انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

جماعة ابولو

Share |
الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 4
أستاذ المادة شيماء محمد كاظم الزبيدي       22/10/2019 23:37:23
جماعة أبولو :
يعود ظهور هذه الجماعة الشعرية ـ التي سميت بجماعة أبولو ـ إلى الشاعر أحمد زكي أبو شادي الذي كان صاحب فكرة نشؤها والداعي إلى تأسيسها ، فألفها في سنة 1932 وأسند رئاستها إلى الشاعر أحمد شوقي ولكن توفي بعد مدة وجيزة من تأسيسها فأوكلت رئاستها للشاعر خليل مطران ، وأصدرت هذه الجماعة مجلة تعنى بالشعر العربي باسم مجلة أبولو وظلت تصدر من سنة 1932 إلى 1935 وأما اسمها فقد استعاروه من الميثولوجيا الاغريقية التي تزعم أن أبولو رب الشعر والموسيقى ، وكأن هؤلاء الشعراء ارادوا أن يسموا انفسهم باسم عالمي يشير إلى فنهم.
ولكن أبولو رب الشعر لا يفرق في ربوبيته بين شعر وشعر ولا بين مذهب فني ومذهب . ولعل هذا أول ما يلاحظ على تلك الجماعة ، فلم يكن لها هدف شعري ولا مذهب أدبي معين ، بل هي جماعة كل شعر مصري ، ويتضح هذا من خلال رئيسها وأعضائها ، ففيهم كثير من شعراء الاحياء مثل أحمد شوقي وخليل مطران وأحمد محرم وغيرهم ، كما يبدو ما قلناه واضحاً : (أن جماعة أبولو لم تكن مدرسة أدبية متجانسة ، ومذهباً موحداً ذا خصائص مميزة . لأن رائدها وهو أحمد زكي أبو شادي قد كان هو نفسه موسوعة شعرية . وكان نشاطه أكبر من أن يحتويه مذهب شعري أو فن خاص من فنون الشعر ، حيث جمع بين الشعر القصصي والدرامي والعاطفي والوصفي والفلسفي ، بل وتخطى الشعر إلى مجالات أخرى كالنثر والنقد والعلم . ولكن يمكننا القول أن في تلك الفترة التي نشأت فيها جماعة أبولو طغى الشعر الرومانسي العاطفي الذاتي.
وهنالك عوامل وظروف هيأت لظهور هذه الجماعة الشعرية هو اطلاع شعراء هذه الجماعة على شعر شعراء المهجر الذين هاجروا إلى أمريكا الشمالية ، مثل جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي ونسيب عريضة وميخائيل نعيمة ، وهو نموذج يستلهم ـ في كثير من جوانبه ـ الاتجاه الرومانسي الغربي وقد تعزز هذا الانجاه لديهم باطلاعهم على شعر جماعة الديوان وكذلك بما كتبوه من آراء تدعو إلى الشعر الرومانسي . وليس هذا كل ما اطلعوا عليه من نماذج عربية جديدة ، فقد اطلعوا على الشعر اللبناني الحديث الذي كان فيه اتجاهان شعريان لا عهد للعربية فيه ، أولهما الشعر الرومانسي المتأثر بالشعر الغربي والذي يمثله شعر الياس أبي شبكة وانفعالاته أمام الحب والطبيعة . أما النموذج الثاني فنموذج جديد خالص ، يستوحي فيه اصحابه مذهباً عرف عند شعراء فرنسا وآدابها باسم المذهب الرمزي وهو مذهب يقوم على الغموض وقد احدثت هذه النماذج المختلفة وما رافقتها من الاطلاع على الآداب الغربية ، كل ذلك عزز الاتجاه الرومانسي لدى هذه الجماعة فضلاً عما مرت به مصر من ظروف سياسية قاهرة عملت على تعميق الحزن والكآبة والانكسار في نفوس الشباب المصري آنذاك مما جعلهم يقبلون على هذا اللون من الشعر إقبالاً واسعاً لأنهم وجدوا فيه ما يلائم نفوسهم الحزينة . يضاف إلى العوامل التي اسهمت في ظهور هذه الجماعة عامل آخر هو الشاعر خليل مطران الذي يعد واضع الحجر الأول في بناء هذه الجماعة وفي ذلك يقول (إبراهيم ناجي) ((إننا مدينون لخليل مطران بكثير من التوجيهات في شعرنا العصري ، وهو وضع الذور وفتح اعيننا للنور ... المدرسة الحديثة التي يتكلم بلسانها أبو شادي وحسن الصيروفي وصالح جودت وأبو القاسم الشابي وغيرهم ، هي رجع الصدى لذلك الصوت البعيد الذي ردده مطران في غير ضجة ولا ادعاء .. ونحن انما زدنا على ذلك بما عرفنا من مطالعتنا المتعددة ، وساعدنا على ذلك بما عرفنا من مطالعتنا المتعددة)).
كل هذه الاسباب جعلت شعرهم يتجه نحو الرومانسية التي تعني بتصوير ما تختلج فيه نفوس هؤلاء الشعراء من شاعر الحب أو هواجس الخوف مما تخبئه لهم الحياة فضلاً عن أنهم ضالقوا ضرعاً بمجتمعهم الذي لم يتلاءموا معه فمالوا عنه إلى الطبيعة فوجدوا فيها الملاذ الآمن الذي يحقق لهم الراحة النفسية . لذلك نجد شعرهم دار في الموضوعات الاتية :
1. شعر الطبيعة .
2. شعر الحب.
3. شعر التأمل.


شعر الحب:
وتهدف قصائده إلى التعبير عن ذات الشاعر وتجسيد عواطفه في الحب وشعوره بالضياع ، والسعي وراء الاحكام والبكاء على ما ضاع منها وتعثر . وحديث الشاعر عن نفسه ، والاستسلام لأحلامه الضائعة وطموحاته البعيدة اسلمته إلى الحزن واليأس والتشاؤم وانتهت به إلى القنوط والانطواء والهروب ووصف الهواجس النفسية.
وتقترب قصائد هذا الاتجاه من الاتجاه الرومانسي الحالم الذي شاع في أوربا أبان القرن التاسع عشر . ووصلت طلائعه إلى جماعة شعر الديوان ، وبخاصة عند عبد الرحمن شكري الذي مهد لشعراء أبولو بهذا التيار الوجداني الفردي العاطفي.
وكان لهؤلاء الشعراء رؤية جميلة إلى الحب ، فحبهم طاهر عفيف يرتفع عن كل ما يسيء للمرأة ، وينظر الرومانسي إلى المرأة على أنها ملك هبط عليه من السماء ، فهي انيسته في هذه الحياة الموحشة القاسية ، ويلجأ اليها فيجد فيها الملاذ الآمن الذي يعيد الطمأنينة إلى نفسه . وفي ذلك يقول أبو شادي
أماناً أيها الحب
أتيت إليك مشتكياً
دلفت إلى سماء الحب
وقد صار الهجير به
سلاماً أيها الآسي
فراراً من أذى الناس
فهي معبدي الضاحي
نسيم الروح والراح


ويقرب مما قلنا قول أبي القاسم الشابي الذي أحاط حبيبته بهالة من التقديس ، فهي ابنة النور التي تشع في دنياه المظلمة ، وتزيح عن كاهله هموم الحياة وأحزانها ، ورأى في هذا الملاك الجميل تتجلى عظمة الله في مخلوقاته :
يا ابنة النور إنني أنا وحدي
فدعيني أعيشُ في ظلك العذب
عيشة للجمال والفن والالهام
وامنحيني السلام والفرح الرو
انقذيني من الأسى فلقد أمسـ
من رأى فيكِ روعة المعبود
وفي قرب حسنك المشهود
وللطهر والسنى والسجود
حي يا ضوء فجري المنشود
يتُ لا استطيعُ جمل وجودي

وهكذا فالحب في نظر هؤلاءاليد الرحيمة التي تنتشل العاشق من الآم الحياة وآثامها وهو الذي يطهر النفوس ويهذبها ، ويعظم الرومانسي من شأن الحب حتى يصل به الامر إلى درجة من التقديس بحيث يرى أن كل شيء في هذا الوجود خلق من أجل الحب الذي يجمع روحين طاهرتين تنعمان بحب نقي ، لكي يتمتع الحبيبان بهذه الطبيعة الجميلة ، وفي ذلك يقول ابراهيم ناجي :
لمن زين الله هذي السماء
لمن يطلع الفجرُ في افقها
أللطائر المفرد الروح يمضي
وربك ليس لهذا .. ولكن
أو جمَّلَ الكونَ أو نسَّقا
فيبدو بها ضاحياً مونقاً
يرود الموارد عن مستقى
لروحين في أفقٍ حلقا

وأجل هؤلاء الحب ورأوا فيه أعلى مراتب السمو والرفعة فهو انشودة الخلد التي ترددها الاجيال منذ الأزل وهذا ما قاله إبراهيم ناجي :
وإنما الحب حديث العُلى
انشودة الخلد ونحن الرواة

والحب الرومانسي حب عاثر ينتهي بالفراق أو موت الحبيبة لذلك نجد الشاعر الرومانسي يتغنى بعذاب الحب وما يكابده المحب في حبه هذا ، من أرق وسهر وهو يذرف الدموع على حب ذوي وآمال قد تحطمت دون أن يجني من حبه العاثر هذا شيئاً يذكر سوى الألم والدموع وفي ذلك يقول إبراهيم ناجي:
يا غراماً كان مني في دمي
ما قضينا ساعةً في عرسهِ
ما انتزاعي دمعةً من عينهِ
ليت شعري أين منه مهربي
قدراً كالموت، أو في طمعهِ
وقضينا العمرَ في مأتمهِ
واغتصابي بسمةً مِن فمِهِ
أين يمضي هاربٌ من دمهِ؟

وقد أمسى التغني الحب عند الرومانسيين شيئاً مقصوداً لذاته ، وأصبح الألم من الموضوعات المحببة عند الرمانسيين الذين قدسوا الدموع ، فالآلام تذكرهم بالسعادة الآفلة ، لذلك تدفقت قصائدهم بالعواطف الكئيبة والاحساسات الدفينة وأصبح شعرهم الغنائي رثائياً وبوحاً ممتزجاً بالاحزان وفي ذلك يقول الشاعر حسن كامل الصيروفي:
دموعي كنت آمالاً
وكانت هذه الآما
تمدُّ القلبَ بالبشرِ
لُ كالأنغام في الفجرِ

وكثيراً ما يمتزج الفرح بالحزن واللذة بالألم في شعر هؤلاء الشعراء فدموع الشاعر تمد القلب بالفرح ، لأنها تسكب في طريق الحب الذي يوصل إلى السعادة ، وكانت هذه الآمال تبعث النشوة في نفسه ، وتعطي لها مسوغاً لوجودها في الحياة ويعبر أبو شادي عن تلك المشاعر التي يضطرب فيها الحزن بالفرح والأمل باليأس ويكون كل ذلك سبباً فيما يعانيه المحب من حيرة وانكسار في هذه الحياة فيقول أبو شادي:
ما لعيني كلما تلقاك بالفرحةِ تدمعْ؟
أهي الفرحةُ أم خشية حلم يتصدعْ؟
بي رجاءٌ ليس يخبو، ورجاءٌ ليس يلمعْ
هاك قلبي يا حياتي ! نبئيه كيف يصنعْ
هو في القُربِ بعيدٌ عنك يهفو ثمَّ يجزعْ
آه! كم يجني حيائي ! آه من شوقٍ مضيعْ
وعبــادتٍ تنــاهتْ فأبــتْ لي كــل مطــمعْ
ويمزج الشاعر الرومانسي بين الحب والطبيعة إذ يجد الحب الحقيقي في أحضان الطبيعة ، إذ تحقق له هذه الأجواء في أحضان الطبيعة قمة ما يبغيه من حب روحي يجعله يطير على أجنحة الخيال معانقاً كل ما يسمو إليه من أحلام وآمال في هذا الميدان ونجد ذلك مجسداً في قصيدة علي محمود طه (سيرانادا مصرية) وهي أغنية ينشدها العشاق على معازفهم في الليل تحت نوافذ معشوقاتهم وتقابل عندهم ما يسمونه بالأوبادا وهي أغنية الفجر ينشدها العشاق أيضاً في الصباح الباكر عند نوافذ معشوقاتهم وقصيدة محمود طه المهندس هي :
دنا الليل فهيا الآن يا ربّة أحلامي
دعانا ملكُ الحبِّ إلى محرابه السامي
تعالي فالدُّجى وحيُ أناشيد وأنغام
سَرَت فرحته في الماءِ والأشجار والسحبِ
تعالي نحلُم الآن فهذي ليلةُ الحبِّ
على النيلِ وضوءُ القمر الوضاح كالطفل
جرى في الضفةِ الخضراء خلفَ الماءِ والظلِّ
تعالي مثلهُ نلهو بلثمِ الوردِ والطلِّ
هناك على رُبا الوادي لنا مهدٌ من العُشبِ
يلُفُّ الصَّمتُ روحينا ويشدو بلبلُ الحبِّ
يطوفُ بنا على شطٍّ من الأضواء مسحور
شراع خافق الظلِّ على بحرٍ من النورِ
تناجيه نجومُ الليل نجوى الأعينِ الحورِ
وأنتِ على فهمي ويدي خيالٌ خافقُ القلبِ
تعالي نحلم الآن فهذي ليلةُ الحبِّ
هدأ البحرُ رحيبا ، يملأ العين جلالا
وصفا الأفقُ، ومالت شمسه ترنو دلالا
وبدا فيه شراع
كخيال من بعيد يتمشى
في بساط مائج من نسج عُشب
أو حمام لم يجد في الروض عشا
فهو في خوف ورعب
فنلاحظ أن البيتين الأولين قد كتبا بدون تحديد الفاصل بين الشطرين الذي ما زال على أي حال ـ ماثلاً في الوزن ، ويشمل هذان البيتان على أربع تفعيلات من بحر الرمل أما الأبيات من الثالث إلى الرابع فكل منهما تفعيلتان على حين تشمل الأبيات : من الرابع السادس على ثلاث تفعيلات في كل منهما ، أما الأبيات الأخرى فيبدو فيها تغير البحور . بطريقة أكثر سرعة كما نرى في قوله :
أنه غيمة سرت في سماء خفيف
وقد صفت زرقتها رمل
لكنما هذا جناح طائر رجز
مرفرف في ملقب الضياء رجز
يجرُّ زورقاً على الدأماء رجز
فالبيت الأول من الخفيف والثاني من الرمل والابيات الثلاثة الاخيرة من الرجز مع اختلاف التفعيلة الاخيرة من كل بيت تختلف عن التفعيلتين الاخيرتين وهو أمر مرفوض في الشعر التقليدي.
وللمحبين أشواق وتقديس
هيهات يحصرها داعٍ إلى حصر
فالحسن سلطان، والجوهر الأسنى
لا قسمة المظهر
مهما أزدهي وغيلا
كأنما الأزهار أيضاً قد حنن إلى التناظر
ما كان حيلتهن ، لكن كن رسل العاشقين
وكان كلاً تشتهي أبهى التفوق بالملاحة
وكان الحسنُ ليس يتبعُ آخر
بينا الأسارى التابعون على افتتان رهن رحمة
أنظر إلى الأزهار!
أنظر جميل التثني !
وضعن في الأكمام
وقد استخدم شيبوب في مقدمة لقصيدته (الشراع) التي نشرت في مجلة أبولو مصطلح (الشعر المطلق) مرادفاً للشعر الحر وفرق بينه وبين (الشعر المنشور) الذي لا قافية له ولا وزن ، ففي الشعر المطلق يستخدم الوزن سواء كان كاملاً أو مجزوءاً ، أما القافية فقد تبقى وقد تهمل واستخدم خليل شيبوب في هذه القصيدة بحري الخفيف والطويل وهما من الأوزان التي تشتمل على نمطين مختلفين من التفعيلات . وكان طول الجملة هو الذي يحدد عدد التفعيلات في كل بيت وفي الابيات الآتية التي تتألف من تفعيلة للرمل لا تجد وحدة في طول البيت ، ولا انتظاماً في التفعيلة.
ونجد صور الحب المستقاة من الطبيعة في شعر أبي القاسم الشابي هو يرسم صورة جميلة لحبيبة في قوله:
عذبة أنت كالطفولة كالأحـ
كالسماء الضحوك كالليلة القمراء
يا لها من وداعةٍ وجمالٍ
يا لها من طهارةٍ تبعثُ التقديـ
يا لها رقةً تكادُ يرفُّ الور
إلى أن يقول
أنتِ تحبينَ في فؤادي ما قدْ
وتُشيدينَ في خرائب روحي
لام كاللحنِ كالصباح الجديد
كالوردِ كابتسامِ الوليد
وشبابٍ مُنعمٍ أُملودِ
س في مهجةٍ الشقي العنيد
دُ منها في الصخرةِ الجُلمود

مات في أمسي السعيد الفقيد
ما تلاشى في عهدي المجدود


شعر الطبيعة :
كانت للشعراء الرومانسيين رؤية جديدة في شعر الطبيعة تختلف عن شعر الوصف في أدبنا العربي القديم الذي كان يعنى بتصوير الطبيعة من الخارج فيصف مشاهدها ومناظرها ويقف عند هذه الحدود لا يتعداها ، أما الشعراء الرومانسيين ومنهم شعراء أبولو فلم يحلفوا بتصوير الطبيعة من الخارج بل نجدهم يتعمقون في أسرار الطبيعة ويخلعون شيئاً من مشاعرهم عليها ، فالطبيعة صورة لما يجيش في نقوسهم من مشاعر وأحاسيس وقد وجدوا فيها كنز لا يفنى من المعاني والاخيلة التي تعبر عما يضطرب في نفوسهم من مشاعر وأحاسيس شتى ، فهذا الشاعر إبراهيم ناجي يخلع شيئاً من مشاعره على الطبيعة فنفسه مدلهمة وسوداء وحزينة بسبب كثرة الهموم التي جاشت فيها فهي سماء شتاء غير ممطرة تحتفظ بقتامتها وأحزانها وآلامها ولو مطرت لانقشعت غيومها وأشرقت شمسها ، كذلك نفسه لو بكى لأزاح البكاء تلك الهموم وأحس بالراحة وفي ذلك يقول :
عندي سماء شتاء غير ممطرةٍ
خرساء آونة هوجاء آونة
وكيف تخدعني البيداءُ غافية
أ أنتِ ناديتِ أم صوتٌ يخيل لي
سوداء في جنبات النفس جرداءُ
وليس تخدع ظني وهي خرساءُ
وللسوافي على البيداء إغفاء
فلي إليكِ بإذن الوهم إصغاءُ

فالشاعر الرومانسي يتأمل مظاهر الطبيعة ويحاول أن يتغلغل في اعماقها لأجل أن يستبطن أسرارها وحقيقتها وكثيراً ما يجد انعكاساً لما تجيش به نفسه من مشاعر مضطربة تعكس خشيته من الحياة ومما تخبئه له الاقدار من مخاطر تنغص عليه حياته مما يجعله يشعر بالخوف والوجل من هذه الحياة التي يلفها الغموض ولا يعلم إلى أين تمضي ، وأي مصير ينتظره فيزداد قلقه وحيرته ويبدو ذلك جلياً في قصيدة أبي شادي (بحر السماء)
هتفت بي الأضواء فاستيقظت من
ونظرت في أفق السماء فلم أجد
والسحب تجري في اصطخاب الموج لا
ناديتها فتلفتت لكنه
لا تستقر هنيهةً وتسيرُ في
وكأنما الزمن العجيب يسوقها
تخشى سياط الدهر يجري خلفها
وتغيب في بحر السماء كما مضى
نومي على قلق من الأضواء
إلا حديث الموج والدأماء
ترضى بهدا لحظة لندائي
كتلهف الأطياف للشعراء
لهف كوثب الموج فوق الماء
كالخيل في ركضِ وطول عناءِ
فالدهر قاسٍ دائماً ومرائي
حلمي وأنفاسي ووحي رجائي

ولا خلاف في أن الشاعر في هذا النص قد قصد إلى تصوير حالته النفسية من خلال الرمز ، وقد حقق هذا الايهام الرمزي جواً نفسياً قصد اليه الشاعر قصداً ليوحي به إلى القارئ بحالته النفسية المحطمة وليشعرنا بكل ما يعانيه من تمزق.
وأحب علي محمود طه البحر حباً خاصاً ، له تأثير في روحه وذهنه وشعره ، ويبدو ذلك واضحاً في قصيدته (الملاح التائه) التي أرتأى فيها أن يتيه فيه . والبحر وسطوته الرهيبة تجتذب قلبه ، على أن (الملاح التائه) إلى جانب دلالته العامة على حب الشاعر للبحر ـ يملك معنى رمزياً خاصاً ـ فالملاحة والبحر والتيه في شعر علي محمود طه مجرد رموز إلى اتجاهات روحية وفكرية ملأت قلبه وشغلت حياته وعلى هذا المستوى ينبغي لنا أن ندرس التسمية وهذا أولها :
أيها الملاح قم وأطوِ الشراعا
جدِّف الآن بنا في هينةٍ
فغدا يا صاحبي تأخذنا
عبثاً تغفو خطا الماضي الذي
لِمَ نطوي لجةَ الليل سراعا
و جهةَ الشاطيء سيراً وأتباعا
موجةُ الأيام قَذفاً واندفاعا
خلت أنَّ البحر واراهُ ابتلاعا

فما معنى البحر في هذه الابيات؟ وعلام يدل قوله (لجة الليل) و (موجة الأيام) ؟ إن المعنى الواضح هو أن البحر الذي تاه فيه (الملاح) علي محمود طه ليس البحر الحقيق وانما هو بحر الياة ، لأن (اللجة) التي يخوضها هي لجة الليل لا لجة البحر ، والموجة التي يخشاها هي (موجة الأيام) وكلا الليل والأيام يدلان على الزمن والحياة ، وعلى ذلك فان هذه اللجج والأمواج التي يبحر فيها الملاح التائه رمزية تدل على الحياة نفسها ولا صلة لها بالبحر.
وقد يكون أقوى دليل على ذلك الاهداء الذي صدر به الشاعر ديوانه (الملاح التائه) (إلى التائهين في بحر الحياة) وفيه يتجه الملاح الذي تاه في بحر الحياة الذين تاهوا مثله ، وهو اتجاه طبيعي له تبريره في منطق الفكر والقلب وهذا الاهداء يلقي من الضوء على مدلول البحر الذي تاه فيه (ملاحنا) وما نظنه يلقي أي جدل قد يثار حول الموضوع.
أحب الرومانسيون الطبيعة ووجودا فيها ملاذاً آمناً يلوذون به من صخب الحياة وقسوتها عليهم فكانت الطبيعة الأم الرؤوم التي يجد الرومانسي في احضانها الحياة الهانئة السعيدة فالطبيعة هي قيثارة الشاعر ، وعبثاً يحاول الشاعر البحث عن أوتاره في غير هذه القيثارة فقد تصور الرومانسي نفسه جزءاً من هذه الطبيعة ليجعلها شريكة له في عواطفه وأحاسيسه ، ووجد فيها مهرباً من صخب الحياة وشر المدينة وفي ذلك يقول أبو شادي
أمي(الطبيعة) في نجواك إسعادي
وفي ابتعادي أعاني دهري العادي

وشغف أبو شادي بحب الطبيعة ودعا إلى إجلالها والاخلاص لها قائلاً : ((عماد الأدب والشعر خاصة إنما هو الصدق والوفاء للطبيعة لا التصنع والمحاكاة الشائعة ومجافاة الطبيعة)) فهو يستمد منها المعاني والاخيلة فالطبيعة هنا ملهمة وفي ذلك يقول أبو شادي:
هذه الطبيعة موئلي ومعلمي
أنطقتُ لوحاتي بروح حنانها
وأنا الأبر بروحها الفنان
ومزجتُ من ألوانها ألواني

والطبيعة أم الشاعر الذي تحنو عليه ويجد في ربوعها ما يسره ويفرحه كما أنها ملهمة الشاعر بوصفها كنزاً لا يفنى من المعاني والاخيلة.
أماه ! إن لديك صفو حنيني
ألقاكِ في كنف السكونِ عبادة
أُماه! موئل كل لُبٍّ شاعر
وإليك مرجعُ فرحتي وأنيني
وأُقبلُ الترب الذي يحني
نجواكِ، فهي مفاتني وفنوني

والطبيعة ملاذ الشاعر الرومانسي من صخب الحياة فهو يرى السعادة في احضانها ولاسيما بعدما امتدت يد البشر لتعبث بالحياة وتعمل على تشويهها بما جاءت به من قوانين تكبل ارادة الناس وتقمع حرياتهم ولاسيما تلك العادات البالية التي ضاق بها الرومانسيون ذرعاً حتى أمست الحياة في نظرهم شيئاً لا يطاق ولم يكونوا قادرين على تحمل العيش في ظلها ، لذلك شغفوا بالانتماء في احضان الطبيعة حيث العزلة والوحدة والحياة الفطرية التي تمثلها (الغاب) حيث الجبال والانهار والنبات حيث يخلع الشاعر الرومانسي أحزانه هناك ويحقق سعادته في ذلك العالم الخيالي ويقول أبو القاسم الشابي:
إنني ذاهبٌ الغاب، يا شعبي
إنني ذاهبٌ إلى الغاب ، علي
ثم أنساك ما استطعتُ، فما أنتَ
سوف أتلو على الطيور أناشيدي
ثم تحت الصنوبر،والناضرِ، الحلو
وتظل الطيورُ تلغو على قبري
لأقضي الحياةَ، وحدي، بيأسي
في صميم الغابات أدفنُ بؤسي
بأهلٍ لخمرتي ولكأسي
وأفضي لها بأشواق نفسي
تخط السيولُ حُفرة رمسي
ويشدو النسيم فوقي بهمس

تمثل هذه القصيدة حب الشاعر الشابي للطبيعة ونفوره من مجتمعه بعدما رأى فيهم أنهم غير قادرين على فهمه ، فهو يؤمن بأفكار سامية لا تجد آذاناً صاغية لدى شعبة لذلك صوب وجهة نظره نحو الغاب حيث البراءة والاصالة والتقاء الحياه الحقة كما خلقها الله من دون زيف أو تشويه وهي مشاعة للجميع لكل المخلوقات ولم تدنسها نفوس الورى بخبث ورجس والشاعر يجد ضالته المنشودة في الطبيعة لأنها تفتح صدرها الحنون له وتحنو عليه وتزيح عنه ما لحق به من آلام الحياة واحزانها وفي ذلك يقول الشابي:
وإن أردت قضاء العيش في دعة
فاترك إلى الناس دنياهم وضجتهم
وأجعل حياتك دوحاً مزهراً نضراً
شعريةٍ لا يغشي صفوها ندمُ
وما بنوا لنظام العيش أو رسموا
في عزلة الغابِ ينمو ثم ينعدمُ

ونكاد نجد حب الطبيعة مجد في قصيدة محمد عبد المعطي الهمشري (أحلام النارنجة الذابلة) وفيها يصور الحنين الرومانسي إلى الطفولة والهيام بالطبيعة فيقول:
نارنجتي والله مذ فارقتني
أصبحت بعدك في انقباضٍ موحشٍ
قد كنتُ أرجو أن تكون نهايتي
ويكون آخر ما يخدرُ مسمعي
وأنا حليفُ كآبةٍ خرساء
وكأنني منهُ مساءُ شتاء
في ظل هذا السور حيثُ أراكِ
زرزوركِ الهتافُ فرقَ ذراكِ


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
ارجوع الى لوحة التحكم