انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الدراسات النحوية بين العامل والمعنى

Share |
الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 7
أستاذ المادة حامد عبد المحسن كاظم الجنابي       15/11/2018 08:44:31
يعد مصطلح العامل من المصطلحات الأساسية والجوهرية في الفكر النحوي العربي بل عموده الفقري وقانونه العام، ودستوره الشامل، ذلك أن أكثر علل النحاة وقواعدهم مصوغة وفق فكرة العامل، فجل القواعد في الرفع والنصب والخفض جاءت وفق تلك الفكرة، فالفاعل مرفوع، والمفعول به منصوب، واسم المجرور مجرور. لذلك ربط النحويون نظرية العامل بظاهرة الإعراب ربطاً مباشراً، وأقاموا الفكر النحوي في درس العربية على وجود الحركة الإعرابية، فهي في نظرهم لا تعدو أن تكون رصداً للعلاقات المعنوية واللفظية في التركيب، وما ينجم عن هذه العلاقات من ظواهر صوتية على أواخر الكلمات المعربة. (الحلواني: 131)، وهي السبيل إلى الإبانة عن المعاني بالألفاظ، (الخصائص:1/35)، والألفاظ عند الجرجاني مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها، وإنّ الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج منها. (دلائل الإعجاز: 28) وقد دفعهم ذلك إلى البحث عن طريقة لتفسير وجود الحركة الإعرابية في كل موضع بكيفية معينة (ضمة، فتحة، كسرة، سكون إلخ) وضبط أسبابه فاهتدوا إلى القول بالعَمَلِ، (ضوابط الفكر النحوي: 2/8) عمل العناصر اللغوية، بعضها في بعض، لا على وجه الحقيقة، بل على وجه العلاقات الثابتة بينها في تلازمها. (نظرية النحو العربي، نهاد الموسى: 39).

إنّ فكرة العامل تعني أن أثراً ما يحدث في كلمة على نحو مطرد في وجود كلمة أخرى، حيث لاحظ النحاة أن بعض مفردات اللغة يرتبط ببعضها ارتباطاً وثيقاً بحيث نتوقع بعضها حين يرد بعضها الآخر، وبحيث لا تكتمل دلالة بعضها إلا بمجيء ما يرتبط به، وقد أطلقوا على هذا التعلق مصطلح العامل، وفهموا العلاقة بين المترابطين في الجملة على أنها علاقة تأثر وتأثير، وأن الكلمة المرتبطة بغيرها تقع تحت تأثيرها وتعد معمولاتها.(أصول التفكير النحوي، لقاسم: 58) وعليه فالعامل في اصطلاح النحاة هو ما أوجب كون آخر الكلمة مرفوعاً أو منصوباً أو مجروراً أو ساكناً، (العوامل المائة: 73) وهو عند الرماني : موجب لتغيير في الكلمة على طريق المعاقبة لاختلاف المعنى، (الحدود للرماني:4) أما الرضي فيرى بأنه ما به يتقوم المعنى المقتضي للإعراب، (شرح الكافية:1/72) أو هو ما أوجب كون آخر الكلمة العربية على وجه مخصوص، والعامل عند الدكتور كمال جبري بأنه ما يدخل على الكلمة العربية فيُحدث تأثيراً في آخر الكلمة: رفعاً أو نصباً أو جرّاً أو جزماً. (كمال جبري:289) وقد أكد الأنباري هذا الفهم بتشبيهات واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار حين صرح بأن العوامل في صناعة النحو: ليست مؤثرات حسية كالإحراق للنار والإغراق للماء والقطع للسيف، وإنما هي أمارات ودلالات، والأمارة والدلالة تكون بعدم شيء كما تكون بشيء. (الإنصاف: 1/46) وقد قرر هذا الفهم نفسه ابن جني في كتابه الخصائص حين قال: ألا تراك إذا قلت: ضرب سعيد جعفراً، فإنّ "ضرب" لم تعمل في الحقيقة شيئاً، وهل تحصل من قولك ضرب إلا على اللفظ بالضاد والراء والباء على صورة فعل، فهذا هو الصوت، والصوت مما لا يجوز أن يكون منسوباً إليه الفعل. وإنما قال النحويون عامل لفظي وعامل معنوي لِيُروك أن بعض العمل يأتي مسبباً عن لفظ يصحبه، كمررت بزيدٍ، وليت عمراً قائم، وبعضه يأتي عارياً من مصاحبة لفظ يتعلق به كرفع المبتدأ بالابتداء، ورفع الفعل لوقوعه مع الاسم، هذا ظاهر الأمر، وعليه صفحة القول، فأما في الحقيقة ومحصول الحديث، فالعمل من الرفع والنصب والجر والجزم إنما هو للمتكلم نفسه، لا بشيء غيره، وإنما قالوا لفظي ومعنوي لمّا ظهرت آثار فعل المتكلم بمضامة اللفظ للفظ أو باشتمال المعنى على اللفظ. (الخصائص: 117) ويصف الرضي فكرة العمل والعامل في شرح الكافية بقوله: نسب إحداث هذه العلامات إلى اللفظ الذي بواسطته قامت المعاني بالاسم، فسمي عاملاً، لكونه كالسبب للعلامة، كما أنه السبب للمعنى المعلم، فقيل: العامل في الفاعل هو الفعل؛ لأنه به صار أحد جزئي الكلام. ويخلص محمد الخطيب من قول الرضي إلى حقيقة علمية مفادها بأن العمل مفهوم علائقي بمعنى:
• أنه علاقة بين لفظ ولفظ، فالألفاظ عامل بعضها في بعض، فهي عامل ومعمول.
• أو علاقة معنى بلفظ، أي أن المعاني والألفاظ يعمل أحدها في الثاني.(ضوابط الفكر النحوي: 9)
وتعود فكرة نشأة العامل إلى نشأة النحو نفسه، وأخذ بها جميع النحاة بلا استثناء، واتفق عليها البصريون والكوفيون على السّواء، وأثر هذه الفكرة واضحة في أقدم مؤلف نحوي في تاريخ اللغة العربية، وأعني بذلك الكتاب لسيبويه بما تتضمنه من آرائه الخاصة وأقوال شيخه الخليل بن أحمد. وبتقدم الزمن تحولت هذه الفكرة إلى نظرية ذات أسس وأركان منطقية، تقوم على مبادئ وأسس أخذت توجه النحو العربي وجهة مخصوصة، وتتحكم في قواعده ومسائله تحكماً متعسفاً أحياناً، حتى غدت محور جدلٍ بين النحاة، ويمكن القول بأن فكرة العامل استوت على سوقها بكتاب الجرجاني "العوامل المائة" وهي خلاصة لكل العوامل التي استخلصها النحاة قبله، وهي بذلك تمثل خلاصة التفسير والتنظير لما سبقه.
ولعل فكرة العامل من أهم أسس الاختلاف بين النحاة وانقسامهم إلى بصريين وكوفيين، فاختلاف وجهات النظر في بعض المسائل النحوية والصرفية بين القبول والرفض والترجيح يعود لاختلاف توجيهها وتعليلها وتأويلها وفق أسس نظرية العامل، فالعامل إذن يؤثر ويوجه ويمنع، يقول السيوطي: العامل مع المعمول كالعلة العقلية مع المعمول. (كمال جبري: 289) وتعددت لدى النحويين المصطلحات التي تعبر عن هذه العلائق كون هذا العلم علماً ناشئاً كأي علم في طور طفولته، فنرى عند النحاة مصطلحات العمل والعامل والمعمول والتعلق والصلة والوصل والموصول والاتصال ووقوع الكلمة على غيرها، وسقوطها عليها، ومصاحبتها إياها، واحتياجها لها. (قاسم: 61)

المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم