انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

جماعة الديوان

Share |
الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 4
أستاذ المادة شيماء محمد كاظم الزبيدي       16/12/2017 18:00:01
جماعة الديوان
لا نكاد نمضي في النصف الاول من القرن العشرين حتى يظهر عندنا جيل جديد تثقف ثقافة عميقة بالآداب الانكليزية وغيرها من الآداب الغربية وهدته ثقافته الى ان شعراء النهضة لا يبسطون شعرهم على حياتهم النفسية وحياة الكون من حولهم ، بل انما يبسطونه ويمدونه على حياتنا العامة ، وفلما وقفوا عند الحياة الانسانية في عواطفها ودوافعها وظواهرها وبواطنها ثم هم يبالغون في التقيد بصورة الشعر العربي القديم في صياغته وأوزانه ، فهذا الجيل يختلف عن الجيل السابق في فهم الشعر وتصويره ، ومن جهة يريد ان يكون الشعر تعبيراً عن النفس لا بمعناها الخاص ولكن بمعناها الانساني العام وما تضطرب به من خير وشر وألم ولذة ، ومن جهة ثانية يريد ان يكون الشعر تعبيراً عن الطبيعة وحقائقها وأسرارها المبثوثة فيها ، فليس الشعر أريحات وطنية ولا قومية ولا هو تسجيل لحوادث الأمة وما يجري فيها على أرقام السنين ، وانما قبل كل شيء تصوير لعواطف انسانية نزدحم بها النفس الشاعرة ، وتندفع على لسان الشاعر لحناً خالداً يصور صلته بالعالم والكون من حوله .
ورواد هذا الجيل هم عبد الرحمن شكري ثم المازني والعقاد وقد تخرج الألوان في مدرسة المعلمين العليا ولم يتخرج العقاد في مدرسة المعلمين ولكنه حقق لنفسه تثقفاً أصيلاً باللغة الانكليزية وما انتجته قرائح الشعراء والنقاد فيها ولم يلبث الثلاثة ان ألفوا مدرسة شعرية رائعة بثت روحاً جديدة في شعرنا الغنائي ودفعته قدماً نحو تطور واسع وسميت هذه الجماعة الشعرية بجماعة الديوان نسبة الى الكتاب الذي أصدره المازني والعقاد والموسوم بعنوان (الديوان في الأدب العربي والنقد) غير ان عبد الرحمن شكري يعد الأستاذ والمعلم لزميله في ارساء مبادئ هذه الجماعة سواء في مقالاته او في مقدمات دواوينه فضلاً عن انه تمكن من تجسيد هذه المبادئ في شعره اكثر من العقاد والمازني .
أما المبادئ التي قام عليها مذهب جماعة الديوان يمكن ان نقسمها على قسمين : ما يتصل منها بمفهوم الشعر ، وما يتصل منها بطريقة التعبير والبناء الفني .
أ‌. أما من ناحية مفهوم الشعر فقد اقاموا نظرتهم على الاسس التالية :
1. الشعر تعبير عن الذات : ويتضمن هذا ضرورة البعد عن الظواهر والغموض الى ما وراءها كما يتضمن القول بأن الشعر تأمل في العالم وان المعاني الشعرية هي خواطر المرء وآراؤه وتجاربه وأحوال نفسه كما يعبر عبد الرحمن شكري عن ذلك في (الديوان – الجزء الخامس المقدمة) ويوضح هذه الناحية عباس محمود العقاد بقوله ((ان الشعر اذا لم يكن تعبيراً عن الذات كان صناعة واذا كان صناعة لا يكون ذا سليقة انسانية فحين نقرأ شعر شاعر ولا نعرف هذا الشاعر من شعره ولم تظهر لنا شخصيته الصادقة من خلاله فالأحرى ان نسمي هذا الشعر تنسيقاً كما يقول العقاد لا تعبيراً)) .
والتعبير عن الذات لا يقتصر على ما يعتمل داخل النفس الانسانية انما يتعداه الى الخارج فكل ((ما نخلع عليه من إحساسنا ونفيض عليه من خيالنا ونتخيله بوعينا ونبث فيه هواجسنا وأحلامنا ومخاوفنا هو شعر وموضوع للشعر فكل ما يمتزج بالشعور صالح للتعبير)) (مقدمة ديوان عابر سبيل ، ص3-8) الشعر والحالة هذه ليس ذكاءً يلفق او يتصيد الخواطر وانما هو فيض من الطبع .
هذا يعني ان الشاعر يجب ان تكون له نظرة للعالم خاصة به تميزه من غيره ولا يتقيد الا بما تمليه عليه تجاربه ونفسه .
ب‌. أما من ناحية طريقة التعبير والبناء الفني فيقوم مذهبهم على الاسس الآتية :
1. التعبير واسع كالشعر ((لا ينحصر في قالب ولا يتقيد بمثال كما يقول العقاد (وحي الاربعين) لهذا يجب التخلص من جميع القيود ومن هنا تأتي دعوتهم الى التحرر من القافية الواحدة والى تنويع القوافي او ارسالها ولعبد الرحمن شكري قصائد تحررت من القافية الموحدة وله قصائد تحررت من القافية ذاتها.
2. القصيدة بنية حية ومعنى ذلك ان القصيدة يجب ان تكون وحدة عضوية اي ((عملاً فنياً تاماً)) يكمل بخواطره ((كما يكمل التمثال بأعضائه والصورة بأجزائها ويشرح العقاد ضرورة هذه الوحدة فيقول ان القصيدة لا يمكن ان تكون اجزاء متناثرة يجمعها اطار واحد وذلك ان الشعر الحق لا يمكن ان يتمثل في شعر تغير اوضاع أبياته ومع ذلك لا نحس ان مقاصد الشاعر قد تغيرت تبعاً لتلك القصيدة بتعبير آخر ليست مجموعة من الأبيات يستقبل فيها البيت عما قبله وعما بعده وانما هو تآلف مركب يحوج فيه البيت الى تذكر ما يسبقه وترقب ما يتبعه ضمن نسق محدد ومثل هذه الوحدة تفرضها النفس الشاعرة اي النفس المركبة المثقفة كما يقول العقاد النفس التي تتآلف فيها المعرفة والأحاسيس وتنظر الى العالم نظرة تركيبية عميقة تتجاوز النظرة الآلية المباشرة ، وهذا الرأي نفسه يؤكده عبد الرحمن شكري في مقدمة الجزء الخامس من ديوانه : (في الشعر ومذاهبه) اذ يقول ان قيمة البيت هي في الصلة القائمة بين معناه وموضوع القصيدة فهو جزء مكمل ، ومن هنا ينبغي النظر الى القصيدة حين قراءتها لا من حيث هي ابيات مستقلة ، بل هي (شيء فرد كامل) ، وثار جماعة الديوان على الخيال التقليدي الذي يعنى بالصور الحسية ودعوا الى الخيال الذي يعنى بتصوير للمشاعر والعواطف فالخيال عندهم ((هو كل ما يتخيله الشاعر من وصف جوانب الحياة وشرح عواطف النفس وحالاتها والفكر وتقلباته والموضوعات الشعرية وتباينها والبواعث الشعرية)) ، والتشبيه ((لا يراد لذاته كما يفعل الشاعر الصغير وانما يراد لشرح عاطفة او توضيح حالة او بيان حقيقة)) .
ويبدو ذلك واضحاً فيما ذكره اصحاب هذه الجماعة في التشبيه ((اعلم أيها الشاعر العظيم ان الشاعر من يشعر بجوهر الاشياء لا من يعددها ويحصي اشكالها وألوانها، وان ليست مزية الشاعر ان يقول لك عن الشيء ماذا يشبه وانما ميزته ان يقول ما هو ويكشف لك عن لبابه وصلة الحياة به ، وليس هم الناس من القصيد ان يتسابقوا في أشواط البصر والسمع وانما همهم ان يتعاطفوا ويودع أحسهم وأطبعهم في نفس إخوانه زبدة ما رآه وسمعه وخلاصة ما استطابه او كرهه ، واذا كان وكدك من التشبيه ان تذكر شيئاً أحمر ثم تذكر شيئين او أشياء مثله في الاحمرار ، فما زدت على ان ذكرت اربعةً او خمسة أشياء بدل شيءٍ واحد ولكن التشبيه ان تطبع في وجدان سامعك وفكره صورةً واضحةً مما انطبع في ذات نفسك وما ابتدع التشبيه لرسم الاشكال والألوان فان الناس جميعاً يرون الاشكال والألوان محسوسة بذاتها كما تراها وانما ابتدع لنقل الشعور بهذه الاشكال والألوان من نفس الى نفس ، وبقوة الشعور وتيقظه وعمقه واتساع مداه ونفاذه الى صميم الاشياء يمتاز الشاعر على سواه)) .
ويرى شعراء الديوان ان ((أجل المعاني الشعرية ما قيل في تحليل عواطف النفس ووصف حركاتها)) وكذلك الشعر عندهم ((هو ما أشعرك وجعلك تحس عواطف النفس إحساساً شديداً ، فالمعاني الشعرية هي خواطر المرء وآراءه وتجاربه وأحوال نفسه وعبارات عواطفه وليست المعاني الشعرية كما يتوهم بعض الناس التشبيهات الفاسدة والمغالطات السقمية كما يتطلبه أصحاب الذوق القبيح)) ، ويصور العقاد رأيه ورأي مدرسته في الشعر ، فالشاعر ينبغي ان يتغلغل في اعماق الأشياء حتى يذيع بواطنها وأسرارها .
وأكبر الظن ان شعراء الديوان قد تأثروا في هذه المضامين بالشعراء الرومانتيكيين الذين استسلموا لأحوالهم وانقادوا لذواتهم التي طوتها الأحداث الكبار في مطلع القرن التاسع عشر وعلى هذا جرى شعراء الديوان الذين قرأوا لشعراء البحيرات وشعراء النبوءة والمجاز ومن جاء بعدهم ، ومن يطالع دواوينهم يجد قصائدهم لا تخرج من هذه الموضوعات فهي لدى شكري تفصح عما ينتاب نفسه من رجاء ويأس وفوز وفشل ويقين وشك وحب وكره وحزن وفرح وكل ما يتصل بهذا من انفعال وتأثر .

عبد الرحمن شكري
حياته
ولد عبد الرحمن شكري سنة 1886 في أسرة مغربية لأب يسمى محمد شكري عيّاد ، كان أيم الثورة العرابية يشتغل معاوناً في (الضابطية) بالاسكندرية فاتصل برجال هذه الثورة وعلى رأسهم عبد الله نديم ولم يلبث ان انضم اليهم وعمل تحت لوائهم ولما اخفقت الثورة سجن مع من سجنوا من الثائرين ثم عفي عنه وظل بدون عمل مدة ثم عُين ضابطاً في معاونية محافظة القنال ببور سعيد ومكث في هذه الوظيفة بقية حياته ، ورُزق بابنه في هذه البلدة سنة 1886 وتصادف ان مات كل أبنائه الذين يكبرونه فألحقه ((بالكُتّاب ثم نقله الى المدرسة الابتدائية فالمدرسة الثانوية وتخرج فيها سنة 1904 ، وكان في هذا الأب نزعة أدبية لعل هذه النزعة هي التي عقدت الصلة بينه وبين أديب الثورة العرابية عبد الله نديم بل يقال انه كان من أدباء هذه الثورة .
والتحق عبد الرحمن شكري بمدرسة الحقوق ولكنه لم يلبث ان فصل منها بسبب تحريضه الطلاب على الاضراب استجابة لزعماء الحزب الوطني فترك التشريع ودراسة القانون واتجه الى دراسة الأدب التي كانت تتفق وميوله وتحقيقاً لهذه الغاية التحق بمدرسة المعلمين العليا وتخرج فيها سنة 1909 وقد التزم فيها الدرس الصارم للأدبين العربي والغربي ، وكان اكثر ما يعجبه من الأدب الاول كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني وديوان الحماسة لأبي تمام وديوان الشريف الرضي ومهيار ، فأقبل يعب منها جميعاً ، أما الأدب الغربي فوجد بغيته في كتاب (الذخيرة الذهبية) الذي وزع عليهم في مدرسة المعلمين وهو يضم أروع ما لشعراء الانكليز من شعر غنائي .
وفي سنة 1909 ينشر اول ديوان له ويسميه (ضوء الفجر) ثم يذهب في بعثته الى انكلترا ويعود من البعثة سنة 1912 ويعين في مدرسة رأس التين الثانوية في الاسكندرية وينشر الجزء الثاني من ديوانه ، وتتعاقب أجزاء الدواوين التي بلغت سبعة وقد ظهر الأخير منها سنة 1919 ويتقلب في وظائف التربية والتعليم بين النظارة والتفتيش ، ولا نراه يخرج ديواناً بعد هذا التاريخ بل يكتفي بما ينشره من قصائد ومقالات في مجلات المقتطف والرسالة والثقافة والهلال وفي صحيفتي الاهرام والمقطم ، وأحيل الى المعاش سنة 1944 ولكن شعلة النشاط لم تخمد في نفسه فقد ظل يكتب في هذه الصحف والمجلات واختار بور سعيد مسقط رأسه ليمضي فيها بقية حياته ثم تركها الى الاسكندرية وفيها لبّى دواعي ربه في 15 ديسمبر سنة 1958 .
شعره
شعر شكري تعبير واضح عن التقاء العقلين المصري العربي والغربي الانكليزي وغير الانكليزي ، فقد اطلع عبد الرحمن شكري منذ شبابه المبكر على الأدب العربي القديم في أروع نماذجه التي تعبر عن مذاهب فكرية وأدبية مختلفة ، اذ قرأ أبا نواس وأبا تمام والبحتري وابن الرومي والمعري والمتنبي والشريف الرضي ومهيارا وابن الفارض ، فضلاً عما قرأه من شعر الشعراء العرب القدامى عبر عصور الأدب العربي الجاهلي والاسلامي والعباسي في كتاب (الأغاني) وديوان الحماسة وغيرها ، وقرأ شعر البارودي (زعيم مدرسة الاحياء) واطلع اطلاعاً عميقاً على الأدب الأوربي والانكليزي خاصة ، اذ أخذ نفسه منذ كان طالباً في مدرسة دار المعلمين العليا بقراءة مختارات الشعر الانكليزي المعروفة (بالذخيرة الذهبية) وبهرته تلك النماذج الجديدة للشعر الغنائي الانكليزي التي تختلف عن تلك النماذج الشعرية التي عرفها في أدبنا العربي فليس فيها مدح ولا هجاء بل هو التعبير الواسع عن العاطفة والتأمل الواسع في آمال الانسانية وطموحاتها وآلامها وفي كل ما يتعلق بالكون والطبيعة من حوله من افكار وصور وأنغام .


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم