انت هنا الان: الرئيسية » القسم الاكاديمي
المقالات الاكاديمية والبحثية

سيبويه والاحتجاج بالحديث النبوي الشريف

    لتحميل الملف من هنا
Views  309
Rating  0
 سعدون احمد علي الرباكي 22/03/2017 08:01:05
تصفح هذه الورقة الالكترونية بتقنية Media To Flash Paper

سيبويه والاحْتِجاج بالحديث النَّبويِّ الشَّريف
أ.د سعدون أحمد علي الرَّبَعِيّ
توطئة:
لا يخفى على أحد ما لكتاب سيبويه من منزلة رفيعة بين كتب العربية الأمَّات ، فقد أودعه جلّ ما توصّل إلى سمعه من علم العربية بتلمذته لكبار علمائها في عصره . إذ تلمذ أول أيام قدومه البصرة لمحدِّثها العالم الجليل حمّاد بن سلمة ( ت 167هـ ) ، ولكنه أخفــق في تحصيل الحديث بسبب عجمته و لحنه فيه ، فانتقل يدرس النحو والصرف في حلقة الخليل بن أحمد الفراهيــدي (ت175هـ) ، فبرع في التأليف فيهما ، حتى وُسم كتابه بـ(قرآن النحو) ، وعُدّ واحدًا مـن الأصول الأولى في علم العربية ، وعُدَّت الكتب التي صُنِّفـت في عـلمي الـنحو والصرف من بعـده عــيالا عليه . فهـــل كان لإخفاقته في تحصيل علم الحديث أثر في تنكُّبِهِ الاحتجاج به ؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه ؟ وهل ترتّب على إخفاقته في تحصيله ما دفعه لتعويض النقص فيه ببلوغ مرتبة علمية متقدمة في ميدان آخر هو التألـيــف ، فكان (الكتاب) ؟ وإذا كان من شيوخ سيبويه مَن احتج بالحديث النبوي الشريف و صرّح بنسبته إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فما بال سيبويه يتجنب نسبة ما نقله منه إليه ؟ وإذا كان عدم الاطمئنان إلى صحته -بسبب نقله بالمعنى- يدور في خلَده ، ألم يكن عالما بأن من الحديث النبويّ ما هو فوق الشبهات ، ولا سيما الأحاديث القصار المنقولة بالتواتر حتى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ وإذا علمنا أن القراءات الشاذة يُحتَج بها في النحو، فلِمَ الخوف من الاحتجاج بهذه الأحاديث المنقولة بالتواتر عن رواة الحديث الأوائل وهم من العرب الثقات من مثل حماد بن سلمة ومالك بن أنس(ت179هـ) صاحب الموطأ ؟ وهل كان لعزوف سيبويه عن الاحتجاج بالحديث النبويّ الشريف أثر في علماء العربية الخالفين له ؟ هذه الأسئلة وغيرها كانت الدافع وراء هذه الدراسة التي آمَلُ أنْ أُوَفَّقَ في الإجابة عنها بتسليط الضوء على ما خفي من شخصية سيبويه العلمية بالاستعانة بآراء علماء التحليل النفسي .
سيبويه وتحصيل الحديث النبويّ الشريف :
ولد أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر،مولى بني الحارث بن كعب ثم مولى آل الربيع بن زياد الحارثي بالبيضاء من أرض فارس ، ولُقّب بـ ( سيبويه ) ، ومعناه في اللغة الفارسية (رائحة التفاح ) ، قيل لُقّب بذلك للطافته ؛ لأن التفاح من أطيب الفواكه . انتقلت أسرته - منذ صغره - إلى البصرة فكانت نشأته بها .
وما أن وطئت قدما سيبويه أرض البصرة حتى انتظمته حلقة شيخ أهل البصرة في العربية وإمامهم في الحديث حماد بن سلمة بن دينار الذي أُثِرَ عنه قوله : ((مَنْ لحن في حديثي فقد كذب عليّ ))( ) . كان سيبويه يستملي على شيخه حماد يوما ، فقال : ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"ما أحد من أصحابي إلا وقد أخذت عليه ليس أبا الدرداء " فقال سيبويه : "ليس أبو الدرداء" ، فقال حماد : لحنت يا سيبويه ، فقال : لاجرم ؛ لأطلبنَّ علما لا تلحِّنني فيه أبدا ))( ) .و يروي حماد أيضا أن سيبويه جاءه مع قوم يكتبون شيئا من الحديث ، قال حماد : ((فكان فيما أمليت ذكر الصفا ، فقلت : "صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا "، وكان هو الذي يستملّ ، فقال :" صعد النبيّ صلى الله عليه وسلم الصفاء" ، فقلت : يا فارسيّ لا تقل الصفاء ، لأن الصفا مقصور . فلما فرغ من مجلسه كسر القلم ، وقال :"لا أكتب شيئا حتى أحكم العربية "))( ) . ومن هنا بدأت رحلته في دراسة علم العربية إذ لزم حلقة الإمام الخليل بن أحمد الفراهيدي ، وانكبّ على دراسة النحو والصرف حتى برع فيهما ، فما كان من شيخه إلا أن يخاطبه بالقول : مرحبا بزائر لا يملّ .
يرى علماء النفس أن شعور الإنسان بالنقص أو أنه دون غيره ، من أعظم الدوافع إلـــــى العمل وبذل الجهد والتفوق ، إذ عندما يعجز الإنسان في بلوغ المنزلة التي يريدها ، نظرا لعيوبه الجسمانية كالعاهات أو ضعف النظر ، أو العيّ في اللسان ، فإنه يلجأ إلى سبل مختلفة من التعويض قد تؤدي به أحيانا إلـــــى التفوق والقيام بأعمال جليلة . ويضربون لذلك مثلا فيقولون : (( كان ديموستين في طفولته ثقيلَ اللسان ، في منطقه عيّ ، ولكنه شقّ عليه أن يكون دون غيره من رفاقه ، في طلاقة اللسان وفصاحة العبارة ، فلجأ إلى وضع الحصى في فمه والذهاب إلى شاطئ البحر يدرب نفسه على إجادة الخطابة وحسن المنطق ، بانتباهه إلى حركات لسانه وشفاهه وتنظيمها ، حتى تخرج المقاطع الصوتية هادئة متسلسلة متقنة . واستمر ديموستين جاهدا في تمارينه حتى أصبح من أعظم الخطباء )) ( ). و ما حصل لديموستين من عيٍّ في اللسان يشبه ما حصل لسيبويه تماما ، إذ تشير كتب التراجــــم والسيـــــر بوضوح إلى عاهته وعجمته ولحنه ، فـقـد ذكر الفـرّاء عجمته بقوله : (( فأتيته فإذا هو أعجم لا يــفــصح ، سمعته يقول لجارية له : هات ذيك الماء من ذاك الجرّة، فخرجت من عنده فلــم أعـــد إلـــيه )) ( ) . وصرّح حمّاد بن سلمة بلحنه في موضعين سبقت الإشارة إليهما ، ومن ثم تخلّيه عن تحصيل الحديث بقوله لــشيخه : ( لا جــرم ، لأطلبنّ علما لا تلحّنني فيه أبدا ) ، وقوله : ((لا أكتب شيئا حتى أحكم العربية )) . ويروي أبو بكر الزبيدي (379هـ) عن معاوية بن أبي بكر العليمي قوله )(عمرو بن عثمان قد رأيته ، وكان حدث السن ، كنت أسمع في ذلك العصر أنه أثبت من حمل عن الخليل بن أحمد . وقد سمعته يتكلم ويناظر في النحو وكانت في لسانه حبسه ، ونظرت في كتابه فعلمه أبلغ من لسانه )) ( ). هذه الحوادث تشير بوضوح إلى أن ما كابده سيبويه من شعور بالنقص إثْـرَ عاهته وعجمته ولحنه في تحصيل الحديث كان حافزا قويًّا دفعه للتعويض والتفوق والنبوغ .
ومن يطالع (الكتاب) يجد أن سيبويه(180هـ) قد سنّ فيه منهجا للنحويين من بعده أجراهـم عـلـيـــه يقتضي الاعتماد في تقييد أحكام اللغة وضبط ظواهرها على القرآن الكريم والشعر العـربـــــــي الفصيح وتنكّب ما سواهما بما في ذلك الحديث النبوي الشريف إلا في مواضع معدودة تضمـنـت أطرافا من بعض الأحاديث ساقها لتقرير حكم نحوي مستند إلى شاهد قبله ، واكتفى بإيرادهـــــا منسوبة إلى بعض العرب ، كأنه لم يكن مطمئنا إلى اتصال لفظها بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بسبـب تجـويـــز روايتها بالمعنى ، (( قال أبو الحسن الضائع في شرح الجمل : تجويز الرواية بالمعنى هو السبب عندي في ترك الأئمة كسيبويه وغيره الاستشهاد على إثبات اللغة بالحديث )) ( ). وقد اقتفى النحويون أثر سيبويه وعدّوا كتابه الـغـايـة فــــي الـتألــيــف والعمدة في الاتّباع ، فلم يجرؤ أحد منهم على مخالفته ، بل عدّوا الخروج عمّا رسمه سيبويه من منهج في (الكتاب) عيبًا ، فهذا أبو عثمان المازني(249هـ) يقول :(( إنّ مَنْ يُقدِم على تأليف كتاب كبير في النحو بعد كتاب سيبويه فليستحي)) ( ) .
سيبويه والاحتجاج بالحديث النبوي الشريف :
التزم سيبويه أسلوبا في عرض الحديث النبوي لا يضفي عليه صفة كونه حديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإنما بعدِّه كلاما لعامة الناس ، ومؤدى ذلك أنّ فاقد الشيء لا يعطيه ، كونه أخفق في تحصيله بنفسه ، فترتب على ذلك عدم اطمئنانه إلى انتهاء لفظه إلى النبي (صلى الله عليه وآله سلم) . يقول أبو هلال العسكري(244هـ) : (( الناس في صناعة الكلام على طبقات : منهم من إذا حاور وناظر أبلغ وأجاد ، وإذا كتب وأملى أخلّ وتخلّف . ومنهم من إذا أملى برَّز ، وإذا حاور أو كتب قصَّر . ومنهم من إذا كتب أحسن ، وإذا حاور وأملى أساء . ومنهم من يحسن في جميع هذه الحالات ، ومنهم من يسيء فيها كلِّها )) ( ). فهل كان سيبويه من طبقة (من إذا كتب أحسن ، وإذا حاور وأملى أساء) ؟ ، فكتابه (قرآن النحو) يشهد له بحسن الكتابة ، لكنّ قلّة عدد تلاميذه الذي لم يتجاوز الثلاثة (أبو الحسن الأخفش الأوسط ، ومحمد بن المستنير قطرب ، والناشئ ) تشير بوضوح إلى تعثره في الحوار والإملاء ، وربما كان لعجمته التي ذكرها الفراء ، والحبسة التي في لسانه التي ذ كرها العليمي أثرٌ في هذا التعثّر . وللتدليل على ما تقدم أعرض فيما يأتي مجموعة من الأحاديث التي تعرَّض سيبويه إلى جانب منها مرتَّبة بحسب ورودها في ( الكتاب ) :


1. في باب ( ما يكون فيه المصدر حينا لسعة الكلام والاختصار ) :
احتج سيبويه بطرف من الحديث الشريف الذي رواه الطبراني : ((جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني زوَّجْتُ ابنتي ، وإني أحبُّ أن تعينني بشيء ، قال : ما عندي شيء ، ولكن إذا كان غدا فأتني بقارورة... الحديث )) ( ). قال سيبويه (( وإن شئت قلت : إذا كان غدا فأتني ، وهي لغة تميم ، والمعنى أنه لقي رجلا فقال له: إذا كان ما نحن عليه من السلامة أو كان ما نحن عليه من البلاء في غد فأتني ، ولكنهم أضمروا استخفافا ، لكثرة كان في كلامهم ، لأنه الأصل لما مضى وما سيقع )) ( ). وفي موضع آخر من الباب نفسه احتج سيبويه بجانب من الحديث النبويّ الشريف الذي رواه الإمام مسلم عن سلمة بن الأكوع (رض) : (( عُدْنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا موعوكا ، قال : فوضعت يدي عليه ، فقلْتُ : والله ما رأيت كاليوم رجلا أشدَّ حرًّا ... الحديث )) ( ). قال سيبويه :(( وحذفوا كما قالوا : حينئذٍ الآن ، وإنما يريد: حينئذٍ واسمعْ إليَّ الآنَ ، فحذف "واسمع" ، كما قال : تاللهِ ما رأيتُ كاليوم رجلا ، أي: كرجلٍ أراه اليومَ رجلا )) ( ). يتضح ممّا تقدَّم أنّ سيبويه لم يمهد للحديث الذي احتج به بما يكشف صفته ،أو يفضي إلى معرفة قائله ، وهو أفصح من نطق بالضاد ، بل هو عنده من أقوال عامة العرب ، ولذلك نراه قد تصرَّف به بما ينسجم والمسألة التي عُني ببيانها ، وهذا التصرُّف بنصّ الحديث مؤدَّاهُ عدم إحاطة سيبويه بالحديث النبويّ الشريف بسبب تركه حلقة تحصيله في وقت مبكر،وبذلك فقد حُرِم من زاد كثير في ميداني التأصيل والاستدلال. ولستُ شاكّا في أنَّ سيبويه لو كان واثقا من أنّ ما احتج به من الأحاديث مرجعه إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لما توانى عن إعلان نسبته إليه توثيقا للقول وتأييدًا .

2. في باب ( ما يضمر فيه الفعل المستعمل إظهاره بعد حرف ) :
أورد سيبويه طرفا من الحديث النبوي الشريف : ((ما أسرَّ عبدٌ سريرةً إلا ألبسَهُ اللهُ رداءَها إن خيرًا فخيرٌ وإنْ شرًّا فشَرٌّ )) ( ) . قال سيبويه : (( وذلك قولك : " الناس مجزيون بأعمالهم إنْ خيرًا فخيرٌ وإنْ شرًّا فشرٌّ " )) ( ). وفي موضع آخر من الباب نفسه أورد سيبويه طرفا من حديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن الفتن الذي قال فيه: (( القاعد فيها خيرٌ من القائم ، والقائم فيها خيرٌ من الماشي ، والماشي فيها خيرٌ من الساعي . قال : فإن أدركْتَ ذاك فكن عبدَ اللهِ المقتول ، ولاتكن عبدَ الله القاتل )) ( ). قال سيبويه : (( واعلم أنه لا يجوز لك أن تقول : عبدَ اللهِ المقتولَ ، وأنت تريد : كن عبدَ اللهِ المقتولَ ، لأنه ليس فعلا يصل من شيء إلى شيء ، ولأنك لست تشير له إلى أحد )) ( ). يتضح مما تقدّم أنّ سيبويه قد احتجّ بالحديثين المذكورين آنفا على كثرة حذف (كان واسمها) وبقاء خبرها في كلام العرب ، إلا أنه لم يشر إلى ما يكشف صفتيهما ، أو يؤدي إلى تصور صدورهما عن قائل معروف ، بل هما عنده مما شاع في كلام العرب ، ولذلك نراه قد تصرّف فيهما على نحو تصرفه بكلام العرب ، وهو ما يؤكد ما ذهبنا إليه واستندنا فيه إلى مبادئ التحليل النفسي من أنّ فاقد الشيء لا يعطيه . على أنّ ابن مالك قد صرّح بنسبة الحديث الأول إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كتابه شواهد التوضيح والتصريح ( ).

3 . في باب ( ما ينتصب على إضمار الفعل المتروكِ إظهارُه من المصادر ) :
اشتمل كلام سيبويه في هذا الباب على حديث نبويّ شريف روي بصيغتي الرّفع والنصب هو قوله عليه الصلاة والسلام ((سُبُّوحٌ قدّوسٌ ربّ الملائكة والروح )) ، و((سُبُّوحًا قُدُّوسًا ربَّ الملائكة والروح )) ( ). قال سيبويه )) وأما سبُّوحا قدُّوسا ربَّ الملائكة والرّوح ، فليس بمنزلة سبحانَ اللهِ ؛ لأن السبّوحَ والقدّوسَ اسمٌ ، ولكنّه على قوله : أذكرُ سُبُّوحًا قُدُّوسًا . ... ومن العرب من يرفع فيقول : سبُّوحٌ قُدُّوسٌ ربَّ الملائكةِ والرّوح ،كما قال : أهلٌ ذاك وصادقٌ واللهِ . وكلُّ هذا على ما سمعنا العرب تتكلّم به رفعا ونصبا )) ( ). يتضح مما تقدم أنّ سيبويه قد أعرض عن التصريح بنسبة هذا الحديث إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عادًّا إيّاه مما نطقت به العرب ؛ لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يتكلّم إلا بما تتكلّم به العرب ، ولغته من أفصح اللغات إذ هو من قريش . ويبدو أنَّ سيبويه قد أعار اهتمامه نسبة الشواهد إلى القبائل لا إلى الأشخاص ؛ لأنّ الأفراد إنما يتكلمون بلغة قبائلهم ، وهو ما ذهبت إليه الدكتورة الفاضلة خديجة الحديثي ( ).

4. في باب ( ما يجيء من المصادر مُثنًّى منتصِبا على إضمار الفعل المتروك إظهارُه ) :
أورد سيبويه طرفا من الحديث الشريف الذي رواه البخاريّ في كتاب الاستئذان باب من أجاب بلبَّيك وسعديك ، عن معاذ بن جبل (رض) قال : ((أنا رديف النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فقال : "يا معاذُ ". قلت : لبَّيْكَ وسعدَيْكَ ، ثمّ قال مثله ثلاثًا : "هل تدري ما حقّ الله على العباد؟ "قلت : لا .قال :" حقّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا"))( ). قال سيبويه : (( ومثل ذلك : لبَّيْكَ و سَعدَيْكَ ...كأنَّه أراد بقوله لبَّيك وسَعدَيك : إجابةً بعدَ إجابةٍ ، كأنَّه قال : كلَّما أجبتُك في أمرٍ فأنا في الأمر الآخَر مجيبٌ ، وكأنَّ هذه التثنية أشدُّ توكيدًا )) ( ) . يتضح جليّا عزوف سيبويه عن نسبة هذا الحديث إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وتصرّفه فيه على الرغم من أنّ قصر هذا الحديث يبعث على الاطمئنان إلى صحته وسلامة روايته ، وفي هذا السياق قال السيوطي )):أمّا كلامه صلى الله عليه وسلّم فيُستدلُّ منه بما ثبت أنه قاله على اللفظ المروي وذلك نادر جدّا ، إنما يوجد في الأحاديث القصارعلى قلّة أيضا)) ( ).

5. في باب ( ما يكون المصدرُ فيه توكيدًا لنفسه نصبًا ) :
انتظم كلام سيبويه جانبا من الحديث الشريف الذي رواه الطبراني عن أبي جحيفة (رض) قال : (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد ، فسمع قائلا يقول : الله أكبر ، ألله أكبر . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : الله أكبر دعوةَ الحقِّ )) ( ). قال سيبويه : (( ومن ذلك : الله أكبرُ دعوةَ الحقِّ ... لأنه قد عُلِم أنَّ قولك : اللهُ أكبرُ ، دعاءُ الحقِّ ولكنه توكيدٌ ، كأنه قال : دعاء حقًّا )) ( ) . أظنُّ أنَّ سيبويه قد فاته زادٌ كثير بسبب تخلّفه عن تحصيل الحديث النبويّ الشريف إبان تلمذته لإمام المحدِّثين في البصرة ، ومن ثمَّ أراه يورد الحديث غير معزوٍّ إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، كأنّه لم يكن مطمئنًّا إلى نسبة لفظه إليه والله تعالى أعلم .

6. في باب ( ما ينتصب من الأسماء التي ليست بصفة ولا مصادر َ لأنه حالٌ يقع فيه الأمرُ فينتصب ُ لأنّه مفعولٌ به ) :
ذكر سيبويه جانبا من الحديث الشريف الذي رواه الإمام البخاري في مناقب الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود (رض) الذي سئل عن قراءة قوله تعالى ((والَّيلِ إذا يغشى)) فقال : (( أقرَأَنِيها النبيُّ صلى الله عليه وسلم فاهُ إلى فِيَّ )) ( ). قال سيبويه :((وذلك قولك: كلّمتُه فاهُ إلى فِيَّ ،وبايعتُه يدًا بيَدٍ، كأنَّه قال:كلّمتُه مشافهةً ،وبايعتُه نَقْدًا ،أي كلَّمتُه في هذه الحال )) ( ). وقد ورد في كلام سيبويه المذكور آنفا طرف من حديث شريف تردد كثيرًا في كتب الحديث ، هو قوله (بايعتُهُ يدًا بيدٍ ) بمعنى : بايعتُه نقْدًا ، من ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم :((الذهَبُ بالذهَبِ ، والفِضَّة بالفِضَّةِ ، والبُرُّ بالبُرِّ ،والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمْرُ بالتَّمْرِ، والمِلْحُ بالمِلْحِ ، مِثْلا بِمِثْلٍ ، سَواءً بسَواءٍ ، يَدًا بِيَدٍ )) ( ). يتضح فيما تقدَّم أن سيبويه قد اجتزأ بطرفي الحديثين وتصرّف فيهما من غير أن يضفيَ عليهما صفة كونهما من أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم . ويرجع السبب في عزوفه عن نسبته إليه – فيما يبدو لي – إلى أنّ سيبويه لم يكن واثقا من انتهاء لفظه إلى النبيّ ( صلى الله عليه وسلم ) بسبب عدم تحصيله للحديث بنفسه ، وتورعه من الوقوع في المحذور .

7. في باب ( ما يكون من الأسماء صفة مفردًا ) :
انتظم كلام سيبويه حديث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)الذي يقول فيه : (( ما مِنْ أيَّام أحبَّ إلى الله عزّ وجلّ فيها الصَومُ منه في عَشْرِ ذي الحجّة )) ( ). استدلّ سيبويه بهذا الحديث على جواز رفع أفعل التفضيل للفاعل الظاهر من غير الإشارة إلى كونه حديثا نبويًّا ، فقال : (( ومثل ذلك : ما مِنْ أيَّام أحبَّ إلى الله عزّ وجلّ فيها الصَومُ منه في عَشْرِ ذي الحجّة )) ( ). يتضح من نصّ سيبويه المذكور آنفا أنه اتخذ الحديث الشريف دليلا من أدلة السماع لتأصيل قاعدة نحوية تجيز رفع أفعل التفضيل للفاعل الظاهر ، غير أنه لم يدعم شاهده هذا بعزوه إلى أفصح من نطق بالضاد .

8. في باب (ما جرى من الأسماء التي من الأفعال وما أشبهها من الصفات مجرى الفعل إذا أظهرْت َ بعده الأسماء أو أضمرتها ) :
ضمّن سيبويه كلامه جانبًا من الحديث القدسي الشريف الذي رواه الإمام مسلم في كتاب الإيمان ، باب بيان كفر من قال : مُطِرنا بالنَّوْء :(( أصبح من عبادي مؤمن ٌ بي وكافرٌ، فأمّا مَنْ قال : مُطِرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمنٌ بي ، كافرٌ بالكوكب . وأمّا من قال : مُطِرنا بِنَوءِ كذا وكذا ، فذلك كافرٌ بي ، مؤمنٌ بالكوكب )) ( ). قال سيبويه : ((وكذلك " في فلك يسبحون " لأنَّها جُعِلَت – في طاعتها وفي أنّه لا ينبغي لأحدٍ أن يقولَ: (مطرنا بنَوْءِ كذا ، ولا ينبغي لأحدٍ أن يعبدَ شيئا منها - بمنزلة مَنْ يعقل من المخلوقين ويبصرُ الأمور)) ( ). يتضح مما تقدّم أن سيبويه قد استند إلى السماع في تبيين دلالة النوء وأعرض عن نسبة الحديث الشريف الذي احتج به إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم ) .

9. في باب ( ما جرى على موضع المنفيّ لا على الحرف الذي عمل في المنفيّ ) :
جوّز سيبويه في الاسم المعطوف على الجملة المنفية بـ ( لا النافية للجنس ) الرفع على موضع لا واسمها ، والنصب حملا على اللفظ ، واحتـج عـلى صحة رأيـه
بطرف من الحديث الشريف الذي رواه الإمام البخاريّ في كتاب الدعوات : (( ألا أدلّك على كلمةٍ هي كنزٌ من كنوزِ الجنّةِ ؟ لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله )) ( ). على أنّ سيبويه نسب هذا الحديث إلى بعض العرب فقال : (( ومن ذلك أيضا قول العرب : لامالَ له قليلٌ ولا كثيرٌ ، رفعوه على الموضع . ومثل ذلك أيضا قول العرب : لا مثلَهُ أحدٌ ، ولا كزيد أحدٌ . وإن شئت حملت الكلام على "لا" فنصبت. وتقول : لا مثلَه رجلٌ، إذا حملته على الموضع ، كما قال بعض العرب : لا حولَ ولا قوةٌ إلا بالله، وإن شئت حملته على "لا" فنوَّنته ونصبته )) ( ). يتضح جليّا استناد سيبويه إلى السماع واتخاذ الحديث الشريف أصلا من أصوله في تجويز العطف بالرفع على موضع لا واسمها ، والنصب حملا على اللفظ ، من غير عزو الحديث إلى قائله .

10. في باب ( ما يكون فيه هو وأنت وأنا ونحن وأخواتهن فَصْلا ) :
في كلامه على ضمائر الفصل أورد سيبويه طرفًا من الحديث النبوي الشريف الذي رواه البخاريّ في كتاب الجنائز : (( ما مِنْ مولودٍ إلا يُولدُ على الفِطرةِ ، فأبَوَاه يُهَوِّدانِهِ ، أو يُنَصِّرانِهِ ، أو يُمَجِّـسانِهِ ، كما تُنتجُ البهيمة ُ بهيمةً جمعاءَ ، هل تُحِسُّونَ فيها مِنْ جَدْعَاءَ )) ( ). نسب سيبويه هذا الحديث إلى كثير من العرب فقال : (( وأما قولهم "كلّ مولود يولد على الفطرة ، حتى يكون أبواه هما اللذان يهوِّدانه وينصِّرانه " ، ففيه ثلاثة أوجهٍ : فالرفع وجهان والنصب وجه واحدٌ )) ( ). يتضح مما تقدم أنّ سيبويه لم يكن قاصدًا الحديث الشريف بدليل تصرّفه به بزيادة (هما اللذان) ، وعنده أنّ هذا القول مما تكلم به العرب ؛ لكن اللافت للنظر أنّ شيخه الخليل بن أحمد الفراهيديّ قد احتج بهذا الحديث في كتابه (العين) ( ). ونسبه إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، والخليل حجة على سيبويه إذ كان من علماء الحديث أيضا ، روى ابن فارس (395هـ) عن النضْر بن شميل قوله :(( ما رأيت أعلم بالسنة بعد ابن عون من الخليل بن أحمد)) ( ). ومن ثمّ زالت مسوغات عدم الاطمئنان إلى صحة الحديث ، فما الذي دعا سيبويه إلى التصرّف بالحديث والعزوف عن نسبته إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ؟! إنه مبدأ التعويض ، إذ أراد سيبويه أن يعوض ما تعثّر في تحصيله من علم الحديث ، فعدَّ الحديث من كلام العرب ليتصرّف به لخدمة المقام الذي هو بصدده ، وهو هنا يتكلم على ضمير الفصل ، ليعطي رأيه قوة ورصانة باحتكامه إلى لغة العرب ، وليبرهن على نبوغه وعلو شأنه في علم العربية .

11 . في باب ( تسمية المذكر بالمؤنث ) :
أورد سيبويه طرفا من الحديث الشريف الذي رواه الإمام البخاريّ في كتاب الجهاد والسير : (( إنّه لا يدخلُ الجنّةَ إلا نفسٌ مسلمةٌ ، وإنّ اللهَ لَيُؤيِّدُ هذا الدينَ بالرَّجُلِ الفاجرِ )) ( ) . قال سيبويه : (( ومما جاء مؤنثا صفة تقع للمذكر والمؤنث : هذا غلامٌ يفَعَةٌ ، وجاريةٌ يفَعَةٌ ، وهذا رجلٌ ربْعَةٌ ، وامرأةٌ ربْعةٌ . فأما ما جاء من المؤنث لا يقع إلا لمذكر وصفا ، فكأنّه في الأصل صفةٌ لسلعةٍ أو نفسٍ، كما قال : " لا يدخل الجنّةَ إلا نفسٌ مؤمنةٌ " )) ( ). يتضح مما تقدّم أنّ سيبويه قد اعتدَّ بالحديث الشريف واتخذه أصلا من أصول السماع في تجويز تسمية المذكر بالمؤنث ، فاستهلّه بما ينبئ أنّه لقائل محدد يعرفه ، إلا أنّه أعرض عن الإفصاح عنه ، على حين أنَّ قِصَرَ الحديث وكثرة دورانه في كتب الحديث بصورته هذه يبعث على الاطمئنان إلى سلامة روايته ، ومن ثم التصريح بنسبته إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم لتقوية الاحتجاج به في توثيق القول .

12 . في باب ( تسميتك الحروف بالظروف وغيرها من الأسماء ) :
انتظم كلام سيبويه طرفا من الحديث الشريف الذي رواه الإمام البخاريّ في كتـاب الزكاة : (( إنَّ الله كرِهَ لكم ثلاثا : قيلَ وقالَ ، وإضاعةَ المالِ ، وكثرةَ السؤالِ )) ( ). وفي رواية القضاعي : (( إنّ الله ينهاكم عن قيلَ وقالَ )) ( ). قال سيبويه )): وأما ثَمَّ وأينَ وحيثُ ونحوهنَّ إذا صُيِّرن اسما لرجل أو امرأة أو حرفٍ أو كلمةٍ ، فلا بدَّ لهنَّ من أن يتغيَّرن عن حالهنَّ ويصرن بمنزلة زيد وعمرو ، لأنك وضعتهنّ بذلك الموضع ، كما تغيَّرت ليت وإنَّ . فإن أردت حكاية هذه الحروف تركتها على حالها كما قال : " إنَّ الله ينهاكم عن قيلَ وقالَ ". ومنهم من يقول : عن قيلٍ وقالٍ ، لمّا جعله اسما )) ( ). يتضح مما تقدّم أنّ سيبويه قد أورد الحديث مستهلا بما يستشف منه أنّه لقائل محدد إلا أنّه أعرض عن التصريح باسمه ، ومردّ ذلك - فيما يبدو لي – أنّ هذا الحديث من الأحاديث القصار التي شاع ذكرها على ألسنة العرب ، فتناقلوه وتصرّفوا به كتصرّفهم بأقوالهم ، فهو عند سيبويه قول لأحد العرب ، ولا أشكّ في أنّه لو كان عالما علم اليقين أنّه حديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بلفظه ما تردد لحظة في عزوه إليه ، وهو ما يفضي إلى القول بأنّ فاقد الشيء لا يعطيه .

13 . في باب ( ما أسكن من هذا الباب الذي ذكرنا وتُرك أول الحرف على أصله لو حُرِّك ) :
أورد سيبويه طرفا من الحديث النبوي الشريف الذي رواه الإمام أحمد : (( مَنْ توضَّأَ يومَ الجُمُعَةِ فبها ونِعْمَتْ )) ( ). قال سيبويه : (( ومثل ذلك : نِعْمَ و بِئْسَ ، إنَّما هما فَعِلَ وهو أصلُهما . ومثل ذلك : " فَبِهَا ونِعْـمَتْ " ، إنَّما أصلها : فبها ونَعِـمَتْ . وبلغنا أنَّ بعض العرب يقول : نَعْمَ الرّجُل )) ( ). يتضح مما تقدّم أنّ سيبويه قد اعتدَّ بالحديث الشريف واتخذه دليلا من أدلة الاحتجاج ، ولكنه أعرض عن نسبة ما تمثَّل به من الحديث الشريف إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم ) ، على الرغم من قصره و كثرة دورانه على ألسنة المسلمين كونه يتصل بجانب العبادات . وعزوف سيبويه عن التصريح بنسبة الحديث إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم ) يرجع من وجهة نظرنا إلى عدم اطمئنانه إلى اتّصال لفظ الحديث بالنبيّ عليه الصلاة والسلام بسبب تركه حلقة تحصيل الحديث في وقت مبكِّر من قدومه إلى البصرة ، فحُرِم من زاد كثير، إذ إنّ لغة الحديث الشريف تنماز بخصائص معينة ، فنصوص الحديث متقدمة في الفصاحة خالية من الضرورة على الرغم مما فيها من اختلاف في الرواية ، على عكس نصوص الشعر التي لا تخلو من الضرورة الشعرية ومع ذلك اتخذها النحويون أصلا من أصول التقعيد النحوي .
والحق أنَّ سيبويه قد رسم منهجا التزمه النحويون من بعده تمثَّل بإعراضه عن نسبة ما احتجّ به من الأحاديث إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم . وهو بهذا المنهج يكون أول من جرّأ النحويين على العزوف عن الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف ، وبهذا لم يـنـــــــل الحـديـث النبوي الشريف نصيبه في أن يأخــذ موضعــــه في الاحتجاج به على القضايا النحوية إلى جانب الـقـــرآن والشعـر عند النحويين القدماء على الرغم من أنّ لغة الحديث النبوي سواء أبلفظ النبي كانت أم بلفظ راويها تمثل لغة العصر في القرنين الثاني والثالث الهجريين ، إذ إنّ جانبـا كبيرا مــــن تـلـك الأحاديث رواه متقدمون من أمثال حماد بن سلمة (167هـ) ومالك بن أنس(172هـ) وأحمد بن حنبل (241هـ) والبخاري (256هـ) ومسلم (261هـ) ، ومن ثـم يمثل العزوف عن الاحتجاج بها خرما في توثيق كلام العرب . واستمر تنكّب النحويين الاحتجاج بالحديث النبوي حتى نهاية القرن السادس الهجري وما تلاه ، إذ انصرف إليه بعض النحويين يدرسونه ويتأملون ما فيه من مشكل لتوجيهه نحويا كالسهيلي (581هـ) في كتابه نتائج الفكر، والعكبري ( 616هـ) في كتابه إعراب الحديث النبوي ، وابن مالك الأندلسي(672هـ) في كتابه شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح .


الخاتمة :
خلص البحث إلى جملة أسباب كانت وراء عزوف سيبويه عن التصريح بنسبة ما احتج به من الأحاديث الشريفة إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم . منها :
1. إنّ مغادرة سيبويه حلقة إمام المحدِّثين في البصرة (حماد بن سلمة ) في وقت مبكر بسبب حادثة لحنه حرمته من زاد كثير من علم الحديث غاب عنه عند التمثيل على المسائل اللغوية والنحوية .
2. ترتّب على تخلّفه في تحصيل الحديث الشريف عدم اطمئنانه إلى اتصال لفظه بالنبيّ . وتجويز روايته بالمعنى أداه إلى خلط ما احتج به منه بأقوال العرب بعيدا عن إعطائه خصوصية كونه حديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، لذا نجده ينسب الحديث الشريف إلى قائل من العرب ، أو كثير من العرب كما مثلنا له في متن البحث .
3. اعتورت شخصية سيبويه جملة أمور جعلته يشعر بالنقص أو أنه دون غيره منها عجمته التي أشار إليها الفراء ، والحبسة التي في لسانه التي أشار إليها العليمي ، وحادثة طرده من حلقة الحديث بسبب لحنه فيه ، كان لها الأثر المباشر في دفعه لبذل الجهد والتفوق في تحصيل علم العربية والبراعة في التأليف فيه ، وهو ما يؤكده علماء التحليل النفسي من أنَّ الإنسان إذا ما عجز عن إثبات ذاته واكتساب النفوذ الاجتماعي ، فإنه يلجأ إلى سبل مختلفة من التعويض قد تؤدي به إلى التفوق والقيام بأعمال جليلة .
4. إنّ سيبويه قد رسم منهجا في تقييد أحكام اللغة وضبط ظواهرها على ما جاء في القرآن الكريم والشعر العربي وتنكّب الاحتجاج بالحديث النبويّ الشريف إلا في مواضع محدودة انتظمها الكتاب ساق فيها بعض الأحاديث تأييدا لحكم نحوي ، أو تعضيدا لشاهد مؤيد لوجه من الوجوه ، وبهذا المنهج يكون سيبويه أول من جرّأ النحويين على العزوف عن الاحتجاج بالحديث النبويّ الشريف والتصريح بنسبته إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم . وقد سار في ركابه العلماء الخالفون له الذين عدّوا كتابه الغاية في التأليف والعمدة في الاتباع .


  • وصف الــ Tags لهذا الموضوع
  • عزوف ، أدلة النحو ، سيبويه ، الحديث النبوي ، الاستدلال

هذه الفقرة تنقلك الى صفحات ذات علاقة بالمقالات الاكاديمية ومنها الاوراق البحثية المقدمة من قبل اساتذة جامعة بابل وكذلك مجموعة المجلات العلمية والانسانية في الجامعة وعدد من المدنات المرفوعة من قبل مشرف موقع الكلية وهي كالاتي:

قسم المعلومات

يمكنكم التواصل مع قسم معلومات الكلية في حالة تقديم اي شكاوى من خلال الكتابة الينا,يتوجب عليك اختيار نوع الرسالة التي تود ان ترسلها لادارة الموقع :