انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الحــقــول الــدلالــيـــة

Share |
الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 3
أستاذ المادة محسن حسين علي الخفاجي       04/07/2018 08:12:37



يقصد بالحقل الدلالي هو مجموعة من الكلمات التي تنضوي تحت عنوان جامع لها ، أي إن هذه الكلمات تنتمي إلى مصطلحٍ عام شامل تنخرط تحته مجموعة من الكلمات ، كمصطلح ( لون ) الذي يقع تحته : الأحمر ، والأصفر ، والأخضر ... إلخ من مجموعة الألوان المعروفة ( ). وقد عرّفهُ أولمان بأنه: " قطاع متكامل من المادة اللغوية يعبر عن مجال معين من الخبرة"( ).
ولا بد أن تكون علاقات بين الكلمات التي تنتمي إلى حقل دلاليّ ما؛ ذلك أن أساس جمع هذه الكلمات ضمن صنف محدد يعني أن بينها ترابطاً أو علاقةً من العلاقات المتعددة ، بل إن معنى الكلمة ضمن الحقل الواحد لا يظهر إلا بالنظر إلى المفردات الأخرى التي معها ؛ لذا نجد ليونز يعرّف معنى الكلمة بأنه " محصلة علاقاتها بالكلمات الأخرى في داخل الحقل المعجمي" ( ). ولم تكن هذه العلاقات بين الألفاظ داخل الحقل الدلاليَّ هي الوسيلة الوحيدة لكشف دلالة المفردة ، بل يعمل السياق أيضًا " على تحديد دلالة الكلمة المعينة تحديداً دقيقاً لا تتبادر خلاله دلالة غيره من الكلمات المنتظمة في الحقل الدلاليَّ المعين"( ).
ولكي تتضح صورة الحقول الدلالية ، لابد من تقسيم هذه الحقول إلى ما يأتي( ) :
1ــ حقل الموجودات : وهذا يعني حقل الأشياء المادية أو المحسوسات
ككتاب ودفتر ، ومنضدة ، وقلم ، وسيارة ، وجَمل ونحوها من الألفاظ
الدالة على الموجودات .
2ــ حقل الأفعال أو الأحداث : ويضم هذا الحقل الأفعال كـ : مشى ، ونام ،
وقرأ ، وتكلم ، واستمع ، وأكرم وغيرها من الألفاظ الدالة على
الأفعال أو الحركات .

3ــ حقل المجردات أو المصادر : ويضم هذا الحقل ما يسمى في علم النحو


مصادر الأفعال ، أو يسمى المجردات في علم الدلالة نحو : ضَرْب ،
وكَرَم ،وسخاء ، وقعود ، وركض ... إلخ .
4ــ حقل الصفات : ويضم هذا الحقل ما كان صفةً أي ما ينعت به ويوصف
كـ : كريم ، وبخيل ، وبعيد ، وحاضر ، وغائب ونحوها كثير .
5ــ حقل الحروف أو الروابط : ويضم هذا الحقل ما اصطلح عليه أو على
أغلبه بالحروف في علم النحو ، أو ما اصطلح عليه بالروابط في علم
الدلالة . نحو : من ، وعن ، وأو ، وبين ، وتحت ، وفي ...إلخ.
وليست هذه الحقول الخمسة نهاية التقسيم ، بل " في كثير من الأحيان يضطر المرء إلى اتخاذ تصنيفات اعتباطية ولو بشكل جزئيّ ، والامور ليست قطعية دائماً "( ) .
ولتوزيع الألفاظ على الحقول الدلالية ، لابد من اتخاذ الإجراءات الآتية( ) :
1ــ تحديد الحقول الدلالية الرئيسة .
2ــ تفريغ الحقول الدلالية الرئيسة إلى حقول فرعية ، مثال ذلك حقل الأمراض إذ يمكن أن يقسم إلى حقل فرعي خاص بأمراض القلب وجهاز الدوران ، وامراض الجهاز التنفسيّ ، وحقل فرعي خاصّ بأمراض الجهاز الهضمي ّ ، وحقل فرعي خاصّ بأمراض الجهاز العصبيّ ، وهكذا.
3ــ توزع الألفاظ على الحقول الفرعية وليس على الحقول الرئيسة .
4ــ لابد أن تنتمي كلّ لفظة إلى حقل دلالي فرعي ، وإذا ما وجد لفظ أو اكثر لاينتمي إلى حقل دلاليّ ، فهذا يتطلب إعادة النظر في التقسيمات الفرعية للحقول الرئيسة .
5ــ لايجوز أن تنتمي المفردة إلى أكثر من حقل دلاليّ فرعيّ.
ومن مبادئ نظرية الحقول الدلالية أن أصحاب هذه النظرية أجمعوا على عدم إهمال السياق في بيان دلالة المفردة ، كما أنهم لم يهملوا دور التركيب النحويّ الذي ترد فيه المفردة في بيان دلالتها ومعناها ( ). والألفاظ داخل الحقلّ الدلاليّ الواحد يمكن أن ترتب ترتيباً يبدأ بالوحدة الصغرى ثم يتصاعد إلى الوحدة الكبرى كما هو الحال في المقاييس والأوزان ، فمثلاً نبدأ بالإنج ثم القدم ثم الياردة ، وهناك ألفاظ نعتمد في تركيبها النظام الألفبائي كما في لفظة فيل وكركدن وزرافة ؛ ذلك أننا نجهل تصنيفها الحيوانيّ الدقيق ، وإنما ذلك من تخصص عالم الحيوان ، وكذلك الأمر بالنسبة إلى ترتيب الأشجار أو النباتات ضمن حقلها الدلاليّ ، فاللغويّ لا

يستطيع ترتيبها ترتيباً مؤسساً على تقاربها التكويني ، أو أنماط نموها أو تكاثرها ممّا يضطر في ذلك كله اللغويّ إلى ترتيبها ترتيباً ألفبائياً ، أما المتخصص بعلم الحيوان ، أو يعلم النبات ، فيمكنه أن يرتبها ضمن حقلها ترتيباً علمياً يؤخذ بنظر الاعتبار فيه مدى علاقاتها التشابهية في الوظائف أو النمو أو التكاثر إلى غير ذلك من الاعتبارات العلمية أو الفسلجية ( ).
والكلمات في اللغة أيّ لغة لا تكن على درجة واحدة في الاهمية ، ذلك أنه توجد كلمات تسمى أساسية ، وكلمات هامشية ، والمقصود بالكلمة الأساسية ما كنت ذات " تميز وبروز بالنسبة لغيرها في استعمال ابن اللغة"( ). والكلمة الأساسية تكون ذات استعمال واسع ، أمّا الكلمة الهامشية ، فيكون استعمالها ضيقًا ، ومن ذلك لفظة الحمرة فإنها ذات حدود استعمالية غير ضيقة ، أمّا لفظة الشقرة ، فإنها ذات استعمال محدود يخصّ الشّعر والبشرة . وكذلك تكون الكلمات الاجنبية الحديثة الاقتراض من نوع الكلمات الهامشية ، والكلمة الاساسية لا تكون متضمنة المعنى في كلمة الأخرى سوى الكلمة التي هي أمّ الحقل الدلالي ، ومن أمثلة الكلمات التي تكون متضمنة من حيث المعنى في كلمة أخرى كلمة زجاجة ، وقرح إذ لا تكون هاتان اللفظتان متضمنتين من حيث المعنى في لفظة أخرى سوى كلمة (دعاء) التي هي أم الباب والتي تنضوي تحتها هاتان المفردتان أو غيرها من المفردات القريبة منها ( ).
العلاقات الداخلية ضمن الحقل الدلالي الواحد:
من المعروف أن الألفاظ داخل الحقل الدلالي تكون ذات علاقات في ما بينها ؛ وهذه العلاقات إمّا تكون ترادفية ، أو تضاديَّة ، أو علاقة جزء بكلّ ، أو علاقة اشتمال وتضمّن ، أو علاقة تنافر ( ).








والعلاقة الترادفية تقوم على أساس أن الكلمة الأولى تتضمن الكلمة الثانية المرادفة لها ، والكلمة الثانية تكون كذلك متضمنة الكلمة الأولى ، ككلمة (أب) تتضمن كلمة (والد) ، وكلمة (والد) تتضمن كلمة (أب) ، فيكون حينئذٍ تضّمن من الجانبين ( ).
والعلاقة التضادية هي أن تكون الكلمة لها ما يضادّها ككلمة حيّ ــ ميّت وهذا ما يسمى بالتضاد الحادّ ، وهناك تضادّ يسمى التضادّ المتدرج كلفظة (شجاع ــ جبان).
وهناك أيضاً تضادّ عكسيّ كــ ( علِّم ــ تعلّم) ، وهناك تضادّ عموديّ ، كــ(شمال ــ شرق) وناك تضاد امتداديّ كــ (شمال ــ جنوب) ، وهناك تضاد يسمى دائرياً كــ(أشهر السنة) ، وهنالك تضاد يسمى ترتيبياً كـ (رتب الضباط في الجيش) ، وهناك تضاد انتسابيّ كــ (حصان ، بقرة ، كلب ، قرد)، وهنالك تضادّ يسمى جزئياً كـ (سقف ــ كرسي)( ) ، أما علاقة الاشتمال ، فهي تضمن من طرف واحد ، وهذه العلاقة تختلف عن علاقة الترادف ؛ ذلك أن الترادف يكون فيه التضمنّ من طرفين أي : (أ) تتضمن (ب) ، و(ب) تتضمن (أ) أما في علاقة الاشتمال فإن (أ) تتضمن (ب) ، ولا تكون (ب) إلا " أعلى في التقسيم التصنيفي أو التفريعي [ taxonomic ] ، مثل ((فرس)) الذي ينتمي إلى فصيلة أعلى ((حيوان)). وعلى هذا فمعنى "فرس" يتضمن معنى "حيوان" المتضمِّن في هذا التقسيم يسمى :
أ ــ اللفظ الأعمّ . ب ــ الكلمة الرئيسية . ج ـ الكلمة الغطاء "( ).
أما علاقة الجزء بالكل ، فهي علاقة تختلف عن علاقة الاشتمال أو التضمن ؛ ذلك أننا نقول : يد ــ جسم ، فاليد جزء من الجسم لا تتضمنه كما تتضمن الفرس الحيوان أو تنتمي إليه. ثم الجزء الواحد يمكن أن يتجزأ ، فاليد من أجزاء الأظافر، فنقول : أظافر ــ يد تُكوّن علاقة جزئية ، ويد ــ جسم علاقة جزئية أيضاً ، فبالإمكان أن نعدي هذه العلاقة الجزئية ، ونقول : أظافر زيد ، ذلك أن الأظافر جزء من جزء من كل . وهناك علاقات جزئية لا يمكن تعديها ، كقولنا : مقبض ـــ باب يشكل علاقة جزئية ، باب ـــ منزل يشكل أيضاً علاقة جزئية لكننا لا نقول نقبض المنزل ، فهنا العلاقة الجزئية لا يمكن تعديها ، ونقول : يد ــ كرسي يشكل علاقة جزئية لأن للكرسي يداً يمسك بها أو يسحب بها ، ونقول : كرسي ــ غرفة يشكل أيضاً علاقة جزئية ، لأنه من أثاث الغرفة ، لكننا لا نقول : يد الغرفة.
إذن هناك إمكانية تعدي العلاقات الجزئية لبعض الأشياء لا لجميعها( ) .

أمّا علاقة التنافر ، فهي تقوم على فكرة النفي أو التضادّ ، وهي تعني عدم التضمن من طرفين ، أي ( أ) لا تتضمن (ب) ، و (ب) لا تتضمن (أ) ، وإن كانا ضمن حقلٍ دلالي واحد يجمعهما كما نقول : إنسان وفرس ، فالإنسان لا يتضمن الفرس كما أن الفرس لا يتضمن الإنسان وإن كانا ضمن حقل الحيوان . وقد سمى المناطقة التنافر بالمخالفة والمتنافرَين بالمتخالفَينِ ، أو هما "المتغايران من حيث هما متغايران ، ولا مانع من اجتماعهما في محل واحد إذا كانا من الصفات ، مثل الإنسان والفرس بما هما إنسان وفرس ، لا بما هما مشتركان في الحيوانية "( ).
ويدخل ضمن التنافر الرتب في الجيش كــ ملازم ــ نقيب ــ رائد ــ مقدم ــ عقيد ... الخ . فالنقيب مثلاً ليس ملازماً ولا رائداً ، والمقدمُ ليس رائداً ولا عقيداً وهكذا . ويدخل ضمن التنافر ما كان دورياً كـ أيام الأسبوع والفصول وشهور السنة ، فيوم الجمعة ليس هو يوم الخميس ولا يوم السبت ، والشتاء ليس هو الربيع ولا الصيف ، وكذلك شهور السنة فحزيران مثلاً ليس هو تموز ولا مايس. فهذه الأيام في الأسبوع والفصول في السنة والشهور في السنة كلها دورية أي يعقب كل فردٍ من هذه المجاميع ما قبله ، وكل فردٍ فيها يخالف ما قبله وما بعده( ).
يتضح من ما سبق من العلاقات بين المفردات ضمن الحقل الدلالي الواحد ان هذه العلاقات إنما هي علاقات بين المفردات لا بين الجمل ، أما علاقات الجمل ، فهي علاقات التناظر والاستلزام والتناقض فـ" الحقول الدلالية تشمل الكلمات فقط ، ولا تشمل الجمل "( ).







جهود علماء العربية في معجمات الحقول الدلالية :
لا يخفى ما للمعجمات العامة والخاصة من أهمية في حفظ اللغة وتدوينها ، وفي رفد الباحث أو القارئ بمادة لغوية غير يسيرة تسعفه بما يحتاج في تعبيره وفي نقل أفكاره وتوضيح مراده ، ولا يمكن للباحث أن يكتفي بالمعجمات الكبيرة المطوّلة ؛ لأنه يعسر عليه احياناً أن يجد ضالته فيها بوقت مناسب أو قياسي ؛ لذا فهو يحتاج إلى المعجمات المتخصصة لتلبية رغبته في ما يحتاج إليه بعيدًا عن الجهد الكبير والوقت المستنزف ، وعليه فإن كانت " المعاجم اللغوية العامة تتصف عادةً بالشمول وغزارة المادة ، وسعة المحتوى والإحاطة بمفردات اللغة أو معظمها ، فإن هذه المعاجم لا تغني دائماً عن المعاجم الاخرى الخاصة" ( )، ولأن التخصص ضروري في كل شئ ، لأن التجربة أثبتت مفاد ذلك .
وكان لعلماء العربية شأو بعيد في إنجاز معجمات بنيت على فكرة الحقول الدلالية ، وقد ردّ الدكتور هادي نهر على من ذهب إلى ان فكرة الحقول الدلالية إنما هي من إنجاز الباحثين الأوربيين ، وأن هذه الفكرة قد تبلورت في العقدين الثاني والثالث من القرن الماضي على أيدي هؤلاء ولم يكن للعرب إنجاز يذكر في هذا الميدان . يقول الدكتور نهر : " ولا يمكن لنا التسليم بذلك ونحن نجد تراثنا العربيّ ينطوي على جهود علمية مرموقة تصب في صلب الحقول الدلالية ، وقد تمثل ذلك ــ فيما تمثل ــ في كتب المعاني والصفات التي على راسها كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام ( ت 224هـ) (الغريب المصنّف) ، وكتاب (الألفاظ ) لابن السكيت ، وأدب الكاتب لابن قتيبة (ت 267هـ)* و(الألفاظ الكتابية) للهمذاني . من المصنفات المتقدمة التي تناولت بعض أوجه الحقول الدلالية ، وبمرور الزمن تجلت مثل هذه الدراسات سعةً ووضوحاً في جهد ابن سيده ( ت 458هـ) في معجمه الشهير( المخصص ) الذي بناهُ أساساً على فكرة المجالات والحقول الدلالية" ( ) .
والغريب المصنف لأبي عبيد هو أقدم ما وصل إلينا من معجمات المعاني الذي كان له الأثر الواضح في ما جاء بعده منها كتاب ( شرح الغريب المصنف) لأحمد بن محمد بن أحمد المرسي (ت في حدود 460هـ )،


وكتاب (مختصر الغريب المصنف) لأبي يحيى محمد بن رضوان النميريّ ( ت 657هـ) ، غير هذه الكتب الكثير من ما كان للغريب المصنف أثرٌ فيها( ) .
وهذه الكتب التي تأثرت كتاب الغريب المصنف ما هي إلا شواهد على قيمة هذا الكتاب ، إذ أفادت كثيرًا من مادته اللغوية الغزيرة التي بذل في جمعها صاحبه الجهد الكبير والوقت الكثير. وقد نقل القفطيّ قول أبي عبيد بشأن جهده في كتابه: "إنّ أبا عبيد قال : مكثت في تصنيف هذا الكتاب أربعين سنة أتلقف ما فيه من أفواه الرجال ؛ فإذا سمعت حرفاً عرفتُ له موقعًا في الكتاب بتُّ تلك الليلة فرحًا "( ).وأحتوى كتاب أبي عبيد هذا ما يقرب من ثلاثين كتابًا كل كتاب يحمل موضوعًا رئيسًا ككتاب خلق الإنسان ، وكتاب النساء ، وكتاب اللباس وغيرها ، ثم قسّم كل كتاب على أبواب ، يختلف كل باب عن غيره بمقدار مادته ، وهذه الأبواب تمثل الموضوعات التي تتفرع عن الموضوع الرئيس الذي انعقدت تحته هذه الأبواب ، " ففي كتاب خلق الإنسان مثلاً نجد: باب تسمية خلق الإنسان ونعوته ، وباب نعوت خلق الإنسان وباب نعوت دمع العين وغؤورها وضعيفها وغير ذلك ، وباب اسماء النفس ، حتى ينتهي الكتاب بباب نزع الولد إلى أبيه والصحة في النسب"( ) وتجدر الإشارة إلى أن الدكتور محمد حسين آل ياسين قد لاحظ على كتاب أبي عبيد هذا عدم تنظيم أبوابه على منهج معين بل جاء بها كيفما أتفق ، أي بمعنى أن كتب هذا المعجم لم تكن أبوابها مرتبًة على وفق أساسٍ موضوعيّ معين ، وهذا " يصدق أيضًا على جميع معجمات المعاني التي سارت على نظامه"( ). كما أن الدكتور آل ياسين أخذ على معجم الغريب المصنّف اختصار صاحبه الشديد في تفسير الألفاظ وبيان معانيها ، مع استشهاده القليل بالشواهد التي تؤسس للمعنى وتوثقهُ ، وان شواهده لم تكد تتجاوز الشعر والقرآن الكريم إلى الحديث الشريف إلا قليلا ، ولم يتجاوز أبو عبيد بشواهده الشعرية العصر الأمويّ مع إهمال واضح في نسبة الشواهد إلى أصحابها ، إلا أن الدكتور آل ياسين ذكر حسنات معجم أبي عبيد منها أنه يعدّ تطورًا في هذا الصنف من المعجمات أي معجمات المعاني ، مع التزامه

بنسبة أقوال اللغوين والأعراب إلى أصحابها مما يعزز توثيق ما نقلهُ عن هؤلاء ، بل كان يذكر اتفاقهم واختلافهم ، فحفظ لنا بجهوده هذه ودقة نقلهِ الكثيرة من اللغة ( ). ولم يكن علماء المعجمات العرب بمنأى عن السياق في استظهار دلالات الألفاظ ، وذلك ما نجده عند ابن قتيبة ( ت 276هـ ) في معجمه الدلالي الكبير المسمى بمعجم (المعاني الكبير) الذي اتبع منهجًا في كتابه هذا يختلف عن منهج أبي عبيد ، إذ يبدأ ابن قتيبة بإيراد الشاهد الشعريّ في الباب الذي يتحدث عنه ، ثم يتناول الالفاظ التي تضمنها الشاهد الشعريّ أو القطعة الشعرية بالشرح والبيان " ويعد هذا المنهج الجديد تطورًا مهمًا في معجمات المعاني ، إذ اقتربت به من هدفها الأول ، وهو العناية بالمعاني أكثر من الألفاظ "( )، وهو بمنهجه هذا يظهر لنا أهمية السياق في ابراز المعنى أو تحديده ، والسياق كما هو معلوم واحدٌ من اسس نظرية الحقول الدلالية عند الغربيين والمحدثين ، إذ " يتفق اصحاب هذه النظرية ... على جملة مبادئ منها ... لا يصحّ إغفال السياق الذي ترد فيه الكلمة "( )ولم يكن ابن قتيبة قد قصر اعتماده على الشعر ضمن الأعصر الثلاثة وهي الجاهليّ ، وصدر الإسلام ، والأمويّ ، وإن أكثر من الاستشهاد بشعر هذه الأعصر إلا أنه مدّ الاستشهاد إلى العصر الرابع ، فأخذ مِن مَن عرف بفصاحته وسليقته العربية السليمة كأمثال بشار ابن برد وخلف الأحمر ، وهو بعمله هذا لم يكن بدعًا فقد سبقهُ إلى الاستشهاد
بأمثال هؤلاء الخليل في العين( ) ، وهو بمده أعصر الاستشهاد يقترب كثيرًا إلى طبيعة العمل المعجميّ ؛ لأن الإنسان " بحاجة إلى مراجع ترصد له مفردات اللغة على مرّ العصور ، وتتبع كلّ معانيها ومفاهيمها عبر تطوراتها المختلفة والمستمرة ، وتزودهُ من ألفاظها وصيغها بما يتلاءم مع ظروف حياته وظروف عصره ...كما تساعدهُ على الارتباط بتراثه وعلى استمداد ما يحتاج إليه من هذا التراث في تنمية خبراته وإثراء معلوماته ... ومن هنا جاءت الحاجة الملحة إلى تصنيف معاجم وقواميس اللغة على مختلف أنواعها ومناهجها "( ).


ومن ما يقرّب عمل المعجميين العرب القدماء من عمل المعجميين الأوربيين أو المحدثين في نظرتهم إلى المعجمات التي بنيت على اساس الحقول الدلالية وضرورة الاهتمام بالعلاقات القائمة بين مفردات الحقل الواحد ، ما نجده من عمل ابن قتيبة في معجمه الذي نحن بصدده ، إذ " التفت في اثناء معالجاته للألفاظ إلى بعض الظواهر اللغوية ، ووقف عندها ، فذكر الأضداد والمشترك والمُعرب من الألفاظ الأعجمية ...كما عرض إلى الألفاظ التي يغلط فيها الناس وهو المسمى بلحن العامة ، يذكر فيها وجه الغلط ويبين صوابه " ( ) . وقد أظهر بعض المحدثين وظائف المعجمات وأهميتها في أنها : " تتكفل بتمييز الأصيل من الدخيل والحقيقي من الزائف والحيّ من الميت والسائد من النادر والشاذّ من المتداول المقبول والجديد الحديث من القديم في كل هذه المفردات "( ).
ويمكننا بما ذكره الدكتور محمد حسين آل ياسين من معالجات ابن قتيبة للألفاظ ضمن الحقل الدلالي الواحد من بيان العلاقات بين المفردات أن نرد زعم الدكتور أحمد مختار عمر في أن من ما يُعاب على المعجمات العربية التي عالجت المعاني أنها أغفلت " الاهتمام ببيان العلاقات بين الكلمات في داخل الموضوع الواحد ، وذكر أوجه الخلاف والشبه بينها "( ).
ولم يبتعد ابن قتيبة في معجمه هذا عن الخطّ العامّ الذي ارتسمه لمعجماتهم أصحاب معجمات المعاني ، فنجده قسّم معجمه هذا إلى حقولٍ دلالية ، فكان مجموعه
اثني عشر كتاباً بدأها بكتاب الفرس ، كتاب الإبل ، كتاب الحرب ، كتاب القدور ، كتاب الديار ، كتاب الرياح ، كتاب السباع والوحوش ، كتاب الهوامّ ، كتاب الإيمان والدواهي، كتاب النساء والغزل ، كتاب الشيب والكبر ، كتاب تصحيف العلماء . ويتفرع من مجموع هذه الكتب واحد وثمانون ومئة بابٍ تختلف من حيث الطول والقصر( ).
ومن ما يقرب عمل المعجميين العرب من نظرة الأوربيين إلى الحقول الدلالية أنهم ــ العرب ــ يذكرون أحيانًا اللفظ ، وما يدعو إليهم من ألفاظ لها صلة به من حيث المعنى العامّ ،



فهذا أبو حاتم الرازيّ (ت 322هـ ) ذكر في كتابه (الزينة في الألفاظ الإسلامية) ذكر لفظ التوحيد ، وأخذ يفرّع عليه بما يتصل به من ألفاظ العدد ، وهذا يتفق مع ما ذهب إليه سوسير في كلامه عن (العلاقات الإيحائية ) التي تثيرها في اذهاننا كلمة ما فكلمة تعليم مثلًا تدعو إلى كلمة تربية ، ومعلّم ، وتلميذ ، وقلم ، وقرطاس ، ولوحة وهكذا معظم الألفاظ التي ترتبط دلاليًا بكلمة تعليم( ). وأبو حاتم الرازيّ نجده يذكر لفظًا ويذكر تداعياته من الألفاظ الأخرى ، ففي ذكره لفظ التوحيد يقول : " إن أصل الدين التوحيد ، فالواحد : اسمٌ من أسماء الله ــ عزّ وجلّ ـ وهو أعظم صفاته لا يشركه في هذه الصفة مخلوق ، والواحد : هو أصل الحساب وعلّة العدد ، وأول الأعداد خلق الله ـ عزّ وجلّ ـ جميع خلقه بحساب ، وجعله معلومًا بالعدد ثم الأوقات ، والأفلاك ، السماوات والأرضين ، والبحار، وغير ذلك "( ) ، ثم يدعم أبو حاتم الرازيَّ أقواله بآياتٍ من الذكر الحكيم من مثل قوله تعالى :? ?????? ??????? ?????? ????????????? ?????????? ??? ?????? ??????? ? ( ) ، وقوله تعالى : ? ???? ??????? ?????? ?????? ?????????? ?????? ???????? ?????????? ? ( ) ، وقوله تعالى : ? ???????????? ????????? ???? ????????? ???????? ???????? ?•? ???????? ????????? ???? ? •??? ???? ??????? ??????? ? ( )وقوله عزّ من قائل : ????????? ???????????? ??????????? ? ( ) . إلى غير ذلك من الآيات التي تؤكد العدد وتبيّن قيمته الحسابية ، ونجد أبا منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبيّ المتوفى في سنة (429هـ) في كتابه : (فقه اللغة وسرّ العربية) قد قسّمه على وفق الحقول الدلالية إلى ثلاثين بابًا تضمّن كلّ باب عددًا من الفصول تتضمن هذه الفصول ما




يتعلق بعنوان الباب ، وكأنّ عنوان الباب شيء عامٌ تمثل الفصول تفصيلات وتقسيمات للعنوان العامّ للباب وعلى سبيل المثال لا الحصر نجده في الباب الثالث والعشرين الذي عقده تحت عنوان : (في اللّباس وما يتصل به والسلاح وما ينضاف
إليه ) قد قسّم هذا الباب إلى تسعة وأربعين فصلًا كلها تتعلق بالعنوان الرئيس للباب فكان الفصل الأول : في تقسّيم النَّسْج ، وكان الفصل الثاني : في تقسيم الخياطة ، وكان الفصل الثالث : في تقسيم الخيوط وتفصيلها ، وكان الفصل الرابع : في ترتيب الإبر ، وهكذا يستمر الثعالبيّ في إيراد كلّ ما يتعلق باللباس وما يتصل به فصولًا بلغت تسعة عشر ، ثم يذكر ما يتعلق بالسلاح وما يضاف إليه في فصول بلغت ثلاثين فصلًا بدأها بالفصل العشرين وأنهاها بالفصل التاسع والأربعين. ذكر في الفصل العشرين : اسماء السيوف وصفاتها ، وآتبعهُ بالفصل الواحد والعشرين الذي كان تحت عنوان : في ترتيب العصا وتدريجها إلى الحرْبة والرمح ، وكان الفصل الثاني والعشرون في أوصاف الرماح ، وكان الفصل الثالث والعشرون في ترتيب النّبْل ،ويستمرّ الثعالبيّ في إيراد كلّ ما يتعلق بأنواع السلاح .وتجدر الاشارة هنا إلى أن هذه الفصول يجمعها العنوان العامّ على اختلاف تقسيماتها وتفصيلاتها ، فما يتعلق في اللباس ينضوي تحتهُ كلّ ما يتصل به من أنواع الملبس ، وما يتصل بالسلاح ينضوي كلهُ تحت عنوان السلاح على مختلف أنواع الأسلحة ، ثم إن الجامع بين اللباس والسلاح أن السلاح هو من ما يلبس، وأن اللباس يشمل السلاح وغيره ، فيكون بينهما تضمّن من الجانبين ، وهذا ما ركّز عليه المحدثون في نظرتهم للحقول الدلالية ونجد كذلك أن الحقل الدلاليّ الواحد عند الثعالبيّ قد قسِّم إلى حقول فرعية ، وهو ما اصطلح عليه بالباب والفصول ، ونجد أن الحقل الدلاليّ العامّ قد وزعت ألفاظهُ التي يشتمل عليها ضمن هذه الفصول التي هي حقول فرعية عند المحدثين ، وإذا ما نظرنا إلى الحقول الفرعية وما تضمنتهُ من ألفاظ وجدنا علاقات بين هذه الألفاظ ، فمثلًا الفصل الثالث والعشرون الذي عنون له الثعالبيّ بـ :( في ترتيب النبل ) نجده يلحقهُ بفصل آخر هو : في تفصيل سهام مختلفة الأوصاف ثم يتبعهُ بفصلٍ آخر يذكرُ فيه شجر القسيّ ، وهو الشجر الذي تُصنع منه الأقواس ثم يتبعه بفصل يذكر فيه أسماء القسيّ وأوصافها ، ثم بفصل يتحدث فيه عن أجزاء القوس ، ولا يخفى ما بين هذه الفصول من علاقات معنوية ، علمًا أن كلّ كلمة في فصل لا يمكن أن تلحق أو تذكر في فصل آخر ، ذلك أن كلّ كلمة وضعت في المكان الذي يليق بها ، فمثلاً أيّ لفظٍ من ألفاظ النبْل لا يمكن أن يوضع

ضمن ألفاظ الرماح ، وهكذا بقية ألفاظ كلّ فصلٍ لا يمكن أن توضع ضمن فصل آخر ، وهذا ما ذهب إليه المحدثون في نظرية الحقول الدلالية .
ثم إننا إذا نظرنا في المفردات ضمن الحقل الدلاليّ الفرعيّ وجدنا أن كلّ لفظة لها دلالة دقيقة خاصة بها إلا أنها تلتقي مع زميلتها اللفظة الأخرى في المعنى العامّ الجامع بينهما ؛ فعلى سبيل المثال لو نظرنا في حقل ترتيب النبْل الذي ذكره الثعالبيّ
ضمن باب اللباس والسلاح نجد تفاوتًا في المعاني الدقيقة التي يتضمنها الحقل الفرعيّ يقول في هذا الحقل: " أوّل ما يقطع العودُ ويُقتضب يسمى قِطْعًا . ثم يُبْرى ، فيسمى بَرِيًّا وذلك قبل أن يقوّم .فإذا قُوِّم وآنَ له أن يُراش ويُنصّل ، فهو القِدح .
فإذا ونجد أبا منصور عبد الملك بن محمد بن اسماعيل الثعالبيّ المتوفي في سنة 429هـ في كتابه (فقه اللغة وسرّ العربية) قد قسمه على وفق الحقول الدلالية إلى ثلاثين بابًا تضمّن كلُّ باب عددًا من الفصول تتضمن هذه الفصول ما يتعلق بعنوان الباب ، وكأنّ عنوان الباب شيءٌ عامٌ تمثل الفصول تفصيلات وتقسيمات للعنوان العامّ للبابوعلى سبيل المثال لا الحصر نجده في الباب الثالث والعشرين الذي عقده تحت عنوان : (في الّلباس وما يتصل به والسِّلاح وما ينضاف إليه) قد قسّم هذا الباب إلى تسعة وأربعين فصلاً كلها تتعلق بالعنوان الرئيس للباب فكان الفصل الأول : في تقسيم النَّسْج ، وكان الفصل الثاني في تقسيم الخياطة ، وكان الفصل الثالث : في تقسيم الخيوط وتفصيلها ، وكان الفصل الرابع : في ترتيب الإبر ، وهكذا يستمر الثعالبيَّ في ايراد كلّ ما يتعلق بالباس وما يتصل به ، فصولاً بلغت تسعة عشر فصلاً ، ثم يذكر ما يتعلق بالسلاح وما يضاف إليه في فصول بلغت ثلاثين فصلاً بدأها بالفصل العشرين وأنهاها بالفصل التاسع والأربعين . ذكر في الفصل العشرين : اسماء السيوف وصفاتها ، وأتبعه بالفصل الواحد والعشرين الذي كان تحت عنوان : في ترتيب العصا وتدرجها إلى الحَرْبة والرّمح ، وكان الفصل الثاني والعشرون في أوصاف الرّماح ، وكان الفصل الثالث والعشرون في ترتيب النبل ، ويستمرّ الثعالبيّ في إيراد كلّ ما يتعلق بأنواع السلاح . وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الفصول يجمعها العنوان العامّ على اختلاف تقسيماتها وتفصيلاتها ،فما يتعلق في اللباس ينضوي تحته كلّ ما يتصل به من أنواع الملبس ، وما يتصل بالسلاح ينضوي كلّه تحت عنوان السلاح على مختلف أنواع الأسلحة ، ثم إن الجامع بين اللباس والسلاح أن السلاح هو مما يلبس ، وأن اللباس يشمل السلاح وغيره ، فيكون بينهما تضمّن من الجانبين ، وهذا ما ركّز عليه المحدثون في نظرتهم للحقول الدلالية ونجد كذلك أن الحقل الدلاليّ الواحد عند الثعالبيّ قد قسّم إلى حقول فرعية ، وهو ما اصطلح عليه بالباب والفصول ، ونجد أن الحقل الدلاليّ

العامّ قد وزّعت ألفاظه التي يشتمل عليها ضمن هذه الفصول التي هي حقول فرعية عند المحدثين ، وإذا ما نظرنا إلى الحقول الفرعية عند المحدثين ، وإذا ما نظرنا إلى الحقول الفرعية وما تضمنته من ألفاظ وجدنا علاقات بين هذه الألفاظ ، فمثلاً الفصل الثالث والعشرون الذي عنون له الثعالبيّ بـ (في ترتيب النبل) نجده يلحقه بفصل آخر هو في تفصيل سهام مختلفة الأوصاف ثم يتبعهُ بفصل آخر يذكر فيه شجر القسيّ ، وهو الشجر الذي تصنع من الأقواس ثم يتبعه بفصل يذكر فيه أسماء القسيّ وأوصافها ، ثم بفصل يتحدث فيه عن أجزاء القوس ، ولا يخفى ما بين هذه الفصول من علاقات معنوية ، علماً أن كلّ كلمة في فصل لا يمكن أن تلحق أو تذكر في فصلٍ آخر ، ذلك أن كلّ كلمة وصفت في المكان الذي يليق بها ، فمثلاً أيّ لفظ من ألفاظ النّبْل لا يمكن أن يوضع ضمن ألفاظ الرماح ، وهكذا بقية ألفاظ كلّ فصل لا يمكن أن توضع ضمن فصل آخر ، وهذا ما ذهب إليه المحدثون في نظرية الحقول الدلالية . ثم إننا إذا نظرنا في المفردات ضمن الحقل الدلاليّ الفرعيّ وجدنا أن كلّ لفظة لها دلالة دقيقة خاصة بها إلاّ أنها تلتقي مع زميلتها اللفظة الأخرى في المعنى العامّ الجامع بينهما ؛ فعلى سبيل المثال لو نظرنا في حقل ترتيب النّبل الذي ذكره الثعالبيّ ضمن باب اللباس والسلاح نجد تفاوتًا في المعاني الدقيقة التي يتضمنها الحقل الفرعيّ يقول في هذا الحقل : " أوّل ما يقطع العودُ ويُقتضب يسمى قطْعًا . ثم يُبْرى ، فيسمّي بريًّا وذلك قبل أن يُقوّم . فإذا قوِّم وآن له أن يُيراش ويُنصّلَ ، فهو القدح . فإذا ريش ورُكّب نصْلُه ، صار سهلاً ونبلاً" ( ) ، فاذا نظرنا إلى هذه المفردات وجدنا بينها ترابطًا عامًّا ، لكن كلّ مفردة لها خصيصة تختلف عن خصيصة المفردة الأخرى، فمثلاً القدح غير القطع والعكس بالعكس وهكذا كلّ مفردة ضمن هذا الحقل الفرعيّ لكنها جميعًا تحت موضوع النبل ، وهو العنوان الرئيس لهذا الحقل الفرعي الذي ينتظم مع الحقول الفرعية الأخرى مكوّنًا باباً عاماً هو باب اللباس والسلاح أن العلاقة واضحة أيضًا بين اللباس والسلاح كما ذكرت سابقًا . وهكذا نجد الثعالبيّ يستمر في ذكر أبواب كتابه ويشفعها بذكر الفصول التي تمثّل جزيئات الباب، ، على أنه كان يدرك جيدًا أن مما يدخل ضمن الحقول الدلالية مباحث تتصل بذكر المتضادات والمشترك اللفظي ‘ إذ نراه يعقد بابًا هو الباب الثلاثون من كتابه سمّاه : ( في فنون مختلفة الترتيب في الأسماء والأفعال والصفات) ، فجعل الفصل الخامس عشر: ( في اوصاف تختلف معانيها باختلاف الموصوف بها ) يقول : " سيف كهامٌ، أي كليلٌ عن الضريبة .لسانٌ كَهامٌ : عَيٌّ عن

البلاغة . فرسٌ كَهامٌ : بطيءٌ عن الغاية .المسيخ من الناس : الذي لا مَلاحة له. ومن الطعامِ : الذي لا مِلحَ فيه . ومن الفواكهِ : ما لا طعم له"( ). وجعل الفصل
السادس عشر من هذا الباب: (في تسمية المتضادين باسم واحد من غير استقصاء) ، فذكر فيه ألفاظاً دون أن يستقصي جميع ألفاظ التضادّ .
يقول : " الغريمُ ، الموْلى ، الزّوج ، البيع ، الوراء يكون من خلف وقُدّام ، الصَّريمُ : الليلُ وهو أيضًا الصُّبح (لأنّ الصُّبحُ (لأنّ كلًا منهم ينصرم عن صاحبة ).الجلل: اليسير ، والجلل : العظيم "( ) وجعل الفصل الرابع والعشرين من هذا الباب ( في مخالفة الالفاظ للمعاني ) يقول :" العرب تقول : فلان يتخنث أي ،يفعل فعلا يخرج به من الحنث ... فلان يتنجس اذا فعل فعلا يخرج به من النجاسة وكذلك يتحرج ويتحوب ، اذا فعل فعلا يخرج من الحرج والحوب " ( ) وعمل الثعالبي هذا قريب من عمل اللغويين المحدثين ، اذا ذكر الالفاظ المتضادة ، وهي تشكل فرعا لباب دلالي ذكرته في اعلاه ويمكننا ان نلحظ التضاد الذي اصطلح عليه المحدثون بالمتدرج في نص الثعالبي اذا ذكر لفظة الغريم وهي تعني المولى والزوج وهما متضادان الا انهما يتدرجان في السيادة ، فالمولى هو سيد عبده او خادمه والزوج هو سيد زوجته والقيم عليها لكن سيادته دون سياده المولى على عبده اذا علاقته به علاقه امر واستعباد وتنفيذ وانقياد اما علاقة الزوج بزوجه فهي علاقه مودة واحترام وطاعه دون اجبار او اكراه وهنا يظهر ، التضاد المتدرج بين المولى والزوج ونلحظ في نص الثعالبي ايضا التضاد الحاد ، وذلك في لفظ الوراء الذي معناه الخلف والقدام .ونلحظ في نصه ايضا تضادا عكسيا ، وذلك في لفظ (الصريم) وهو الليل والصبح فالليل يعني الظلمة والصبح يعني الضياء وهما ضدان عكسيان كما ترى. وهذه التقسيمات في الالفاظ المتضادة هي مما ذكره المحدثون ووجدتُ تطبيقه عند القدماء ، وهذا التطبيق لاشكّ أنه نابع عن وعيّ وإدراك دقيق لدلالات الألفاظ وعلاقاتها فيما بينها.
ولعلَّ التجربة الكبرى التي تخصّ معجمات الموضوعات هي تجربة علي بن اسماعيل المشهور بابن سيده ت 458هـ في كتابه(المخصص)) الذي رتّبهُ على وفق المجالات الدلالية ، إذ " جمع فيه اللغة من خلال الموضوعات التي بدأها بكتاب خلق الأنسان ، وقد استوفى فيه كلّ ماله بالإنسان علاقة"( )، وقد ضمّن كتابه هذا

كلّ ما وقعت عليه يده من كتب سبقته في هذا المجال ككتاب أبي حنيفة أحمد بن داوود الدّينوريَّ (ت282هـ) في الأنواء والنبات وكتاب ابن السّكّيت 244هـ في النبات وفي الآباء والأمهات والأبناء والفروق ، وككتب أبي حاتم السجستانيّ ت 248هـ في الأزمنة وكتب عبد الملك بن قريب الأصمعيّ ت 216هـ في السلاح ،
وفي الإبل ، وفي الخيل وغير ذلك كثير ( ) يقول في وصف كتابه : وهو يعني المخصص بهذا الصدد " وكتابُنا هذا مُفترِقٌ جميعَ هذه القنون ، كلُّ فنٍ منها فيه مستوعَب تامّ ، محتو لما انتهى إلينا من الألفاظ المقولة عليه عام"( ) ،ويستمرّ ابن سيبه في بيان قيمة كتابه العلمية ، فيقّول : " فأمّا فضائل هذا الكتاب من قبل كيفية وضعه ؛ فمنها تقديم الأعمّ الأعمِّ على الأخصّ فالأخضّ ، والإتيان بالكُلّيات قبل الجزئيات ، والابتداءُ بالجواهر ، والتقفية ُ بالأعراض، على ما يستحقه من التقديم والتأخير ، وتقديُمنا كَمْ على كيف ، وشدة المحافظة على التقييد والتحليل ن مثال ذلك ما وصفهُ في صدر هذا الكتاب حين شرعتُ في القول على خلق الانسان ، فبدأت بتنقله وتكونه شيءً فشيءً ، ثم أردفتُ لكليّه جوهره ، ثم بطوائفه ، وهي الجواهر التي تأتلف منها كلّيتُه ، ثمّ ما يلحقه من العِظَم والصِّفر ، ثم الكيفيات كالألوان إلى ما يتبعها من الأعراض والخصال الحميدة والذميمة "( ) . ولم يقتصر ابن سيدة في مخصصه هذا على الموضوعات اللغوية أو الحقول الدلالية بل ضم إليه أبوابًا نحوية وصرفية وأبوابًا أخرى في التعليلات النحوية والصرفية ، وأنه لم يقتصر أيضًا في أخذه عن اللغويين ما قبل أخذ من النحويين والصرفيين المتقدمين كسيبويه (ت 180هـ) وأبي عليّ الفارسيّ (377هـ) وابن جني (ت 392هـ) ، وذلك بما تتطلبه الموادّ النحوية والصرفية من اعتماد على جهود الذين بحثوا في هذه الأبواب ( ) . ويعدّ كتاب المخصص " أشمل كتب المعاني وأجودها في استقصائه للألفاظ وتنظيفها وتبويبها ، فهو كتاب لا تجد له نظيرًا في تراث الأمم الأخرى ، ولم يصل إلى مرتبته فب بابه كتاب في تراث العربية ، فقد نفض فيه "ابن سيده" المكتبة العربية التي وصلت إلى يده ، وأعاد نثرها ونظمها في سلك واحد يجمع فيه المعاني المتشابهة ، وذلّلها لطلاب العربية ، وحفظ فيه نصوصًا لغوية ، قد طوتها يد الردى ، وضلّت طريقها إلينا عبر التأريخ "( ). وتجدر الإشارة إلى أن ابن سيده

ألف كتابين وهما معجمان كبيران ضمّ فيهما موادّ لغوية ثرّه وواسعةً وهما كتابا (المحكم والمخصص) ، اتبع في الأوّل منهجًا مماثلًا لمنهج الخليل (ت175هـ) في العين رتّب الموادّ على وفق مخارج حروفها بدءًا من الأبعد مخرجًا وانتهاءً بالأقرب مخرجًا، فبدأ بالكلمات المبدوءة بحرف العين سالكًا سبيل الخليل في ذلك .
أمّا في كتابه (المخصص) ، فلم يتبع منهجًا موافقًا لمناهج من سبقه في ترتيب الكلمات بَل رتّب موادّه على وفق الموضوعات والمعاني والأشياء ، فيذكر عنوان الموضوع ثم يفرّع عليه كلّ ما يتصل به ، من ذلك بؤده ( بخلق الإنسان) ، إذ يعرض أجزاءه جزءًا جزءًا ، ثم يذكر ما يشتمل عليه جزء من فروع ، " فعلى سبيل المثال يعنون داخل كتاب خلق الإنسان بابًا بعنوان : ( الحَلْقُ وما فيه) فينقل عن العلماء السابقين الذين اعتمد النقل عنهم تعريف الحَلْق ومعانيه التي يتصرف فيها . ثم بعد ذلك يذكر ما يشتمل عليه الحلق فيقول : وفيه اللغاديد : ثم يذكر شرحها ومعانيها ... ثم يذكر بقية ما فيه كالغُدُدّة والنفانغ واللغاتين والحَر قوة والحلقوم والمطعمة والحنجرة والقردوحة والقمع والبلعوم والمريء والشوارب والكارحة والذاقنة وهو يذكر مفردات كلّ موضوع . فحسب بل ينظر في العلاقات بين المفردات كالتضاد والترادف والمشترك اللفظي ، وهذا ما أكّد عليه المحدثون والغربيون في تنظيرهم للحقول الدلالية . يقول : " واللفظة الدالة على كيفيات مختلفة ، كالَجوْنِ الواقع على السوادِ والبياض والحُمرة ، وكالسُّدْفة المقولةِ على الظّلمة والنور وما بينهما من الاختلاط فسآتي عل جميعها مستقصى في فصل الاضداد من هذا الكتاب"( ). ويقول أيضًا : " وكذلك أقول على الأسماء المترادفة ... كقولنا في الحجارة حجرٌ وصفاةٌ ونَقَلةٌ .... وعلى الأسماء المشتركة التي تقع على عدة أنواع : كالعين المقولة على حاسّة البصر ، وعلى نفس الشيء ، وعلى الرّبيئة ، وعلى جوهر الذهب ، وعلى ينبوع الماء ، وعلى المطر الدائم ، وعلى حُرِّ المتاع ، وعلى حقيقة القِبْلِة ، وغير ذلك من الأنواع المقولة عليها هذه اللفظة ، ومثل هذا الأسم مشتركٌ كثير ؛ وكلّ ذلك ستراه واضحًا أمرهُ ، مبيَنًا غدره في موضعه إن شاء الله " ( ) . ولعلّ ابن سيده في عمله في مخصصه لا يبعد كثيرًا عن تنظير المحدثين في تقسيم الحقول الدلالية ، إذ نجدهم ــ كما ذكرت أولاً ــ أنهم قسّموا الحقول الدلالية إلى حقل الموجودات وحقل الأفعال أو الأحداث وحقل المصادر أو المجردات وحقل الصفات وحقل الحروف أو الروابط ، نجده يبدأ في


كتابه بالموجودات وهو كتاب خلق الإنسان ؛ فيذكر فيه (الحلق وما فيه) ويذكر (الرَّضاع والفِطام والغذاء وسائر ضروب التربية) ، ويذكر حقل " الأفعال على
بناءين وثلاثة فصاعدًا "( )، ويذكر حقل الصفات يقول " إلى ما يتبعها من الأعراض والخصال الحميدة والذميمة"( ). ويذكر الحروف أو الروابط يقول : " ومايبدل من حروف الجرّ بعضهما وكان بعض"( ). إذًا لم يكن ليغيب عن ذهن ابن سيده ما يتصل بفكرة الحقول الدلالية من تقسيمات وتفريعات ، وبهذا يكون عمله وعمل من سبقه في هذا الميدان يقترب من نظرية الحقول الدلالية التي جاء بها الغربيون ونسج على منوالها علماء العربية المحدثون .





المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم