انت هنا الان: الرئيسية » القسم الاكاديمي
المقالات الاكاديمية والبحثية
تصفح هذه الورقة الالكترونية بتقنية Media To Flash Paper


أثر معاني القرآن وإعرابه للزّجّاج في الكشَّاف للزَّمخشريّ
دراسة صوتية
انماز الأثر الصوتي لمعاني القرآن وإعرابه للزّجّاج في الكشَّاف للزَّمخشريّ في دراسة الظاهرة الصوتية بفرعيها الرئيسين : الفوناتيك والفونولوجيا، ونعني بالأول دراسة الصوت اللغوي المفرد بعيدا عن البنية وهو ما يسمى بعلم الأصوات العام ونعني بالثاني دراسة الصوت اللغوي داخل البنية ، أي دراسة التشكيل الصوتي دون أن يتأثر أو يتغير المعنى . وكان من ابرز تلك الآثار الصوتية الهمز والتسهيل والإبدال والإعلال والإدغام والوقف والوصل والإتباع . ويمكننا أن نلمس ذلك بوضوح من الأمثلة الآتية :
1- الهمز والتسهيل :
الهمزة صوت أساسي في كثير من لغات العالم ، وفي اللغة العربية لها أثر بالغ في نطق البدو والحضر ، ممّا دفع بعلماء العربية إلى دراسة مخرجها وصفاتها وأحوالها التي تنطق بها( ) . وهي باتفاق العلماء القدماء والمحدثين من أشد الأصوات الصامتة في العربية ، قال سيبويه فيما روى الزَّجَّاج عنه في وصف التغيرات التي تطرأ على الهمزة للتخلص منها حَذفاً أو تسهيلاً : (( وإنما فُعِل بالهمزة ذلك دون سائر الحروف لأنها بَعُدَ مخرجها ولأنها نبرة في الصدر . وهي أبعد الحروف مخرجا )) ( ) . وفي ذلك دليل على وصفها بالشدَّة ، ومن ثم فإن عملية النطق بها وهي محققة من أشق العمليات الصوتية لأنَّ مخرجها فتحة المزمار التي تنطبق عند النطق بها ثم تفتح فجأة ، فتسمع ذلك الصوت الانفجاري الذي نسميه الهمزة المحققة ( ).
وتتركز أحْوال الهمزة التي ائتثرها الزَّمخشريّ عن الزَّجَّاج في تحقيق الهمزة وتخفيفها وتسهيلها بين بين . وفيما يأتي بيان ذلك :
أ- في قوله تعالى ( بسم الله الرحمن الرحيم ) .
يرى الزَّجَّاج أن سقوط الألف من ( باسم الله ) في اللفظ مردّه أن هذه الألف ألف وصل دخلت ليُتوصَّل بها إلى النطق بالساكن . واجتمع فيها مع أنها تسقط في اللفظ كثرة الاستعمال. فقال : ((وسقطت الألف من (باسم الله) في اللفظ وكان الأصل : (( باسم الله)) لأنها ألف وصل دخلت ليتوصَّّل بها إلى النطق بالساكن . والدليل على ذلك أنك إذا صغرت (الاسم) قلت : سُمَيُّ والعرب تقول : هذا اسم ، وهذا اسْمٌ وهذا سِمٌ ، قال الراجز( ) :
باسمِ الذي في كلِّ سورةٍ سِمُهُ .
وسُمه أيضاً، روى ذلك أبو زيد الأنصاري وغيرُه من النحويين ، ... وسقطت الألف في الكتاب من (( بسم الله الرحمن الرحيم )) ولم تسقط في ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) (العلق /1) لأنه اجتمع فيها مع أنها تسقط في اللفظ كثرةُ الاستعمال )) ( ) .

وائتثر الزَّمخشريّ أبا إسحاق الزَّجَّاج في تعليل هذه الظاهرة في آية البسملة فقال : (( وأما الباء فلكونها لازمة للحرفية والجر ، والاسم احد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون ، فإذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة ، لئلا يقع ابتداؤهم بالساكن إذا كان دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرك ويقفوا على الساكن ، لسلامة لغتهم من كل لكنة وبشاعة ، ولوضعها على غاية من الإحكام والرصانة ، وإذا وقعت في الدرج لم تفتقر إلى زيادة شيء . ومنهم مَنْ لم يزدها واستغنى عنها بتحريك الساكن ، فقال : سِم وسُم . قال :
باِسْمِ الذي في كلِّ سُورةٍ سِمُه
وهو من الأسماء المحذوفة الأعجاز : كـ (يد) و (دم) ، وأصله : سمو ، بدليل تصريفه : كـ ( أسماء ، و سمي ، و سميت ) . واشتقاقه من السمو ... فإن قلْتَ : فلِمَ حذفت الألف في الخط وأثبتت في قوله : (( باسم ربك )) قُلْتُ: قد اتبعوا في حذفها حكم الدرج دون الابتداء الذي عليه وضع الخط لكثرة الاستعمال )) ( ) .وبالموازنة بين النصين السابقين يتبين لنا واضحا مدى انتفاع الزَّمخشريّ بآراء الزَّجَّاج الصوتية في تسويغ حذف الألف من (باسم الله) لاجتماع سقوطها في الدرج وكثرة الاستعمال . فضلا عن اجتماع الزَّمخشريّ لهذه الظاهرة الصوتية بما احتج به الزَّجَّاج من الرجز وهو رجز رؤبة المذكور آنفا .
ب- في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُون َ) ( سورةالبقرة/6)
أورد الزَّجَّاج أحوال الهمزة في قوله تعالى ( أ أنذرتهم ) التي أثبتها العلماء واتخذ لنفسه رأيا فقال :
(( فأمّا ((أ أنذرتهم)) فزعم سيبويه( )أنّ من العرب من يحقق الهمزة ، و لا يجمع بين الهمزتين وإنْ كانتا من كلمتين ، فأما أهل الحجاز فلا يحققون واحدة منهما ، وأما بعض القراء – ابن أبي إسحاق وغيره – فيجمعون فيهما، فيقرؤون ( أَ أَنذرتهم ) ، وكثير من القراء يخفف إحداهما، وزعم سيبويه( ) أنّ الخليل كان يرى تخفيف الثانية ، فيقول : ( أ انْذرتُهم) فيجعل الثانية بينَ الهمزة والألف ، و لا يجعلها ألفا خالصة ، ومَنْ جعلها ألفا خالصة فقد أخطأ من جهتين : إحداهما أنه جمع بين ساكنين . والأخرى أنه أبدَل من همزة متحركة قبلها حركة ألِفاً ، والحركة الفتح ، وإنما حقُّ الهمزة إذا حركت وانفتح ما قبلها : أن تُجعلَ بَيْنَ بَيْنَ ، أعني بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركتها ، فتقول في سأل : سال وفي رؤوف : رووف ، وفي بئس : بيس ( بَيْنَ بَيْنَ) وهذا في الحكم واحد وإنما تُحْكِمُهَ المشافهة ... قال أبو إسحاق : الهمزة التي للاستفهام ألف مبتدأة : و لا يمكن تخفيف الهمزة المبتدأة ولكن إنْ أُلْقِيَ همزة ألف الاستفهام على سكون الميم من (عليهم) ، فقلت : ((عَلَيهمَ أنْذرتهم)) جاز ، ولكن لم يقرأ به أحدٌ ... فأما مَنْ خفّف الهمزة الأولى قوله : (( أَ أَنذرتهم )) فإنه طرحها ألبتة ، وألقى حركتها على الميم ، و لا أعلم أحدا قرأ بها ، والواجب على لغة أهل الحجاز أن يكون (( عليهمَ أَنذرتهم )) فيفتح الميم،ويجعل الهمزة الثانية بَيْنَ بَيْنَ،وعلى هذا مذهب جميع أهل الحجاز)) ( ).
وانتفع الزَّمخشريّ بما فصله الزَّجَّاج من أحوال الهمزة في قوله تعالى ( أ أنذرتهم ) فقال : (( وقرئ ((أ أنذرتهم )) بتحقيق الهمزتين ، والتخفيف أعرب وأكثر ، وبتخفيف الثانية بَيْنَ بَيْنَ ، وبتوسيط ألف بينهما محققتين ، وبتوسيطها والثانية بَيْنَ بَيْنَ ، وبحذف حرف الاستفهام ، وبحذفه وإلقاء حركته على الساكن قبله ، كما قرئ ( قد أفلح) . فإن قُلْتَ : ما تقول فيمن يقلب الثانية ألِفاً ؟ قلْت : هو لاحن خارج عن كلام العرب خروجين : أحدهما الإقدام على جمع الساكنين على غير حده – وحدّه أن يكون الأول حرف لين والثاني حرفا مدغما نحو قوله : (الضَّالِّينَ) ، وخُوَيِّصه .والثاني إخطاء طريق التخفيف : لأن طريق تخفيف الهمزة المتحركة المفتوح ما قبلها أن تخرج بَيْنَ بَيْنَ ، فأما القلب ألفاً فهو تخفيف الهمزة الساكنة المفتوح ما قبلها كهمزة رأس )) ( ) . وبإنعام النظر في النصين السابقين نجد أنّ إفادة الزَّمخشريّ من الزَّجَّاج كانت كبيرة وواضحة
ت-في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (البيِّنة/7).
ذهب الزَّجَّاج إلى أنَّ الأصل في ((البريّة)) هو (البريئة) بالهمز إلا ان الهمزة خففت لكثرة الاستعمال ، فقال : (( القراءة بترك الهمزة ، وقد قرأ نافع ((البريئة)) ( ) بالهمز ، والقرّاء غيرُهُ مجمعون على ترك الهمز ، كما أجمعوا في النبيّ ، والأصل : البريئة ، إلا أنّ الهمزة خففت لكثرة الاستعمال ... واشتقاقه من برأ الله الخلق )) ( ) .
واقتفى الزَّمخشريّ أثر الزَّجَّاج فيما ذهب اليه من تعليل تخفيف الهمز في (البرية) ، فقال : (( قرأ نافع : ( البريئة) بالهمز والقرّاء على التخفيف . والنبيّ ، والبريّة : مما استمرَّ الاستعمال على تخفيفه ورفض الأصل )) ( ) . يتضح جليا مدى انتفاع الزَّمخشريّ بآراء الزَّجَّاج في هذه المسألة إذ نقل عنه بالمعنى والحرف ويدلك هذا على أنّ أبا القاسم الزَّمخشريّ لابد أنّه قد وضع بين يديه معاني القرآن وإعرابه للزّجّاج عند تأليفه (الكشاف) .
ث- في قوله تعالى (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ) (الماعون/1) .
يرى الزَّجَّاج أنّ المسوغ لقراءة من قرأ (أريت) بحذف الهمزة من (رأى ) هو وقوع ألف الاستفهام في أول الكلام غير أنّه اختار إثباتها (أرأيت) فقال : (( وقرئت ((أريْتَ))( )والاختيار (أرأيت) بإثبات الهمزة الثانية لأن الهمزة إنما طرحت للمستقبل في ترى ويرى وأرى ، والأصل : ترأى ويرأى فأما رأيت فليس يصح عن العرب فيها (ريتُ) ، ولكن ألف الاستفهام لمّا كانت في أول الكلام سهّلت إلقاء الهمزة ، والاختيار إثباتها )) ( ) .
وائتثر الزَّمخشريّ أبا إسحاق الزَّجَّاج فيما ذهب إليه من تعليل لهذه الظاهرة الصوتية فقال في توجيه الآية نفسها : (( قرئ : ( أرَيتَ) ، بحذف (الهمزة ، وليس بالاختيار ، لأنّ حذفها مختص بالمضارع ، ولم يصح عن العرب : ريت ، ولكنه الذي سهَّل من أمرها وقوع حرف الاستفهام في أول الكلام )) ( ) .
وبالموازنة بين النصين السابقين يتضح بشكل جليّ مدى توافقهما وذلك دليل واضح على تأثر الزَّمخشريّ بآراء الزَّجَّاج في هذه المسألة .

2- الإبدال :
وهو (( إيراد صوت بدلاً من صوت آخر في الكلمة الواحدة )) ( ).ويغلب حدوثه بين الأصوات المتقاربة في المخرج ( ) وقد وقع الإبدال لدى الزَّجَّاج بين الأصوات التي لها مخرج واحد والأصوات المتقاربة في المخارج أيضا . وفيما يأتي تبيين لأثر الزَّجَّاج في هذه الظاهرة الصوتية لدى الزَّمخشريّ في كتابه الكشَّاف:
أ-في قوله تعالى (الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ ) (الحشر /23).
يرى الزَّجَّاج أنَّ الأصل في (مهيمن) هو : مؤيمن ، إذ أبدلت الهاء من الهمزة واستحسن هذا الإبدال لأنه على مذهب العربية ، فضلا عن التوافق المعنوي بين اللفظين . فقال : (((المؤمن المهيمن) هو : مؤيمن: إذ أبدلت الهاء من الهمزة كما قالوا : هرقت الماء ،وأرقت الماء وكما قالوا : أياك وهيّاك )) ( ) . واستحسن الزَّجَّاج هذا الإبدال ووافقه لأنه على مذهب العربية ، ولكونه موافقا لبعض ما جاء في التفسير لأن معناه مؤيمن( ) .
واقتفى الزَّمخشريّ أثر الزَّجَّاج في عدّ (الهاء) منقلبة عن الألف فقال : (( (والمهيمن) الرقيب على كل شيء ، الحافظ له مفيعل من الأمن : الا أنّ همزته قلبت هاءً )) ( ). على أنّ الذي سوغ الإبدال بين هذين الصوتين ، كونهما من مخرج واحد إلا أنه اختلف في تسمية مخرجهما ، فهما من أقصى الحلق لدى القدماء ( ) ،وحنجريان لدى المحدثين ( ) .

3- الإعلال :
هو التغيّر الذي يُصيب المصوِّتات الطويلة أو ما يسمى بحروف الليِّن وهي : الواو والياء المديَّتين والألف ، إبدالا أو حذفا أو إسكانا وسمي بذلك لأنه اختصّ بحروف العلّة فقط ( ).
ويتجلى تأثر الزَّمخشريّ بالزَّجَّاج في هذه الظاهرة الصوتية في المواضع الآتية :
أ-في قوله تعالى : (وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ) (يوسف/ 84) .
يرى الزَّجَّاج أنّ الياء في ( يا أسفي) قد تبدل ألفا وذلك لخفة الألف في النطق فقال : ((معناه يا حزناه ، والأصل : يا أسفي ، إلا أنّ (ياء) الإضافة يجوز أنْ تبدل الفاً لخفة الألف والفتحة ))( ) .
واقتفى الزَّمخشريّ أثر الزَّجَّاج في تفسير هذه الظاهرة الصوتية إذ قال : (( أضاف الأسف هو أشد الحزن والحسرة إلى نفسه والألف بدل من ياء الإضافة )) ( ) .
يرى الباحث أن اشتراك الياء المديّة والألف بالجهر والرخاوة وسعة المخرج ( ) ،قد سوغ إبدال أحدهما من الآخر .
ب-في قوله تعالى (وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ) (النحل /91) .
يرى الزَّجَّاج أنْ في الفعل (وَكَّد) لغتين جيدتين ، هما (وكَّدَ) وهي الأصل و (أكَّد) والهمزة بدل من الواو فقال: (( يقال : وكدْتُ الأمر ، و أكدْتُ الأمر . لغتان جيدتان . والأصل الواو ، والهمزة بدل منها )) ( ) .
واقتفى الزَّمخشريّ أثر الزَّجَّاج فقال في توجيه الآية نفسها : (( وأكَّد ووكًَّد : لغتان فصيحتان ، والأصل الواو ، والهمزة بدل )) ( ) .
لا شك أنّ التأثر واضح ، ممّا يدلّ على اعتماد الزَّمخشريّ في تأليف كتابه معاني القرآن وإعرابه للزّجّاج بشكل كبير.
ت-في قوله تعالى (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا ) (المؤمنون /44)
يرى الزَّجَّاج أن مَنْ قرأ ((تترًى)) بالتنوين قد أبدل التاء من الواو والأصل فيها (وتراً) واحتج لرأيه ,فقال : (( ويقرأ (( تترًى)) ( ) من قرأ بالتنوين فمعناه وَتْراً فأبدل التاء من الواو كما قالوا تولج وهو من وَلِجَ ، وأصله وولج . وكما قال الشاعر :
فإنْ يكن أمسى البِكى تيقُوري ( )
أي : ويقوري ، وهو فيعـول مـن الوقـار ، كما قالـوا : تجـاه وإنما هو وُجاه من المواجهة ، ومن قـال تترى بغير تنوين فإنّما جعلـها على فَعْلى بألف التأنيث فلـم ينـوّن . ومعنى تترى من المواترة ... وقيل المواترة المتابعة ، وأصـل كـل هـذا من الوتـر وهـو الفـرد ، وهو أن جَعَلْتَ كلّ واحد بعد صاحبه فرْداً فرْداً )) ( ) .
وائتـثره الزَّمخشريّ فـقال في توجيـه الآيـة نفسهـا : (( (تترى) فَعْلى : الألـف للتأنيـث ، لأن الرسـل جماعـة . وقرئ : ( تترًى) بالتنوين ، والتاء بدل مـن الواو ، كما فـي : تولـج وتيقور. أي متوازين واحـدًا بعـد واحـد مـن الوتـر وهـو الفرد)) ( ) .
4- الإدغام :
هو ((تقريب صوت من صوت , أو إخفاء صوت في آخر ))( ), أو هو ((الإتيان بحرفين ساكن فمتحرك , من مخرج واحد بلا فصل بينهما , بحيث يرتفع اللسان وينحط بهما دفعة واحدة ))( ). والغرض منه التخفيف ورفع الثقل عن اللسان .
والإدغام تسمية اصطلح عليها العلماء القدماء ( ).أما المحدثون فيسمونه بـ (ظاهرة المماثلة). وفيما يأتي أمثلة لتأثر الزَّمخشريّ بالزَّجَّاج في هذه الظاهرة :
أ – في قوله تعالى (أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) (الأنفال / 9) .
تابع الزَّجَّاج سيبويه في ذهابه إلى أن أصل (مردفين)( ) هو : مرتدفين , فأدغمت التاء في الدال , لأنها من مخرج صوتي واحد .فقال : ((يجوز في اللغة مرَدِّفين , ويجوز مُرِدِّفين ومُرُدِّفين . يجوز في الراء مع تشديد الدال كسرها وفتحها وضمها , والدال مشدودة مكسورة على كل حال . قال سيبويه : الأصل مرتدفين فأدغمت التاء في الدال فصارت مردِّفين , لأنك طرحت حركة التاء على الراء , قال : وإن شئت لم تطرح حركة التاء وكسرت الراء لالتقاء الساكنين , والذين ضمّوا الراء جعلوها تابعة لضمة الميم ))( ).
?
واقتفى الزَّمخشريّ أثر الزَّجَّاج في إيراده تفسير سيبويه ظاهرة الإدغام في (مردفين) فقال: ((وقرئ : مردّفين , بكسر الراء وضمها وتشديد الدال وأصله مرتدفين , أي : مترادفين أو متبعين , من ارتدفه , فأدغمت تاء الافتعال في الدال , فالتقى ساكنان فحركت الراء بالكسر على الأصل , أو على إتباع الدال . وبالضم على إتباع الميم ))( ).
ب – في قوله تعالى (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبا ) (الكهف / 97)
عدّ الزَّجَّاج إدغام التاء في الطاء في قراءة من قرأ : (فما اسْطَّاعوا) لحناً ووصف مَن قرأ به بأنه لاحِنٌ مخطئ , فقال : ((وقوله (فما اسطاعوا) بغير تاء أصلها استطاعوا بالتاء , ولكن التاء والطاء من مخرج واحد , فحذفت التاء لاجتماعهما ويخفّ اللفظ , ومن العرب من يقول : فما استاعوا بغير طاء , ولا تجوز القراءة بها ...فأما من قرأ : فما اسْطَّاعوا – بادغام التاء في الطاء – فلاحِنٌ مخطئٌ ..ذلك أن السين ساكنة , فإذا أدغمت التاء صارت طاء ساكنة , ولا يجمعُ بين ساكنين ))( ) .
وائتثره الزَّمخشريّ في تفسير هذه الظاهرة في الآية نفسها , فقال : (((فما اسطاعوا) بحذف التاء للخفّة , لأن التاء قريبة المخرج من الطاء . وقرئ : (فما اصطاعوا) بقلب السين صاد . وأما من قرأ بإدغام التاء في الطاء , فملاق بين ساكنين على غير الحد ))( ) .



5- الوقف والوصل :
الوقف : قطع الكلمة عمّا بعدها بسكتة طويلة ، وهو عبارة عن قطع الصوت عن الكلمة زمنا يتنفس فيه عادة بنيَّة استئناف القراءة لا بنيَّة الإعراض ، ويكون في رؤوس الآي وأواسطها ، و لا يأتي في وسط الكلمة و لا فيما انفصل رسماً .( )
وفيما يأتي أمثلة لتأثر الزَّمخشريّ بالزَّجَّاج في هذه الظاهرة الصوتية :

أ- إلحاق الهاء بالكلمة الموقوف عليها :
في قوله تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه ) (الأنعام /90) ،ذهب الزَّجَّاج إلى أنّ هاء السكت قد زيدت على فعل الأمر (اقتده) ( ) ،وهذه الهاء تثبت في الوقف لتبين بها كسرة الدال ، فقال : (( هذه الهاء التي في (اقتدِهْ) إنما تثبت في الوقف ، تبين بها كسرة الدال ، فإن وصلت قلْتَ : (( اقتدِ)) ( قل لا أسألكم )قال أبو إسحاق : والذي اختارَ من أثق بعلمه أن يوقف عند هذه الهاء))( ).
واقتفى الزَّمخشريّ أثر الزَّجَّاج في تفسير هذه الظاهرة فقال في تفسير الآية نفسها: ((والهاء في (اقتده) للوقف تسقط في الدرج . واستحسن إيثار الوقف لثبات الهاء في المصحف)) ( ).

ب-الوقف بإشباع الحركة (الترنّم) .
في قوله تعالى (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا)(الأحزاب/ 10) ،أشار الزَّجَّاج إلى اختلاف القرّاء من حيث الوقف والوصل في قوله تعالى (الظنونا) ( ) إذ قرأها بعضهم بإثبات الألف في الوقف والوصل ، وقرأ بعضهم (الظنون) بغير ألف في الوصل ، وبألف في الوقف ، وقرأ أبو عمرو (الظّنون) بغير ألف في الوصل والوقف . ثم عرض الزَّجَّاج لمسوغ الوَقف على الألف وعدم الوصل ، واحتج له ببيت من الشعر المقول في عصر الاحتجاج ، فقال : (( والذي عليه حذاق النحويين والمتبعون السُّنَّة من حُذّاقهم أن يقرؤوا (الظنونا) ويقفون على الألف و لا يصلون ، وإنما فعلوا ذلك لأنّ أواخر الآيات عندهم فواصل، ويثبتون في آخرها في الوقف ما قد يحذف مثله في الوصل . وهؤلاء يتبعون المصحف ويكرهون أن يصلوا ويثبتوا الألف، لأن الآخر لم يقفوا عليه فيجروه مجرى الفواصل، ومثله :
أقلّي اللوم عاذلَ والعتابا ( )
فأتيت الألف لأنها في موضع فاصلة وهي القافية )) ( ) .
واقتفى الزَّمخشريّ أثر الزَّجَّاج في تفسير هذه الظاهرة الصوتية والاحتجاج لها بما احتج به الزَّجَّاج من الشعر ، فقال في تفسير الآية نفسها : (( وقرئ ( الظنون ) ، بغير ألف في الوصل والوقف ، وهو القياس ، وبزيادة ألف في الوقف ، زادوها في الفاصلة ، كما زادها في القافية مَنْ قال :
أقلّي اللومَ عاذل والعتابا
وكذلك (الرسولا ( ) والسبيلا ( ) ) . وقرئ بزيادتها في الوصل أيضا ، إجراء له مجرى الوقف . قال أبو عبيد : وهنّ كلهنّ في الإمام بألف )) ( ) .
وبالموازنة بين النصّين السابقين يتبين وضوح مدى إفادة الزَّمخشريّ من معاني القرآن وإعرابه للزّجّاج إذ نقل ما ذكره الزَّجَّاج في توجيه هذه القراءة والاحتجاج لها من الشعر بالنص وبالمعنى ( ) .غير أنه لم يشر إليه من قريب ، و لا من بعيد ، كأنه عزَّ عليه – والله أعلم – أن يكون أحد الجانين الأذكياء من بستان الزَّجَّاج النَّضر .



6- الإتباع :
وهو (( أن تتبع الكلمةُ الكلمةَ على وزنها ورويِّها إشباعا وتأكيداً )) ( ) ،أي أنْ تتبع الثانية الأولى على وزنها أو رويِّها ، كقولهم : حسن بسن . وهذا هو النوع الأول من الإتباع ، أما النوع الثاني فهو الذي يقوم على تناسق الحركات في الكلمة الواحدة أو الكلمتين ، أي تتقارب الأصوات بعضها من بعض لضرب من التشاكل ، مراعاةً لظاهرة الانسجام ، كأن اللسان يعمل في الحرفين عملا واحداً ( ).
على أن ما ائتثره الزَّمخشريّ عن معاني الزَّجَّاج في هذه الظاهرة قد اقتصر على النوع الثاني من الإتباع وهو الذي يقوم على تناسق الحركات في الكلمة الواحدة مراعاة للانسجام الصوتي . وفيما يأتي أمثلة توضح ذلك الأثر والتأثر :
أ-في قوله تعالى (أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً) (النحل /68)
عدَّ الزَّجَّاج قراءة ((بُيُوتا)) بالضم هو القياس ، ومثّل له بـ كعب وكُعُوب وقلب وقلوب . ومن قرأ بكسر الباء (بِيوتا) قلبوا الضمة كسرة إتباعا للياء التي بعدها . فقال:((و((بيوتا))( ) فمن قرأ (بُيُوتاً) بالضم فهو القياس ، مثل كعب وكُعُوب وقَلْب وقُلُوب ، ومن قرأ بيُوتاً بالكسر فهذا لم يذكر مثله أحد من البصريين لأنهم لا يجيزون مثله . ليس في الكلام مثل فِعُل و لا فِعُول ، والذين قرؤوا به قلبوا الضمة إلى الكسرة من أجل الياء التي بعدها )) ( ) .
وائتثره الزَّمخشريّ فقال في توجيه الآية نفسها:((وقرئ (بِيوتا) بكسر الباء لأجل الياء))( ) .
ب-في قوله تعالى (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى)(يونس/35) .
عدَّ الزَّجَّاج قراءة عاصم لقوله تعالى (( أمَّنْ لا يهدِّي )) ( ) بكسر الياء والهاء من باب الإتباع فقال : ((وقرأ أبو عمرو بن العلاء ( أمَّن لا يَهَدِّي ) –بفتح الهاء- وهذا صحيح جيد بالغ – الأصل يهتدي ، فادغم التاء في الدال وطرح فتحتها على الهاء .والذين جمعوا بين ساكنين، الأصل عندهم أيضاً: يهتدي، فأدغمت التاء في الدال وتركت الهاء ساكنة ، فاجتمع ساكنان . وقرأ عاصم: أم مَنْ لا يهِدِّي، وهي في الجودة كفتح الهاء في الجودة، والهاء على هذه القراءة مكسورة لالتقاء الساكنين )) ( ).
وائتثره الزَّمخشريّ في توجيه قراءة عاصم فقال : (( وقرئ : لا يهدّي ، بفتح الهاء وكسرها مع تشديد الدال والأصل يهتدي ، فادغم وفتحت الهاء بحركة التاء ، أو كسرت لالتقاء الساكنين . وقد كسرت الياء لإتباع ما بعدها ))( ).
الخاتمة:
يتضح فيما تقدم سير الزَّمخشريّ في ركاب أبي إسحاق الزَّجَّاج وإفادته منه في المواضع التي مرّ ذكرها, وإنْ دلّ ذلك على شيء فإنما يدل على عظم قدر كتاب الزَّجَّاج (معاني القرآن وإعرابه ) وعلو شأن الزَّجَّاج وتمكنه من علوم اللغة بفروعها, إذ كان في مؤلَّفِه متذوقا أساليب التعبير، مستكشفا أسرارها، محيطا بلغات العرب، فضلا عن قدرته الكبيرة على التفسير والتعليل ، ووصف الظواهر اللغوية ونسبتها إلى قائليها ، ونعتها بالجودة أو القبح ، فتعقبه الزَّمخشريّ موردا آراءه بالنص أو المعنى دون نسبتها إليه وذلك ما دفع ببعض الباحثين إلى الشك في أمانته العلمية ( ). على أنني التمست له العذر في ذلك الإبهام والإعراض عن نسبة الآراء إلى أصحابها بالقول : إنّ أبا القاسم قد حافظ على جوهر المادة التي نقلها ، وحاول احاطة القراء بما حصّله من علوم مسموعة أو مكتوبة ، وان عزَّ عليه نسبة ما تحصّل عليه إلى أصحابه ، فها نحن اليوم – معشر الباحثين – نقوم مقامه فننسب تلك الآراء إلى أصحابها .

مصادر البحث
1. إتحاف فضلاء البشر في قراءات الأربعة عشر ، للشيخ أحمد بن محمد الدمياطي (ت1117هـ) تصحيح الشيخ علي محمد الضباع ، دار الندوة الجديدة ، بيروت .
2. الأصوات اللغوية ، للدكتور إبراهيم أنيس ، ط4 ، 1971م .
3. البحر المحيط ، لأبي حيان محمد بن يوسف النحوي الأندلسي (ت745هـ) ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ط2 1990 م .
4. الخصائص ، لأبي الفتح عثمان بن جنِّي (ت392هـ) ، تحقيق محمد علي النجار ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد 1990 م .
5. دراسات في علم اللغة ، للدكتور كمال محمد بشر – مطبعة دار المعارف بمصر 1969م .
6. الدراسات اللغوية عند العرب ، للدكتور محمد حسين آل ياسين ، مكتبة الحياة ، بيروت 1980م.
7. ديوان جرير ، تحقيق الدكتور نعمان محمد أمين طه ، دار المعارف بمصر 1969 م .
8. السبعة في القراءات ، لأبي بكر أحمد بن موسى المعروف بابن مجاهد (ت324هـ) ، تحقيق الدكتور شوقي ضيف ، دار المعارف بمصر 1972 م .
9. سر صناعة الإعراب ، لأبي الفتح عثمان بن جني (ت392هـ) ، تحقيق مصطفى السقَّا وآخرين ، طبعة مصطفى البابي الحلبي ، القاهرة 1954 م .
10. شرح الشافية ، للرضي الاستراباذي (ت686هـ) ، تحقيق نور محمد وصاحبيه ، بيروت 1975م .
11. شذا العرف في فن الصرف ، لأحمد الحملاوي ، ط16 بيروت 1965 م.
12. الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها ، لأبي الحسين أحمد بن فارس (ت395هـ) تحقيق مصطفى الشويمي ، بيروت 1963 م .
13. في اللهجات العربية ، للدكتور إبراهيم أنيس ،ط3 1965 م.
14. القرآن الكريم وأثره في الدراسات النحوية ، للدكتور عبد العال سالم مكرم ، دار المعارف بمصر 1968م
15. الكتاب ، لسيبويه (ت180هـ) ، تحقيق عبد السلام هارون ، عالم الكتب ط3 1983 م
16. كشّاف اصطلاحات الفنون ، لمحمد بن علي التهانوي (ت1158هـ) مطبعة شركة خياط للكتب والنشر(د.ت) .
17. الكشَّاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، لأبي القاسم محمود بن عمر الزَّمخشريّ (ت538هـ) ، دار الكتاب العربي 1947 م.
18. الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها ، لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي (ت437هـ) ، تحقيق الدكتور محيي الدين رمضان ، مطبوعات مجمع اللغة الغربية دمشق 1974 م.
19. لسان العرب ، لجمال الدين محمد بن مكرم المعروف بـ(ابن منظور) (ت711هـ) ، دار صادر للطباعة والنشر ، بيروت 1968 م .
20. اللهجات العربية في التراث ، للدكتور أحمد علم الدين الجندي ، الهيأة المصرية العامة 1965 م .
21. المزهر في علوم اللغة وأنواعها ، لأبي بكر جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت911هـ) ، تحقيق محمد جاد المولى وصاحبَيْه ، دار إحياء الكتب العربية ط1.
22. مشاهد الإنصاف على شواهد الكشَّاف، للشيخ محمد عليان المرزوقي ، مطبوع بهامش الكشَّاف، دار الكتاب العربي ، 1366هـ - 1947 م .
23. مظاهر التطور في اللغة العربية المعاصرة ، للدكتور نعمه رحيم العزاويّ ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد 1990 م .
24. معاني القرآن ، لأبي زكريا يحيى بن زياد الفرَّاء (ت207هـ) ، تحقيق أحمد يوسف نجاتي وآخرين ، عالم الكتب ، بيروت ط3 ، 1403 هـ -1983 م .
25. معاني القرآن ، لأبي الحسن سعيد بن مسعده الملقب بـ (الأخفش الأوسط ت215هـ )، تحقيق الدكتور فائز فارس ، الكويت ط2 1401هـ -1981م .
26. معاني القرآن وإعرابه ، لأبي إسحاق إبراهيم بن السري المعروف ب (الزّجّاج) (ت311هـ) ، شرح وتحقيق الدكتور عبد الجليل عبده شلبي عالم الكتب ، بيروت ط1 1408 هـ -1988 م
27. النشر في القراءات العشر ، لمحمد بن محمد بن الجزري (ت833هـ) صححه وراجعه علي محمد الضباع ، دار الكتب العلمية ، بيروت .


  • وصف الــ Tags لهذا الموضوع
  • الإتباع، الوقف والوصل، الإدغام ، الإعلال ، الإبدال

هذه الفقرة تنقلك الى صفحات ذات علاقة بالمقالات الاكاديمية ومنها الاوراق البحثية المقدمة من قبل اساتذة جامعة بابل وكذلك مجموعة المجلات العلمية والانسانية في الجامعة وعدد من المدنات المرفوعة من قبل مشرف موقع الكلية وهي كالاتي:

قسم المعلومات

يمكنكم التواصل مع قسم معلومات الكلية في حالة تقديم اي شكاوى من خلال الكتابة الينا,يتوجب عليك اختيار نوع الرسالة التي تود ان ترسلها لادارة الموقع :