المنهج التاريخي هو المنهج الذي يصار فيه إلى دراسة الأديب وأدبه أو الشاعر وشعره من خلال معرفة سيرته ومعرفة البيئة التي عاش فيها ومدى تأثيرها في نتاجه الأدبي أو الشعري؛ في عبارة أخرى، هو المنهج الذي يُعنى بدراسة الأديب، بمعرفة العصر الذي عاش فيه والأحداث العامة والخاصة التي مرَّ بها، وبدراسة النص في ضوء حياة ذلك الأديب وسيرته والظروف التي أثَّرت عليه. أي أن الأحداث التاريخية وشخصية الأديب يمكن لها أن تكون هنا عوامل مساعِدة على تحليل النص الأدبي وتفسيره. ولهذا نرى أن هذا المنهج يعمل على إبراز الظروف التاريخية والاجتماعية التي أُنتِجَ فيها النص، دون الاهتمام كثيرًا بالمستويات الدلالية الأخرى التي يكشف عنها هذا النص ودراسة مدى تأثيره على القارئ، بعكس النظريات النقدية الحديثة، كالبنيوية والتفكيكية، اللتين أعطتا السلطةَ للقارئ وجعلتاه سيدًا على النص الأدبي لا ينازعه منازع. ظهر هذا المنهج لأول مرة في أوربا وبالضبط في فرنسا مع أندري دوشيسون الذي ألف كتاب (تاريخ فرنسا الأدبي) سنة 1767م. ويقسم فيه الأدب الفرنسي حسب العصور والظروف السياسية ويقول:( إن النصوص الأدبية الراقية هي عصور الأدب الراقية، وعصور تاريخ السياسة المنحطة هي عصور الأدب المنحطة) يتخذ المنهج التاريخي، إذن، من الحوادث التاريخية والسياسية وسيلةً لتفسير الأدب وتعليل ظواهره وخصائصه، ويركِّز على تحقيق النصوص وتوثيقها باستحضار بيئة الأديب والشاعر وحياتهما؛ فهو، بمعنى آخر، هو قراءة تاريخية في خطاب النقد الأدبي تحاول تفسير نشأة الأثر الأدبي بربطه بزمانه ومكانه وشخصياته. أي أن التاريخ هنا يكون خادمًا للنص؛ ودراسته لا تكون هدفًا قائمًا بذاته، بل تتعلق بخدمة هذا النص. ويذهب المنهج التاريخي في النقد، في شكل خاص، إلى التنبيه إلى أهمية ما هو خارج النص ومعرفة سياقاته. وبهذه الطريقة، لجأ النقاد إلى استنباط القيم من الواقع الخارجي ومما هو متخصص من الأبحاث للتوصل إلى مجموعة من التراكيب والتأويلات . المنهج التاريخي هو الأسلوب و الطريق المؤدي لمعرفة الحقائق أو الغرض المطلوب، كذلك نطلق عليه الوسيلة المؤدية إلى اكتشاف الحقائق و المعرفة العلمية. المنهج التاريخي هو منهج علمي مرتبط بمختلف العلوم الأخرى ، حيث يساعد الباحث الاجتماعي خصوصا عند دراسته للتغيرات التي تطرأ على البنى الاجتماعية و تطور النظم الاجتماعية في التعرف على ماضي الظاهرة و تحليلها و تفسيرها علميا، في ضوء الزمان و المكان الذي حدثت فيه، و مدى ارتباطها بظواهر أخرى و مدى تأثيرها في الظاهرة الحالية محل الدراسة و من ثم الوصول إلى تعميمات و التنبؤ بالمستقبل.
مميزات المنهج التاريخي : يمكننا أن نتبين مميزات هذا المنهج التي تعتبر متداخلة في حد ذاتها بالعديد من المناهج الأخرى، شأنها في ذلك شأن انفتاح العلوم بعضها على بعض وتداخلها مع حركة الوعي الانساني الذي صاحب معطيات التفكير في كل العصور: 1- المنهج التاريخي في النقد، شأن أي منهج. دقيق، إذا فقد فيه صاحبه توازنه، فقد خصائص نقده، وصار مؤرخا أو جماعة للتاريخ، وصار النص الأدبي لديه مادة للتاريخ. ولم يوظف التاريخ مادة للنقد. ويقتضي إذن - أن يحدد الناقد - منذ البداية علاقته بالتاريخ - فصميم عمله هو النص الأدبي بما فيه من العواطف والخيالات، والمشاعر، وهو يستعين بتاريخ العصر ونظمه السائدة على استجلاء النص الأدبي. وما خبأه الزمن وراء حروفه، وكذلك العلم بما تضمن من اشارات لمواقع وأحداث واعلام وغير ذلك من آثار واقعية يمكن معرفتها بمساعدة التاريخ. 2- إن المنهج التاريخي هو منهج يحاول أن يبلور العلائق الموجودة بين الأعمال الأدبية في إطار تاريخي زمني (أي إطار وعي بحركة التاريخ) وهو بذلك يتعامل مع الأدب من الخارج. 3- تبعا لذلك فإن المنهج التاريخي يحتاج الى ثقافة واعية، وتتبع دقيق لحركة الزمن. وما فيه من معطيات يمكنها أن تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على النص الأدبي. ولعل عنايته أحيانا بالطابع التحليلي يبرز مظهر ذلك الوعي، فالناقد التاريخي قد يلتفت الى النص الأدبي ويحلله في إطار لغوي أو احصائي أو بياني أو حتى جمالي ليصل في النهاية الى هدفه، وغايته هي محاولة الربط بين استخدام تلك المقاييس اللغوية (التحليلية) وبين العصر الذي وجدت فيه، وبين المؤلف الذي تأثر بذلك العصر، فاستخدم تلك المصطلحات اللغوية. ولهذا نجد المنهج التاريخي منهجا مرتبطا ارتباطا وثيقا بالمناهج النقدية الأخرى على الأقل من هذا الاطار. 4- المنهج التاريخي معني بمستويات النقد وأطره، لذا فهي تستخدم كل مراحله المتمثلة في التفسير، والتأويل والتقييم والحكم، نظرا لعنايته الجادة بالنص كرؤية واقعية ترتبط بالزمن والعصر والبيئة، ويلعب المؤلف دور المحلل في ضوء تلك المراحل التي لا غنى عنها في العملية النقدية. 5- يوظف منهج التاريخ الأدبي الماضي من أجل الحاضر، ويحيى العلاقة التي غالبا ما تكون عاطفية مع كبار القدماء الذين سبقوه، فهو بالطبع يحصر حقل أبحاثه في ميدان الأدب محددا علاقاته بكافة الأطر الاقتصادية والسياسية، والثقافية، لتبيان ما فيها من عوارض أو اشارات تنم عن عقلية نقدية ما. 6- يختص المنهج التاريخي بالتوفيق في الأعمال القديمة من حيث ذكرها وحفظها وترتيب ظواهرها في سياق التسلسل التاريخي التي يتكون منها حياة الأدباء وانتاجهم والجمهور والعلاقات بين الكاتب ومستهلك الكتاب، ويقدم التفسيرات حول هذه الأشياء، وعلى مستوى أعمق يحاول شرحها وحتى احياءها من خلال المقتطفات أو يقوم أمام تراكم الوقائع بإطلاق المعايير. والقواعد التي تحكم بيئة الأدباء وسيرتهم الذاتية. يعد المنهج التاريخي واحدًا من المناهج النقدية المتعددة التي انبنت على قواعد متينة، هي في حد ذاتها نتاج لفلسفات، وتيارات فكرية عرفتها الإنسانية عبر سيرتها الطويلة، ولعل ما توخاه أفلاطون وأرسطو من فلسفات معينة شغلت التفكير الإنساني هي تمثل الملامح الجذرية الأولى لهذه الفلسفات . يستخدم علماء الاجتماع و الباحثين في العلوم الأخرى المنهج التاريخي، عند دراستهم للتغير الذي يطرأ على شبكة العلاقات الاجتماعية و تطور النظم الاجتماعية، و التحول في المفاهيم و القيم الاجتماعية، كذلك عند دراستهم لأصول الثقافات و تطورها و انتشارها و عند عقد المقارنات المختلفة بين النظم و الثقافات، بل أن معرفة تاريخ المجتمع ضرورية لفهم واقعه. 2)- خصائص المنهج التاريخي: 1- يعتمد على ملاحظات الباحث و ملاحظات الأخرون 2- لا يقف عند مجرد الوصف بل يحلل و يفسر 3- عامل الزمن، حيث تتم دراسة المجتمع في فترة زمنية معينة 4- أكثر شمولا و عمقا لأنه دراسة للماضي و الحاضر أن أصحاب المنهج التاريخي قد درسوا العملية الأدبية بمحاورها الثلاثة ضمن إطارين الإطار الزماني والإطار المكاني الخاص بها، والنظر إليها كأنها وثيقة تختزن الظاهرة السياسية والاجتماعية والثقافية ، فيتخذ من تلك الحوادث السياسية والاجتماعية والتاريخية وسيلة لتفسير الأدب وتعليل ظواهره وخصائصه، ويركز على تحقيق النصوص وتوثيقها باستحضار بيئة الأديب والشاعر وحياتهما . إذًا هو قراءة تاريخية في خطاب النقد الأدبي تحاول تفسير نشأة الأثر الأدبي بربطه بزمانه ومكانه وشخصياته، أي أن التاريخ هنا يكون خادمًا للنص ودراسته لا يكون هدفًا قائمًا بذاته بل يتعلق بخدمة هذا النص يعد المنهج التاريخي من أكثر المناهج اعتمادًا في ميدان البحث الأدبي، لأنه أكثر صلاحية لتتبع الظواهر الكبرى في الأدب ودراسة تطوراتها .
فهو المنهج الوحيد الذي يمكننا من دراسة المسار الأدبي لأي أمه من الأمم، ويمكننا من التعرف على ما يتميز به أدبها من خصائص عن آداب الأمم الأخرى . ابرز اعلامه : أ ـ سانت بيف : يُعتبر هذا الناقد من أوائل النقاد الذين ساهموا في نشأة المنهج التاريخي متأثرًا في ذلك باتجاههِ العلمي التجريبي، الذي درس من خلاله الأدب. فكان يبحث في الإنتاج الأدبي لا من حيث دلالته على المجتمع فحسب، كما فعلت (مدام دي ستال)، ولكن من حيث دلالته على مؤلفه، فكانت أحكامه في النقد أحكاما منصبة على شخصيات المؤلفين .
ووظيفة النقد الأدبي عنده: هي النفاذ إلى ذات المؤلف، لتشف روحه من وراء عباءته بحيث يفهمه قراؤه وهو بذلك يضع الناقد نفسه موضع الكاتب.
ولقد دعا "سانت بيف" في ظل منهجية نقده هذه إلى "دراسة الأدباء دراسة علمية تقوم على بحوث تفصيلية لعلاقاتهم بأوطانهم، وأممهم، وعصورهم وآبائهم وأمهاتهم، وأسرهم، وتربياتهم، وأمزجتهم، وثقافاتهم، وتكويناتهم المادية، الجسمية، وخواصهم النفسية والعقلية، وعلاقاتهم بأصدقائهم، ومعارفهم، والتعرف على كل ما يتصل بهم من عادات وأفكار، ومبادئ مع محاولة تبين فترات نجاحهم وإخفاقهم وجوانب ضعفهم، وكل ما اضطربوا فيه طوال حياتهم في الغدو والرواح وفي الصباح والمساء" [1].
إذًا فقد دعا إلى العناية بالأدباء وضرورة دراسة هؤلاء الأدباء دراسة (نفسية، عضوية، اجتماعية)، وكل ما يتعلق بهؤلاء الأدباء ؛ لأنه يعتقد بأن هذه الأشياء لها أثر على انتاجاتهم الأدبية .
ب ـ تين: يعد تين أكثر تأثيرًا في المنهج التاريخي لدراسة الأدب، فهو من أوائل الذين استخدموه، إلا أن استخدامه له لا يختلف كثيرا عن أستاذه "سانت بيف" .
و" تين " يستند إلى المنهج التاريخي في دراسته للأدب من خلال، وصفه للأدب في مجموعة هي نتاج الفنان نفسه، والجماعة الفنية التي ينتمي إليها، والمجتمع الذي أنتجها.
ويرى أن الأدب يُفهم ويُفسر من خلال عدة عناصر: هي في حد ذاتها ثلاثية التميز التي تكونها العوامل النفسية والطبيعية للأديب: وهذه العناصر هي : 1 ـ الجنس أو العرق: ويقصد به: مجموع الاستعدادات الفطرية التي تميز مجموعة من الناس انحدروا من أصل واحد، وهذه الاستعدادات مرتبطة بالفروق الملحوظة في مزاج الفرد وتركيبه العضوي.
فهو يزعم أن العرق له دوره في توريث بعض الخصائص الجماعية، ومنه يستنتج اختلاف صور الأدب واختلاف خصائصه عند شعراء كل أمة على حده، فهو يزعم مثلاً أن الشعراء الساميين ينقصهم الخيال الواسع والتعمق في الحكم على الأشياء. ولا شك أن هذه النظرية خاطئة لاعتمادها العرق أساسًا متجاهلة عبقريات الأفراد وتقاليد الأمم والشعوب في تنظيم أساليب الحياة وفق متطلبات يفرضها الزمان والمكان في الغاب، 2 ـ البيئة: ويقصد بها الوسط الجغرافي والمكاني الذي ينشأ فيه أفراد الأمة، نشوءًا يعدهم ليمارسوا حياة مشتركة في العادات والأخلاق والروح الاجتماعية .
فيتأثر بها ويحاكيها فتتميز أعماله بعض التميز، فنحن يمكن أن نقبل بهذه الفكرة نسبيًا وليس على الإطلاق، والذي يدفعنا إلى قبول ذلك ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله : (إذا بدا جفا)، وفي ذلك دليلٌ على أن البيئة لها دورٌ في صقل الشخصية.
3 ـ العصر أو الزمان: وهو الأحداث السياسية والاجتماعية التي تكون طابعًا عامًا يترك أثره على الأدب. ج ـ برونتير: أراد برونتير أن يُطبق بعض القوانين العلمية على الأدب، ولا سيّما نظرية دارون (النشوء والارتقاء) .
نموذج تطبيقي على استخدام المنهج التاريخي في دراسة الأدب: طه حسين يعد طه حسين أبرز من استخدم هذا المنهج في دراساته عن الأدب العربي القديم: مثل كتابه "حديث الأربعاء" و "تجديد ذكرى أبي العلاء . ففي الكتاب الأخير: طبق طه حسين المنهج التاريخي تطبيقًا دقيقًا، فقد خصص بابًا من هذا الكتاب شغل حيزًا كبيرًا من الكتاب (نحو ثلثي الكتاب) درس فيه زمان أبي العلاء، ومكانه وشعبه والحياة السياسية والاجتماعية، والاقتصادية والدينية في عصره، وقبيلته وأسرته؛ ليرى أثر ذلك كله في شعره وأدبه، ونقتطف هنا جزءًا يسيرا من هذا المنهج في قوله "ليس الفرض من هذا الكتاب أن نصف حياة أبي العلاء وحده وإنما نريد أن ندرس حياة النفس الإسلامية في عصره فلم يكن لحكيم المعرة أن ينفرد بإظهار آثاره المادية أو المعنوية وإنما الرجل وما له من أثار وأطوار نتيجة لازمة، وثمرة ناضجة لطائفة من العلل. اشتركت في تأليف مزاجه وتصوير نفسه. من غير أن يكون له عليه من سلطان. من هذه العلل المادي والمعنوي فالمادية ما ليس للإنسان صلة بها، فاعتدال الجو وصفاؤه ورقة الماء وعذوبتها، وخصوبة الأرض وجمال الربى، ونقاء الشمس وبهاؤها. كل هذه علل مادية تشترك مع غيرها في تكوين الرجل وتنشئ نفسه. وأبو العلاء.. ثمرة من ثمرات عصره. قد عمل في إنضاجها الزمان، والمكان والحال السياسية والاجتماعية والحال الاقتصادية... فالمؤرخ الذي لا يؤمن بالمذاهب الحديثة. ولا يصطنع في البحث طرائفه الطريفة. ولا يرضى أن يعترف بما بين أجزاء العالم من الاتصال المحتوم. ولا أن يسلم بأن الشيء الواحد على صغره وضآلته إنما هو الصورة لما أوجده من العلل". فأبو العلاء إذن عند طه حسين صورة مرتبطة بواقع، طالما كان منشدا بكل أطرافه لاتجاهات الزمان والمكان والبيئة والعصر، والجنس. وما تنبثق عنها من معطيات وأيديولوجيات سياسية واجتماعية وثقافية -. فهو عصارة ذلك التكوين المتشابك كله. وهذا هو المنهج التاريخي في عمق مغزاه. هذه أهم الملامح التي تميز المنهج التاريخي، وتحدد خصائصه ولا شك فإن معطياته قد لا تعطي كلماهو مرجو في الحركة النقدية . أهم ما يعيبه دراسة النص من الخارج. والوقوف على المغزى الواقعي، الذي قد لا يكشف لنا أحيانا رؤى النص، المتمثلة في التحليل، والخيال، والبعد المثالي. الذي تفضيه مشاعر المؤلف (المبدع).
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم
|