علم الرجال إنَّ مشروعية العدالة والضبط لها بداية مبكرة تزامنت مع عصر الرواية لتضع أساساً لنقد الرواة إلى جانب ما أصله القرآن الكريم من مشروعية ، وقد انعقد إجماع العلماء على مشروعية الجرح والتعديل والحاجة إليه، لأنه يساعد على حفظ الشرع وصيانته من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان أو ما يستعان به للحفاظ على قواعد الشريعة الإسلامية ومعرفة أحوال الرواة وإلا فكيف يميز الصادق من الكاذب والمعدل والمجروح والمغفل والضابط. وقد أمر الله سبحانه وتعالى باختيار الصلحاء للشهادة في الأمور الدنيوية قال تعالى: ?وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ? ( ) وقال تعالى: ?وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء?( ) فاشترط الله سبحانه وتعالى العدول في الشهادة للأمور الدنيوية فكيف أنت والأمور الدينية التي تترتب عليها الأحكام الشرعية وليس نقل الرواية بأقل أهمية من الأمور الدنيوية، فلذا شرط العلماء في الراوي،العدالة والضبط. لهذا كان نقد الرواة ضرورة وأمانة يحتمها الضمير الإسلامي لمعرفة صحيح الرواية من سقيمها بإثبات عدالة وضبط الرواة، فيعزل من طعن بعدالته أو سوء حفظه ويكشف الكاذب على رسول الله – ?. ومن ثمار معرفة عدالة الراوي وضبطه،إعطاء كل ذي حق حقه ببيان الفضل لذوي الفضل وبيان الخسة لمن يتصف بها. وكذلك مواجهة المشككين في الحديث الذين يختارون الأحاديث الضعيفة والموضوعة ليستندوا إليها على ما يضعف الشريعة الإسلامية. ومن ثمارها أيضاً معرفة الرواية الصحيحة عندما تتعارض الروايات بترجيح أحدهما عن طريق السند. فمعرفة أحوال الرواة خدمة جليلة للشرع ولا يتدخل فيها الهوى والمحاباة ولا مجاملة لأب أو ابن أو صديق قال تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ?( ) . وقد وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تدعو إلى العدل وتحث على الصدق في القول والنهي عن الكذب ووعيد لمن يحرف كلام الله سبحانه وتعالى وآيات تدعو إلى التثبيت والفحص والبحث عند سماع خبر، فنجد القرآن الكريم يؤسس للنقد والجرح والتعديل منها: قوله تعالى ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً?( )، وفي هذه الآية تعديل للأمة الإسلامية، والوسط العدل، قال الجوهري(ت393هـ) الوسط من كل شيء أعدله ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ?أي عدلا( ) ولذلك قيل في النبي ? ((هو أوسطهم حسبا أي خيرهم ووسط كل شيء خيره))( ). ومن أهم العلوم المتعلقة بعلم الرجال هو ما يسمى علم الجرح والتعديل أو ميزان الرجال والذي يبحث في عدالة الراوي واستقامته وهل هو من الثقاة أولا ومن ثم يمكننا الحكم على الحديث هل هو حديث صحيح أو مجروح وإن كان مجروحًا وجب تعديله ومن هنا كانت الحاجة إلى مثل هكذا علم. ولكن لابد من معرفة الأسبق منهما أي الجرح أولا أو التعديل ومن العلماء من ذهب إلى أسبقية الجرح على التعديل وبه قال الجمهور واليه ذهب الخطيب البغدادي، وعلل ذلك بأن الجارح يخبر عن أمر باطن قد عمله، ويصّدق المعدل ويقول له قد علمت من حاله الظاهرة وعلمتها وتفردت بعلم لم تعلمه من اختبار أمره، وإخبار المعدل عن العدالة الظاهرة لا ينفى صدق قول الجارح فيما أخبر به فوجب لذلك أن يكون الجرح أولى من التعديل( ) وذهب إلى هذا القول الشهيد الثاني، إذ قال: (( لو اجتمع في واحد جرح وتعديل فالجرح مقدم وان تعدد المعدل على الأصح) ( ) ، وقال السخاوي باتفاق جمهور العلماء على تقديم الجرح على التعديل مطلقا، استوى الطرفان في العدد أم لا ( ). واشترط السيد حسن الصدر تقديم الجرح عند عدم امكان الجمع بين قولي المعدل والجارح، ومثل لذلك بقول ابن الغضائري في داود الرقي : إنه فاسد المذهب لا يلتفت اليه، وقول غيره انه ثقة، قال فيه الإمام الصادق عليه السلام ((أنزلوه مني منزلة المقداد من رسول الله صلى الله عليه وآله، فلا يمكن الجمع بينهما ، فلا يصح إطلاق القول بتقديم الجرح فيه، ولأولى في مثله طلب الترجيح ، والتعديل على ما يثمر غلبة الظن، كالأكثر عددًا أو ورعًا أو ممارسةً بعلم الرجال إلى غير ذلك من المرجحات( ). ونقل القاسمي عن التاج السبكي قوله: ((الحذر كل الحذر أن تفهم أن قاعدتهم الجرح مقدم على التعديل إطلاقا بل الصواب أن من تثبت إمامته وعدالته وكثر مادحوه وندر جارحوه وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره لم يلتفت إلى جرحه، وقال أيضًا : قد عرفناك أن الجارح لا يقبل منه الجرح وأن مفسره في حق من غلبت طاعته على معاصيه وما دحوه على ذاميه ومزكيه على جارحه، إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثله من تعصب مذهبي أو منافسة دنيوية كما يكون بين النظراء وغير ذلك، وحينئذ فلا يلتفت للكلام الثوري وغيره في أبي حنيفة وابن أبي ذئب وغيره في مالك وابن معين في الشافعي والنسائي في أبى محمد بن صالح ونحوه ، ولو أطلقنا تقديم الجرح لما سلم لنا أحد من الأئمة إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون وهلك فيه هالكون )) ( ) وهذا كلام لابد فيه من التأمل، فإذا لم نلتفت إلى كلام الثوري وابن معين والنسائي وغيرهم من النقاد وأصحاب الجرح والتعديل الذين عليهم المعول في نقد الرجال، واعتبرنا أن كلامهم لتعصب مذهبي أو منافسة دنيوية أو غيرها من المسببات ، فكيف يتسنى لنا معرفة الرجال ؟ وكيف نعرف ان هذا الجرح ناشيء عن عداوة أو تعصب؟، وكيف يكون جرح النظراء فيما بينهم غير معمول به وهو أقوى ضابطة للتعديل باعتبار معاشرة المعدِّل للمعدَّل. الثاني: تقديم قول المعدل مطلقا، وقد يستدل له بأن احتمال اطلاع الجارح على ما خفي للمعدل معارض باحتمال اطلاع المعدل على ما خفي على الجارح من التوبة وعود الملكة، فالجرح والتعديل يتعارضان ، ثم يتساقطان ، ويرجع إلى أصالة العدالة في المسلم فيكون الوفاق والتقديم لقول المعدل( ). القول الثالث: الجمع بين كلامي المعدل والجارح فيما يمكن فيه الجمع، فلو قال المزكي هو ثقة، وقال الآخر فطمي جمعنا بينهما وقلنا إنه فطحي ثقة( ). القول الرابع : عدم إمكان الجمع بينهما كما لو عين الجارح سبب الجرح ونفاه لمعدل، مثل، إذا قال الجارح رأيته في ذلك اليوم وذلك الوقت بعينه يصلي ، فيرجع هناك إلى المرجحات في أحد الطرفين الجارح والمعدل من الأ كثرية والأورعية والأعدلية والأضبطية، ونحوها، فإذا لم يتحقق الترجيح وجب التوقف، وهذا القول محكي عن الشهيد الثاني في البداية والمحقق القمي في القوانين والفاضل النراقي في شعب المقال( ) واختاره الوحيد البهبهاني ونقله عن الأكثر( ).
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم
|