريف الرضي في بائيته:
لغير العلى مني القلى والتجنب
ولولا العلى ما كنت في الحب أرغب

فقال البارودي:
سواي بتحنان الأغاريد يطرب وغيري باللذات يلهو ويُعجب


























البارودي بين القديم و الجديد
ان التجديد يؤسس على قاعدة واصول وليس رفضا" عشوائيا" وثورة لا مسؤولة فليس كل موروث مرفوضا" ولا كل تقليد منقوضا.
وينبغي ان نتنبه الى حقيقة جوهرية في مسألة التجديد وطبيعته اساسها ان هؤلاء الشعراء انبثقوا في بيئة لم تكن الفصحى قد عرفت طريقها الى السنة الناس ومطالعاتهم لان كتب اللغة والادب والتراث العربي لم تكن متوفرة الا عند من عرف بأوسع المثقفين اطلاعا" فكان المتعلم منهم سواء من تلقى علومه في الاقطار العربية أو الاستانة أو اوربا يحمل ثقافة تركية أو غربية فاذا اراد ان يعبر عنها بلسان عربي مبين عبّر بالفاظ وعبارات وجمل اخذها من لغة الدواوين والمكتبات الرسمية في سجلات الدولة .
كان القرن السادس عشر لمصر قرن بؤس وشقاء فقد تهاوت صروح المعرفة والثقافة اثر استيلاء العثمانيين عليها . وما ان جاء القرن السابع عشر وبدأت حملة بونابرت رأى المصريون شذرات من العلوم الحديثة وهذا ما حفّز محمد علي باشا والشعب الى النهوض بمصر وانشاء المدارس الحربية والصناعية والهندسية والطبية وقام بإرسال البعثات الى اوربا للتخصص في شتى فروع العلم العربي واختير رفاعة الطهطاوي اماما" لاولى البعثات فأكبّ على تعلم الفرنسية حتى اتقنها واخذ يترجم بعض اثارها.
وكان لرفاعة دور مهم في هذه المرحلة فنهض بمصر خير نهوض مكونا" جيلا" من المترجمين النابغين فأسس قلم للترجمة وكان هذا في منتصف القرن التاسع عشر تقريبا". ويعّد ايضا" من مؤسسي مدرسة الالسن التي كان مديرا" لها.
وكان طبيعيا" ان يتردى الشعر في هوة عميقة كما قررت البلاد العربية بعد ان جثم العثمانيون على صدرها . لان اصحاب الشعر لم يعودوا يجدون مسبب خفض العيش ولم يعودوا يطمعون الى مثل اعلى لا في الشعر ولا في غيره فما كان كلا" منهم الا كلاما" معادا" مكرورا" لا حياة فيه ولا روح ف أخذوا يكثرون من البديع ومن الاقتباسات والتضمينات كما راحوا يكثرون من المصطلحات العلمية بحيث حمّلوا الشعر ما لايطيق حتى صار عثّا" مبتذلا".
غير ان هذا سرعان ما تغير تدريجيا" وذلك في مطلع القرن التاسع عشر عند محمد علي وخلفائه فنشآت فكرة التحرر الادبي التي جاءت بعد فكرة التحرر السياسي .
واخذ الشعراء يتجهون نحو التحرر من الاساليب البديعة الثقيلة ومن الابتذال والاسفاف والغثاثة ولكن في بطئ شديد وكان ذلك على يد بعض الشعراء وفي مقدمتهم البارودي .
فلولاه كما يقول شوقي ضيف ما استأنفت الامة العربية حياتها الشعرية الخصبة المعاصرة هذا الاستئناف الحرّ المثمر فقد اتاح لها ان تستعيد لشعرنا ازدهاره ازدهارا" لا يقل نضرة ولا جمالا" عن ازدهاره في عصور العروبة الذهبية.
لقد اندفع البارودي يقرأ الشعر العربي القديم والقى فيه روعة وجمالا" ياخذان اللّب ويحركان اللسان الى القول . هذا الشعر لا يقف عند الحروب والميادين وماتخلفه على الابطال من مجد بل يتناول الحياة كلها جدّها وهزلها حلوها ومرها الغزل والوصف والحكمة وتحل ما يطمح الانسان ان يجده فيه.
وتحركت نفس البارودي لقول الشعر إلى أنبل الأغراض وهو مما يجول في نفسه من آمال وآلام وهذا ما تمثلته قصيدته التي رأى فيها اياه وهو في العشرين من عمره .
لافارس اليوم يحمي السرح بالوادي طاح الردى بشهاب الحدب والنادي
مات الذي ترهب الاقران صولته ويتقي بأسه الضرغامة العادي
مضى وخلّفني في سن سابعة لا يرهب الخصم ابراقي وارعادي
اذا تلفّت لم ألمح أخا ثقة يأوي اليّ ولا يسعى لإنجادي
فإن اكن عشت فردا" بسن فها انا اليوم فرد بين اندادي
ومن يمعن النظر في ديوان البارودي يؤمن بأنه له موهبة خارقة في بناء قصائده بناءا" شامخا" وصل اليه عن طريق قراءة شعراء العربية المبدعين في العصر العباسي وما قبله من عصور حتى جمع لنفسه من مواد الشعر ما استطاع به ان يقيم صياغته فيه على الجزالة والرصانة وكأنما كان يمتلك اللغة امتلاكا" وهو في هذا يعيد للشعر العربي حيويته ونضرته التي كانت قد خمدت.
وديوانه يتضمن موضوعات تقليدية من مدح ونسيب وفخر وحماسة وبعض الموضوعات المستحدثة في السياسيات والاوصاف والهجاء الاجتماعي .
فقد نظم في اغراض الشعر القديم وحذا حذو الاقدمين في اساليبهم ومعانيهم فوقف على الاطلال وذكر نجدا" ورباها وحيوانها والدمن والعيث والبرق وشبه المرأة بالمهاة والظبي يقول الزيات عنه : ان كان لامرئ القيس فضل في تمهيد الشعر ولبشار في ترقيته وتجويده فللبارودي كان الفضل في احياءه فكان في مصر أول من شع شعره كأمل في قرائح الادباء وحرّك الركود الادبي وجعل نصب الاعين مثالا" حيا" للادب المنبعث ولم يستمد ذاك المثال جماله من عمق المعاني وبعد التحليل ولا من الابتكارات الرائعة والتصاوير المبتكرة بل من تقربه الى العصر في معانيه واغراضه وانتمائه الى القديم بنصاعة الكلام.
ولم يكن تقليد البارودي سوى وسيلة الى فهم الادب ومجراة كبار الشعراء القدماء ومحاكاة جزالتهم ونصاعة لغتهم محاكاة مطبوعة ليس فيها من التقليد سوى الرغبة وكأنما البارودي هنا ممثل قدير لبس دور الشاعر البدوي فوفّاه لغة وشعورا" وحركة مخلقة خلقا" جديدا".
فمن الاغراض الشعرية في شعره ما قاله في الزهد
كل حيّ سيموت ليس في الدنيا ثبوتُ
حركات سوف تفنى ثم يتلوها خفوتُ
إنما الدنيا خيال
باطل سوف يفوت
ليس للإنسان فيها غير تقوى الله قوت
وقال وهو في السجن
شفني وجدي وأبلاني السهر وتغشتني سمادير الكدر
فسواد الليل ما ان ينقضي وبياض الصبح ما ان ينتظر
لا أنيس يسمع الشكوى ولا خير يأتي ولا طيف يمر
بين حيطان وباب موصد كلما حركه السجان صر
يتمشى دونه حتى اذا لحقته نبأة مني استقر
ظلمة ما إن بها من كوكب غير أنفاس ترامى بالشرر
وللفخر نصيب لا يقل شأنا" عن اغراضه في شعره فنفسه قوية كأنها الصخرة تتحطم عليها الاحداث والخطوب فيقول:
وبي ظمأ لم يبلغ الماء ريــــــه وفي النفس أمر ليس يدركه الجَهد
ومن كن ذا نفس كنفسي تصدعت لعزته الدنيا وذلت له الأسد
وفي الحماسة يقول:
فيا قوم هبّوا انما العمر فرصة وفي الدهر طرق جمة ومنافع
اصبرا" على مس الهوان وانتُــُم عديد الحصى اني الى الله راجع
وكيف ترون الذل دار اقامة وذلك فضل الله في الارض واسع
ارى ارؤسا" قد اينعت لحصادها فأين ولا أين السيوف القواطع
احتفظ البارودي بالصور الشعرية البدوية وعناصرها في شعره لأنه وجدها قوية التصوير والتاثير . فيقول في نسوة ينخن على هالك وهو في طريقه بصحراء القرافة:
رأيت بصحراء القرافة نسوة نوازع لايأوين حزنا" إلى بيت
ينحن على ميت سيتبعن إثره ومن عجب ميت ينوح على ميت
وهو في هذا قد حافظ على اوضاعه ومقوماته الموروثة محافظة سمت به من الابتذال والاسفاف والصنعة والبديعية واضفت عليه الجزالة والرصانة حينا" والعذوبة والسلاسة حينا" اخر فيقول متغزلا":
سلوا عن فؤادي قبل شد الركائب فقد ضاع مني بين تلك الملاعب
أغارت عليه فأحتوته بلحظها فتاة لها في السلم فتك المحارب
ومن هجائه:
وصاحب كهموم النفس معترض مابين ترقوة مني وأحشاء
ان قال خيرا" فعن سهو ألمّ به أو قال شرا" فعن قصد وامضاء
فقد فقه باسرار شعرنا القديم وخصائص تذوقه كما مثل في شعره احاسيسه وحياته ومن بيئته وظروفها المختلفة ومن عصره وأحداثه ورفع التعبيرات الركيكة المبتذلة والمعاني السقيمة المرددة والاساليب البديعية الملتوية التي ادت الى فساد الذوق والقريحة الأدبيين . فيقول:
لك روحي فأصنع بها ما تشاء فهي مني لناظريك فداء
انا والله منذ غبت عليل ليس لي غير ان اراك دواء
كيف اروي غليل قلبي؟ ولم يبــ ق لعيني من بعد هجرك ماء
ونجد في ديوانه كثيرا" من الاغراض المستحدثة والأساليب المبتكرة منها نزوعه الى تصوير الواقع كما هو في بساطة وسلاسة وقوة دون اعتماد على محسنات اللفظ البديعية من جناس وطباق ونحوهما ودون اغراب من الخيال.
وقد ألغى البارودي الحواجز التي كانت بين اقرانه – وهو مصمم- وبين الاسلاف ومانظموا من روائع الشعر الخالدة وهو الغاء هيأ لان تشتعل في نفوسنا عروبتنا من جديد وكان ذلك من خلال محافظته على العناصر الشعرية التقليدية فقد وطّد الصلة بيننا وبين ما ابدعته العناصر التجديدية والعناصر التقليدية موازنة لايتقاطع منها الحاضر والماضي بل يتواصلان أي احدث تشابكا" بين ماهو قديم وبين ماهو جديد بين ماهو حاضر وبين ماهو ماض.
وهو في هذا قد نفض عن الشعر العربي اكفانه العثمانية . وبعث فيه روح الحياة وفك عنه القيود ومهد للعديد من الشعراء طريقا" في موازنة عناصر الشعر التقليدية وعناصره التجديدية فكان الجيل التالي له متأثرا" فيه تأثيرا" شديدا" فظهر مثلا" اسماعيل صبري وحافظ وشوقي وخليل مطران.
وهذه الظاهرة الشعرية التي قلدها لم تعقه عن التعبير الصادق في أحاسيسه ومشاعره بل اخذت تكسبها روعة
ليت شعري متى أرى روضة ذات النخل والاعناب
حيث تجري السفين مستبقات فوق نهر مثل اللجين المذاب
ملعب تسرح النواظر منه بين افنان جنة وشعاب
واكثر من التغني بالطبيعة المصرية الجميلة وكثيرا" ما يقرنها بحبة وضجره
فيقول:-
رفّ الندى وتنفس النوّار وتكلمت بلغتها الاطيار
وتأرجت سرر البطاح كأنما في بطن كل قرارة عطار
ملامح التجديد في شعر البارودي:
ظهر واضحا" ان البارودي لم يكن صدى للقدماء في كل ما قاله من الشعر , فقد جدد في بعض أغراض الشعر حين استقلت شخصيته وتسامت شاعريته , وقد اتضحت هذه الشخصية في تعبيره عن شعوره ومشاهدته, اذ تعددت اسفاره ورحلاته ثم الحروب التي شارك فيها ثم ما قضاه من سنين في منفاه بعيدا" عن الاهل والديار . كل ذلك حرك في نفسه معاني وأفكارا" جديدة لم يسبق اليها احد, اذ كانت له لمحات واضحة وجميلة في اغراض اخرى بدت فيها شخصيته واضحة المعالم , ومن هذه الاغراض التي تناولها البارودي في ثوب جديد:
1- فن الوصف:ان الوصف من الاغراض القديمة الا ان البارودي افرد له قصائد خاصة قائمة على الوصف وحده بعكس ما كان عليه الوصف في العصر الجاهلي, والذي كان يأتي بين ثنايا القصائد.
كما اتى البارودي في وصفه بصورة دقيقة لم يسبق اليها, خاصة في وصف الطبيعة التي افتتن فيها ايما افتتان, ويرى في كل سطر من سطورها شعرا" خالدا" أو آية من آيات الجمال الدالة على عظمة الله في الكون وقدرته في خلقه
2- الشعر السياسي:وهو من الموضوعات التي جدد فيها البارودي, والذي ظهرت فيه شخصيته الادبية متمردة على الظلم والطغيان, وكان الاباء عاملا" كبيرا" في حياته وفي شعره, دفعه الى سلوك الطريق الوعرة المملوءة شوكا" في مجابهة الظلم والظالمين. ومن نماذج شعره السياسي الذي يصور فيه كثيرا" من مفاسد عصره, ويحض فيه على الثورة حينا" وينصح الثوار أحيانا", ويصف تخاذلهم ويحرضهم على الثبات, ويتعجب لنفيه وتعذيبه, يقول:
ومن عجائب ما لاقيت من زمني
اني منيت بخطب امره عجب
لم اقترف زلة تقضي عليّ بما
أصبحت فيه فماذا الويل والحرب
فهل دفاعي عن ديني وعن وطني
ذنب ادان به ظلما" واغترب؟
3- الغزل: كذلك جدد البارودي في شعر الغزل, اذ ترفع في نظرته الى المرأة وتمدح بالعفة في حبه, وواضح أن في نفسه مغالبة بين عاطفتي الحب والاباء, وقد أفصح عن ذلك في افتتاحية ديوانه وذلك حين قال: ( وأنما هي اغراض حركتني وأباء جمح بي, وغرام سال على قلبي, فلم أتمالك أن أهبت فحركت به جرسي, أو هتفت فسريت به عن نفسي).وقد بدأ بشعره الغزلي أول أمره بتقليد القدماء, اظهر بنظرته المرتفعة ازاء المرأة, ويدلي برأي خاص في فلسفة العشق, فيقول:
والعشق مكرمة اذا عف الفتى
عما يهيم به الغوى الاصور
يقوى به قلب الجبان ويرعوي
طمع الحريص ويخضع المتكبر
وللبارودي قصيدة في هذا الموضوع, تعد من خير ما تغنى به شاعر على غصن الغزل المياد, يقول فيها:
هل من فتى ينشد قلبي معي
بين خدور العين بالاجرع
كان معي ثم دعاه الهوى
فيمر بالحي ولم يرجع
فهل اذا ناديته باسمه
يفيق من سكرته أو يعي
4- الهجاء: وكان الهجاء من الاغراض التي كان لها في شعر البارودي نصيب من التجديد, اذ انتقل به من الهجاء الشخصي لى الهجاء الاجتماعي الذي قصد من ورائه تجسيم بعض عيوب المجتمع في عصره وتصويرها بأبشع صورة, رغبة في الاصلاح. لقد نقل الهجاء الذي يقتصر على السب المقذع لأشخاص بأعينهم الى النقد الاجتماعي البناء الذي يهدف من وراءه الاصلاح واستئصال عناصر الشر والفساد, يقول:
معاشر ساروا بالنفاق وما لهم
أصول اطلتها فروع بواسق
فأعلمهم عند الخصومة جاهل
وأتقاهم عند العفافة فاسق
5- هناك بعض مظاهر التجديد في شعر البارودي حيث المخترعات الحديثة التي حفل بها العصر والتي تأثر بها الشاعر حتى بدت انعكاساتها على بعض عباراته وتشبيهاته كما في قوله:
فالعقل كالمنظار يبصر ما نأى
عنه بعيدا" دون لمس باليد
الى غير ذلك من مظاهر الحضارة ومتطلبات العصر التي بدت آثارها على بعض أشعار البارودي, وان كان يبدو على بعضها آثار التكلف, ولكنه شعر بطبيعة الحال, وهو صدى للحياة وانعكاسا" لها شاء صاحبه أم أبى.
قصيدة هذا هو الحب
سكرت بخمر حديثك الألفاظ

وتكلّمت بضميــــرك الألحـــــــاظ

يادمية ! لولا التقيّة لاستوت

فى حبّها الفتــــّاك والوعّــــــاظ

مالى منحتك خلّتى وجزيتنى

نارا لها بين الضلــــوع شــواظ ?

هلاّ مننت اذا امتلكت ! فطالما

منّ الكريــــــم وقلبه مغتــــــاظ

فلقد هجرت اليك جــلّ عشيرتى

فقلوبهم أبــدا علىّ غــــــــلاظ

ونفيت عن عينى المنام فما لهـا

غيـــر المدامع والسهاد لمــاظ

هدا وما اختضبت لغيرك أسهــم

بدمى , ولا احتكمت على لحاظ

فعــــلام تستمعين مـا يأتــــى به

عنّى اليـــك الحاســـد الجــوّاظ

فصلى محبّا , ما أصـــاب خطيئة

فى دين حبّك , والغـــرام حفاظ

يهـــواك حتّى لا يميــل بطبعـــــه

فى حبّك الايــــــــذاء والاحفاظ

نابى المضــاجع لا تــزور جفونـــه

سنة الكرى وأولو الهوى أيقاظ

متحمّل ما لو تحمّـــل بعضــــــــه

أهل المحبــّة والغرام لفاظـــوا

فاذا استهلّ تربّعـــوا فيما جـــرى

من دمعه , واذا تنفّس قاظـــوا

هذا هو الحبّ الّذى ضاقــــــت به

تلك الصّـــــدور وقلّت الحفّـــاظ




المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم