انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الاستيطان

Share |
الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 2
أستاذ المادة رفل حسين نجم الخفاجي       02/05/2017 06:45:29
الاستيطان أو العمران البشري ، فرع حديث في الدراسات الجغرافية يرتقي به العهد الى مطلع القرن العشرين 0 ولعل أبرز أهدافه هو الربط بين مظاهر السطح والخصائص الفيزيو غرافية للمكان من جهه وبين أختيار مواضع للمستوطنات لأغراض معينه من جهه أخرى 0

وحينما ينظر الجغرافي الى الصور الحالية لتوزيع المستوطنات البشرية ، فأنه يتعرف من خلال التباين في توزيع كثافة الاستيطان وتنوعة على البيئات المتنوعة والظروف الطبيعية التي خضع لها كل أقليم ، أضافة الى مقدار الجهود التي بذلها الانسان لاستقرارة ، وثبتت اقدامه فيها 0 وبتحديد هذه الانواع من المستوطنات ونوع العلاقات بين سكانها من من جهه والبيئات التي توجد فيها من جهة اخرى يصار الى تحديد الانماط المختلفة من الاستيطان 0

وقد اتسع منهج البحث في الاونة الاخيرة ليشمل النواحي الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية للمستوطنات فكما تهتم الجغرافية بدراسة الانسان حيث توزيع وانتشاره ، كذلك باستخدام الارض في مجالات مختلفة في مقدمتها اختيار الانسان موقع لاستقراره دون غيرها متخذا اياها موطن للعمران 0 ومن هنا فقد اكد (فلبريك ) في تعريفه للجغرافية تحليل وتفسير انماط سكني وتعميره للارض 0 على ان الدراسات التي تناولت العمران لم يعد التركيز فيها على انماط المساكن ومواد البناء المستخدمة بل على موضوعات تتعلق بتوزيع وتصنيف المساكن والتنظيم المكاني للمساكن والمستوطنات 0

ويبدو هذا النمط من الدراسات لاقى اهتمام المدرسة الفرنسية حيث قام العديد من روادها بدراسة مفصلة للمستوطنات كما قام الجغرافيون الالمان بدور مماثل وعنيت بها المدرسة الانكليزية التي وسعت نطاق دراستها فشملت المستوطنات الريفية مثلما شملت مراكز الحضارة واتخذ اسم جغرافية ( الأستيطان ) أو العمران البشري
ولا ريب في أن أهتمام الجغرافية بالمسكن انما هو من القبيل العناية بظاهرة من صميم حياة الانسان ومن شأن الجغرافي في تعميق النظرة الموضوعية وتوسيع دائرة البحث الميداني ، وصولا الى تقويم عملية السكن ، وأنماط المستوطنات ومتابعة العوامل المؤثرة بها 0


ويمثل الاستيطان الريفي في دراسته لأنماط المستوطنات الريفية وتطورها وتوزيعها الى جانب أهتمامه بمسكن الريفي 0 فرعا من جغرافية الاستيطان ، وتهدف جغرافية الاستيطان الريفي الى :

1- نشأت وتطور المستوطنات الريفية 0
2- السكن الدائم وغير الدائم 0
3- الانماط التوزيعية للمستوطنات الريفية وعوامل توزيعها 0
4- خصائص اتلمسكن الريفي وأنماط وتوزيعه 0
5- سكان الارياف ، مشاكلهم وصلاتهم الأقليمية 0
6- توزيعات أقليمية للمنزل القروي 0
وعلى الرغم من أن الريف سابق للحضر في العمران ، الا أن الدراسات التي تناولت الريف أرضا وعمرانا ، كانت أكثر حداثة عند الجغرافيين مقارنه بدراسات الحضرية وقد تبلورت مثل تلك الدراسات ، وأتخذت منهجا واضحا بعد الحرب العالمية الثانية 0

بيد أن هذا لا يعني أن موضوعات الأستيطان الريفي لم تعالج أو أن الجغرافيين لم يتناولوها من قبل ، فثمه دراسات تناولت الأستيطان الريفي بشكل و أخر ، ضمن أهتمات تمتد الى تاريخ أبعد من ذلك ، وعبر موضوعات اخرى في جغرافية الريف ، أو الجغرافية الزراعية ، أو الجغرافية العمرانية ، أو ضمن موضوعات أستخدام الأرض في المناطق الريفية وقد كانت مساهمات ( رتر ) (1779- 1859 ) خصبة في هذا المجال ، لا سيما خلال دراساته لانواع مساكن الريفية وأنماط توزيعها والعوامل المؤثرة فيها ، الأمر الذي يمكن أن يغزى اليه الفضل في وضع اللبنات الأولى لجغرافية الأستيطان الريفي 0

كما يعتبر ( كامل فالانكس ) من أوائل المساهمين في تثبيت الأطر النظرية لمناهج الأستيطان الريفي 0ويمثل الريف مجالا للبحث لجميع العلوم الاجتماعية ، وكان من الطبيعي أن يبدأ الجغرافيون الذين يهمهم دراسة وتحليل العلاقات بين الانسان والبيئة / في تحديد التوزيع الجغرافي بالظواهر المختلفة باتجاه الريف ويمكن أعتبار ببير جورج واحدا من أبرز الذين درس الريف وتناولوا تحليل مثل تلك العلاقات في كتابه جغرافية الريف سنتة (1963 ) ومن بين هذه الدراسات أيضا دراست متزن (1895) عن الأستيطان الريفي والوحدة السكنية في الريف وذلك في كتابه االزراعة والاستيطان في شرق وغرب المانية0


ويمثل الريف مجالا للبحث بالنسبة لجميع العلوم الاجتماعية وكان من الطبيعي ان يبدا الجغرافييون والبيئة في تحديد التوزيع الجغرافي للظواهر المختلفة باتجاه الريف ويمكن اعتبار بيير جورج واحدا من ابرز الذين درسوا وتناولوا تحليل مثل تلك العلاقات في كتابه جغرافية الريف ( 1963 ) ومن بين هذه الدراسات : دراسة متزن ( 1895 ) عن الاستيطان الريفي والوحدة السكنية في الريف الالماني وذلك في كتابه ( الزراعة والاستيطان في شرق وغرب المانية )
وقد اكد ان الاستيطان الريفي يعد واحدا من الموضوعات الاساسية في الجغرافية البشرية ويعتبر متزن ابا جغرافية الاستيطان الحديثة كما اعتبر فيدال دي لابلاش المساكن واحدا من ابرز حقول الجغرافية البشرية كما ادخل ( امري جونز ) موضوع الاستيطان الريفي ضمن الجغرافية البشرية

وللمؤتمر الجغرافي العالمي الاول الذي عقد في القاهرة عام 1925 اهمية متميزة في هذا المجال فقد صب اهتمامه على الدراسات ذات العلاقة بالاستيطان والمستوطنات الريفية وكان ذا اثر كبير في نشر الخبرات الواسعة التي نقلها عدد غير قليل من الجغرافيين العالميين لاسيما في مجال مورفولوجية القرية ونشؤئها وانماط توزيعها وفي مقدمتهم ديمانجون الذي قدم اول دراسة في مفهوم جغرافية السكن ومنهجها واصدر المؤتمر تقريرا في ثلاث مجلدات ظهرت في 1928 ـ 1930 ـ 1931
وقد اثار التقرير الذي قدم للمؤتمر الرغبة لدى الجغرافيين في معالجة الاستيطان الريفي والكتابة فيه
وقد صاحب النصف الثاني من هذا القرن ظهور دراسات ريفية تجمع بين اكثر من ظاهرة من بينها : الاستيطان الريفي والتنمية الريفية او التخطيط الريفي او الاستثما ر الزراعي كما في دراسة جيشولم ( 1962 ) وكتاب حجازي(1968)وكتاب كلوت
( 1972 ) بالاضافة الى العديد من الدراسات الاخرى التي ظهرت خلال فترة الستينات والسبعينات من هذا القرن
فيما ظهرت دراسات مستقلة تناولت الارياف والاستيطان الريفي كحقل مستقل في المعرفة الجغرافية منها كتاب كلوت ( 1977 ) وكتاب سنغ ( 1975 ) وكتاب بيكر ( 1969 )

من جهة اخرى كان للامم المتحدة دورا مضافا حيث تم عقد عدة مؤتمرات وندوات عالمية وافرواسيوية عالجت قضية الاستيطان الريفي في الاقطار النامية الى جانب نشاطات منظمة الفاو ( منظمة الغذاء والزراعة الدولية )

وتتناول دراسة الاستيطان الريفي ، المستوطنات الريفية بدءا من الخلية السكنية الصغيرة للاسرة مرورا بمجموعة الوحدات السكنية التي تشكل القرية وانتهاء بالاقليم الريفي المتمثل بمجموعة القرى والتجمعات السكنية في الارياف سواء من حيث التركيب او تخطيط الوحدات السكنية ونمط بنائها وتوزيعها او طبيعة العلاقة بين بعضها البعض الاخر وبينها وبين المجتمعات الاخرى
ومع ذلك فثمة اتجاهات في دراسة المستوطنات الريفية منها
1- ان بعض الجغرافيين يؤكدون على الخصائص والصفات المميزة للقرية
2- والاخر يولي اهمية للوظيفة باعتبارها تعكس التباين في انماط المستوطنات
3 - فيما اولى الجغرافيين المتاخرون اهتماما بالشكل والوظيفة ونشوء القرية .

ويمكن القول بان اغلب المساهمات الحديثة في جغرافية الاستيطان اتجهت الى دراسة المساكن الريفية من حيث توزيعها ومواد بنائها لاسيما للجغرافيين الالمان حيث حظيت المستوطنات الالمانية باهتمام خاص في دراسات متزن للمستوطنات الاوربية اكد فيها على مورفولوجية القرية فيما انصب اهتمام الفرنسيين على اشكال المساكن ونمط بنائها وكانت دراسة ديمانجون موجهة نحو موقع ووظيفة وحجم ونشاة وانماط توزيع المستوطنة والعوامل التي تقف خلف هذا النمط .





يمثل الاستيطان الريفي مرحلة مهمة في تطور المجتمعات البشرية بما يعكسه من اثارونتائج في المراحل التالية من تطور المجتمعات فاستقرارالانسان في بيئة معينة يعني تكيفه لاجوائها كما ينتج عن ارتباطه بالارض واتجاهه نحواستثمارها واستقراره عليها قيام نوع من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة

ان التجمعات السكانية في العالم وليدة ظروف وتفاعلات بين السكان من جهة وبينهم وبين البيئة الطبيعية من جهة اخرى وهذا ما يعمل على تجمع السكان في بيئات معينة كنوع من انواع الكفاح من اجل البقاء والاستمرار بما يصار الى شكل من اشكال التوزيع يضع الانسان في المكان الاكثر ملائمة له ولظروفه الاجتماعية والاقتصادية ،

وتمثل القرى اقدم مراكز الاستيطان البشري واكثرها انتشارا على سطح الارض فلقد اضطر الانسان الى الاستقرارعقب حقب طويلة متنقلا بحثا عن الماء والكلا والراحة والامان ومن المرجح ان استقرار الانسان هذا ارتبط اول الامر بالملاجى والكهوف التي اتخذت فيما بعد شكل المنازل الصغيرة سميت ( القرية )

ويعود ظهور القرية الى العصر الحجري الحديث خلال الفترة 10000 ـ 7000 ق . م حيث انتقل الانسان من مرحلة الجمع والالتقاط والصيد الى مرحلة الرعي والزراعة وتقترن الحضارات الزراعية بظهور القرى فهي اول مظهر من مظاهر التعاون بين السكان في العمل والنشاط الاجتماعي
ولعل اول القرى ظهرت في وادي الرافدين ووادي النيل واقليم البنجاب في الهند وربما كانت هذه القرى النويات الاولى التي تطور منها هذا النوع من العمران البشري الى المدن من جهة اخرى

ويمكن اعتبار المرحلة الاولى التي بدا فيها الانسان بانتاج الغذاء وما بعدها تاريخا متميزا في حياته بل وثورة حقيقية في التطور الحضاري البشري لان التحول من استهلاك الغذاء الى الانتاج غير من اسلوب استخدام الارض وصور توزيع الجماعات البشرية وطريقة استقرارها وتعمير الارض . ومن المعروف ان الحصول على الغذاء يمثل الوظيفة الرئيسية للقرية الاان الحاجة الى الامن لاتقل اهمبة عن ذلك ومن هذه الاهمية نجد ان توزيع الوحدات السكنية وطريقة انشائها قد تاثر كثيرا بدرجة تحقيقها للامن والاستقرارمن جهة اخرى وتلبية المتطلبات الغذائية من جهة اخرى

وعليه فان اهمية الوحدة السكنية لاتتوقف على ايجاد الماوى بل وعلى النشاط الاقتصادي الزراعي واستثمار الارض فثمة علاقة وثيقة بين خصائص السكن الربفي وانماطه وبين النشاط الاقتصادي لسكان الارياف

ولاشك فان لطول فترة التعمير البشري اثرا واضحا في حجوم مراكز الاستيطان الريفي فغالبا ما تتسم مناطق التعمير القديمة بكثافة في سكانها وتتقارب بين مستوطناتها بينما تكون الاقاليم حديثة التعمير صغيرة الحجم ومتباعدة ويبدو ان معظم المدن القديمة كانت عبارة عن قرى اندثرت اما بسبب تغيير مجاريها او بسبب تغير الظروف المناخية او الحروب والامراض والاوبئة او الاحداث السياسية ولم يبقى منها سوى الاطلال .


















التصنيف الوظيفي للاستيطان الريفي

يتفق الجغرافيون على أن الريفية كل شيء غير مصنف رسميا على أنه غير حضري ، وهذا يعني كثيرا من سكان الريفيين رسميا هم في الواقع مدنيون في العمل والموضع 0

يتوزع سكان الارياف على ثلاثة أنواع من الحرف يمكن تصنيفها على وفق ما يأتي

1- حرف أوليه : التي تعتمد على الارض مثل الزراعة ، أعمال الغابات والصيد او على البحر مثل صيد الاسماك 0
2- الحرف الثانوية : يمتهن السكان في هذه الحرفة ما يخدم حاجات السكان الأولين مثل أصحاب المتاجر والمحترفين والرسمين وعمال المواصلات 0
3- الحرف العرضية : السكان العرضيون ، وهم السكان الريفيون الذين يقتنون الريف بأختيارهم لكنهم لا يعملون في أي من النشاطات الاولية أو الثانوية ، وهم يأتون الى الريف لأتخاذه منتجعا فصليا للسكن فقط أو لكونهم من رجال الدفاع ، وأهمية هذه المجموعة بتزايد مستمر 0
ومع ذلك لأن فأن الوظيفه الرأيسية من المستوطنات الريفية هي أيواء سكان الأرياف وتوفير الحمايه لهم من الظروف الطبيعية القاسية ، وتهيئة المناسبة لحياة العائلة التي تكون الوحدة المهمه في المجتمعات الريفية في كل اقطار العالم 0

وقد وجد فنس ان السكان الريفيين الثانويين كانوا يشكلون نحو نصف سكان الريفيين الثانويين الى الاوليين تختلف تبعا للظروف الطبيعية وانواع الزراعة وانماط الاستيطان ودرجة الاتصال 0

وقد فحص روبرتسون العلاقة بين المجموعات الثلاثة من السكان الريفيين في انكلترا وويلز فاستنتج ان المقاطعات الريفية تشكل ثلاثة انواع سكانية هي :
1- زراعيون – ريفيون 0
2- ريفيون 0
3- ريفيون مدنيون0
وعادة ما يضم ( الزراعيون الريفييون ) نصف التركيب ويقل سكان العرضيون0

اما الريفيون النموذجيون فيشكلون السكان الريفيون الرئيسيون نحو 45% من المجموع بينما يشكل السكان الثانويون نحو 50% والسكان العرضيون نحو 5% وأكثر هذه الانواع انتشارا هي احزمة السكان الريفيين – المدينين حيث يقل السكان المشتغلون في الزراعة هي ثلث السكان وحيث يشكل السكان العرضيون اكثر من 25 0

ان تقرير خواص السكان الريفيين في مناطق الاقتصاد المتقدم امر شائع ففي الولايات المتحدة لاحظ زيلنسكي سبعة اصناف للسكان الريفيين غير الزراعيين هي :

1- اشخاص مدنيون اساسا يعيشون في قرى او قطع غير مبدعه على حافات المدن التي من حجم اقل من 50 الف نسمه 0
2- اشخاص متقاعدون واخرون يعملون في المدن ويسكنون في القرى 0
3- سكان قرى متكتلهمن حجوم صغيرة وكبيرة في المنطقة الريفية الكائنة خارج المدن 0
4- ريفيون يعملون في اعمال غير زراعية (لكنها ريفية ) متناثرون ومنها العمل في الغابات والصيد البحري وصيد الحيوانات البريه والتعدين وتقديم خدمات مختلفة لسكان الريف 0

5- ريفيون متناثرون يعملون في النقل والخدمات الترفيهية وخدمات الطرق اضافة الى مهن اخرى تعني بالمرور ( الترانزيت )0

6- السكان من الموظفين والعسكريين الذين يعيشون في معسكرات ريفية 0

7- الطلاب الذين يعيشون في ضواحي ريفية او مساكن عند دراستهم في الجامعات 0


وفي امريكا يؤمن الكتاب بفكرة وجود ما يعبرون عنه باسم الريف المتحضر؟؟؟
خارج حدود المنطقة التي تغطيها المباني 0 وفيه تختلف المزارع بمنازل اهل المدينة 0ويميل بعض سكان المدن عموما في الوقت الحاضر الى غزو الريف والاقامة في القرى 0

الا ان هذا الغزو في البلدان النامية يعد من اكبر المخاطر ؟؟ لكونه يقضي على مساحات كبيرة من الاراضي الزراعية المحيطة بالمدن الكبرى ويجعل من السكان الريفيين النازحين نحو المدن والمستقرين في هذه النطاقات الانتقالية عاله على المدن ومفقرين للمناطق الريفية اضافة الى صعوبة تصنيفهم هل هم حضر ام ريف لاسباب كثيرة 0

وقد وضعت بلجيكيا نظاما يسمح بالتدخل بين الريف والمدينة حيث اعطت للكثرين من عمال المصانع قطعا صغيرة من الارض ليقيموا بفلاحتها في اوقات فراغهم وهو نظام قد لا ينجح في دول اخرى لقلة معرفة العمال بالزراعة او لان عمالها ليست لديهم الرغبة في قضاء اوقات فراغهم في الزراعة اذ ان طبيعة العمل تكون مجهدة لهم 0

ان عدد السكان يمكن ان ينمو في القرى الكبيرة ولكن في اغلب القرى الموجودة في الاقاليم النائية يكون عدد المستوطنين في تلك القرى قد اخذ بالتناقص كما ان تلبية الاحتياجات للخدمات قد تقلص ، فالحرفيون يبقون ملازمين مع المنتجيين الصناعيين مما ادى الى اقفال الحوانيت وتركت العديد من المستوطنات الصغيرة خالية من اى نوع من الخدمات ما عدا دوائر البريد والدوائر العامة .

وقد حدد كلاوسن طبيعة المشاكل في المناطق الريفية المنخفضة ( عدد كبير من البلدان الريفية الصغيرة ) من التي سيقل عددها على الاغلب كما ان بغضها سوف يموت او يؤول الى الاختفاء سنة 2000 ولقد وجد برى عند دراسته لمنطقة في الولايات المتحدة خمس طبقات من المراكز السكنية هي : الضيعة ، القرية ، الحاضرة ، المدينة ، ثم العاصمة الاقليمية )









اذا كانت هنالك حرفة ما من حرف الانسان او اى نشاط من الانشطة التي تشغله ترتبط بالحياة الريفية ولها صلة وثيقة بها فان حرفة الزراعة والنشاط الزراعي تاتي اولا وتتفوق على غيرها من الحرف والانشطة لما بين الزراعة والحياة الريفية من ارتباط وتوافق وان هذا الارتباط ظل وطيدا منذ القدم وحتى الان .
ويمكن ملاحظة استعمالات الارض التالية في المناطق الريفية التي تعكس واقع التصنيف الوظيفي للمستوطنات الريفية في العالم وهي :

اولا : الاستعمالات الريفية في الاقتصاد البدائي

1 ـ جمع الغذاء والتقاطه

تمارس هذه الحرفة جماعات تخرج وتتحرك مجتمعة فهي تقوم بجمع النباتات الغذائية والجذور والفواكه وتدل حضاراتهم المادية من ادوات وملابس على بساطة العيش ومنها جماعة البوشمن والجران تشاكو الهندية






2ـ مجتمعات الصيد
وهي جماعات تعيش على الصيد المتقدم كما تقيم مساكن مؤقته اتخذتها من واقع الادوات التي تستعملها هذه الجماعات منها جماعة الاسكيمو واقزام وسط افريقيا والهنود الحمر في امريكا الشمالية






3ـ المجتمع الرعوي
تعتمد هذه الجماعات في حياتها على تربية الابقار بصفة اساسية وقد اقاموا عددا من المساكن المناسبة لهم واقاموا حضائر الماشية ان نشاط تربية الماشية والسعي وراء المراعي الغنية للحيوان استحوذت على كل جهدهم واصبحت هي الدعامة الاقتصادية الرئيسية ومنها جماعة اقليم البمبا في امريكا الجنوبية وجماعة النيلين ويدخل ضمنهم الرعاة الذين تتسم حياتهم بطابع الحركة التي تحكمها ظروف مناخية كالامطار وحركة المجتمعات البدوية التي تتبع مواسم المصادر المائية اينما وجدت











4ـ النشاط الزراعي البدائي
يشمل الزراع الذين ينهجون اسلوب بدائي بسيط للغاية في زراعتهم للارض والتي تعرف ب( الزراعة المعيشية ) التي تقوم على انتاج الغذاء لهم فقط ويدخل ضمن هذا الصنف قرى الواحات الصحراوية وقرى قبائل نهر الامزون ويشترك الصيادون والرعاة وحتى الزراع في اتخاذهم المسكن المؤقت فالسكن لديها ما هو الامظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية وهو انعكاس لنشاطهم الاقتصادي الذي هو دليل على التصنيف الوظيفي للاستيطان الريفي





ثانيا :ـ الاستعمالات الريفية في الاقتصاد المتقدم

أ ـ الزراعة المختلطة بنمطها العام والخاص

ان الاستخدام الاكبر للارض هو زراعة المحاصيل الغذائية كالقمح والشعير في اوربا والذره التي تزرع في الولايات المتحدة ويسمي هذا النظام بالزراعة المختلطة

في هذا النمط من الزراعة يهتم المزارع بالإنتاج الزراعي والإنتاج الحيواني معاً.فهو ينتج شيئاً من غذائه في حقله,فيربي أبقاره وأغنامه على أرضه ليحصل على حاجته من اللحوم والألبان كغذاء,وفي نفس الوقت يحصل على السماد العضوي الناتج عن هذه الحيوانات لإخصاب التربة,كما يقوم بزراعة بعض المحاصيل التي يحتاج إليها,فهو يزرع نباتات العلف للحيوان الذي يربيه,وهذا النوع من الإنتاج يوفر حاجته ثم يعرض ما يفيض من ذلك في السوق للمستهلكين.وقد يكون الهدف السوق بالدرجة الأولى كما في هولندا والدانمارك وفرنسا.

وهذا النمط من الانتاج الزراعي يتطلب الاهتمام بأنواع الحيوانات,واختيار السلالات الممتازة التي يخضع اختيارها لأسلوب علمي وخبرة واسعة ودراية بالصفات والخصائص ودرجة استجابتها للعناية التي توجه إليها.ويهتم الإنسان في هذه الحالة بالألبان ومنتجات الألبان التي يفرض عليه التخصص إتقانها وتجهيزها للاستهلاك




سميت بهذا الاسم لسببين ؟؟:ـ

الاول ان الارض تستخدم في انتاج غذاء للانسان والحيوان في الزراعة الواحدة
الثاني ان الاساس الاقتصادي لهذه المزارع يعتمد على المحاصيل الزراعية وعلى منتجات الالبان
ونجد ان احجام هذه المزارع من النوع المتوسط وتختلف المساحة من قطر لاخر حسب المساحة الاجمالية للارض الزراعية كما ان بعضها تكون متخصصة في انتاج الالبان الى جانب التعدد الذي يميز الزراعة المختلطة وكان هذا التعدد يقوم بخدمة التخصص الوظيفي في هذه المزارع فاصبحت تنتج الحشائش والعلف التي تساعد على زيادة انتاج الالبان وبعد التطور الصناعي وكبر حجم المراكز الحضرية زادت الحاجة لاستهلاك الالبان مما شجع عددكبير من المزارعين على التخصص في انتاج الالبان كما هو الحال في المراكز الصناعية في الولايات المتحدة وجنوب شرق استراليا


ب ـ نطاقات الحبوب

بعد التطور الذي حصل في الالات الزراعية تمكنت الجماعات الريفية من زراعة مساحات واسعة في انحاء كثيرة من الدول التي تتوفر فيها ظروف ملائمة لانتاج الحبوب كما هو الحال في اقاليم البراري والسهول العظمى وفي الاتحاد السوفيتي ويطلق عليها اسم الزراعة الواسعة او زراعة النطاقات العظمى
وتتميز انتاجية الارض في هذه المناطق بارتفاع انتاجيتها من القمح كما هو الحال في الولايات المتحدة وكندا والارجنتين والاتحاد السوفيتي وبسبب اعتماد انتاج القمح على الالات نرى ان النطاقات تتميز بنمط الانتشار والخلخلة السكانية وان الاستيطان الريفي هنا من النوع المبعثر او المنتشر كما تتميز القرى بضغر حجومها .
وان المجتمعات الريفية من اغنى المجتمعات الريفية في العالم ومزارعها من اكبر مزارع العالم من حيث المساحة







ج ـ زراعة الخضروات والفواكه

تزرع الخضروات والفواكه في بلاد كثيرة ومتنوعة الاان نمط زراعتها ارتبط باقتصاد الزراعة المتقدمة الذي هو على مستوى تجاري لذا تسمى ب ( زراعة الشاحنات ) دلالة على الارتباط بين هذا الانتاج ومراكز التسويق حيث تقوم الشاحنات بنقاه يوميا من المزارع الى الاسواق في المدن الكبيرة وقد توطنت هذه المزارع المتخصصة قرب المراكز الصناعية والمدن وذلك لقرب المناطق الريفية من المدن الرئيسية ومراكز الاستهلاك مما جعل نفقات النقل منخفضة بسبب قرب المسافة الى تلك الاسواق لذا لجا المزارعون الى التخصص النوعي مثل بانتاج نوع من الخضر او الفاكهه كالتفاح وغيرها ,




وقد استفادت من التقدم العلمي والتقني في مجال الزراعة في مواجهة المشاكل التي تواجهها او مقاومة الامراض او الظروف المناخية فاستخدمت البيوت الزجاجية لحمايتها من الصقيع او استخدام شبكة من الانابيب التي توفر الماء الساخن لتحفظ حرارة ثابتة لازمة لنمو النبات وغيرها من الاساليب الاخرى
وهكذا فقد تخصصت تلك المستوطنات بهذا النوع من الانتاج الزراعي الذي يدر ارباحا عليهم مما اثر على مستوياتهم المعيشية المرتفعة كما ساعدهم على توفير خدمات كبيرة لعوائلهم في وحداتهم السكنية اذ اصبحت ذات مستوى مرموق من التصميم او مواد البناء المستخدمة فيها .


ثالثا : استعمالات الارض الريفية في المناطق ذات المناخ المداري المطير















رابعا : استعمالات الارض لاغراض غير زراعية

بعد التطورات التي حدثت على المناطق الريفية واتساع المناطق الحضرية وزحفها نحو الارياف ظهرت استعمالات للارض غير زراعية مما حدا بالباحثين الى دراستها مثل دنكان ورايس اذ خصص دراسة عن الريف غير الزراعي باعتبارها اجزاء ثانوية لمناطق الاطراف الحضرية

وقد تحولت العديد من المناطق الريفية الى ضواح على مقربة من المدن ومنها الضواحي الجميلة في مناطق الارياف التي اعدت كمناطق للراحة لقضاء العطل بسبب ماتمتاز به من اتساع وانفتاح وبعد عن مناطق الازدحام او انها ذات موضع جيد كوقوعها على جهة مائية او على بحيرة كما ان بعضها اصبح بيوتا للراحة او مصحات او اماكن لقضاء فترة نقاهة








ومن الضواحي التي تقع في المناطق الريفية هي الضواحي الصناعية وان ما يوفره الريف من مواد اولية للصناعة الزراعية وخاصة صناعة المواد الغذائية مثل صناعة السكر والتعليب والزيوت النباتية ومنتجات الالبان وضرورة انشاء العديد منها قرب الحقول الزراعية التي تنتجهاجعل من المناطق الريفية بيئة صالحة لاقامة تلك الصناعات واصبحت تلك المناطق تشهد اقامة صناعات متقدمة وشجع ذلك ماتوفره من ارض ذات سعر مشجع واجور عمل منخفضة .
كما ان الصناعات التقليدية الريفية التي كانت موجودة في الارياف قد حولت في كثير من الاقطار الى صناعات حديثة وابقيت في مواقعها في المناطق الريفية بقصد الاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى اولئك السكان .































ان دراسة مورفولجية القرية لها بعدان ،يتمثل احدهما في شكل القرية وتكوينها وامتداد وحداتها السكنية ،ويتمثل الاخر في تصميم المسكن الريفي وبنائه وتكوينه ،وعليه فأن اهتمام مثل هذه الدراسة ينصب على المظهر العام للمركز السكني وما تحقق من تطورات في البناء او تصميم او التوسع العمراني ومن ثم فهي التعبير الحقيقي عن التفاعل بين الشكل العام للوحدة السكنية وطبيعة الوظائف التي تؤديها

ويختلف المسكن الريفي في مساحته وشكله كما يختلف في نمط ومواد بنائه فمنه البسيط المتواضع ومنه المخطط وبعضها ذات طابق واحد وقليل منها ذات طابقيين ومنها مابني من طين ولبن واخرى من طابوق او حجر او قصب او بردي

وقد استطاع متزن في دراسته للاستيطان الريفي في اوربا من تميز نمطي التركز والانتشار السكني بينما اهتمت دراسة دمانجون الفرنسي باشكال المساكن الريفية ومواد بنائها والمعلوم ان التغيرات التي طرات على شكل وتكوين الريف الاوربي خلال النصف الثاني من هذا القرن كانت سريعة وعميقة لاسيما في مجال النقل والمواصلات مما سبب اخفاء الكثير من ملامحها الاصلية





تمثل الدراسات الجغرافية لاشكال وصور بناء المسكن الريفي اضافة اساسية تمدنا بصورة غير مباشرة بافكار وتصورات ومشاعر الانسان حول البناء واشكاله وصورتكوينه في الاختلافات في مثل هذه المتغيرات يمكن ان ترتبط بصورة او باخرى باختلافات البيئه بشكل ما تمثله من قيم وامكانات مادية وغير مادية وقد حاول ((كنيفين)) جهده في الوصول الى تعبير مكاني للافكارالخاصة ببناء وتصميم الوحدات السكنية في الولايات المتحدة
ومن الممكن دراسة السكن الريفي كظاهرة جغرافية تدخلة في تشكيلها عوامل كثيرة فالسكن الريفي هو انعكاس صادق لظروف البيئة والمجتمع ومن المعروف ان طرازا مثل المسكن على الرغم من بساطة الخبرة الفنية والهندسية المستخدمة في تشيدة هو وليد معرفة الفلاح بطبيعة بيئته لذا فقد جاء منسجم مع ظروف هذه البيئة وحسب حاجته حيث يظهر ذلك في التباين بين شكل وتصميم الوحدة السكنية من حيث المساحة وعدد الغرف ومواقعها
اشكال المساكن الريفية

وتميل المساكن الريفية في امتدادتها الى الشكل المستطيل او ما يسمى ( النمط الشريطي ) مع امتداد مجاري الانهار او طرق النقل



فيما تتخذ شكل دائري حيث تقوم الطرق الملتوية كما تتسم بعض القرى بتفرق وحداته السكنية حيث يفصل فناء واسع بين بعضها البعض وهناك القرى النجمية التي تمتد اطرافها من المرتفع والمنخفض من خطوط الكنتور وذلك رغبة من اهلها في الاستفادة من غابة او مرعى الى جانب زراعة الارض مثل قرى غرب اوربا

وتتخذ المساكن الريفية في قرى المناطق الجبلية شكلا مثلثا تتسع فيه القاعدة اسفل المرتفع ويمتد رأسه باتجاه القمة حيث تبدأ الوحدات السكنية قرب الوادي ثم تأخذ في الامتداد فوق المنحدر على هيئة صفوف من المدرجات حتى منتصف المنحدر او اعلى قليلا واصبح عرفا استغلال كل عائلة سطح المنزل الذي امام مسكنها لاغراضها الخاصة وتأخذ المدرجات المشتملة على تجمعات البيوت في التقلص كلما اتجهنا نحو اعلى المرتفع ويتناقص عددها حتى يصبح المدرج الاعلى عبارة عن مجمع واحد يضم مساكن قليلة وهكذا تأخذ القرية شكلا هلرميا في توزيع مساكنها
من جهة اخرى فان التوسع بالبناء يفقدها في بعض الاحيان شكلها الاصلي ، ان ثمة ثلاث مراحل تتسم بها القرية الجبلية في نشوئها وتطورها تمثل المرحلة الاولى التي تضم المساكن التي بنيت مع نشوء القرية وتتجمع على سفح الجبل بخطوط موازية لبعضها بينما يتجه السكان في المرحلة الثانية الى احتلال الجهات العليا من المرتفع صعوبة البناء وتعرضها الى الظروف الطبيعية من رياح وسيول وامطار ، اما المرحلة الثالثة فتتميز بزيادة عدد الوحدات السكنية حول القرية الاصلية باستثناء الجهات العليا لذا فان امتداد القرية وتوسعها يكون باتجاه الشرق والغرب حيث مقدمات الجبل والارض المنبسطة لاسيما في الظروف الاعتيادية حيث يتوفر الامن والاستقرار بالاضافة الى عوامل اخرى لها دور بارز في نمو ونشوء القرية منها : امتداد المرتفع ودرجة انحداره وكمية الموارد المائية ومصدرها .


وقد ادى اتساع رقعة القرية في الناطق المنبسطة الى انتشار الوحدات السكنية ولعل ما يزيد من وضوح هذه الظاهرة هو حجم القرية الكبير نسبيا بحيث تقوم مجموعة من المساكن حول القرية فيما تتفرق غيرها وتتخذ الوحدات عدة اشكال منها المستطيلة او الدائرية
والاساليب الزراعية دور في تشكيل القرية ، فالارض التي تزرع جماعيا كما في وسط اوربا تبني القرى المجمعة في مكان يتوسط الاراضي الزراعية كي يسهل استثمار الارض والوصول اليها بسهولة اما اذا امتلك الفلاح عدة قطع من الارض الزراعية فمن مصلحته السكن ايضا قريبا وفي مكان مركزي من الحقل فتاخذ شكلا مربعا او دائريا او نجميا تبعا لشبكة الطرق الخارجة المتجهة من مركز القرية

وللموضع اهمية في تقرير شكل القرية فقد تاخذ شكلا طوليا اذا اقيمت في واد ضيق محاط بحافتين جبليتين وكذلك قرى الضفاف النهرية اما القرى الموجودة اعلى التلال او الجزرفتاخذ شكلا مربعا او دائريا بسبب صغر المساحة المخصصة للقرية بينما تتحكم سعة المساحة المروية في الجهات الصحراوية بحجم وشكل القرية فتتوزع المساكن فيها على امتداد جدول او مشروع مائي او بئر او اية مصادر مائية اخرى .





لعل ابسط انواع المساكن الريفية هو البيت المنفرد المؤلف من غرفة واحدة يستعملها الفلاح وعائلته مسكنا لهم او لايواء الحيوانات وحفظ غلاله ايضا لذا فهو مضطر الى تقسيم الغرفة احيانا بحاجز من طين يفصل بين الجزء الذي يستعمله وعائلته والاخر المخصص للحيوان كما هو الحال في السودان والصومال . وكلما ازداد حجم العائلة ازداد عدد الغرف واتسع حجم المسكن وكنتيجة لانفصال الاسرة واستقلالها عن العائلة الرئيسة فقد يحدث تغييرا في حجم وتصميم المسكن اذ يميل الى الصغر كما وان زيادة عدد السكان يؤدي غالبا الى الزيادة في عدد الوحدات السكنية

وتبنى المساكن في الغالب من طابق واحد؟ وربما مرد ذلك الى طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تؤكد على العزل الاجتماعي الى جانب السعة الارض وطبيعة المواد المحلية التي تستخدم في البناء الريفي .

وتتميز الوحدات السكنية في المناطق المرتفعة كما هو الحال في شمال العراق بكونها تضم اكثر من غرفة وتحتوي معظم الغرف على فتحات دائرية او مربعة وربما على شباك واحد صغير تقوم هذه الفتحات مقام النوافذ اما الابواب فتكون صغيرة لاتسمح بمرور الانسان دون ان يحني قامته . ويعزى قلة وصغر الفتحات ونمط المداخل والابواب الى عوامل عديدة في مقدمتها انخفاض درجات الحرارة شتاءا وتاثير الرياح الباردة اضافة الى الاقتصاد في نفقات البناء ثم عدم الالمام بالنواحي الفنية ,



وتقوم المساكن في تلك المناطق على السفوح المواجهة للشمس ، وعلى ارتفاعات معينة وفي ظل المرتفعات حيث تكون درجات الحرارة اكثر ملائمة وفي مامن من الرياح الباردة ومثل هذه الظاهرة ، اكسبت البيوت القروية منظرا متميزا فظهورها الى الخارج تبدو مرتفعة قليلا عن الارض فيما يصل ارتفاعها من الداخل الى بضعة امتار وتميل السقوف قليلا ؟ لتساعد على انحدار مياه الامطار والثلوج ولذلك فان بنائها على السفوح يحول دون تجمع المياه وتراكم الثلوج اما المناطق المنبسطة لاسيما الحارة تكون الفتحات الرباعية او المستطيلة واحيانا الدائرية في الغرف وسيلة لتحديد اتجاه الرياح ودخول اشعة الشمس ,




وعليه فان للمناخ دورا مهما في تصميم وشكل المسكن الريفي لذا يلاحظ وجود ميل في السقوف في المناطق الممطرة كما يظهر تاثير المناخ على سمك الجدران للتخفيف من تاثيرات الجو ففي موسم البرد في المناطق القطبية تقيم جماعات الاسكيمو مساكنهم من كتل الجليد في شكل قبابي مستدير ثم يبطن هذا الجدران السميك بطبقة من جلد الحيوان مع ترك فراغ بين الحائط الجليدي والجلد كطبقة هوائية عازلة ـ ويكون مستوى الارض السكنية منخفضا لعمق يتراوح بين نصف متر ومتر عن مستوى السطح الخارجي للارض والشكل القبابي للمناطق القطبية يلائم المناخ القطبي ببرودته الشديدة ورياحه المثلجة


وفي الاقاليم الحارة يقام المسكن الريفي بطريقة تسمح بوجود اجزاء مكشوفة تسمى ( الحوش ) مع زيادة في سمك الجدران للحماية من حرارة الشمس اضافة الى وجود نظام الفتحات التي تسمح بمرور التيارات الهوائية وقد تاخذ الشكل القبابي المطلي باللون الابيض لتبديد اكبر قدر من الحرارة وعكس اشعة الشمس كما هو الحال في شمال افريقيا وصعيد مصر .

ويقتصد سكان المناطق الحارة كثيرا في فتحات النوافذ عكس سكان المناطق المطيرة اذ يبالغون في توسيع الفتحات للنوافذ ، وقد انتشر اخيرا نظام بناء المساكن ذات الجدران البلورية او الزجاجية التي تتعرض لاشعة الشمس وذلك لاكتساب اقصى فائدة من تلك الاشعة بينما تضيق الفتحات من نوافذ وابواب في المناطق الباردة ويخصص مكان للتدفئة ينساب دخانها الى المداخن المرتفعة مما تعد من علامات البيئة الباردة .






على الرغم من عدم وجود تخطيط مسبق لبناء الوحدات السكنية في الارياف عموما الا ان هنالك قواعد مشتركة متفق عليها من خلال التراكم في التجارب والارث التاريخي لذا فان المسكن الريفي يضم :
1 ـ غرفة النوم 2 ـ الحوش

3 ـ المخزن 4 ـ المضيف ( احيانا )

5 ـ الحظيرة

وتختلف هذه المكونات سعة ونوعا؟ باختلاف حجم العائلة ومتطلباتها والمستوى المعيشي لها : وفيما ياتي تعريف لهذه المكونات :




1 ـ غرف النوم

لايكاد يخلو المسكن الريفي من غرفة او اكثر خاصة بنوم افراد العائلة وذلك تبعا لحجم ومقدار انتاجية العائلة الزراعية ، وقد تكون الغرفة على شكل مستطيل او مربع .

2 ـ المضيف
ويعكس المستوى الاجتماعي والاقتصادي للعائلة ، الى جانب كونه مكان لتناول الطعام والمقر الذي يقيم فيه الغرباءاو الضيوف ويمكن القول بان مكانة الفرد في القرية ترتبط بسعة ونمط بناء مضيفه والذي يختلف سمة وشكلا تبعا لمكانة العائلة الاجتماعية والاقتصادية ويكون المضيف في العادة قريب من الباب الخارجي للمسكن معزولا عن بقية الغرف كما يتجه الباب الى الخارج توفيرا للعزل الاجتماعي .

3 ـ الطارمة
وهي تمثل غرفة مفتوحة على الحوش وتستخدم لجلوس افراد العائلة لسمرها او تناول الطعام

4ـ الحوش
وهو ساحة مكشوفة تتوسط المسكن الريفي وتتوزع على جوانبها الغرف المختلفة ويساعد وجوده على تهوية المسكن وتلطيف الجو صيفا ووصول اشعة الشمس الى البيت شتاءا كما يمثل الساحة التي تتحرك فيها العائلة ومقر جلوسها ايضا الى جانب كونه المكان المناسب لنوم العائلة صيفا كما يستعمل احيانا لايواء الحيوانات واغلب هذه المساكن لها مدخل واحد تشترك في استعماله العائلة وحيواناتها



5ـ الحظيرة
وهي مأوى للحيوانات وتبنى منفصلة عن المسكن وتغلق ليلا للمحافظة على الحيوانات وتحاط بسياج المسكن حيث يكون الدخول لها من ضمن بابه ويقع بالقرب منها مخزن العلف والذي تتحدد مساحته بنوع وعدد الحيوانات التي تملكها العائلة كما يستخدم لخزن الاعلاف خلال الشتاء

ومن المعلوم ان تصميم وبناء المسكن الريفي ترتبط اساسا بالوظيفة الاقتصادية للعائلة زراعية كانت او رعوية او كليهما او ان العائلة تعنى بالصيد او قطع الاخشاب فترتبط بالمستوى الاقتصادي للعائلة فالعائلة الريفية التي تزاول تربية الحيوان تمتلك مساحات من الارض تخصص منها مساحة واسعة للسكن فيما نجد تلك التي تتخصص في زراعة المحاصيل تمتلك مساحة صغيرة لكون الوحدة السكنية تقتصر على ايواء العائلة فقط .





يعتبر المسكن الريفي اصدق تعبير عن الطبيعة البيئة الريفية مقارنة بالمسكن الحضري تقسم مواد البناء من حيث المادة الاولية المنتجة لها الى الطبيعية المست/*خرجة من الارض وتستعمل مباشرة في البناء مثل الطين ، الرمل ، الحجر
والصناعية وهي المواد البنائية المصنوعة مثل الزجاج ، الطابوق ، الاسمنت ..الخ
ان طبيعة المسكن الريفي وتوفر مواد البناء ترتبط ارتباطا وثيقا بـ :-
1 – المستوى الاقتصادي للانسان.
2- الغرض من البناء
3- اسلوب معيشة الانسان


بعض القرى مبينية من الطين


واخرى بالاخشاب من الغابات مثل امريكا الشمالية




افريقيا يستخدم السكان الحشائش واغصان الاشجار


اما سكان المناطق الجافة وشبه الجافة يستخدمون التراب او الطين بشكل قوالبة تجفف امام الشمس وتفخر لتزداد صلابتها
اما الاقاليم الغزيرة الامطار تبنى من مواد مقاومة للرطوبة وبصورة مائلة لتصريف المياة
اما مناطق الاهوار والمستنقعات فتبنى من القصب والبردي


جماعات الاسكيمو التي ذكرناها سابقا من الثلج وهكذا فالبيئة تلعب دورا مهما في اختيار مواد البناء في المناطق الريفية .








































التوزيع الجغرافي للمستوطنات الريفية

التوزيع الجغرافي للمستوطنات الريفية:-
يميل الإنسان منذ انتشاره على سطح الأرض إلى العيش في جماعة وكلما كبر حجم هذه الجماعة كان ذلك عاملاً في الزيادة أمنها واستقرارها. فلا غرو إن يكون النمط المجمع للسكان أول صور الاستقرار البشري في العالم بينها ظهر الاستيطان المنتشر على اثر توفر الأمن والحماية للإنسان, وعلية, فأن النمط المجمع سابق لنمط الانتشار. ولعل مايدل على ذلك طبيعة الحياة الاجتماعية للجماعات البدائية لاسيما لدى جماعات الهنود الحمر وسكان البور في أمريكا الجنوبية.
من جهة أخرى, فان أقاليم الزراعية الكثيفة, تزدحم بالقوى حيث تميل الوحدات السكنية, إزاء ضيق مساحة الأرض الزراعية, الى التلاصق, كما في المستوطنات الريفية المصرية والهندية وفي وديان الجنوب الغربي من الجزيرة الزراعية, مما اطر السكان إلى بناء قراهم فوق القنوات المائية في شكل وحدات سكنية شبهه عائمة ومستقرة, كما يلاحظ ذلك في بعض جهات دلتا الصين, وفي بورنيو الشمالية. والى جانب الاستيطان الكثيف في اليابان ثمة مستوطنات ريفية تظم (15-20) وحدة سكنية زراعية, في حين نجد نمط الانتشار في جزيرة هو كايدو وفي الغرب الأوسط من الولايات المتحدة (1)
والطابع المميز للاستيطان الريفي الإفريقي هو التركيز في إقليم جنوب الصحراء الكبرى, حيث القرى المجمعة والمتقاربة في نيجيريا, إلى جانب مراكز الاستيطان الريفي المنتشرة والمتبعثرة.
وعلى الرغم من ان ((متزن)) خرج بنمطين من المستوطنات وهما: المركز والمنتشر, في أوربا, إلا إن التطورات السريعة في النقل والمواصلات أدت إلى الإخلال في أنظمة التوزيع هذه, فبينما تمثل القرى المركزة, النمط الرئيس في وشمال شرق فرنسا, فانه يمكن تتبع الاستيطان المنتشر لافي بريتانى وإقليم وسط فرنسا. ويبرز الاستيطان المختلط في الأقاليم الجنوبية والشرقية والجنوبية الشرقية, وهو نمط يجمع بين التركز والانتشار.




ويرتبط الاستيطان الريفي في ألمانيا بالتغيرات التي طرأت على البيئة في عصورها التاريخية, حيث كان الامتداد والتوسع في الاستيطان قد سار جنبا الى جنب مع التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي ميزت كل مرحلة تاريخية , وما زال الاستيطان المبعثر الذي ارتبط بأراضي اللويس له انطباعاته على النمط الحالي للاستيطان.
ويمكن إن نلاحظ نوعا أخر من الاستيطان يعرف بقرى الشارع الواحد وتنشأ مثل هذه القرى عادة على جانبي الطرق الرئيس للموصلات. كما ان هناك نوعا من القرى المستديرة. وتنتشر الأقاليم الحديثة او الهامشية بين مناطق الجرمانية والسلافية.(1)
وفي بريطانيا يلاحظ نظام الاستيطان الر يفي المنتشر للمستوطنات في الأراضي المنخفضة والسهلية, ونظام الاستيطان الريفي المبعثر في الأجزاء المرتفعة وفي الغرب والشمال كذلك.
ويسود النمط المبعثر في كل من ايرلندة واسكتلنده, فيما جاء النمط المنتشر تاليا لمرحلة التغير الأول التي اتسمت بالتركيز في الاستيطان الريفي.

وقد ارتبط تعمير العالم الجديد بنوعية وخلفية المستوطنين, والخبرات التي نقلها هؤلاء إلى موطنهم الثاني وقد برز تأثير خطوط المواصلات في توزيع مراكز الاستيطان, ولاسيما في سكك الحديد, كما فرض إحكام تخطيط الاستيطان واستخدام الأرض, نظام الانتشار على شكل وتصميم المستوطنات.
وللتاريخ الاستيطاني, دور في تشكيل أنماط الاستقرار وصوره.. ففي المناطق التي قامت على أساس الاستيطان المجمع, رافقتها أنماط أخرى من المستوطنات وبأشكال مختلفة, كالقرى الشريطية أو الطولية والقرى النجمية والمربعة.(1)



أنماط توزيع المستوطنات الريفية :-
يمثل التوزيع الجغرافي للمستوطنات الريفية حجر الزاوية في الدراسات ذات العلاقة بجغرافية الاستيطان الريفي, وصولا إلى الكشف عن الأنماط التوزيعية من جهة, وعوامل توزيعها من جهة أخرى.
والنمط pattern مصطلح يتردد كثيرا في الدراسات العلمية,ويستخدم للدلالة على التوزيع وهو عند الجغرافيين الشكل الذي تنتظم بموجبه العناصر فوق سطح الأرض.(2) ويعبر النمط في هذه الدراسة عن توزيع المراكز الريفية, والنظام الذي تتخذه في التوزيع.
وكما تختلف المستوطنات الريفية في إحجامها, تختلف كذلك في صور توزيعها وانتشارها. فمن القرى ما تتخذ إشكالا هندسية منتظمة ومنها ما تتبعثر بغير انتظام. وبينما تتخذ بعض منها شكل تجمعات مركزية, يتوزع بعض آخر على امتداد الطرق والأنهار .
ويمكن التعرف على أنماط الاستيطان الريفي من خلال دراسة العلاقة بين الوحدات السكنية وطريقة توزيعها, ولتحديد نوع هذه العلاقة يمكن الحصول على طريقة توصيلية لمنطقة الدراسة وتثبيت عليها الوحدات السكنية او سواها من المباني والمنشآت على شكل نقاط(1).
ومن المهم إن نعطي للبعد التاريخي اهميتة, لأن الاستقرار الريفي لم يصل إلى وضعة الحالي إلا بعد سلسلة من التطورات العديدة, فكم من مراكز سكنية نشأت ثم اندثرت وقامت فوقها أو بالقرب منها غيرها من المستوطنات, وكم من تغيرات طرأت على نوع الاستيطان واستحدثت أساليب جديدة في تصميم البناء, أو في شكله الهندسي.
ولاشك إن ثمة علاقة بين نمط انتشار وتوزيع المستوطنات الريفية وعوامل توقيعها. فالاختلاف في البيئة الطبيعية من سطح ومناخ ونبات ومياه, من شأنه إن يؤدي إلى خلق قيم مكانية متفاوتة يتولى الإنسان مهمة اختيار الأنسب منها لغرض استيطان ومزاولة نشاطه الاقتصادي وقد أكد هاكيت (Hagget) إن للموارد الطبيعية دورا مهما في تحديد نمط الاستيطان.


فمن القرى ما تتخذ امتدادا طوليا على مجرى نهر أو امتداد طريق, ومنها ما تتوزع بشكل متجانس تبعا لانتشارها الموارد الاقتصادية, أو قد تتجمع في مركز واحد طالما يقتصر المورد على بئر ما أو موضع حماية, الآمر الذي ينتج عنه نمطا متجمعا.(1)
وبينما يرى سكارين Scarin إن القرى لم تنشأ حيث تتوفر المياه وإنما أقامها الإنسان حيثما وجد في نفسه الرغبة في الاستقرار ووجد في المياه القريبة ما يسد حاجاته وحاجة زارعته وحيواناته (2).
ويستعين الجغرافيون في الكشف عن أنماط الاستيطان الريفي بإحدى الطريقتين : الملاحظة الشخصية المباشرة وتحليل الإحصاءات, وربما كان الاعتماد على الملاحظة المباشرة مدعما بالخرائط أفضل الطريقتين, بيد انه لامناص من الاستعانة بالبيانات المتوفرة للخروج بنتائج أكثر دقة وواقعية.

1- الاستيطان المنعزل :-
وفية يتخذ الإنسان وعائلته سكنا له على أرضه الزراعية, ليتولى بنفسه العمل فيها والإشراف عليها. وقد يبنى الفلاح حظائر حول منزله لحيواناته, ومخازن ومنشآت أخرى يحتاج إليها , وربما يبني غيظا عددا من بيوت العمال المساعدين له, في الأراضي الواسعة ذات الملكيات المتباعدة.
ومن المعروف إن الإنسان يميل عادة إلى السكن الجماعي إلا إن ثمة أسباب تدعوه أحيانا إلى الاستيطان منفردا وينتشر مثل هذا النمط من المستوطنات حيثما يكون وجود الفلاح ضروريا بالقرب من حقله ومزرعته, كما يظهر في الأقاليم التي تكون مساحه الملكيات الزراعية فيها كبيرة. ويمكن ملاحظته مثل هذا النوع من الاستيطان في الريف الكندي والريف الأمريكي, وفي استراليا ونيوزيلندة وفي الأرجنتين حيث الأراضي الواسعة التي تساعد على انفراد بعض الأسر والاقامه وسط مزارعهم. كما إن خصوبة التربة وكثرة الغابات والمسطحات المائية عوامل تميل إلى الاستيطان المنفرد.
وتسود الملكيات الفردية في الجهات الجبلية بشكل مميز حيث مظاهر السطح متقطعة والتضاريس متباينة, كما يلاحظ ذلك في مرتفعات أوربا ولاسيما في سويسرة والنمسا, وفي المناطق الجبلية من آسيا ومرتفعات شرق افريقية(1).

ومن المميزات هذا النمط من الاستيطان قرب الفلاح من مزرعته وسهوله إشرافه عليها, بيد إن عزلته عن الآخرين تحدد علاقاته الاجتماعية ولا تساعد على التوفير الخدمات الأساسية له ولإفراد أسرته, لاسيما بالنسبة لخدمات الماء والكهرباء والمرافق التعليمية والصحية والمواصلات.
وبهدف تجاوز بعض سلبيات هذا النوع من الاستيطان عمد الفلاحون الى بناء منازلهم على أرضهم في الموضع الذي تلتقي فيه مزارع غيرهم فيجتمع بذلك عدد من الوحدات السكنية في مجتمع متقارب, الأمر الذي يمكن ان يزيل الوحدة والعزلة, ويقلل من نفقات الخدمات والمرافق العامة للسكان كما موضح في الشكل (14).












2- الاستيطان المنتشر:-
ويتمثل هذا النوع من الاستيطان في الأقاليم ذات العمق الحضاري, إذ ظهرت خلالها الحكومات المركزية وساد نوع من الأمن والاستقرار, تحرر الإنسان خلالها- والى حد كبير- من عقدة الجماعة وحمايتها للفرد. وتتوزع فيه المراكز الريفية عشوائيا وبغير انتظام.
ويمكن هذا النمط طبيعة التوزيع الجغرافي للموارد المائية التي تعتمد عليها مراكز الاستيطان, والوضع الطبوغرافي. ومن المعلوم إن قلة الموارد السطحية وجفاف المناخ يدفعان السكان إلى استثمار المياه الجوفية المتمثلة بمياه الآبار والعيون والكهاريز المنتشرة بغير انتظام واتخاذ مواضع لها عندها بالقرب منها, كما في العديد من نواحي المنطقة الجبلية في العراق. فلا غروا ان يتسم التوزيع فيها بنمط الانتشار (1). شكل رقم (15)
ويزداد الانتشار في المراكز الريفية, بشكل طردي حيث تكون مظاهر السطح متقطعة والتضاريس متباينة, كما تصبح المستوطنات أكثر انتشار حيثما توفرت المياه, وكانت هناك كفاية في الإمطار, كما في سهل جوما في الهند(2).
إن هذه الأنواع من المستوطنات, إنما هي وليدة تطور استيطاني استمر قرونا, تغيرت خلالها أفكار الإنسان, عن السكن والحياة, والأساليب التي كان يستخدمها في استثمار الأرض. لذلك فأن التطور في وسائل الإنتاج وأساليب الزراعة سهل العمل على زراعة مساحات جديدة الأمر الذي شجع على انتشار المتوطنات (2) . بهذا النمط في المناطق السهلية .






3- الاستيطان المجمع (المحتشد):
وفيه تتخذ المستوطنات الريفية, تجمعات منتظمة أو غير منتظمة لكنها تتسم بتقاربها وتجاورها. ومن الطبيعي إن تكون السهول والأراضي الصالحة للزراعة, وخاصة في مناطق ذات طبيعة صعبة (كالجبال, الاهوار ومناطق الجفاف...........) وكذلك في مناطق الثروات المتنوعة مدعاة لظهور مثل هذا النمط من الاستيطان. وتمثل الأنهار في المناطق الجافة والشبه الجافة أكثر المواطن جذبا للسكان.
ويعتبر الاستيطان ((الجمع)) أكثر الأنماط انتشارا وأقدمها تاريخا وقد يرجع ظهوره إلى العصر الحجري الثالث. ويمكن القول بأن هذا النوع من الاستيطان يعد أول مظهر للتفاوت بين الجماعات سواء في النشاط الاقتصادي أو في النواحي الاجتماعية ولعل قرى وادي الرافدين ووادي النيل ووادي السند, تمثل النويات الأولى التي تطور عنها العمران البشري إلى المدن(1).
لقد دفعت ظروف العمل الإنسان إلى السكن في قرى محتشدة وعلى مساحة صغيرة من الأرض. كما إن حاجته إلى المياه دفعته إلى السكن الجماعي للاستفادة المشتركة منها. وقد تصبح المناطق الجبلية, ولاسيما تلك التي تتسم بمواجهة الشمس او حمايتها موضعا مناسبا لتجمع السكان وبناء مستوطناتهم.
ويعيش السكان في هذا النمط من المستوطنات في منازل متجاورة وتبعد القرية عن الموزعة مسافة تختلف حسب نوع المزرعة وشكلها كما تختلف القرى المجمعة من حيث الحجم تبعا للموارد المحلية المتاحة وقدرة الإنسان على استغلالها. بضع ففي البيئات الفقيرة التي تقع على حافة الصحراء لا يزيد عدد مساكن القرية على بضع وحدات صغيرة, في يرتفع العدد في الأقاليم وفيرة المياه إلى العشرات من الوحدات السكنية.
ومن المعلوم, إن القرية تعبير نظامي عن نمط الحياة فقد تزدحم حول مجاري الأنهار أو على هضبة أو مرتفع. وقد تفضل السهول والمنخفضات وكثيرا ما تكتشف الأسماء عن العلاقة بين بعضها والبعض الأخر. وربما تكون للقرية الأصلية, قرية نظيرة لها تقع غير بعيدة عنها. وتتخذ أحيانا, اسما مصغرا من اسم القرية الأولى.



وعموما, فأنه حيثما تتوفر, تربة خصبة في الجهات السهلية وتضاريس مماثلة نسبيا, فان القرية المحتشدة, هي القاعدة, وهي ظاهرة لا تلاحظ فقط في أوربا, وإنما أيضا في مناطق في الصين وفي ترب اللويس كذلك.
إن مثل هذه المستوطنات, وان تباينت إشكالها- حيث تعزى في الغالب إلى الاختلافات المناخية أو التباين في مراحل التطور الاجتماعي- فإنها تعبير عن الحاجة إلى مكان ما لإقامة نشاط اقتصادي يتمثل في الزراعة وتربية الحيوان.
ان ضرورة التعاون في تنظيم المياه والسيطرة عليها واستخراج المياه من الآبار, وإعداد الأرض لجعلها أكثر ملائمة للاستثمار, يصار إلى تجمع المزارعين, وظهور القرى الكبيرة. فمن المعروف إن إعمال الزراعة المتنوعة, لاسيما في الأقطار التي تستعمل أسلوب الزراعة الكثيفة, وحيث توجد الحاجة إلى الأيدي العاملة, وضرورة العمل الجماعي في الزراعة. تشجع الناس على السكن في قرى مجمعة رغبة في التعاون. كما يلاحظ ذلك بوضوح في مصر والهند والباكستان وفي اليمن حيث يسكن الناس في قرى ذات أبراج يتألف كل برج من (6-8) طابق, تقع مباشرة فوق الأرض الزراعية. كما إن أكثر من نصف القرية الصينية يجمعها غطاء واحد. من جهة أخرى فأن استثمار الأرض ونظام الملكية العامة, يتطلبان العيش في قرى مجمعة, كما في قرى التعاونيات الزراعية والمزارع الجماعية ومزارع الدولة (1) .
وكما تختلف إحجام القرى في هذا النمط من المستوطنات, تختلف إشكالها أيضا. فقد تأخذ أشكالا هندسية منتظمة, تكشف عن قيمة الأرض وحرص أهلها على عدم التفريط فيها من اجل السكن. ومن بينها الشكل الخطي Linear حيث تمتد الوحدات السكنية على طول الطرق والأنهار والقنوات الملاحية, وقد توسع هذا الشكل من الاستيطان بعد تقدم المواصلات البرية, كطرق السيارات وسكك الحديد... ومن أمثلة هذه القرى ألقائمه على ضفاف نهري دجلة والفرات ووادي النيل شكل رقم (16) .
وللوضع تأثير كبير في شكل القرية وموقعها, فقد تأخذ شكلا طوليا, إذا نمت واد ضيق محاط بحافتين جبليتين أو مسطحين مائيين... كذلك قرى ضفاف الأنهار في حين تأخذ القرى التي تقع على رؤوس التلال أو في الجزر إشكالا مربعة أو دائرية, بسبب صغر الأرض التي يمكن قيام القرية عليها.
إما قرى الصحاري والواحات فان مساحتها وشكلها يخصصان لطبيعة الأرض التي يمكن إن تصلها المياه.
وفي أودية انهار الشرق الأوسط تقوم كبيرة ذات شكل اقرب إلى (الدائرة) منه إلى (المربع) بيد انه سرعان ما يتغير شكلها وحجمها وربما وظيفتها أيضا عند مرور طريق حديث خلالها أو بالقرب منها.
والقرى النجميه شكل أخر من المتوطنات, حيث تمتد إطرافها مع المرتفع أو المنخفض من خط الكنتور وذلك رغبة من السكان في الاستفادة من استثمار الأرض ويلاحظ ذلك في الكثير من قرى أوربا الغربية (1) .
ولأساليب الزراعة دور في تحديد شكل القرية ... ففي المناطق التي تزرع جماعيا, كما في وسط أوربا- مثلا- تبنى القرى محتشدة في مكان يتوسط الأرض الزراعية, كما يسهل استثمارها. إما إذا امتلك الفلاح عدة قطع من الأرض, فان مصلحته العيش في مكان مركزي يستطيع الوصول إلى أرضة ومزرعته بسهوله لتأخذ القرية شكلا مربعا أو دائريا (2) .




4- الاستيطان المبعثر:-
ويتسم هذا النمط من الاستيطان, يتباعد في المراكز الريفية, وانتشارها على مساحة واسعة من الأرض, متخذة في الغالب, إشكالا غير منتظمة شأنها في ذلك شأن النمط المنشر من المستوطنات لكنها أكثر تباعدا وأوسع مساحة (1).
ويعتبر النمط المبعثر أكثر شيوعا في المناطق الجبلية وفي الأقاليم الجافة لان قلة الموارد المائية وضعف خصوبة التربة وكثرة المسطحات المائية تميل بالسكان إلى العيش في مستوطنات متباعدة إذا تهيأت العوامل المساعد على قيامها.
من جهة أخرى, فقد شجع غزارة الإمطار على الاستيطان المبعثر. وليس مصادفة إن توجد القرى المبعثرة, بل إن ثمة ظروفا معينة ساعدت على قيامها. فحسين يميل التجمع حالة فطرية, حيث توجد الأراضي الزراعية المتصلة, فان النمط المبعثر يناسب المواقع التي تكون فيها الأرض الزراعية مقطعة, كما إن الاستثمار المستمر والمهك للأرض الزراعية, يؤدي إلى الانخفاض في القابلية الإنتاجية لها, ومن ثم الاتجاه نحو إيجاد مواضع أخرى تكون فيها أكثر خصوبة ووفرة في الإنتاج, الأمر الذي ساعد في ظهور مستوطنات متباعدة أو متناثرة. انظر الشكل رقم 17).
ومما يساعد أيضا على قيام النمط من المستوطنات الشعور بالأمان والاستقرار في الإقليم, إذ ينتشر السكان وتتباعد المستوطنات حين تتوفر الظروف الطبيعية الملائمة, في حين يتجمع السكان عند اضطراب الأمن والشعور بالحاجة إلى حماية الجماعة, لذلك كان الدفاع عن النفس أو القبيلة في كثير من الأحيان سببا في قيام مراكز سكنية في مناطق لا تتوفر فيها مبررات قيامها.


العوامل المؤثرة في توزيع المستوطنات الريفية:-
يعكس الاستيطان الريفي, علاقة الإنسان ببيئته في الأقاليم الجغرافية المختلفة بوضوح, وتتحكم عوامل البيئة, والى حد كبير, في نمط التوزيع الجغرافي لمراكز الاستيطان الريفي, وفي شكلها ومواد بنائها, وفي تخطيطها وتصحيحها والوظائف التي تقوم بها أيضا.

واختيار القرى مراكز للاستقرار, لا يتم اعتباطا, كما ان توزيعها لم يتخذ صورة حالية مصادفة, فثمة عوامل كانت قد تفاعلت في انتشارها وتوزيعها, وفي إعدادها وإحجامها, فالتوزيعات الجغرافية تتأثر عادة بالتوزيعات الموقعة لمتغيرات أخرى, وهو ما يعرف في الدراسات الجغرافية ب (( الارتباط المكاني)) للأشياء (1) .
ومن ثم فان الدراسات تؤكد ارتباط الاشياء وتؤكد علاقاتها, الى جانب دراسة توزيعها الموقعية .
ويختلف الجغرافيون في دور وأهمية العوامل التي تتحكم في توزيع السكان والمستوطنات. فبينما يرى فريق وفي مقدمتهم الباحثة سمبل "E.Semple" ان العوامل الطبيعية هي المسؤولة عن أنماط هذا التوزيع, يرى فريق آخر, ومنهم هنتجتون "E.Huntington" وتالير "Taylar" ان عنصرا معينا منها يتحمل المسؤولية في التوزيع (1), فيما يميل آخرون إلى الاعتقاد, بان العامل البشري يخفف والى حد كبير من تأثير العامل الطبيعي, وان كليهما يتفاعلان بصورة معقدة للغاية. فتأثير العامل الطبيعي, يمكن ملاحظته من خلال تأثيرات المناخ والتضاريس والتربة.. ويتحلى تأثير العامل البشري في أنماط النشاط الاقتصادي, وفي التنظيمات الاجتماعية والسياسية للسكان(2) ممثلة لصورة من صور كفاح الإنسان مع الطبيعة من اجل البقاء والاستمرار بحيث يصار بعدها إلى ظهور نمط معين من التوزيع(3).
ومن المعروف ان التباين في مظاهر سطح الارض والمناخ يؤدي الى ظهور قيم مكانية متفاوتة, فالاختلاف في تضرس الارض, وفي صفاتها المناخية والبنائية والزراعية, يؤدي الى التباين في المواقع التي تقوم عليها مراكز الاستيطان, حيث يتولى الانسان اختيار الانسب منها ليكون مراكز لاستقراره ذلك لان التباين والتنوع في الصفات وخصائصض البيئات المحلية لا يؤثران بالضرورة في حاجة الانسان لان يلجا الى التجمع في مواقع محددة للسكن والعمران ولكنه من غير شك يرفضان التأثير في انتخاب المواقع للاستقرار, وفي شكل الوحدات السكنية.
ولقد حاول ((متزن)) البحث عن تفسير لانماط التوزيع المكاني للمستوطنات في اوربا, فوجد ان تركز او انتشار المستوطنات انما يعزى الى اسبابعريقة او سلاليه. وفسره آخرون على اساس ندرة او وقرة الموارد المائية. وقد كان للنتائج التي خرج بها متزن صدى كبير بين اوساط الجغرافيين. وقد ظلت افكاره حتى الآن قاعدة راسخة في طرق واساليب معالجة الاستقرار وتفسير انماطه

ويبرز العمق التاريخي واضحا في أثرة على توزيع المستوطنات الريفية فالأنماط الحالية والتغيرات التي طرأت عليها لا يمكن تفسيرها من غير الإلمام بالخلفيات التاريخية لمنطقة الدراسة.
لذلك فمن الضروري عند القيام بمثل هذه الدراسات ان تتوفر كل الحقائق التاريخية ذات العلاقة (1).
وفي ضوء ما سبق, يلاحظ ان التوزيع الجغرافي في السكان الارياف ومستوطناته عملية مستمرة الحركة, وتتباين اسبابها ومؤثراتها زمانيا ومكانيا. وتخضع لعدد من العوامل والمتغيرات. ولعل اكثرها فاعلية:
1. العوامل الطبيعية .
2. العوامل الاقتصادية .
3. العوامل الاجتماعية .
4. العوامل التاريخية .
أولا / العوامل الطبيعية :
تؤدي العوامل الطبيعية دوراً وفعالا في رسم صور التوزيع الجغرافي لمراكز الاستيطان الريفي. فالتباين في مظاهر سطح الأرض وعناصر المناخ المختلفة, يؤدي إلى ظهور قيم مكانية متباينة. ولاشك إن مثل هذا التباين يصار إلى اختلاف في المواقع التي تقوم عليها المستوطنات فيتولى الإنسان من خلالها, اختيار أكثر الأماكن ملاءمته لتكون مراكز لاستقراره.
والانتشار في الأرض يزداد طرديا, حيث تكون مضاهر السطح متقطعة والتضاريس متباينة. بينما تصل المستوطنات ذروة تكتلها في السهول. كما إن قلة الموارد المائية أو ضعف التربة وكذلك كثرة المستنقعات, والغابات, من شأنها الحيلولة دون التكتل في قرى أو تجمعات كبيرة وواسعة, وقد تميل أحيانا بالسكان الى التبعثر في مستوطنات منعزلة ومتباعدة.












وفيما يأتي دراسة للعوامل الطبيعية عبر مؤثراتها المختلفة وهي :
1- المؤثرات التضاريسية :
ثمة علاقة عكسية بين الارتفاع وانتشار المراكز السكنية, وإحجام سكانها. فبينما يعيش نصف مجموع السكان في العالم, على مستوى يقل عن (200)م فوق مستوى سطح البحر, ينتشر نحو 9/10 السكان, على مستوى لا يزيد على (400) م (1).
لقد فضل الإنسان منذ أقدم العصور, السهول والأراضي المنبسطة على الجبال والمناطق المضرسة, باعتبارها أكثر خضوعا لأساليب الري المنتظم وإقامة مراكز الاستقرار, وشق طرق المواصلات.كما إن السهول في المناطق الجبلية تكون أكثر جذبا للسكان إلى جانب السفوح المنبسطة ومقدمات الجبال, لأنها الأفضل في الاستغلال الزراعي وفي إقامة المستوطنات. وتتمثل عوائق استيطان السكان في الجهات المضرسة والمرتفعات, وفي الجوانب الطبيعية والحيوية, والتضرس ضد الجاذبية, وتزاد الصعوبة إذا كان المنحدر في ظل المطر. ونعني بالجوانب الطبيعية, الانخفاض في درجات الحرارة كلما ارتفعنا, فيما تزداد الإمطار, إلى مدى معين ثم تكثر الثلوج, إضافة إلى تناقض الضغط الجوي بالارتفاع, مما يشل قدره الإنسان على الحركة, وترتبط الجوانب الحيوية بإنتاج الغذاء, فالتضرس يحدد المساحات القابلة للزراعة كما يؤدي إلى تشتيت الرقعة المزروعة الأمر الذي يجعل قيام الزراعة أو تطويرها صعبا(2) وعلية فأن الأرض الوعرة, تؤدي دورها في الحد من وصول السكان إليها وتعميرها أو زراعتها, ومن ثم في قيام المستوطنات عليها(3).
من جهة أخرى قد تتحول الجبال, أحيانا إلى أقاليم لتجمع السكان بسبب وعورتها وصعوبة الوصول إليها حيث يلجأ الإنسان لتشييد سكناه في المواضع التي تجعله في مأمن من العدوان, أو يسهل عليه الدفاع أو ربما لكونها أكثر مطرا, أو تتميز بوجود ثروات معدنية متميزة. كما يفضل سكنى المرتفعات في المناطق الحارة, بينما تكون المناطق الحارة, بينما تكون المناطق الباردة طاردة السكان. وفي المناطق المعتدلة, لا يحدد ارتفاع عن مستوى سطح البحر نشاط الإنسان بل إن انخفاض درجات الحرارة ونقص الموارد هما اللذان يشلان ذلك النشاط قبل إن يؤثر فيه الارتفاع. يضاف إلى ذلك, إن الجبال في مثال هذه الجهات تعتبر أرضا حدية من الناحية الزراعية لذلك فأن قيمتها التجارية تكون اقل من قيمة الأراضي المنخفضة مما


يجعلها مخلخلة السكان (1) ومع ذلك فقد نجد حول الجبال مراكز للاستقرار كما في اليابان أو حيث تنتشر الينابيع عند مقدمات الجبال, كما في مناطق البقاع اللبنانية (2) ويمكن ملاحظة ذلك في أقطار حوض البحر المتوسط كالجزائر, وتركيا, واليونان, وفي البلقان وكذلك في العراق وإيران, حيث تقف القرى في الغالب على منحدر بعيد عن الأرض الزراعية,وقد تزداد تكتلا داخل الجبال مقارنة بتلك التي على جوانبها .

وفي ضوء ما سبق نجد إن قيمة بيئة من البيئات لا تحددها صفة الشكل وصورة التضاريس السائدة فحسب, بل إن ثمة خصائص آخري متعددة تحدد ذلك, فالجبال عموما , ليست وسطا متجانسا, والاختلافات المحلية واضحة بين المقدمات والسفوح من جهة, وبين السفوح والوديان من جهة أخرى, حيث يلتقي عند المقدمات, إقليمان متباينان, هما كتلة الجبال ورقعة السهول. وهذا في حد ذاته, يغرى السكان للقيام بدور الوساطة التجارية, ويشجع على قيام مراكز, استيطانية متميزة. وإذا كان هناك ما يبرز وقوع المستوطنات حيث مناطق الوعرة والتضاريس, الأمر الذي يترتب علية ارتفاع تكاليف المعيشة, فأن العوامل الاقتصادية والاستيراتيجية تمثل أحيانا أهم تلك المبررات, وعموما فان المرتفعات العلية تتميز بمستوطناتها الصغيرة, فيما تضم السهول والأحواض, المدن الكبيرة, وإذا كانت الجبال مختلفة السكان فان الأودية التي تتخللها تمثل المناطق الكثيفة نسبياً.

وللأودية مهمة الطرق والمسالك في اختراق المناطق الجبلية, وهي المواضع المفضلة لسكان المرتفعات. كما إن درجة الانحدار واتجاه السلاسل الجبلية ودرجة الانحدار واتجاه السلاسل الجبلية ودرجة مواجهتها لأشعة الشمس, ذات تأثير بالغ في تحديد مناطق الاستقرار, على طول مثل تلك الوديان.

وبينما تشجع ضروف انبساط الأرض وتوفر المياه وانتشار شبكة النقل والزراعة الواسعة, في ظهور النمط المنتشر من المستوطنات, فأن ظاهرة انتشار الاهوار والمستنقعات كانت ذات تأثير في تحدد مواقع المستوطنات الريفية نتيجة الصعوبات التي تقف دون حرية الإنسان في اختيار موضع قريته. فلا غرور ان تبرز مستوطنات معينة يتجمع حولها السكان, حيث تقوم الزراعة ورعي الحيوانات وصيد الأسماك .


ويتأثر النشاط البشري في المناطق المرتفعة للانحدار أكثر من تأثره بعامل الارتفاع, فضلا عن طبيعة الأرض المعراة وذات السمك القليل, وصعوبة الاستغلال الزراعي واستعمال المكائن والآلات الزراعية بينما يستطيع الإنسان في المناطق المرتفعة العيش في المنخفضات والأودية. كما ان السفوح شديدة الانحدار اقل جذبا للسكان من السفوح المتدرجة أو الأقل انحدارا وكذلك المناطق المستوية السطح حتى إذا كانت مرتفعة.

ولاتجاه الجبال, وامتداد التضاريس أثرها أيضا في مواقع القرى, وعلى إحجامها وإعدادها من خلال علاقتها بكميات الإمطار الساقطة وزاوية سقوط أشعة الشمس واتجاه الرياح وحين تكون المنحدرات البسيطة والسهول المنبسطة, أرضا صالحة للزراعة, فان قيام المدرجات على السفوح الجبلية يزيد من إمكانية سكنى المنطقة, لا سيما إذا واجهة أشعة الشمس بدرجة كافية وهيأت الجبال حماية لها من الرياح.

2- المؤثرات المناخية :
لعناصر المناخ دور متميز في تأثيره في نمط الاستيطان الريفي سواء أكان ذلك بشكل مباشر, من خلال تحديد المناطق الصالحة للاستقرار البشري.

ولعل الموقع بالنسبة لدوائر العرض, ودرجة الارتفاع عن سطح البحر والمسطحات المائية, في مقدمة العناصر المؤثرة في توزيع مراكز الاستيطان الريفي. فانخفاض كثافة السكان في الجهات الباردة والصحراوية, وفي المناطق الاستوائية, يعزى أساسا إلى صعوبة الحياة في ضل تلك الظروف المناخية سواء أكان ذلك مختصا للإنتاج الزراعي هو في قيام المستوطنات, فيما تمثل الجهات ذات المناخ المعتدل, والإمطار الكافية مناطق التجمع السكاني في العالم.

ولاشك, إن سكان المناطق الجافة, لا يمكنهم الاستقرار وبناء مستوطناتهم, ما لم يتوفر لهم مورد مائي آخر غير الإمطار, فيما يستطيع سكان المناطق الرطبة من سكنى جميع المواضع التي تسمح تضاريسها بذلك ما دامت كمية الإمطار كافية لسد حاجاتهم اليومية, ومزاولة نشاطهم الزراعي بصورة مضمونة, لذلك فقد كانت للإمطار سواء من حيث كميات سقوطها أو فتراتها الزمنية – دور مهم في رسم الأنماط التوزيعية للمستوطنات الريفية وحجم سكانها .

وحينما تكون للإمطار دور ثانوي في نمط توزيع وكثافة مراكز الاستيطان الريفي في المناطق المرتفعة بسبب كفايتها للزراعة, فأن فصيلة الإمطار من جهة وكونها مصدرا أساسيا للمياه الجوفية من جهة أخرى, اكسبها أهمية غير مباشرة في توزيع تلك المستوطنات .

ومن المعلوم إن المناطق الجافة والشبهة جافة, أكثر الجهات التي يحرص السكان فيها على الاستقرار عند موارد المياه الكافية ولا سيما في السهول التي تجري فيها الأنهار الدائمية حيث تكون إمكانية الزراعة عالية في توفير الغذاء لسكانها. ومن ثم فان المستوطنات, تكون أكثر احتشادا في مثل هذه الجهات ذات الموارد المائية الشحيحة. فلا غرور إن تؤدي المياه دورا فعالا وحاسما في نمط توزيع المستوطنات الريفية, وكذلك في إعدادها وإحجامها

ويمكن القول بان النمط المتجمع من المستوطنات غالبا ما تتسم بة الجهات ذات الإمطار الفصلية. وتمثل الواحات في المناطق الجافة أكثر الجهات احتشادا بالسكان, فيما يسود النمط المنتشر في المناطق ذات المطر الموزع على فصول السنة.

3- الموارد المائية :-
لعل الارتباط بين توزيع وكمية الموارد المائية, وأنماط توزيع المستوطنات الريفية وإحجامها, أكثر وضوحا من إي ظاهرة جغرافية أخرى ومع ديب فان دور المياه في الانتشار والتركيز يتجلى في المناطق الجافة أو القليلة المياه بينما لايبدو الأمر كذلك في الجهات الرطبة, وحيث يستطيع الإنسان خزن مياهه, والاحتفاظ بها وقت الحاجة .

وتحدد موارد المياه موقع القرية, فلا بد من كفاية الموارد المائية للزراعة والشرب وللاستعمالات الأخرى المختلفة. كما إن كمية المياه تحدد مساحة القرية وعدد سكانها فحيث تكثر العيون والينابيع تكثر القرى وتتقارب المسافات.

ومن الطبيعي إن يختار الإنسان مواضع سكناه بالقرب من الأنهار أو البحيرات أو سواها من موارد المياه. كما إن توفر مياه العيون والينابيع والآبار يمكن إن تكون بديلا عن المياه السطحية ويمثل النواة التي يتجمع حولها السكان. وفي سبيل الحصول على موارد المياه يسكن الإنسان أحيانا عند المنخفضات أو الناطق الجزرية أو حتى تلك المعرضة للفيضانات إلى جانب أهمية المياه للإغراض المنزلية وسقي الحيوانات والنقل .

وعلى أية حال, فان السهول الغنية بالموارد المائية, تكون الأفضل في قيام المستوطنات الريفية, لان إمكانية الزراعة عالية في توفير الغذاء لسكانها ففي مصر تحتشد القرى وتزدحم بالسكان على طول امتداد نهر النيل وتفرعاته ونهري دجلة والفرات في العراق. بل إن وفرة المياه أحيانا تتجاوز في أهميتها قسوة المناخ في رسم مواضع المستوطنات ففي الجبال العلموت السورية, يتجمع السكان قرب الينابيع دون الاهتمام كثيرا بقساوة الطقس شتاءا. وفي فلسطين تتباين المستوطنات في إحجامها ونمط توزيعها بسبب طبيعة المورد المائي فيها, فالقرى التي تقع على السفوح الغربية عديدة ومتجاورة لكنها صغيرة في مساحتها وفي حجم سكانها, فيما تتسم قرى فلسطين الجنوبية بقلة عددها وتباعدها بسبب قلة المورد المائي وجفاف المنطقة.

ويؤدي نقص المياه في المناطق الجافة, إلى التجمع والتكتل حول موارده ولعل أوضح مثال في ذلك, الواحات في الصحراء. وتكون الفرصة مواتية للانتشار دون صعوبة في المناطق كثيرة المياه, على إن ذلك لا يعني إن الأنهار تستقطب السكان بالضرورة, لان منها ما يتعرض ضفافها للغمر المائي إثناء ارتفاع مناسيب المياه, ومنها ما يكون مستوى الماء فيها عميقا, أو قد تكون ذات وديان ضيقة أو واسعة جدا, مما لا يسمح استغلالها بسهولة, وفي ضل الإمكانات الاعتيادية, وبينما يواصل الإنسان صراعه مع الطبيعة في التغلب على نقص المياه من خلال إنشاء السدود والخزانات ومشاريع الإرواء الأخرى فان مثل هذا الصراع لم يزل في بداياته .

وتتجلى ظاهرة التوازن بين طاقة المورد المائي وحجم القرية ما دام هذا المورد يمثل الأساس في قيامها الأمر الذي يدعو بعض الأحيان إلى إن تنزح مجموعة من السكان بسبب الزيادة في إعدادها أو النقص في موارد المياه فتستقر في جهات قريبة من القرية الأصلية. ويمكن ملاحظة ذلك في جهات كثيرة من الوطن العربي وفي جهات مختلفة في العالم, وكثيرا ما يزداد حجم سكان قرية ما, عندئذ تضطر مجموعة منهم التحرك, ليقيموا مستوطنة جديدة لهم ليست بعيدة عن الأولى, بل هي امتداد لها قد تتخذ أحيانا ذات الاسم مع إضافة تميزها عن القرية الأصلية.

ثانيا/ العوامل الاقتصادية :-
إلى جانب العوامل الطبيعية المؤثرة في توزيع المستوطنات الريفية نجد إن العوامل الاقتصادية كثيرا ما تتصدر العوامل التي تقرر موضع وحجم تلك المستوطنات. فمن المعروف إن دور الإنسان وقدراته وأسلوبه انتفاعه بالأرض, وما يقترن بذلك, يسجل إضافة مهمة لعامل هو عوامل بشرية تفرض بعدا مؤثرا في توزيع السكان والمستوطنات .

ويحقق العامل البشري دوره بشكل واضح من خلال ضمان الحد الأقصى من التوافق بين مواضع القرى وأسلوب استثمار الأرض أو نوعية الإنتاج فنوع الحرفة وأسلوب الإنتاج ووسائل الاستثمار والعلاقات الإنتاجية ونوعية الملكية وطرق الإرواء .... لها تأثيرها في قدرة الأرض على إعالة السكان الأمر الذي يحدد عدد وحجم المستوطنات ودرجة نموها وتطويرها. كما تتدرج كثافة سكان المراكز السكنية في الارتفاع من حرفة الجمع والالتقاط والصيد إلى حرف الرعي والزراعة فالصناعة .

وفي المجتمعات البدائية أو التي تعتمد على الاقتصاد الطبيعي فأن تأثير الإنسان في البيئة يكون ضعيفا وتقل إعداد وإحجام المراكز السكنية كما أوضحنا ذلك, لا سيما بالنسبة لجامعي الغذاء والصيادين في افريقية والهنود الحمر في أمريكا والاستراليين الأصليين في غرب استراليا. وعلى الرغم من إن حرفة الرعي أكثر سكانا, إلا أنها تقل تماما إذا ما قيست بحرفة الزراعة, حيث يرتبط السكان بالأرض وتأخذ الكثافة بالارتفاع كلما توسعت فيها أساليب التقنية الزراعية, فعلى قدر ما يصل إلية المجتمع الزراعي من تقدم تقني وما يصرفه من جهد في تكثيف الزراعة, تكون كثافة السكان أكثر ارتفاعا. كما تصل إلى أقصاها في الفعاليات الصناعية والتجارة.

ومن جهة أخرى, فأن التنمية الاقتصادية تنعكس غالبا في النظام توزيع المستوطنات, كما إن توفر الأرض الصالحة للزراعة, يعتبر عاملا له أهمية في اختيار مجموعة من السكان لموقع معين- خاصة في الأرياف حيث تمثل الزراعة محور حياتها الاقتصادية- تتخذه مركزا لاستقرارها فيما تترك مساحات أخرى باعتبارها اقل صلاحية للاستثمار الزراعي. ويعمد السكان في الجهات ذات المساحات الزراعية الصغيرة إلى اتخاذ الأراضي الرديئة المجاورة مواضع يقيمون عليها مساكنهم توفيرا للأرض الزراعية .

وعلية فانه يمكن القول, بأن الزراعة- باعتبارها القاعدة الاقتصادية للسكان – كان لها الأولوية في رسم اتجاهات الاستيطان سواء من خلال ما رسمته مواقع الموارد المائية ونوعيتها وكميتها أو ما عكسته أساليب الزراعة ونوع الإنتاج وحيازة الأرض أو الطرق المواصلات.
1- حيازة الأرض:-
لاشك في إن للقوانين والتشريعات الزراعية, ونمط العلاقات الإنتاجية دورا أساسيا في خلق ظواهر متميزة من الاستيطان. فقد استهدفت قوانين التسوية في الوطن العربي تثبيت الملكيات الزراعية, وحقوق التصرف بالأرض, كان من شأنها توطين البدو والرعاة, والحد من تحركاتهم الأمر الذي صار إلى ظهور العديد من المستوطنات الجديدة, وزيادة السكان في عدد أخر منها. من جهة أخرى,

فأن مثل تلك التشريعات الزراعية, أدت في معظم أقطار العالم إلى استئثار الشيوخ وزعماء القبائل على الكثير من المساحات الزراعية وتسجيلها بأسمائهم مما حرم الفلاح وبات منقادا لرئيس العشيرة, ومضطرا للعيش في كنفه والانضواء تحت حمايته, الأمر الذي ساهم في ظهور تجمعات وقرى كبيرة.

وحين تميزت الأقاليم ذات الملكيات الزراعية الكبيرة, بقلة في عدد مستوطناتها, وتباعد بينها, اتسمت الأقاليم ذات الملكيات الصغيرة باحتشاد نسبي في عدد القرى وارتفاع في كثافة سكانها وتقارب بينها. والمعلوم إن سيادة الملكيات الصغيرة يعني اتساع حجم المستوطنات واحتشادها فتبدو على شكل قرى متقاربة حيث تضطر لان تتجه في إنتاجية إلى تطبيق أساليب الزراعة الكثيفة, وإنتاج محاصيل تعتمد على الأيدي العاملة.

وقد برزت ظاهرة الاستيطان المبعثر, في إعقاب تطبيق قوانين الإصلاح الزراعي في أقطار كثيرة من العالم. ففي أوربا الشرقية, كان لمثل هذه القوانين دور رئيس في ظهور نمط من المستوطنات المنتشرة أو المبعثرة, وكذلك المزارع الفردية, كما كان لانتهاء دور الإقطاع سبب في قيام الملكيات الصغيرة, ومن ثم ظهور القرى الصغيرة أو المعزولة وقد أشار (متزن) إلى العلاقة بين الزراعة الفردية والاستيطان المبعثر عند دراسته للحقل المفتوح Open Fieldولا ريب في إن قيام الحقول المجمعة, يمثل خطوة أساسية في التنمية والتطوير الزراعي وقد أخذت به معظم أقطار أوربا ففي فرنسا مثلا كان الهدف من عملية التجمع وإزالة الحدود بين الحقول الزراعية, هو تنمية وتحسين الإنتاج الزراعي, وقد ساهمت الدولة في ذلك أيضا فيما اتسمت ايطاليا بتبعثر في حقولها وفي وحداتها السكنية. وقد تم الأخذ بمبدأ تجمع المزارعين من وحدات رباعية مشتركة, وسط الحقول الزراعية. وقد فعلت هولندة مثل ذلك.

2- أسلوب استغلال الأرض:-
إن لأساليب الزراعة وطرق الإرواء تأثيرها في شكل الاستيطان, ونمط توزيع المستوطنات, وإذا كان الإنسان أول ماعمر المناطق المنبسطة والأراضي السهلية, فإن استخدام المكائن والآلات الزراعية, زاد من أهمية مثل هذه الجهات, لذلك فقد كانت وما زالت تضم اكبر المستوطنات حجما وأكثرها عددا, إذ يلاحظ تركز السكان في الزراعة الجماعية, حيث يرغب المزارعون عادة في المشاركة باستخدام الآلات والمعدات الزراعية, كما يتعاونون على زراعة الأرض سوية. من جهة أخرى فإن أسلوب التبوير المتبع في الزراعة الشتوية بغية المحا فضة على خصوبة التربة, يعمل على خفض كمية الإنتاج مما يؤثر بعد ذلك في دخل المزارع. إما في الصيف ونظرا للحاجة إلى الأرض الزراعية التي يمكن إروائها فقد يضطر الفالحون إلى استغلال جميعا. والمعلوم إن هذه الظروف إلى جانب عدم ملائمة الأرض المضرسة لاستخدام الآلة في المرتفعات والمناطق الجليدية, أو في مناطق الشطوط الاهوار حالت دون إمكانية الأرض على إعالة كبيرة من السكان, مما جعل الانشداد إلى السهول اكبر. لذلك تميزت المستوطنات في الغالب بصغر حجمها واعتمادها على وسائل أخرى إلى جانب الزراعة كالتجارة والصناعات اليدوية وصيد الأسماك.

ولطرق الإرواء علاقة أيضا بنمط توزيع المستوطنات الريفية. ففي الجهات المطرية وحيث تعتمد نسبة كبيرة من الأرض الزراعية على الإمطار والتي تتصف الزراعة بكونها ((زراعة واسعة )). في الغالب, ساهمت تلك الجهات بظهور نمط منتشر من المستوطنات. بينما أصبحت الزراعة الاروائية أو الزراعة بالواسطة مرتبطة بالنمط المتجمع للمستوطنات. وذلك في الجهات التي يتوفر فيها قدر مناسب من المياه.

ومن المعروف إن اللاراضي المروية بالمضخات والآلات الرافعة تكون أكثر تركيزا في سكانها من تلك التي تروى سيحا. فتسود الأولى في ترب كتوف الأنهار, في حين تبرز الثانية في أحواضها ذات الخصوبة الأقل, وتكون مناطق الإرواء السيحية أكثر تركزا من تلك التي تعتمد على الإمطار .

ويظهر إن استعمال طرق الري في الزراعة جعل – حتى بالنسبة لأقل الطرق بدائية بفضل براعة استخدامها – كثافة الاستيطان عالية جدا, والقرى اكبر المياه إذ يعتذر فيها الإرواء السيحي يصار إلى استخدام المضخات والآلات الرافعة كوسيلة لري أراضيهم الزراعية.

من جهة أخرى فأن التوسع في مشاريع الري, ساعد على ظهور القرى الصغيرة والمنتشرة, نتيجة مل يترتب علية من إمكانية توزيع المياه على مساحات واسعة, لا سيما بـ (السيحي ) الذي عزز من انتشار السكان أو تبعثره, فيما ساعد أسلوب الري بالمضخات في إرواء الأراضي التي تعلو عن مستوى المياه في الأنهار على ظهور القرى المجمعة
ولنوع الإنتاج علاقة أيضا بكثافة ونمط توزيع المستوطنات وعلى الرغم من صعوبة تحديد مثل هذه العلاقة, إلا أنها تبدو بوضوح في عدد من أقطار العالم, فحقول القمح في الولايات المتحدة, والمطاط في الملايو, وإنتاج الرز في الدلتا وات الأسيوية, شواهد على ذلك ومن الملاحظ إن زراعة الرز تتسم بأسلوب الزراعة الكثيفة, على النقيض من القمح – وحيث تؤلف اليد العاملة الجزء الرئيس منى كلفة الإنتاج لذلك فان مساكن مزارعي الرز تبدو على شكل قرى ملتحمة في الغالب, تقع على ضفاف الجداول الرئيسة متخذة معها امتدادا طوليا, بما توفره من مياه أروائية ووسيلة نقل مناسبة. ومن ثم فان نمط زراعته يشكل احد العوامل الرئيسية والمؤثرة في كثافة توزيع السكان والمستوطنات الريفية كما تتسم في الغالب بالاستيطان المجمع والممثل بكثرة عدد القرى وتقارب المسافات بينها وارتفاع حجم سكانها. ويمكن الكشف أيضا عن العلاقة بين الكثير من مناطق زراعة المحاصيل النقدية, والتوزيع المجمع لمراكز الاستيطان الريفي وحيثما كانت إمكانية الزراعة عالية كنتيجة لتوفر الأرض الصالحة للزراعة والماء اللازم للري- كانت القرى أكثر عددا واكبر حجما.

3- طرق النقل :-
للطرق ووسائل النقل أهمية فاعلة في التأثير بشكل مباشر أو غير مباشر في ظهور أو تطوير مراكز العمران البشري والمعلوم إن وسائل النقل الحديثة من المقومات الأساسية لكل عمران. فهي تؤثر في إحجام المستوطنات, وفي إمكانية تطويرها. لذلك ارتبط انتشار السكان والمستوطنات كثيرا ومنذ القدم بطرق النقل, لا سيما بالنسبة للجهات التي استعمرت حديثا


وللطرق البرية بنوعيها (سكك الحديد والسيارات)والطرق الملاحية, اثر مباشر في تطوير المراكز السكنية فعلى طول هذه الطرق يأخذ النشاط البشري دوره, وخصائص المميزة فلا غرور إن يبرز العمران ممتدا حيث الطرق المائية وسكك الحديد, وطرق السيارات في شكل أشرطة من المستوطنات.

ولعل علاقة هذه الطرق, تكون واضحة في الأراضي الشاسعة القليلة السكان, حيث تجذب نحوها المستوطنات وقد يتدنى في داخل الدولة الواحدة, أو الإقليم الواحد شأن مستوطنة قديمة لم يمر خط لسكك الحديد أو السيارات. فيما تنمو وتكبر قرية صغيرة, شاء لها إن تكون على طرق للمواصلات.

فعلى الرغم من اختلاف أهمية ودور طرق النقل في نمط توزيع المستوطنات من منطقة إلى أخرى, ومن فترة إلى ثانية, فان مثل هذا العامل لم يكن – على أية حال – اقل شأنا من المؤثرات التي سبقت دراستها, لا سيما إن مثل هذه الطرق تقوم أساسا بخدمة السكان واستقرارهم في مكان ما, وهذا يعني ارتباطهم الغالب – بوسائل نقل تتناسب وأهمية المنطقة الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية إلى جانب حجم السكان وعدد المستوطنات.

ويمكن القول, بأن طرق النقل كانت قد تركت تأثيراتها في كافة الجامعات البشرية تقريبا, وخاصة في الأقطار النامية, حيث بات تعمير أية منطقة يتبع وبقوة طرق النقل. وطبيعي إن يكون لمثل هذه الطرق تأثيرها في حجم النتاج وحركة التجارة باعتبارها الوسيلة الأساسية في التسويق ومن ثم فقد كان لها أهمية متميزة في جذب واستقطاب السكان والمستوطنات من سكك الحديد أو طرق السيارات إلى جانب الأنهار في نقل المنتجات الزراعية اليومية إلى مراكز استهلاكها.

وكثيرا ما يلاحظ الارتباط الشديد بين امتداد طرق النقل وتوزيع المستوطنات, ومن الطبيعي ان يكون استيطان السكان على امتداد الانهار وتفرعاتها قد جذب الية خطوط سكك الحديد او طرق السيارات. من جهة اخرى فان المستوطنات في المناطق المحمية, سواء اكانت الجبلية منها او مناطق الاهوار والغابات قد تبتعد عن الطرق العامة, على الرغم من ارتباطها ببعضها وبالارض الزراعية بطرق محلية, وذلك خوفا من هجمات او غزو الاخرين فيما تمثل الوديان في تلك الجهات, المسالك الرئيسية التي يستخدمها السكان في تنقلاتهم, فلا غرور ان تتخذ من تلك الوديان او المرات مواقع لاقامة مستوطناتهم. خاصة في الفترات التي كانت فيها سلطة الدولة ضعيفة وفي ضوء ما سبق نلاحظ ان اتساع شبكات النقل وحركة التجارة فيها يؤدي الى استقطاب السكان, ولم الشمل حولها. وقيام المراكز الاستيطانية استجابة لحجم الحركة فيها ومقدار الانتفاع بها.


ثالثا/ المؤثرات الاجتماعية :
لم يكن الاستيطان وليد علاقة الإنسان ببيئته الطبيعية فحسب بل إن العادات والتقاليد الاجتماعية دورا بارزا فيه أيضا. فالإقليم الطبيعي كما يرى تايلر ((Tylor)) يميل في البلدان المتحضرة التي تملك درجة عالية من الحرية الاجتماعية – إلى تطوير شكل خاص متميز بسكان الريفيين, بينما يصبح عامل التنظيم الاجتماعي في الأقطار الأكثر تخلفا أقوى من العامل الفيزوغرافي, وكلما تقدم الإنسان في المرتبة الحضارية, ضعف سلطان العامل الاجتماعي واستعيض عنه بتكييف أكثر مطابقة للأحوال والظروف البيئية.

والاستيطان الريفي لا يعكس اثر الإنسان في بيئته فحسب بل يظهر تأثير المعتقدات الدينية والعادات والتقاليد الاجتماعية في ذلك أيضا فالإنسان إذا تعود على حالة ما, يحاول إن يؤكده ويرضه بوضع قيم وقوانين تصبح وبمرور الزمن شيئا مقدسا لا يمكن تغيره بسهوله, خاصة إذا قوت مركزه المعتقدات الدينية. لذلك فان تطور العادات الاجتماعية وتعميقها عبر حقب زمنية متتابعة في مثل هذه البيئة عقبة لأي تغيير نحو نموذج توزيعي أخر. وقد أدت هذه الظاهرة إلى إن يتوزع السكان في تجمعات عشائرية استقرت في مستوطنات قريبة أو متجاورة .

ويرى بعض علماء الاجتماع, إن النمط المتجمع من الاستيطان الريفي بدائي فرضته الحاجة إلى الأمن والحماية, وفرض الاستفادة من المشاركة الجماعية في العمل واستخدام الآلة لا سيما إن القرية بمثابة وحدة اجتماعية قبل إن تكون وحدة سكنية وحيثما ضعفت هذه الوحدة أو تغيرت الظروف الاقتصادية بحيث أضعفت روح الجماعة تحول أهل القرى المندمجة إلى سكن مبعثر ذلك لأنه مع ازدياد المد الفردي لا تلوح أساليب جديدة في استغلال الأرض تمهد للانفصال عن الجماعة ويميل آخرون إلى الاعتقاد في إن الانتشار السكني هو شكل من إشكال الحرية بينما يعني التكتل في قرى مندمجة قلة حيلة الإنسان وضعف وسائله وخضوعه للتقاليد وقد تتجمع اسر واسعة وعديدة قد لا يرتبط بعضها برابطة النسب ولكنها تنضوي تحت لواء قبيلة معينة فالوحدة ضمن هذه القبيلة, ليست وحدة دموية بل هي وحدة سياسية. على الرغم من إن النموذج الشائع للقبيلة يقوم على أساس النسب المشترك, إلا إن هناك نموذجا أخر يستند إلى الاشتراك في الموضع.

من جهة أخرى فان الظروف الطبيعية المتمثلة بتضرس الأرض ووعورتها, قد تؤدي إلى نوع من ألعزله في الاستيطان الريفي. ومما يعمق هذه العزلة هيمنة النزعة المحلية في العلاقات الاجتماعية وقادت إلى سياسة الاكتفاء الذاتي في المجال الاقتصادي. بيد انه سرعان ما تضعف هذه النزعة, حينما يضطر جزء من سكان القرية إلى النزوح إلى قطر أخر تحت تأثير الظروف البيئية أيضا. وهكذا يتضح ان العامل الجغرافي لا يساعد في كثير من الأحيان على قيام قبيلة أو قرية كبيرة, يضاف إلى ذلك اثر المنازعات الفردية التي كثيرا ما تؤدي إلى نزوح البعض من سكان القرى واستقرارهم في مكان أخر فعندما تشعر إحدى القبائل بأن أمنها مهدد من قبل جيرانها الذين يسعون إلى التوسع على حسابها فإنها تحاول التحرك إلى أماكن أخرى ولكن ضمن حدود جنسها, مما يقلل من فرص زيادة حجم المستوطنات بفعل الزيادة الطبيعية للسكان .

ويتعذر السكن في نظام الحقول المفتوحة إذ يكون المزارعون فيه مؤجرين يتولون زراعة قطع متناثرة من الأرض ففي هذا النظام يرتبط السكان بنظام سكنى القرى الكبيرة. ففي دراسة لنمط الاستيطان الريفي في ايطاليا ظهر إن نظام الحقل المفتوح قد يسر جمع سكان الأرياف في قرى متراصة, حيث أصبحوا تحت سيطرة المالك يشكل اكبر, وتوجب عليهم في ذات الوقت توفير حماية لهم

ولقد كان الدفاع في كثير من الأحيان, سببا في قيام مستوطنات متميزة في مناطق لا تتوفر بها خصائص أو مبررات قيامها حيث كانت تقام عند قدمات الجبال, أو صورة بقلاع, أو عند حافات وربما وسط الاهوار ففي حالة انعدام الأمن تنسحب المستوطنات من المواضع التي يمكن إن تشعل في الظروف الاعتيادية بدلا من الاستقرار, حينما تتوفر الموارد الطبيعية, فان السكان يبحثون عن الأماكن الوعرة, والمرتفعات الصخرية والمناطق الجزرية أو النائية بيد أنهم سرعان ما يهجروها حينما تعود الظروف الطبيعية إلى أماكن أخرى

ويذكر إن مثل هذه القرى قد تتعرض لزيادة عدد سكانها في فترات عدم الاستقرار وذلك عل حساب قرى أخرى يتم إخلاؤها والنزوح عنها. ومن هنا فقد أقيمت القرى في الجبال والمرتفعات, كما أقيمت في الأودية والسهول, وقد يزيد عدد القرى في الجبال والمناطق النائية في بعض الأحيان على عددها في الأراضي المنبسطة, غير إن حجم سكانها على العموم يقل عن مثيلاتها في مناطق السهول نظرا لطبيعة العمل الزراعي الذي يزداد صعوبة كلما تضرست الأرض أو ازدادت وعورتها ويمكن ملاحظة مثل هذه القرى في جهات كثيرة من العالم ففي المرتفعات المطلة على حوض البحر المتوسط تظهر قرى وتجمعات سكنية كبيرة تقف على منحدر بعيد عن الأرض المزروعة وقد تزداد تكتلا داخل الجبال.

ومن الطبيعي إن يؤدي استتباب الأمن وخروج الاقتصاد الزراعي على النمط ألمعاشي وتراكم لدى الفلاحية, إلى بناء مساكن جديدة اقرب إلى مزارعهم وبساتينهم, ومن ثم يشيع نمط عمراني منتشر أو مشتت بدلا من النمط المركزي الصارم. ويحدثنا التاريخ إن المهاجرين الأوائل إلى العالم الجديد سكنوا القرى المندمجة لأنهم وجدوا فيه الحماية والسلامة, وفرصة الاستفادة مما يستوردونه من الوطن إلام.

وعموما فان القرى يزداد سكانها ويكثر عددها, في فترات الاستقرار والرخاء, فيما تتناقص خلال ظروف عدم الاستقرار والاضطراب السياسي وتقتصر السكنى في الجهات التي يتوفر فيها انسب الظروف وتصبح المواقع التي تمتاز بكونها أكثر أمنا واقل تعرضا للمخاطر بيئات امثل لوعورتها أو صعوبة الوصول إليها .




3- العوامل التاريخية :-
للظروف أو المؤثرات التاريخية أهمية في تفسير كثافة وتوزيع السكان والمستوطنات فقدم الاستيطان أو حداثته حقائق لا يمكن إغفالها عند تفسير اختلاف اة تباين الكثافات السكنية بين جهة وأخرى في العالم, وكذلك في تفسير الأنماط التوزيعية ذاتها وكثيرا ما يكون التوزيع المكاني لمراكز الاستيطان الريفي في إقليم ما أو في منطقة معينة صورة قريبة, والى حد كبير لنمط توزيعها في الماضي تبعا لمدى بقاء ذات العوامل تتفاعل في رسم صور التوزيع أو الانتشار السكاني فتعمير الحضارات في آسيا مسؤول عن الأنماط والسكان, كما إن ضالة السكان في العراق, يعود في بعض منه إلى ما يتعرض إلية هذا القطر من غزو في الماضي

ويعزو هنتجتون, Huntington معظم مراكز العمران الحالية إلى أصول تأرخية عريقة ويرى إن التجمعات العمرانية هذه ما هي إلا جزء ضئيل من حصيلة تاريخية ضخمة. ومع ذلك فأنة ليس ضروريا إن يتناسب طرديا حجم أو توزيع السكان وقدم الاستيطان كما أنة لا يبدو من الضروري, اعتبار أقدم الشعوب استيطانا أكثرها كثافة

وينبغي إن نضع في الاعتبار إن عملية فهم العوامل التي تؤثر في الأنماط السكانية المعقدة والمتغيرة للتوزيع السكني ليس سهلا بل تنضوي على تحليل عميق للجذور التاريخية لتلك المستوطنات. كما إن للتقنيات المستخدمة في الزراعة وتطويرها عبر التاريخ تأثيرها الفعلي على الاستيطان.





















الفصل الخامس

العلاقات الاقليمية الريفية – الحضرية











العلاقات الاقليمية الريفية – الحضرية

قام العديد من العلماء بتحليل دقيق للعلاقات الوظيفية بين الريف والحضر, ومن المعروف لكل باحث إن المدينة يحيط بها دائما نطاق من الأرض تخدمه وتعتمد علية فالمدينة لا يستطيع إن تعيش مكتفية بذاتها, معتمدة على مواردها الحضرية يقيمها فتقوم بأعمال لا بد تؤدي في أماكن مركزية (كما قال جيفرسون), فهناك تفاعل وثيق بين المدينة وريفها, ويتكون من مجموعة من الأفعال وردود الأفعال المتبادلة تنتهي بخلق مركب إقليمي متميز, وان إشعاع المدينة في الريف فيه انعكاس لتخصصها الوظيفي ولهذا لا يمكن إن نتصور الريف بلا مدينه أو المدينة بلا ريف
فالمدينة التقليدية التي عرفت من حيث الشخصية- بأنها ((مدن أسواق)) تقوم بمجموعة من الوظائف لخدمة الإقليم الذي تقع فيه. وبذلك تقوم مدن الأسواق هذه نيابة عن مناطق الأرياف الواقعة حولها بمجموعة من الوظائف والخدمات الأساسية وأهميتها هنا تبقى في كونها مكانا مركزيا بالنسبة للإقليم الذي تخدمه وتكمن أهميتها في وجود مساحة من الأرض وعدد من السكان يعتمدون على هذا المكان المركزي في نشاطهم الاجتماعي والاقتصادي. وكان من الطبيعي إن تكون المدن هي نقطة التقاء ((الإنتاج)) لكل من سكان الحضر والأرياف على السواء.
على إن بعض مدن الأسواق ما زالت توجد حتى ألان في أماكن متقاربة على الرغم من إن المراكز الحضرية الأكبر قد أخذت جزءا من وظائفها والسبب في ذلك هو إن هذه المدن مازالت مراكز مهمة لتسويق النتجات المحلية لزوجة الفلاح التي ترغب في الذهاب إليها دائما لقضاء ضروريات الحياة اليومية.
ويحاول دكنسون Dickinson تعريف إقليم المدينة فيقول انه ذلك النطاق الذي يحيط بالمدينة المركزي (إلام) فهذه المدينة هي بحكم مركزها وموقعها سوق الإقليم ومصرفه وربما مصنعه إدارته وخدماته الصحية والثقافية والترفيهية إلى غير ذلك
وتمييزا لإقليم المدينة عن غيرة من الأقاليم فقد أطلقت علية عدة تسميات خاصة, فقد سماه سميلز بالحقل الحضري Field Urban وسماه مخططو المدن ( بالإقليم الوظيفي Region Functional كما سمي بالأقاليم المنظم Oeganisational ومنهم من استعمل مصطلح ((مجال التأثير الحضري)) Field Urban Influence .
فتقسيم العلم إلى أقاليم مدن ليس حلا لمشكلة الإقليم الجغرافي, وان إقليم المدينة ما هو إلا نوع من تلك الأنواع ابتدعها الجغرافيون لبلوغ قمة الجغرافية, وتوجد مساحات واسعة في قلب عدد من القارات ؛- . وخاصة في إفريقيا وأميركا الجنوبية لا تنتمي إلى أي من أقاليم المدن لسبب واضح هو غياب مدينة تحتل بؤرة الإقليم
إذن فقد بنيت فكرة إقليم المدينة على أساس العلاقة بين المدينة وما حولها من ريف ومدن اصغر, وقد تباينت العلاقات المكانية من عصر إلى أخر, إما نتيجة لاختلاف المرحلة أو المستوى التقني وخاصة فيما يتعلق بالمستوى الحضاري, أو لظهور علاقات جديدة ووسائل لم تكن معروفة من قبل. فقد أدى التطور الكبير في وسائل النقل والمواصلات إلى اختلاف مجالات نفوذ المدن
وقد مرت العلاقات الإقليمية الريفية والحضرية خلال التاريخ بتطورات فالمدينة كانت بنت الريف وتعتمد علية اعتمادا يكاد يكون كليا. كانت المدينة تأخذ ولا تعطي إلا النزو اليسير.
ويفسر ذلك ببساطة حياة أهل الريف. وبذلك الاكتفاء الذاتي الذي ميز حياتهم بحيث استغنوا إلى حد كبير عن العالم الخارجي في تلبية مطالبهم اليومية؛ حتى إن مطالبهم المتواضعة من المصنوعات منها حرفيو القرية وصناعها ثم أخذت المدينة تسوق ما فاض من منتجات الريف القريب؛ ولكن وسائل المواصلات البدائية وضعت حدا لهذه العلاقة, وفي نفس الوقت عملت على الاستمرار اعتماد المدينة على الغذاء وبعض الخدمات المجلوبة من مجالها الريفي.
ومع ذلك أخذت المدينة تثري على حساب الريف بفضل ما أوتيت من خبرة وقدرة على استثمار المال وادخاره, وبالمال فرضت سيطرتها على الريف, وملكت أراضيه بل ومن يعيش عليها .
وقد تغيرت هذه العلاقة مرة أخرى عقب الانقلاب الصناعي وما ارتبط به من تطور مثير في الوسائل النقل والمواصلات.
صارت المدينة اقل اعتمادا على الريف المجاور ولكنها صارت في نفس الوقت محط أنظار أهل الريف وقبلتهم يقصدونها لقضاء حاجاتهم وربما للعيش منها إذا طاب لهم المقام. لقد صار تأثير المدينة في الريف نافذا وصارت الوظيفة الإقليمية لا تقل أهمية عن الوظائف المحلية
ولهذا السبب ارتبط الريف مع المدن المجاورة بالعديد من العلاقات الإقليمية يمكن إن تدرج فيما يأتي:
1- العلاقات الزراعية :
بما إن الزراعة هي النشاط الاقتصادي الرئيسي في المناطق الريفية لذا فقد أفردنا لهذه العلاقات مجالا مستقلا لما لها من أهمية كبيرة ونسبة عالية ضمن العلاقات الريفية – الحضرية فريف المدينة هو مطمحها الفسيح الذي يكون إقليم تغذية وتموين لها .
كما إن الزراعة تعد من المجالات التي تنفذ من خلالها المدينة إلى الريف على الرغم من إن حياتها صارت متعلقة أكثر من ذي قبل بالتجارة أو الصناعة. وتعتمد المدينة في غذائها خاصة السريع التلف منه على الريف المجاور حتى إن كثيرا من البساتين تقع على مقربة منها, والى اليوم يتوقف عمق المجال الذي تحصل منه المدينة على حاجاتها من الفواكه ومنتجات الألبان على مدى تقدم وسائل المواصلات, ففي الدول النامية تضيق الرقعة التي تمد المدينة بحاجاتها اليومية من المواد الغذائية بينما تتسع وتطول المسافة في الدول المتقدمة, فحدود المنطقة التي تمد باريس بالحليب مثلا تبعد عن مركز المدينة بنحو 400 كم وتعتمد لندن في سد مطالبها منه على كل السهل الانكليزي.
إما عن المحصول الزراعي في الريف حول المدينة فتوجد هنا ضوابط الطلب وسعر الأرض وتكاليف الإنتاج مع طبيعة المحصول من حيث الوزن والقابلية للتلف لها توجيه واحد مشترك. فالمحاصيل العالية القيمة, السريعة التلف, التي تطلب طازجة تحتل اقرب ارض إلى المدينة, إما المحاصيل الثقيلة القليلة القيمة التي تعيش طويلا فتكون بعيدة عن المدينة. ومن هنا يظهر تخصص في المركب الزراعي بحسب المسافة من سوق المدينة, أي تنضد المحاصيل في نطاقات واضحة.
وقد حاول عدد من الجغرافيون تصوير تتابع النطاقات التي تمد المدينة بالخضر والفواكه ومنتجات الألبان وغيرها من متطلبات الحياة اليومية على أساس أنها تأخذ ترتيبا خاصا وقد خرج بعضهم برأي مفاده إن تلك النطاقات تأخذ ترتيبا خاصا, فالنطاق الأقرب إلى المدينة هو نطاق الورود ثم يليه نطاق الخضر والفواكه, إما النطاق الثالث فهو مخصص لزراعته كثيفة عمادها تربية الماشية من اجل ألبانها وينتهي هذا النطاق بمنطقة لتربية مختلف الحيوانات وهذه بدورها يحوطها نطاق من الغابات. وهي نطاقات تنتج بسبب تفاعل عوامل بشرية وطبيعية في إطار حضاري خاص ولكل بيئة مناخية ترتيب يناسب ما فيها من صفات فما ذكر في التتابع أعلاه يتلاءم مع العروض المعتدلة الرطبة .
إما فيلله Fleure وجد في دراسته لقرية بيركنفلد Birkenfeld نطاقين من كثافة الإنتاج: نطاق قرب القرية ونطاق بعيد عنها فالنطاق الداخلي يمتاز بدوره زراعية ثلاثية واستعمال غزير للأسمدة الخضراء والحيوانية. إما النطاق الخارجي فدورته خماسية وسداسية, يختفي منها البنجر الثقيل تماما ويحل محلة الشوفان والبر يسم وكالهما اقل عائدا.
وقد رسم ميللر خطوط الأزمان المتساوية للتسميد
فوجد إن أبعدها في النطاق الداخلي حوالي ساعة, بينما هي ساعتان في النطاق الخارجي , أي من الممكن نقل حملين من السماد إلى الأول مقابل كل حمل إلى الثاني. من هنا أصبح التسميد أكثر تعذرا في النطاق الخارجي ومن ثم كانت الدورة خماسية لا تحتاج إلى كثير من التسميد. وهذا يعني إن كثافة الإنتاج تزيد بينما تقل نسب تكاليف التسميد كلما اقتربنا من المدينة .
وفي النطاقات الريفية المحيطة بالمدن التي تنتج ما تحتاجه المدن من المحاصيل المذكورة آنفا, وتختار المناطق ذات التربة الخصبة والمياه الوفيرة وفي حالة عدم توفر هذه التربات فإن الفلاحين يستخدمون الأسمدة العضوية لزيادة خصوبتها وخاصة في الأجزاء التي تكون حولها المدن الكبيرة الحجم ولهذا تحاط كل مدينة بحلقة من (أكثر أنواع التربة) خصبا وإنتاج وتمتد إلى مدن لا يمكن لرجل إن يذهب بالحمل ويعود في اليوم خاصة في الأقطار النامية والكثيفة السكان

وبعد فأن المدينة ما زالت في كل الاقطار هي صاحبة الفضل في توجيه استغلال الارض القريبة افضل استغلال تنفسك تبحث عن اصلح الاساليب الزراعية ومن وراء جدران معاملها واسوار حقولها الجريبية تسعى لتهجين احسن الحيوانات وانتقاء افضل البذور خدمة للريف والزراعة والزراع
العلاقات التجارية والصناعية :
لايمكن ان تكون القرية استيطانا مستقلا قائما لوحدة بل ان القرى كما سبقت الاشار هي اجزاء من نظام استيطاني معقد تكونه العديد من الانظمة الاجتماعية الاقتصادية. يضم العشرات من القرى ذات الحجوم المختلفة تنتظم كلها في شبكة ذات علاقات مكانية متكاملة تشكل المدن مراكز لهذه الاقاليم. وبما انه ليس من المعقول تطوير كل قرية على حدة حتى تصبح مكانا يقدم مجموعة من الخدمات التسويقية او الادارية او الترفيهية . فإن عملا من هذا القبيل ليس دون طاقة أي بلد نام فحسب بل انه مطلب لا يمكن ان يصل اليه حتى البلدان المتقدمة بسبب الاتفاق العالي الذي يتطلبه وبسبب عدم امكانية توفير الوقت والجهد والعنصر البشري لمثل هذا التطور.
ان اقاليم الارياف والحضر لا يمكن ان تعيش في معزل عن بعضها البعض لان كلا منها قاعدة للاخرى, وان هذا الارتباط له طبيعة عضوية وجغرافية, ان جميع مراكز الحضر كانت مراكز للاسواق وهنا لا نجد خلافا بين السوق والمدينة وظل هذا الربط في التعريف بين الاثنين سائدا وظلت المراكز التي لا تتمتع بمراكز اسواق او مراكز حضر ظلت مناطق ارياف في هويتها وشخصيتها ووظيفتها. ونتيجة للاختلاف الواضح في تركيب وشخصية مدن الاسواق هذه عن اقاليم الارياف ظل الفرق واضحا وجليا بين الاثنين.
وكان من الطبيعي ان يتوفر لكل منطقة ريفية ذات مساحة وامكانيات معينه, ان يتوفر لها بؤرة حضرية (مكان مركزي) ترسل اليه انتاج هذه المنطقة من المنتجات الاوليه للتسويق والتصدير وكذلك تستمد احتياجاتها من المواد الوسيطة والاستهلاكية من هذه البؤرة وكان من الطبيعي ان تكون نقطة لبيع المنتجات والتسوق لما يحتاجون الية من بضائع.
ولا تتحول المدينة الى سوق للريف المجاور لمجرد انها تستقبل منه ما تصنع وتأخذ من ما تأكل وأنما يتم ذلك بالدرجة الاولى بفضل مؤسساتها التجارية التي تعرض الانتاج وتتكفل بنقلة وتوزيعه على اوسع مجال ويتمثل ذلك واضحا بالنسبة للمدن التي اقامها المستعمرون في افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية بقصد جعلها مركز انطلاق لاستغلال ثروات البيئة المحلية .
ولا يقتصر هذا الدور على توفير فرص العمل للسكان ومدهم بالقروض ورعاية مصالحهم المالية وتسويق منتجاتهم بل يشمل توفير حاجياتهم بما يناسب قدراتهم الشرائية فأهل الريف يفدون الى المدينه لشراء ما يتطلبون من المنتجات والسلع.
والتجارة بلا ريب اهم اوجه العلاقة الوظيفية بين المدينة والاقاليم ولما كان من المستحيل ماديا واقتصاديا ان تتعامل كل نقطة على سطح الاقليم مع كل نقطة اخرى وتتصل بها مباشرة, فقد اصبح التركيز ضروره.
فالمدينه هي وسيط الاتصال والتعامل بين اجزاء الريف المشتت المترامي بعضه عن البعض, وبينها وبين الاقاليم الريفية الاخرى وحدتها. فالدور التجاري للمدينة هو الذي يجعلها بصورة مباشرة (( أداة تكامل )) الاقليم الريفي ويجعلة اقليما وظيفيا بالمعنى المباشر.
ولا يجد سكان الريف الاقرب كل حاجاتهم الشرائية في القرية, ولذلك يستكملون الاهم منها برحلة يومية او فترية الى المدينه. فبعض تلك الحاجات تتصل بمطاليب يومية مستمره كالطعام والصحف والادوية وغيرها, وكلها متطلبات لا بد ان تكون على مسافة قصيرة بقدر الامكان من مكان السكن ومن ثم لا بد ان تكون واسعة الانتشار, والبعض الآخر يشمل المتطلبات الاقل إلحاحاً او ضرورة في الحياة والتي من الممكن ان تسد طريق التسوق الأسبوعي وهذه الحاجات ليس من الضروري ان توزع على نطاق واسع. فهو يظم محلات لبيع الاحذيه والملابس ام بعض المواد الغذائية الخاصة اما الرحلة الاطول التي تتطلب زيادة المدينة الكبرى فأنما تكون من اجل الحصول على انواع افضل من الملابس او شراء الأثاث او كتب او مجوهرات وهكذا نجد تدرجا في الحاجات وفي ضرورياتها وكذلك المسافات التي يقطعها الريفي من اجل الحصول عليها .
على ان الحال يختلف بين الدول النامية والدول المتقدمة وذلك لاسباب متعددة منها التطور الحضاري والتقني ومايتوفر من تسهيلات مدنية كما ان المواصلات ووسائلها المتاحه تؤدي دورا كبيرا في تحديد نفوذ المدينة وان كل ما تقدم او تطور فيها يقرب المدينه من الريف خطوة جديدة.
ولما كانت معرفة الظروف التي يتمكن ابن القرية فيها من الوصول الى المدينه مهمه في تحديد مجال اقليم المدينه فقد ابتكرت خطوط الازمات المتساوية Isochromes وهي خطوط تربط بين الاماكن التي يستطيع المواطن بلوغها من نقطة معينه بوسيله معينة في وقت واحد. وعند رسم هذه الخطوط ينبغي الاخذ بنظر الاعتبار عوامل متعددة تحدد في المجال الذي ترسم فية الخطوط وما تكون علية صورته ولعل من اهمها نوعية وسائل المواصلات المستخدمة وسرعتها والوقت الذي يقطعة المسافر للوصول اليها من منزله لبلوغها من مكان عمله ومدى انتظام انطلاقها ووصولها .
ومن الواضح ان طرق النقل الجيدة الصالحة للعمل طوال العام تسهل وصول المواد الزراعية المنتجة الى المستهلك الذي هو غالبا ما يكون ساكن المدينة بالوقت والسفر الملائمين الامر الذي يسمح بحصول المزارع على ريع ممكن. وكلما تطورت طرق وسائل النقل انخفضت تكاليفة , اذ انها تنخفض 5% من تكاليف الانتاج الكلية بينما ترتفع حتى تصل الى 30% في البلدان النامية
ونظرا لما يمتاز به الريف بشكل عام والريف المحيط بالمدن خاصة, من عوامل طبيعية وبشرية تجعلة صالحا لصناعات عديدة. كما تجعل اهتمام المدينة بتصنيعه امرا حيويا لصالح البيئات الريفية والحضرية. ولذا اخذ الاهتمام يتزايد في تطوير الريف صناعيا بادخال صناعات عديدة تتلاءم وبيئة الريف المجاور .

وقد ادى ميل الصناعات الى الانتقال من المدينة الى اطرافها الريفية للافادة من سعة المكان وانخفاض الضرائب وسعر الارض, ادى هذا الى جذب المدينه الصناعية المتخصصة باطراد الى الاطار الاقليمي والريفي وتقوية علاقاتها المتبادلة فمثلا ان ليون قد احالت صناعاتها ومصانعها الى ريفها ومدن ريفها المحيط حتى خلقت شبكة من العلاقات الاقتصادية بينها وبين ريفها ترقى الى خلق اقليم اقتصادي كامل يرادف اقليم المدينة .
كما ان العديد من المدن المتخصصة جدا تؤدي الى دور المصنع لاقليمها الريفي, ويقسم الدور الى ما قبل المزرعة وما بعدها أي على الترتيب تصنيع خامات مستوردة من مراكز اخرى لتوزيعها على الاقليم الريفي وتصنيع خامات الريف الزراعية للاستهلاك المحلي او التصدير وفي كلتا الحالتين لا يمكن لصناعة المدن ان تفلت من اثر التوجيه الريفي الاقليمي .
3- العلاقات الخدمية :
ويتضمن هذا النوع من العلاقات الخدمية التي تحتاج إليها سكان الأرياف ويستطيعون إيجادها في المدن المجاورة لريفهم ومنها الخدمات الثقافية التي تشمل (المسا رج , النوادي , دور العرض والسينمات والصحف ) والخدمات التعليمية (المدارس الثانوية, المعاهد المتخصصة والجامعات) والصحية (الأطباء المتخصصون والمستشفيات ) والخدمات الإدارية
فالمدينة يوجد فيها المسرح ودار السينما والنادي ووسائل اللهو فكل هذه الخدمات يصعب إن تقوم في القرى, وإذا قامت فأن القرية تكون قد أدت بذلك دور الخدمات الإقليمي وأصبحت قرية سياحية وبهذا فهي تماثل وظيفة المدن كما هو الحال في القرى السياحية في العراق في صلاح الدين وشقلاوة وسرةرش وغيرها.
وهذه الحاجات الترفيهية تحتاج إلى سعة الاختيار والتنوع ومن ثم فهي في الأغلب تكون في المدن وخاصة الكبرى منها. وقد وجد رواد هذه الخدمات من الريف بينها وبين إغراض العمل أو الشراء والتسوق Shopping في رحلة واحدة إلى المدينة.
كما إن المدينة هي مركز الصحافة المحلية التي يستمد منها الريف التوجيه ويجد فيها التعبير, ومنها يستطيع إن يجد ضالته في إيجاد أداة التوجيه الفكري بما يقدم إلية في الصحف من أراء وتحليلات صحفية. إضافة إلى وسائل التثقيف فعن هذا الطريق تستطيع المدينة إن توجه الريف, وتسيطر علية ثقافيا, حتى في الإعلانات التجارية التي تنشرها تلك الصحف.
ولكل مدينه دور ثقافي تؤدي في إقليمها وان كان دور بعضها يتعدى حدود الإقليم بفضل مل فيه من مؤسسات تعليمية مثل الجامعات والمدارس الغالية والمعاهد المتخصصة .
والجامعات العريقة أوسع تأثيرا من الحديثة, والجامعات الكبرى الوطنية أعمق تأثيرا من الجامعات الإقليمية وتزيد من نفوذ بعض الجامعات أحيانا ما يتمتع به أساتذتها من شهرة عالية وحسن تجهيزها بالمختبرات والمعامل وإشرافها على مراكز متخصصة في البحث تعمل على تطوير البحث العلمي الخاص بالإنتاجية, ومع ذلك فأن تأثير الجامعة لا يتغلغل إلى كل بيت ذلك لان الجامعيين يشكلون نسبة منخفضة من مجموع أبناء الشعب ومنهم الريفيون .
وكلما ارتفعت درجة المؤسسة التعليمية ازداد تركزها في المدينة اكبر, ومن ثم يضطر سكان الأرياف إلى مراجعتها للاستفادة من خدماتها, فتزيد المسافة التي ينبغي ان يقطعوها للحصول على تلك الخدمات.
والمدينة بالنسبة لإقليمها هي مركز الإدارة والإعمال المالية والتقاضي والخدمات الصحية والتعليمية والترفيهية, ولعل الخدمات الطبية التي تؤديها المدينة لسكان الأرياف عن طريق أطبائها ومستشفياتها هي من أوسع خدمات المدينة امتدادا وخاصة في الأقطار النامية
كما إن وظيفة المدينة الإدارية هي وظيفة إقليمية بدرجة كبيرة, إذ إن هناك سلما تراتبيا للسلطات الإدارية بحسب درجة المدينة الإدارية, وفي ضوء ذلك تختلف مساحة الإقليم الريفي الذي يتبعها
4- العلاقات السكانية :
الريف لا يغذي المدينة بالطعام فقط بل بالسكان أيضا, ويتم ذلك عن طريق الهجرة من الريف إلى المدينة فالإقليم الريفي يمثل الخزان البشري الذي تسحب منه المدينة ما تحتاج إلية من الأيدي العاملة ومن سكان آخرين وتكاد لا توجد أسرة ريفية ليس
لها ممثل في المدينة المجاورة
وقد أصبحت المدينة في عدد من الحالات عنصر تفكيك وتخريب للحياة الريفية المحيطة. فإفقار القرى يتركها غير قادرة على إن تعيش ككائن صحي .
ويزداد عدد المسافرين يوميا جيئة وإيابا كلما زادت صعوبة توفير السكن في مكان العمل وعادة ما تستعصي مشكلة السكن هذه على الجيل في المدن الكبيرة المكتظة بسكانها مما يؤدي إلى ظهور رقاع مدينه وضواح سكنية في وسط الريف تغطي مساحات شاسعة حول هذه المدن وتسهم في نفس الوقت في رفع مستوى المعيشة في الريف المحيط.
والرحلة إلى العمل من الإقليم الريفي تعظم تياراتها إذا كانت المدينة كبيرة الأهمية والحجم, أو تقدمت المواصلات خارج المدينة وهذا شرط أساسي أو سهلت وتطورت, اتسع مدى الرحلة, وهكذا أصبح النبض اليومي بين المدينة والريف حقيقة كبرى تجعل إقليم المدينة إقليم حركة Region of Circulation وأصبحت الحركة الإقليمية Regional Mobility من خصائص مجتمع إقليم المدن الحديث التي تجعله سوقا واحدة للعمل
والحركة في الإقليم الريفي نحو المدينة نوعان : الأول يكون لغرض العمل في الصباح والعودة مساء إلى الريف حيث ينتقل العمال من الأرياف إلى المدن للعمل فيها ثم العودة إلى مساكنهم مساء .
الثاني: يرتبط بالسكن الذي هو وليد رغبة سكان المدينة الكبيرة في هجر قلبها المزدحم, للعيش في إطرافها الريفية طلبا للهدوء والراحة وتكون لهم رحلة يومية أو نصف أسبوعية أو أحيانا أسبوعية للاستفادة مما تقدمة المدينة من سلع وخدمات يستفيدون ويتسوقون منه
إن أنماط رحلات العمل معقدة ويمكن تمييز الأسباب الكثيرة التي تؤدي إليها وهي :
1. ممارسة الملكية الصغيرة الجزئية والعمل الصناعي الجزئي وعمل ساكني الريف في نشاطات مدينه .
2. رغبة كثير من العمال المدنيين في الضواحي الريفية او الشبه الريفية .
3. عدم ملائمة الإسكان في المناطق المدينة أو ارتفاع تكاليفه .
4. ألعزله الوظيفية في المناطق المدينة بين المناطق السكنية والإحياء الصناعية والإدارية والتجارية والثقافية .
5. تنوع المهن في المجتمع ما وانتشار أماكن العمل, وبالأخص في حالة وجود فروق في التركيب المهني للذكور والإناث من السكان العاملين
ومما سبق بشأن العلاقات الريفية الحضرية يمكن التوصل إلى العديد من الحقائق الخاصة بتلك العلاقات ومنه:
1) إن الأقاليم تشهد تغيرات اقتصادية واجتماعية وسكانية وبيئية تظهر في السلوك والنظام الاقتصادي والتكوين البيئي. هذه التغيرات تسمى بعملية ( النمو الحضري) أو التحضر .
2) إن هناك علاقة عكسية قوية بين اتجاهات وكثافة عمليات التحضر وبين سيادة نظام الاستقرار الريفي وتكوين شكل البيئة الريفية .
3) إن أقاليم الأرياف والحضر لا يمكن إن تعيش في معزل عن بعضها البعض لان كلا منها قاعدة للأخرى وان هذا الارتباط له طبيعة عضوية وجغرافية .
4) إن التحول الوظيفي للسكان عن الأحرف الأولية في الزراعة والرعي إلى الحرف الثانية أو الثالثة في الصناعة والتجارة وغيرها من الخدمات, يعد علامة للتحول الريفي نحو الجانب الحضري .
5) إن درجة التحضر والأرياف مسألة نسبية بحسب ظروف كل دولة سواء فيما يخص الحجم السكاني أو درجة التصنيع أو المكتسبات المادية للسكان أو مقدار ما تحصل علية العائلة من الخدمات والكيفية التي تحصل بها على تلك الخدمات ومدى يسرها وتنظيمها .
6) إن ظاهرة الأقاليم ( الحضريفية Rur-urban Regions) ما تزال في حاجة إلى المزيد من الدراسة والحسم, ولكنها تحتاج إلى تقريب وتوضيح في الصفات والخصائص النسبية الذاتية من اجل الوصول إلى الأنماط التي تشترك في الصفات العامة مثل المظهر الخارجي للمركز السكني وحرفة العاملين والخدمات التي يوفرها وغيرها .
ولابد هنا من تجاوز التفاصيل الدقيقة لملامح الأقاليم والاكتفاء بالصفات العامة لكي نتمكن من التوصل إلى معايير عامة تتسم بالدقة لحسم النزاع في نفس الوقت, وعدم الاتفاق بين العديد من الباحثين وخاصة في مجال علم الجغرافية والمخططين الإقليميين والإداريين في الأجهزة المختصة بالتخطيط
7) إن عدد السكان الريفيين يمكن إن ينمو في القرى الميتروبولينة Metroplitan Villages ولكن في اغلب قرى الأقاليم النائية يكون عدد المستوطنين في تلك القرى في انخفاض مستمر, وتكون الاحتياجات للخدمات الموضعية فيها في تقلص مستمر










































الفصل السادس

الاستيطان الريفي في العراق والوطن العربي
الاستيطان الريفي في العراق والوطن العربي

أخذ الإنسان منذ إن وجد على سطح الأرض يحث الخطى في محاولة للحصول على مكان يأوى إلية,ويدافع خلاله عن نفسه. وقد مر ردح من الزمن قبل ان يغادر كهوفه ومغاوره, ليبني له مسكنا يستقر فيه .

ومن المعروف إن المجتمعات الإنسانية قامت أساسا على القرى والتجمعات السكنية الصغيرة, والتي اخذ يزداد حجم سكانها مع حاجة الإنسان للأمن والحماية والاستقرار والعمل المشترك, ففي مصر والعراق وفلسطين وسوريا كانت أوائل التجمعات السكانية قرى ريفية تسكنها العشائر البدائية التي تعيش على الزراعة البسيطة في وديان الأنهار.

ويظهر إن المجتمعات البدائية التي هي الجزء الأصيل في المجتمعات المتحضرة من أعظم المجتمعات حضارة آنئذ وتمثل وديان الأنهار الرئيسية أكثر المراضع حظا في نشوء وتطور مثل تلك المجتمعات وما تزال مثل هذه المواضع تعكس حتى اليوم آثار تلك البيئات, كوادي الرافدين ووادي النيل. وقد كان الأخير ينبسط آنذاك على نطاق واسع جنوب بحر الغزال, ويرى بعضهم إن عددا من القرى القديمة جدا قد أقيمت على روابي وسط المستنقعات في مصر, أو على أكتافها, ثم تعرضت لظروف أخرى أدت إلى اختفائها. فثمة مستوطنات اندثرت دون إن نجد اليوم لها أثرا (2), بينما ما يزال لبعضها الأخر , آثار ماثلة للعيان.

وفي العراق وسوريا وفلسطين, وفي الجزيرة العربية دلت الأثريات إلى أنها تضم الخيوط الأخرى لفجر الاستقرار البشري والحضارة الإنسانية .

ففي العراق, تم الكشف عن أدوات تعود إلى العصر الحجري القديم في عدة مواقع من كردستان العراق, منها كهوف ((شانيدر)) و ((زرزي)) و ((كيوانان)) كما عثر على آثار الإنسان يعود إلى العصر الذي سبق ظهور الإنسان الحديث. وفي ((ج هرمو)) تم الكشف عن أقدم القرى الزراعية وقد برزت معرفة الإنسان وقتئذ بالبيوت الطينية, كما استعمل الخشب والقصب في البناء إضافة إلى سعف النخيل.

ومن اجل الاستفادة من خصوبة التربة ووفرة المياه ملائمة المناخ ظهر الإنسان في المساحات الواسعة من السهل الرسوبي في العراق قادما من منحدرات وسفوح المناطق الشمالية.
وفي سوريا, وجدت اقدم مستوطنه على ضفة الفرات القريبة من شرق مدينة حلب, تعود الى بدايات الالف التاسعة ق.م. وفي اريحا بفلسطين اظهرت التنقيبات عن اقدم مستوطنة ترجع الى الالف السابعة ق. م.

ويرى ((تويني)) إن الوطن العربي يستمد اهميتة التاريخية من ظهور الزراعة فيه لأول مرة في التاريخ الإنساني. وإذا كان العراق هو الموطن الأول للزراعة, فإن شبه الجزيرة العربية هي مهد الزراعة الاروائية منذ الفترات الجليدية

وقد خص العراقيون القدماء, الرافدين بالتقديس, وافردوا الفرات بتقديس اكبر, فهو اقل عنفا وتقلبا في فيضانه من نهر دجلة فلا غروان تتركز على ضفافه المستوطنات القديمة, كما تحكمت خصائص النهرين الطبيعية بتاريخ وتوزيع المستوطنات وتركيزها بالدرجة الأولى على جانبي الفرات دون دجلة, ولا سيما في مراحل الاستيطان الأولى للسهل الرسوبي.

ويلاحظ من خلال استعراض مسيرة الاستيطان الريفي في العراق أنها تميزت وخاصة من خلال العصر الحديث, بضعف الروابط والأحلاف العشائرية, ومن ثم فقد ساعد ذلك على الاستيطان التدريجي , وظهور مستوطنات جديدة وتوسيع أو تطوير المستوطنات القديمة.

وإذا تابعنا مسيرة الاستيطان الريفي خلال بدايات هذا القرن, نلاحظ انتشار القبائل في الوسط والجنوب, إلى جانب نسبة ليست قليلة من البدو يجوبون بوادي القطر وكذلك الرعاة في كردستان العراق.

ولا شك في إن انتقال من حياة الترحل إلى حياة الاستقرار , ليس جديدا, وان الفترات التي كانت فيها القبائل البدوية هي المسيطرة, تلتها فترات اتسع خلالها حجم السكان المستقرين, لا سيما بعد ظهور الحكومات المركزية القوية وتعاظم عوامل الاستقرار.

وكان لتثبيت الحدود العراقية مع الأقطار المجاورة خلال العقد الثاني من هذا القرن دور مهم في الحد من حركة البدو والرعاة في البلاد, الأمر الذي اضطرهم إلى التقليل من عدد حيواناتهم بعد إن حددت المراعي واضطر عدد كبير منهم إلى البحث عن وسائل أخرى للمعيشة.وكان لاكتشاف النفط والتوسع في استخراجه أثر في استقطاب البدو والعمل في شركاته.

من جهة أخرى, فأن البيئة الطبيعية في كردستان العراق شجعت السكان على الاستقرار, وكان لتوفير الأرض والمياه إن يسرا تحول الرعاة إلى الزراعة إضافة إلى التطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي كان لها تأثيرها في عمليات الاستقرار. وقد برز مثل هذا التحول نحو الاستقرار بوضوح بعد الحرب العالمية الأولى.

ويبدو إن التطورات التي رافقت قيام الحكم الوطني في العراق سواء من خلال قوانين تسوية الأرض أو قوانين استثمار الأراضي الزراعية إلى جانب تطور وسائل النقل وظهور النفط دورا في المساعدة على قيام مشاريع توطين واسعة للسكان من بينها مشروعات دجيله اللطيفية والزبيدية, كما إن ظهور قوانين الإصلاح الزراعي بعد عام 1958 أدى إلى قيام مستوطنات جديدة ونمط جديد من التجمعات السكنية في الأرياف .

لقد تميزت فترة الخمسينات بتركيز حضري على حساب سكان الأرياف لا سيما بعد الارتفاع في المستوى ألمعاشي واعتماد التصنيع منهجا واقتصار عمليات توطينية في المدن, بحيث بلغت نسبة نمو سكان المراكز الحضرية, أكثر من 12% سنويا خلال الفترة بين عامي (1947 – 1977) مقابل 1% فقط بين سكان الأرياف. انظر جدول رقم (1). وقد عكست هذه الظاهرة آثارها على متغيرات أخرى تتمثل في عدد وحجم المستوطنات الريفية ومن ثم نمط توزيعها وانتشارها. فثمة مستوطنات جديدة ظهرت واختفت غيرها من المستوطنات وفيما زاد حجم سكان عدد منها, صغر حجم عدد آخر .. فقيام مشروع إروائي أو شق قناة وظهور ثروة ما أو قيام طرق للنقل والتخطيط لمجمعات سكنية وسياسة الدول.. من شأنها قيام مراكز جديدة أو تطوير القديم منها. وقد يتسبب في اختفاء أو ضمور غيرها من المستوطنات.
جدول رقم (10)
التغير السنوي لسكان العراق بحسب البيئة (1947 – 1977)

الفترةالفالللااللللمهع سكان المدنسسس سكان الأرياف
1947- 1957خخخ 5,2 2,0
1957- 1965 8,7 0,3
1965- 1970 5,2 0,1
1970 - 1977 6,5 1,4
1947- 1977 12,4 1,2

ويمكن اعتبار فكرة السبعينات فاصلة بين مرحلتين تميزت المرحلة التي قبلها بزيادة في عدد القرى بينما اتسمت المرحلة التالية بانخفاض في عددها. ولعل سبب ذلك يعزى إلى :-
• اهتمام الدولة بإسكان العشائر والقبائل الرحالة من خلال قوانين التسوية كان من شأنه المساهمة في ظهور أو توسع القرى والتجمعات السكنية الريفية .
• ظهور النفط, مما خلق فرضا متزايدة شجعت البدو والرعاة على الاستفادة منها والتحول نحو الاستقرار.
• استقرار الأوضاع الإدارية وامتداد نفوذ السلطة بشكل فعال أدى إلى الحد من حركة البدو والرعاة, الأمر الذي اضطرهم إلى الاستقرار ومزاولة الزراعة .
• تحول عدد من القرى إلى مراكز إدارية, وما تسببه أحيانا من ((اسر)) للقرى المجاورة أو القريبة, ساهم في انخفاض عدد وحجم المستوطنات الريفية .
• الهجرة الريفية إلى المراكز الحضرية, كان لها دور أساس في امتصاص عدد كبير من سكان المناطق الريفية, وانخفاض في عدد وحجم سكان القرى.
• سياسة تجمع القرى, وقيام التجمعات الفلاحية, عملت على تركيز المستوطنات صغيرة الحجم في وحدات كبيرة يسهل تنميتها وتطورها.

سكان الأرياف
على الرغم من التوجه الجاد في تجميع القرى والمراكز السكنية الريفية فأن المراكز ((صغيرة الحجم)) دون (500 نسمة), ما تزال تمثل أكثر من نصف مجموعها الكلي, فيما لا تمثل القرى الألفية(*) سوى 16% فقط من مجموع المستوطنات الريفية. وفي حين تضم الأولى 16% من سكان الأرياف تضم القرى الألفية أكثر من نصف مجموع السكان. وهذا يعني إن القرى الوسطية (500- 1000) نسمة , تمثل نحو ثلث المستوطنات الريفية في العراق ونحو ذلك من سكانها.

وفي مصر, حيث تسود الزراعة الاروائية , فأن كثافة السكان عالية بالنسبة للرقعة الزراعية المحدودة. وقد تطورت القرى والتجمعات الزراعية فيها وزادت إحجام سكانها, وتقاربت المسافات بينها. فمن بين القرى في مصر, ما يزيد حجم سكانها, على (300) إلف نسمة, مثل قرية ((سرسي الليان )) في محافظة المنوفية بوسط الدلتا. فيما يعتبر الرقم (5) آلاف نسمة رقما متواضعا لحجم القرى.


من جهة أخرى, فان معدل حجم القرية في العراق لا يزيد على ((290)) نسمة, في المحافظات الوسطى بينما يبلغ ((240)) نسمة في المحافظات الجنوبية ونحو (200) نسمة فقط في المحافظات الشمالية .

وكما تختلف المستوطنات الريفية في الوطن العربي في مراتبها الحجمية تختلف أيضا في صور توزيعها وانتشارها. فمن القرى ما تتخذ إشكالا هندسية منتظمة ومنها ما تتبعثر بغير انتظام . وبينما يتخذ بعضها شكل تجمعات مركزية يتوزع بعض آخر منه على امتداد الطرق والأنهار مشكلة نمطا خطيا, أو شريطيا متميزا.

ومن الممكن, وبوضوح الكشف عن العلاقة بين نمط انتشار وتوزيع المستوطنات الريفية وعوامل توقيعها. فالاختلاف في البيئة الطبيعية من سطح ومناخ ونبات ومياه. من شأنه إن يؤدي إلى خلق قيم مكانية متفاوتة, يتولى الإنسان مهمة اختيار الأنسب منها لغرض استيطانه ومزاولة نشاطه الاقتصادي.

ويتخذ الاستيطان الريفي في مناطق المرتفعات والجبال نمط التوزيع المنتشر. وقد ساعد على توزيع القطع الزراعية وتفرقها بمساحات صغيرة نسبيا, بينما تكون متصلة في السهول والأراضي المنبسطة. لذلك فأن القرى تصل إلى ذروتها في التكتل حيث الجهات السهلية, لا سيما في وديان الأنهار في مصر والعراق على امتداد شريط حول نهر النيل ووادي الرافدين وكذلك في وديان انهار الوطن العربي الأخرى, لا سيما في سوريا والأردن وفي السودان.

وبينما تتبعثر القرى والتجمعات السكنية في مناطق الهضاب والأراضي الجافة وشبه الجافة لعجزها عن توفير المياه فأن مناطق الاهوار الدائمية تكاد تخلو من القرى أو أنها تتوزع بشكل خفيف, ويمكن ملاحظة ذلك في المستنقعات واهوار العراق وشطوط المغرب العربي .

العوامل المؤثرة في توزيع المستوطنات الريفية
يمكن تحديد العوامل المؤثرة في الأنماط التوزيعية للمستوطنات الريفية في الوطن العربي بعوامل طبيعية تتمثل في (تضرس الأرض واختلاف المناخ والتربة والنبات الطبيعي وكذلك الموارد المائية ...) وعوامل بشرية في مقدمتها طرق استغلال الأرض وأساليب الإنتاج وطرق المواصلات.. وأخرى تاريخية تتمثل في البعد الزمني لعوامل الاستقرار. وربما ثمة عوامل غير هذه وتلك تظهر في فترة ما أو في منطقة جغرافية معينه, تعمل كلا مترابطا للتأثير في الإنسان باختياره نمطا سكنيا معينا.



ومن المفيد دراسة تأثير هذه العوامل تفصيلا:
1- العوامل الطبيعية
من المعروف إن السهول الغنية بالموارد المائية تكون مفضلة في قيام المراكز السكنية, حيث تكون الإمكانات الزراعية عالية في توفير الغذاء لسكانها .

ففي مصر والسودان, احتشدت القرى وتقاربت المسافات بينها, وازدحمت بالسكان على طول امتداد نهر النيل وفروعه, وكذلك يقال بالنسبة لنهري العاصي والليطاني في سوريا ولبنان ووادي الرافدين وسط وجنوب العراق بل إن وفرة المياه تتجاوز أحيانا في أهميتها, قسوة المناخ في رسم مواضع المستوطنات, ففي جبال القلمون السورية يتجمع السكان قرب الينابيع والعيون دون الاهتمام كثيرا بقساوة الطقس شتاء(

وتتباين المستوطنات في إحجامها ونمط توزيعها في فلسطين,بسبب طبيعة المورد المائي فيها. فالقرى التي تقع على السفوح الغربية للهضبة عديدة, ومتجاورة, لكنها صغيرة في مساحتها وفي حجم سكانها, فيما تتسم قرى فلسطين الجنوبية, بقلة عددها وتباعدها, بسبب قلة المورد المائي وجفاف المنطقة.

وفي العراق, تصبح العيون والينابيع والكهاريز(الاخلاج), المحور الأساس لحياة السكان في المنطقة الجبلية, بل إن هذه الموارد تحدد عموما مواطن السكن في الريف. فحيثما توجد تقوم القرى, وكثيرا ما يعتمد حجم القرية على ثراء الينبوع بالمياه. ويمكن اعتبار هذه الينابيع والعيون والكهاريز (الاخلاج) مسؤولة عن نمط السكنى المنتشر في المنطقة. ويطلق على مثل هذا النوع من المستوطنات اسم (البقع الرطبة )

ونظرا لتجزئة الأرض الزراعية في المناطق الجبلية, ولاسيما ذات التربة الخصبة والسهول المتناثرة, تظهر القرى منشره على صعيد المنطقة, كما في قرى المحافظات الشمالية من العراق وكذلك في سوريا ولبنان, وبعض جهات المغرب العربي, وقد حالت مثل هذه الظاهرة, إلى جانب صعوبة استخدام الإله, دون إمكانية الأرض على إعالة عدد كبير من السكان, لذا تميزت المستوطنات هنا بصغر حجمها واعتمادها على وسائل أخرى غير الزراعية, كالتجارة, والصناعات اليدوية, وحياكة الحصر.

وتتجلى ظاهرة التوازن بين طاقة المورد المائي وحجم القرية ما دام هذا المورد يمثل الأساس في قيامها, الأمر الذي يدعو في بعض الأحيان إن تنزح مجموعة من السكان بسبب الزيادة في إعدادها أو بسبب النقص في الموارد المائية, فتستقر في جهات قريبة من القرية الأصلية .

ومثل هذه الظاهرة يمكن ملاحظتها أيضا, في السودان, حيث تتحرك مجموعة من سكان قرية ما, حينما يزداد حجم سكانها, ليقيموا مستوطنة جديدة لهم قريبة من موطنهم الأول, وقد تتخذ ذات الاسم مع إضافة تميزها عن القرية إلام.

وبينما يبرز وبوضوح النمط الخطي في المناطق الجافة والشبه الجافة حيث تمتد المستوطنات مع الأنهار, فأن القرى تتبعثر بعيدا عنه وبإحجام صغيرة تتناسب وإمكانيات الأرض على إعالة السكان. ويمكن إن يلاحظ ذلك وبوضوح في منطقة الفرات الأعلى في العراق وسوريا, حيث تلتصق المستوطنات بالنهر المذكور على امتداد الشريط السهلي الممتد على جانبية
وإذا كانت مشكلة المناطق الجافة, تتمثل في توفير المياه لسكانها فأن مشكلة مناطق الاهوار والمستنقعات, تكمن في كثرة المياه وقلة الأراضي اليابسة. وغالبا ما تقوم المستوطنات على أكتاف تلك المسطحات المائية وحوافها, حيث الأرض أكثر ملائمة للزراعة والاستقرار. كما تظهر مراكز سكنية وسط الاهوار, أحيانا, حيث يحتشد السكان مستفيدين من موارد البيئة سواء في صيد الأسماك, والطيور, أو في الصناعات اليدوية القائمة على البردي والقصب وقد يطلق على مثل هذه المستوطنات اسم البقع الجافة .

2- العوامل الاقتصادية
سبقت الإشارة إلى إن الطرق الإرواء ونوع الإنتاج الزراعي, علاقة بتوزيع وانتشار المستوطنات الريفية فثمة ارتباط بين نمط الزراعة الواسعة والنمط المنتشر للاستيطان الريفي, فيما أصبحت الزراعة الاروائية (سيحا أو بالواسطة) مرتبطة بالنمط المتجمع للمستوطنات. كما إن التطور في استعمال طرق الري في الزراعة, وجعل كثافة الاستيطان عالية, والقرى اكبر حجما وأكثر تقاربا وهو أمر طبيعي يعود إلى ارتفاع قدرة الأرض في إعالة السكان .

كذلك فان لنوع الإنتاج الزراعي علاقة بكثافة ونمط توزيع المستوطنات الريفية وقد أكدت الدراسات إن مساكن مزارعي الرز والتبغ والفاكهة ومزارعي الخضروات وسائر المحاصيل النقدية, تأخذ شكل قرى كبيرة الحجم ومتقاربة نسبيا, وتتجمع حيث الأنهار والموارد المائية الأخرى .

ولعل من الممكن القول بأن المؤثرات السائدة في تباين أنماط الاستيطان الريفي في الوطن العربي, تكمن في طبيعة الزراعة, باعتبارها تمثل الأولوية في رسم اتجاهات استيطان السكان, سواء من خلال ما رسمته مواقع الموارد المائية ونوعيتها وكميتها, أو بما عكسته أساليب الزراعة وطرق الإرواء ونوع الإنتاج. كذلك في المهارة الفنية المستخدمة في الإنتاج الزراعي والذي يتوقف على مدى تكيف الإنسان وإمكاناته المادية من جهة وعلى طول الفترة التي استغرقتها عمليات التطور من جهة ثانية .

كما ان للتشريعات والقوانين ذات العلاقة بالزراعة والإصلاح الزراعي دور متميز في خلق ظواهر جديدة من المستوطنات فقوانين التسوية في العديد من أقطار الوطن العربي التي استهدفت تثبيت الملكيات الزراعية, وحقوق التصرف بالأرض. وقد أدت تلك القوانين في العديد من تلك الأقطار, إلى استحواذ الشيوخ وزعماء القبائل على معظم الأرض الزراعية, وحرمان الفلاح منها, وبالتالي زيادة نفوذهم, الأمر الذي عكس ظهور تجمعات كبيرة نسبيا. إلا إن الشروع بتطبيق قوانين الإصلاح الزراعي حدد من إحجام الملكيات الزراعية وعمل على تقسيمها وتوزيعها على الفلاحين, الأمر الذي ساهم في ظهور, مستوطنات صغيرة الحجم تتسم بنمط الانتشار .

من جهة أخرى, فان تطبيق أسلوب الزراعة الجماعية, سواء من خلال قيام المزارع الجماعية أو التعاونيات وكذلك مزارع الدولة. وذلك على أساس مبدأ توزيع المناطق الزراعية إلى وحدات استثمارية وتقسيم هذه الوحدات إلى قرى فلاحيه, أدى إلى ظهور نمط من المستوطنات المجمعة, كما في العراق والجزائر مثلا.

طرق المواصلات
لعل من نافلة القول, إن نذكر الأهمية المتميزة لطرق المواصلات في التأثير بصورة مباشرة وغير مباشرة في الظهور أو تطوير العديد من مراكز العمران البشري. ويمكن ملاحظة ذلك على طول طرق النقل المائي أو البري, في شكل أشرطة من المستوطنات, كما هو الحال في امتداد المراكز السكنية على طول خطوط المواصلات في منطقة الدلتا ونهر النيل في مصر والسودان, وكذلك على امتداد نهري دجلة والفرات في العراق. ومعلوم إن امتداد هذه الطرق, أسبغ على تلك الأقاليم, أهمية متزايدة ساعدت في نشوء تجمعات سكنية, أو زيادة حجم سكان القديم منها.

ولعل في مقارنة حجم سكان بعض المراكز السكنية في السودان قبل وبعد مد خط السكك الحديد, يؤيد ما ذهبنا إلية. فقد كانت ((الرهد)) مجرد مركز استيطاني صغير الحجم قبل مد خط سكة الحديد إلى نبالا. بيد إن حجم سكانها قد تضاعف بعد ذلك, كما إن امتداد سكة الحديد بين الخرطوم وكسلا في السودان أيضا, كان سببا في ظهور مراكز استيطانية جديدةوقد ظهر الارتباط واضحا في العراق بين امتداد المستوطنات وشبكات النقل لاسيما وسط وجبوب البلاد حيث امتدت المستوطنات مع امتداد الانهار وسكك الحديد وطرق السيارات .

3- العوامل التاريخية
لا شك في إن للمتغيرات التاريخية دورا مهما وفعالا في اختفاء أو ظهور المراكز الاستيطانية, وفي تغيير حجم سكانها أو مواقعها. ولعا تعدد الإطلال والتلول في كثير من جهات الوطن العربي, يشير إلى التغير المستمر الذي تعرضت له مراكز العمران خلال العصور التاريخية الماضية. وأول ما يبدو واضحا في توزيع القرى الليبية, التزامها المناطق المنخفضة التي تقع بين كثبان الرمال والهضاب . حيث تتوفر المياه الضرورية للزراعة والاستقرار

حيث تتوفر المياه الضرورية للزراعة والاستقرار. بينما القرى في المناطق الجبلية في العراق عن الطرق العامة أو موارد المياه بحثا عن مواضع أكثر حماية وأوفر أمنا. كما إن مثل هذه الحماية... تعتبر ضرورية في فترات عدم الاستقرار والاضطراب السياسي , بل وواحدة من العوامل الرئيسة في ظهور أنماط معينة من المستوطنات في المناطق الوعرة أو الجزرية والجهات النائية, حيث يتخذ منها ملا جيء أو مواقع يتحصن فيها السكان ضد الغزو الخارجي. وقد تتعرض مثل هذه المستوطنات إلى زيادة حجم سكانها في الظروف غير الآمنة, وذلك على حساب قرى ومستوطنات أخرى يتم إخلاؤها أو النزوع عنها . وقد أشار ((ريج)) إلى ذلك في دراسة للعراق بقوله
(( إن معظم القرى في كردستان تقع في مخابيء مستوردة, وفي وديان بعيدة عن النظر)). كما يلاحظ ذلك أيضا في جبال لبنان والنصيرية والدروز وكذلك في جبل العرب. وفي المغرب يتجمع السكان في الجهات الجنوبية لدواعي الأمن والحماية . كما تبدو القرى الجبلية في الجزائر وكأنها (( معلقة)) لذلك سميت بـ (( القرى المعلقة )), ضمانا للدفاع عنها. وتنقسم قرى الزبداتي وجبال الكرد في سوريا وكذلك الجهات الشرقية لجبال العلويين بكونها تقع على السفوح الجبلية ليسهل الدفاع عنها. وفي السودان كان سكان النوبا يعيشون على سفوح ومقدمات الجبال. بيد ان عودة الاستقرار والأمن إلى ربوع تلك الجهات, أدى إلى انتشارهم حيث توجدالسهول أو عقد المواصلات, أو في تشجيعها على العودة إلى قراهم الأصلية .

4 - العوامل الاجتماعية \
من المعروف ان العادات والتقاليد الاجتماعية دورا لا يقل اسميه عن المؤثرات التي سبقت الاشارة اليه. بل كثيرا ما يؤكد بعض الدارسين ان العامل الاجتماعي هذا, ولا سيما في الاقطار الاقل تطورا, يؤدي دورا رئيسا يفوق العوامل الاخرى في الفعالية والتأثير في طبيعة العلاقات الاجتماعية ومن ثم في نمط توزيع وانتشار السكان والمستوطنات. وكلما تقدم الانسان في درجة تحضره, ضعف اثر العامل الاجتماعي ممهدا للعوامل الاخرى لتأخذ دورها في التأثير .

وما زال للعامل الاجتماعي في الوطن العربي دورا في نمط توزيع المستوطنات الريفية. على الرغم مما طرأ على بنية المجتمع الريفي وحجمه من متغيرات فثمة مستوطنات كبيرة الحجم, ما زالت قائمة على اساس من الروابط الفبلية والعلاقات العشائرية, التي تربط السكان في مستوطناتهم وتحد من حرية تحركهم وانتقلهم الى مواقع سكنية اخرى. وما زال تجمع المزارعين وعوائلهم مألوفا لمجابهة ذروة العمل ومع ذلك فأنه كلما ضعفت مثل هذه العلاقات اصبح ميسورا تحول اهل القرى الكبيرة مبعثر, حيث تبرز اساليب جديدة في استغلال الارض تمهد لانفصال الاسر عن الجماعة

وبينما تمثا الروابط النسبية اساسا في تجمع الاسر والعوائل الريفية في الوطن العربي عموما فان هناك تجمعا اخر يقوم على اساس الارض دون النسب المشترك حيث تلتقي مجموعة من الاسر او القبائل في قرية او مجموعة قرى . كما هو الحال في العديد من القرى الكردية في شمال العراق.

ومن الطبيعي ان تكون للتطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي رافقت النصف الثاني من هذا القرن في الوطن العربي دور فعال في تجاوز الكثير من الالتزامات والروابط العشائرية التي كانت تهيمن ولفترة طويلة على سكان الارياف, ساعد على ذلك التوسع في شبكات النقل والمواصلات وتوفر فرص العمل المختلفة , الى جانب التشريعات والقوانين المركزية وفي مقدمتها القولنين الزراعية, كل ذلك ساعد على تغير حركة الفالحين ونشاطهم ومن ثم في نمط انشارهم وتوزيعهم .

وعموما يميل البعض الى الاعتقاد بان الانتشار السكني هو شكل من اشكال الحرية فيما يعني التكتل في قرى مندمجة قلة حيلة الانسان وضعف وسائل وخضوعة للتقاليد
وفي ضوء ما سبق يمكن الكشف عن الانماط التوزيعية الاتية من المستوطنات ف الوطن العربي .

1- النمط المنتشر
وفيه تتوزع المستوطنات الريفية عشوائيا وبغير انتظام, ولكن على صفحة الاقليم او المنطقة عموما.. ولعل المناطق الجبلية والنرتفعات, اكثر الجهات وضوحا في هذا النمط, وخاصة تلك التي تتمتع بقدر اكبر من الامطار, بحيث لم تعد الانهار تحدد مواضع توزيع المستوطنات, كما في الجبال الاطلس في المغرب العربي , وجبال كردستان في العراق ويعكس هذا النمط, طبيعة التوزيع الجغرافي للموارد المائية والوضع الطبوغرافي في المنطقة, والممثل بصغر حجم الملكيات الزراعية. وتتسم المستوطنات في مثل هذه الجهات بصغر حجم سكانها .

3- النمط المتجمع
وتتخذ التجمعات السكنية في هذا النمط صورا منتظمة واحيانا غير منتظمة. لكنها تتميز بتقاربها وارتفاع حجم سكانها. ومن الطبيعي ام تتميز المناطق السهلية والاراضي المنبسطة, لا سيما في المناطق الجبلية او الجافة في الوطن العربي بظهور مثل هذا النمط من المراكز الريفية .

وتقوم نسبة اعلى من هذه المستوطنات حول الانهار وتفرعاتها, متخذة مواضع لها على كتوف الانهار, لدرء مخاطر الغمر المائي, ولا ستثمار مياهها ويتميز هذا النمط بارتفاع معدلات حجم القرى, وتقارب المسافات بينها وقد تتخذ احيانا نمطا شريطيا مع امتداد الانهار وتفرعاتها. ولعل افضل نموذج لهذه المستوطنات تلك التي تمتد مع نهري دجلة والفرات ووادي النيل حيث اضطر السكان الى بناء مسكنهم بجوار ضفافها, او على اكتافها, بسبب قلة الامطار وحاجاتهم الى المياه من جهة, واستغلال لتربها الخصبة من جهه اخرى .

3- النمط المبعثر
وتتباعد في هذا النمط مراكز الاستيطان الريفي وتنتشر على مساحة واسعة من الارض, متخذة في الغالب. اشكالا غير منتظمة, شأنها في ذلك شأن النمط المنتشر لتوزيع المستوطنات .

ويمكن ملاحظة ذلك في جهات واسعة من الوطن العربي لا سيما في الجهات التي تمثل مناطق العوز المائي, او في شطوط المغرب العربي ومناطق الاهوار الدائميه في العراق, ويلاحظ ايضا في بوادي الوطن العربي الواسعة. في العراق يتمثل هذا النمط في جهاته الغربية و الشمالية الغربية, وفي سوريا يلاحظ في هضبة بالد الشام. وكذلك شمال المملكة العربية السعودية, اما في مصر فتظهر مجموعة المراكز المبعثرة في الاراضي الهامشية ( القريبة من الصحراء) والتي تختلف في احجامها وفي توزيعها على النمط المتجمع في دلتا ووادي النيل, اضافة الى جهات واسعة من الصحراء العربية الكبرى .

ومن المعروف ان استغلال الارض المستمر والمنهك لخصوبتها يجعلها غير مجدية عموما للانتاج الزراعي وذلك بسبب ارتفاع نسبة الاملاح فيها او في زراعتها اصنافا من الغلات القابلية على تحمل ملوحة الترب هاو الجفاف, الامر الذي يضطر السكان الى البحث عن مواضع معينه تتوفر فيها الكفاية من حيث المياه, والتربه الصالحة للانتاج, ومن يصار الى الظهور مراكز سكنية صغيرة متباعدة او مبعثرة .

المسكن الريفي
ليس ثمة تخطيط للمستوطنات الريفية, يمكن ان نهتدي به فحيثما حل الفلاح اقام منزله. والمسكن الريفي الى جانب وظيفته الاجتماعية في ايواء الاسر وحمايتها وحفظ غلالها وحيواناتها, لا بد ان يوفر له الطمأنينه والاستقرار ايضا. وطريقة في مثل هذا البناء, لا يخضع لنظام هندسي معين, فتكون الدور فيه غير منسقة والطرق ملتوية وضيقة. وقد تترك بينها مسافات واسعة لاسباب امنية واجتماعية .

ويختلف المسكن الريفي في الوطن العربي. فمنه البسيط المتواضع ومنه المخطط المنتظم, كما ان منه ذا طابق, وفي القليل يكون طابقين. ومن ثم المساكن مابني من طين او لبن, ومنه ما بني من الطابوق او حجر. وقد تبنى من بردي او قصب.

ومثل هذه الاختلافات تنشأ من تنوع في نظم استغلال الارض ومستويات الدخل وكذلك في مدى الاستجابة لظروف البيئة المحلية .

ولعل ابسط انواع المسكن الريفي, هو البيت المنفرد والمؤلف من غرفة واجدة, يستعملها الفلاح مسكنا له ولعائلته. وربما ايضا لايواء حيواناته وحفظ غلاله. وكلما زاد حجم العائلة تعددت الغرف واتسع حجم المسكن وكنتيجة لانفصال الأسرة واستقلاليتها عن العائلة الرئيسية, فقد حدث تغيرا في حجم وعدد المساكن, حيث اخذ يميل في العادة الى الصغر. كما ان زيادة عدد الأسر ادت الى زيادة في العدد الوحدات السكنية .

ويختلف نمط الانتشار وتوزيع المساكن الريفية, بين منطقة واخرى, تبعا لاختلاف فعالية العوامل ذات العلاقة, والمؤثرة في توقيع القرى وامتداد الوحدات السكنية ففي المرتفعات والمناطق الجبلية يتسم التوزيع بالنمط المتجمع للوحدات السكنية, بينما تكون مبعثرة او منتشرة في المناطق السهلية والاراضي المنبسطة وفي العراق, بلغت نسبة الوحدات السكنية المتجمعة في المنطقة الجبلية نحو 84% من مجموعها الكلي, فيما بلغت 29% في الجهات السهلية الجنوبية . وبينما لا تمثل الوحدات السكنية المتفرقة سوى 9% في المنطقة الاولى, بلغت 37% وفي الثانية , وما يزيد على 60% في الجهات الغربية.

ويؤدي ضيق الارض الزراعية. الى تلاصق الوحدات السكنية, كنتيجة للضغط السكاني على الارض الوراعية. ويظهلا ذلك بوضوح في الريف المصري ويصل اقصى درجة له في وديان حضرموت في جنوب الجزيرة العربية حيث لجأالسكان الى بناء مساكن صغيرة متلاصقة على هامش الارض الزراعية مباشرة. ولما كان يصعب امتدادها افقيا, لذا اتجه البناء عموديا, مما يمكن معه القول, بأن اليمن من بلاد العالم الاولى التي عرفت المباني متعددة الطوابق, والتي تصل في المتوسط ما بين (6-9) طابق.

ويعيش سكان الارياف في اقطار المغرب العربي, في قرى مركزة كبيرة الحجم تقع اغلبها في مواضع على سفوح منحدرة تشرف على الارلضي الزراعية, وقرى الواحات ايضا قرى تراكمية كبيرة الحجم. بسبب نظام الري وتوزيع المياه .

وثمة نوعان من القرى, احدهما تقليدي, والاخر مخطط ويتميز الاول بطرق ملتويه وضيقة . وقد تكون ذات نهايات مغلقة. فيما تترك مسافات واسعة بين الوحدات السكنية وكثيرا ما يتعطل العمل على الطرق الموصلة الى القرى المجاورة, او المدن بسبب الامطار. اما النوع الثاني فيتسم بالتنسيق بين وحداتها السكنية وبشوارعها المنتظمة والواسعة نسبيا .

وعلى الرغم من بساطة الخبرة الفنية المستخدمه في بناء البيت التقليدي في الارياف, فأنه وليد خبرة الفلاح ومعرفته بالظروف المناخية والاجتماعية المحيطة به, مع التنسيق مبسط في التنظيم, سواء في الاشكال والخصائص العامة, او في مواقع وعدد الغرف واتجاهاتها .

مواد البناء
تتمثل مواد البناء, بالمواد المحلية والمواد المستوردة ومن الممكن القول, بأنه كلما زادت مواد البناء المستوردة دل ذلك على تطور في المستوى المعيشي. وعموما فأن مقدرة ابناء الارياف في اللجوء الى خارج بيئتهم المحلية في البناء, اقل بكثير من قدرة سكان الحضر. لذلك نجد ان المسكن الريفي, اصدق تعبيرا واكثر دلاله على طبيعة البيئة الريفية من المسكن الحضري ومع ذلك فالتباين في المستوى المعاشي يؤدي الى التباين في المواد المستعملة في البناء سواء المحلية منها او الخارجية .

وعلى الرغم من التباين في المواد المستعملة في بناء المسكن الريقي فأن البناء الطيني هو الاكثر شيوعا في الوطن العربي. ففي مصر لوحظ ان اغلب المساكن الريفية بنيت باللبن العادي او المفخور بينما كانت الاخشاب وجذوع النخيل تمثل المواد الاساسية في بناء السقوف. كما كان الطين يستعمل في طلاء الجدران, وفي سوريا, تبنى البيوت عادة بما يتوفر محليا من المواد فمنها ما تبنى بالطين, وتسقف باعمدة من الخشب, ثم تغطى بالتراب كما في غوطة دمشق, ومنها ما تبنى بالحجارة , كما في القرى محافظة الانبار وفي جبل الدروز وتتميز قرى سهل الغاب بأي مساكنها بنيت على قاعدة من الحجر يعلوها اغصان الاشجار وتسقف بالقش ويطلق عليها اسم البيوت المقبورة .


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم