مسرحية السيد (كورني) Corneille- 1606-1684- قراءة وصفية
يعد "بييركورني" ابرز ممثلا للمأساة الكلاسية خلال المرحلة الأولى من تطورها . اذ اجتاز طريقا طويلا ومتناقضا في تطوره الإبداعي . فقد ظهر عليه في مرحلة شبابه تأثره الكبير بالفن الدرامي لعصر الباروك , ولم يستطع التخلص تماما من رواسب هذه النزعة حتى آخر حياته , ولهذا السبب فان أعمال كورني الإبداعية أثارت جدلا حادا لا في مرحلة شبابه فحسب , بل في شيخوخته أيضا ومع ذلك استطاع أن يطرح نفسه من خلال الأعمال التي كتبها في مرحلة نضجه بوصفه مؤلفا نموذجيا للمأساة , إذ استطاع أن يصل بهذا الفن إلى درجة الكمال الكلاسيكي .
في ذروة الجدل الذي أثاره ظهور مسرحية (السيد), استغل كورني صدور إحدى مسرحياته , فقدم لها مقدمة واسعة بعنوان (إلى السيد) , عبر فيها عن رأي يقول بإمكانية التوسع في تفسير قواعد الإبداع الشعري , ودافع فيها عن حق الكاتب باعتماد طريقته الخاصة بالكتابة , دون ان يعني ذلك بالضرورة رفض الطرائق والمناهج التي يعتمدها الكتاب الآخرون , وهذا يفضي إلى احتمالية وجود وجهات - نظر في بناء المسرحية – مختلفة وشرعيتها .
وبهذه الطريقة كان كورني في هذا الوقت عدوا لدودا للمذهب العقلي المتعصب في القضايا المتعلقة بالإبداع الشعري , فقد سبق موليير في دعوته إلى الابتعاد عن التعامل بطريقة خرافية مع مراجع أرسطو وهوراس والى ان تؤخذ أذواق الجمهور بعين الاعتبار .
لقد بدأ كورني نشاطه الفني بالملهاة ( الكوميديا),اذ كتب في عام 1635 أولى ملاهيه (ميليت Melite) ثم التفت إلى المأساة فكتب ميديا والسّيد التي لقيت نجاحاً باهراً ثم ألّف هوراس وسينّا وبوليوكت وبومبي ورودوغون ونيكوميد وأوديب وغادر المسرح نهائياً في عام 1674
اما فيما يخص الملهاة التي كتبها ، فقد كانت تظم عناصر مأساوية واضحة , ويعزو الباحثون ذلك إلى تأثر كورني بالجو المسرحي العام في فرنسا , الذي كان فن التراجيكوميدي هو الطاغي فيه ,فعندما كتب كورني مأساة (ميديا) عام 1635م لم يستطع ان يتجنب الجمع بين الملامح الكوميدية التي ميزت أعماله المبكرة وبدايات أسلوبه المأساوي السامي الذي كان يتلمس طريقه إليه بحذر . خصائص مسرحه: 1-تقيّد بالوحدات المسرحيّة الثلاث ، ثم بدأ يتململ من قيودها دون تمرد أو تصريح، فجعل يخضع لها أحياناً ويتسامح بها أحياناً أخرى، ويوسّع من حدودها لتتيح له بعض الحريّة وكان على يقين أن التقيّد بها إنما هو استجابة لرغبة جمهور مثقف محدود. وحين أصبح جمهوره كبيراً ومكوناً من مختلف الأصناف، ولا سيّما البرجوازية المتعلّمة التي تريد محاكاة الواقع مدّد المساحة الزمنية للمسرحية إلى عدّة أيام. 2-استمد بعض موضوعاته من الأساطير ولكنه اتجّه إلى التاريخ فاخذ يقتبس منه بعض موضوعاته ولكن بعد إغنائها بالحوادث وتعقيدها بالصراع. 3-لغته عالية فخمة ذات أسلوب خطابي بليغ مرهف 4-كان يحرص على الكشف عن المواقف النفسية والصراعات المعقدة التي تحتاج إلى خلق عوائق وصعوبات وإلى نضال عظيم وإرادة قوية مظفّرة، ولكن ضمن حدود الطبيعة البشرية. فعنده لا توجد هزائم. 5-هيمنة الفكر والمنطق على العواطف والغرائز فكل شيء عنده يجري بشكل منطقي ومعقول، ولا مجال للمصادفات والمفاجآت والمعجزات.
6-كان يرسم الأشخاص كما يجب أن يكونوا، أي يبث فيهم الإرادة القوية والشجاعة ومقاومة الأهواء تحقيقاً لهدفه الأخلاقي. ولذلك قال عنه فولتير: "إنه مدرسة لعظمة الروح". اما فيما يخص مسرحية السيد فقد عرضت في باريس عام 1636م وحققت منذ اللحظات الأولى من النجاح ما لم تحققه أي مسرحية أخرى قبلها , واستطاعت أن تحجب خلفها كل أعمال كورني السابقة , وسرعان مادارت على الألسن العبارة المشهورة (إن هذا رائع مثل السيد)، ومع أن مسرحية (السيد) كانت تنتسب في الأساس إلى صنف التراجيكوميدي الحديث في المسرح الفرنسي آنذاك إلا أن كورني استطاع ان يذلل فيها المبادئ الأساسية للفن الدرامي الخاص بعصر الباروك , وان يسلك طريقا متعرجا للوصول إلى المأساة الكلاسيكية . لقد نسبت الأجيال التالية هذه المسرحية بكل ثقة إلى الصنف الأدبي الأخير , على الرغم من موضوعاتها ذات الطابع القروسطي , ومن عدم التزامها الدقيق بقانون الوحدات الثلاث ونهايتها السعيدة .
وتتضح الخصائص الاسلوبية للمذهب الكلاسيكي عند كورني من التغييرات التي أجراها على النموذج الاسباني لمسرحية السيد فقد جعل كورني مسرحيته ابسط واقل بهاء واقل ألوانا وأكثر ترتيبا . وكذلك عمل كورني على زيادة العناصر الذهنية في موضوع المسرحية مقارنة مع موضوع مسرحية (دي كاسترو) الاسبانية , ونقل مركز الثقل من الحوادث الخارجية التي تتحكم بالصراع في المسرحية الاسبانية الى المعاناة الداخلية للأبطال , هذه المعاناة المشروطة بالصراع المؤلم بين الحب والواجب , وكل ذلك أسبغ على مسرحية كورني طابعا من الأصالة .
يتلخص الصراع الدرامي الرئيس في (السيد) بان الفارس الجرئ (رودريك) يقتل دفاعا عن شرف عائلته عن طريق المبارزة والد حبيبته (شيمن) الذي أهان بفظاظة والد رودريك . وهذا القتل يقيم حاجزا بين الشابين اللذين يحبان بعضهما حبا قويا . وهكذا يصبح زواجهما متعذرا لان شيمن لاتستطيع أن تتزوج من قاتل أبيها , فضلا عن ذلك فهي مطالبة بحكم القانون نفسه الخاص بالشرف العائلي ان تطالب بموت حبيبها .
يصور (كورني) رودريك وشيمن شخصين مبدئيين إلى أقصى حد , ويخضعان في كل تصرفاتهما إلى منطق قوانين الشرف الإقطاعي , ويعدان ذلك أعلى معيار أخلاقي يهيمن على جميع مشاعرهما . فالإنسان يعد كريما عندما يحافظ على شرفه وإذا ما نسي ذلك فسيصبح دون ذلك . فالإنسان الكريم وحده يستحق الاحترام , وبالتالي يستحق الحب الذي يخضع عند أبطال كورني إلى صوت العقل . رأى كورني في الحب فضيلة تنبع من الرغبة في الخير , وتوجهها الفكرة حول الكمال الأخلاقي للإنسان المحبوب . إن فقدان المرء للشرف بوصفه أسمى أشكال الخير يجر وراءه فقدان الحب أيضا , أو بكلمة أدق فقدانه الحق . إن هذا المفهوم العقلي للحب هو الذي يحدد تماما تصرفات كل من رودريك وشيمن . فرودريك يقتل من تسبب باهانة والده ليس فقط نزولا عند المبدأ القديم للأخلاقية الإقطاعية التي تقتضي غسل الاهانة بالدم وحده , بل من اجل أن يكون أهلا لحب شيمن . يقول رودريك وهو يبرهن لشيمن انه بسبب حبه لها تعين عليه إنقاذ شرفه وان لا ينساق وراء عواطفه وان يقتل أباها : (من حق التي أحببتني كريما , أن تمقتني فاقدا للشرف). أما شيمن فتوافق رودريك تماما وتناقش القضية من المنطلق نفسه : (إن شجاعتك النكداء لتعلمني بلسان نصرك) إن الكارثة التي مرا بها والتي جعلت منهما عدوين , لم تضعف من مشاعرهما بل زادتهما قوة . لقد استطاع كورني أن يعالج بمهارة التعارض بين العداوة والحب داخل وعي أبطاله , لقد جعل شيمن تسعى بكل الوسائل لإنزال عقوبة الموت برودريك , وان تحرص في الوقت ذاته على حياة حبيبها . إن الصراع الدرامي في (السيد) يستعصي على الحل من غير تدخل قوة ثالثة , ومثل هذه القوة الثالثة في مأساة كورني نجدها في (دون فرناند) ملك قشتالة الذي يجد فكرة السلطة الرسمية المعقولة التي تقوم بإعادة تقويم القيم الأخلاقية الإقطاعية. إن الملك بوصفه عدوا لدودا للتعند الإقطاعي الذي تجسده صورة الكونت العاصي (دون غوميز) والد شيمن يدين العادة المنتشرة انتشارا واسعا في المجتمع الإقطاعي , التي تقتضي بحل القضايا المتعلقة بالشرف عن طريق اقتتال الأطراف المتنازعة حتى الموت , ولذلك فالملك لايوافق على مبارزة رودريك ودون سانش , إلا مضطرا . انه يعد نفسه مسؤولا عن صيانة دم أتباعه وان يحرص على حياتهم , وهذا الدم يجب أن لا يراق إلا دفاعا عن الدولة ضد الأعداء , ورودريك الذي صد هجوم المغاربة يعد بطلا حقيقيا يعجز الملك نفسه عن مكافئته بما يستحق .
وفي ضوء ماتقدم من المثل الأعلى الأخلاقي الجديد , يبدو دفاع شيمن الشديد عن شرفها العائلي باطلا . وهذا ما تصرح به ابنة الملك لشيمن قائلة : ((عجبا! أيجوز لها من اجل الانتقام لأبيها أن تدفع بوطنها إلى قبضة الأعداء؟)).
إن الأخلاقية الرسمية الجديدة تبدو أكثر إنسانية من الأخلاقية القديمة , فهي توجه ضربة للتقديس الأعمى للشرف العائلي الذي يشوه العلاقات الإنسانية الطبيعية . وبناء على ماتقدم تعد مسرحية السيد محاولة لإعادة تقويم الأخلاقية الإقطاعية القديمة لصالح المثل الأعلى الرسمي الجديد الذي يطرحه عصر النظام المطلق . ومع ذلك فان إعادة التقويم هذه لم يتسن لكورني أن يحققها بصورة حاسمة , فالمأساة تسبغ طابعا رومانتيكيا على عادات الفروسية في عهد الإقطاع , أما العذابات الروحية عند كل من (رودريك وشيمن ) فقد تم تصويرهما بدرجة من الحرارة والصدق بحيث أجبرت المشاهدين على التعاطف .
على الرغم من النجاح الذي حققته مسرحية السيد , غير أن ذلك لم يمنع من توجيه النقد ضدها , فقد أدانت الأكاديمية المسرحية بزعمها أنها لم تأت متفقة مع القواعد ورأت أن موضوعها لم يكن موفقا , كذلك أدانت حل عقدة المأساة, كما أشارت إلى عدد من الأبيات الشعرية غير الموفقة والى عدد من العبارات الخاطئة . نصّ من مسرحيّة "السيّد" الفــصــــل الرابــــــع المعركة دون رودريغ : سيدي، لقد علمتَ أَنّهُ حين داهم المدينة هذا الخطر، ونشر فيها الذعر، كان عند والدي جماعة من أصدقائه الخُلّص، الذين طلبوا مني أن أبذل روحي ولمّا تزل مضطربة فسامحني يا سيدي على جرأتي حين مضيت دون مشورتكم، فلقد كان الخطر شديداً، وكانت الكتيبة جاهزة! وحين خرجتُ إلى ساحة القتال كنتُ أغامر برأسي ولئن وجب أن أُقتل فأحببْ إليّ بأن أموت مقاتلاً دونكم! دون فرديناند : إنني أسامحك لحماستك في الانتقام من ذلك العدو المهاجم؟ وأشعرُ أن الدولة التي دافعت عنها هي التي تخاطبني من خلال دفاعك وتأكدْ أنني بعد الآن لن أصغي إلى كلام شيمين إلاّ لأعزّيها.. فتابع حديثك! "يتابع وصف المعركة من أولها إلى آخرها، فيعرض قوة الأعداء وكيفية تسللهم، وكيف كمن بجنوده منتظراً اللحظة الحاسمة المناسبة للانقضاض وهي وقت نزولهم من المراكب. ثم يذكر نتيجة المعركة وهي هرب قسم من جنود العدو وقتل قسم آخر وأسر الكثيرين ومن بينهم ملكان.." ويتميز هذا الخطاب بطوله وتصويره المفصّل الدقيق وبالوضوح مع الترتيب المنطقي للحوادث وتحليل نفسية الأعداء بأسلوب تتجلى فيه الأبّهة والخطابة الشعرية.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم
|