انت هنا الان: الرئيسية » القسم الاكاديمي
المقالات الاكاديمية والبحثية
تصفح هذه الورقة الالكترونية بتقنية Media To Flash Paper


الأثر الدلالي لمعاني القرآن للفرّاء في الكشَّاف الزمخشريّ
مقدمة :
انماز تأثر الزمخشري بالفراء في المستوى الدلالي بالسعة والشمول في معظم آيات القرآن الكريم التي اشتمل عليها كتابيهما في تفسير القرآن الكريم وتبيين دلالاته و معانيه ، ومن أجل الوقوف على حجم هذا الأثر ونوعه في المستوى الدلالي انتظم هذا الفصل تمهيدا وثلاثة مباحث وخاتمة .
أما التمهيد فقد تضمن الحديث عن الدلالة والأثر والتأثّر وخصصت المبحث الأول بتبيين طرائق نقل الزمخشريّ لما تأثّره في الدلالة اللغوية في الكشاف عن معاني القرآن للفرّاء . وتضمّن المبحث الثاني الأثر والتأثّر في أدلّة الاحتجاج اللغوية . وضمّ المبحث الثالث الأثر والتأثّر في الدلالة ومظاهرها . أما الخاتمة فأودعتها أهم نتائج البحث وفوائده .
?



تمهيد : ( الدلالة ، الأثر ، التأثّر ) نظرة تعريفية :
1. الدلالة :
لغة : هي مصدر دَلّ يَدُلُّ دَلالةً ودِلالةً ودُلولةً ، والفتح أعلى ، ولكنّها بمعنًى واحد ، هو أرشد وهدى . والدليل : المرشد إلى الطريق ، والدَّلالة : الإرشاد( ).
واصطلاحًا : هي كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر ، والشيء الأول هو الدال ، والثاني هو المدلول( ). أي أنّ الدال هو اللفظ ، والمدلول هو المعنى ، والدلالة علاقة اللفظ بالمعنى ، ودلالة أي لفظ هي ما يؤديه هذا اللفظ من معنًى تدركه الحواس وتستجيب له .
ويرى المحدثون أنّ للدلالة علما خاصا بها يسميه بعضهم بـ(علم الدلالة) – وتضبط بفتح الدال وكسرها – وبعضهم يسميه علم المعنى . وبعضهم الآخر يطلق عليه اسم (السيمانتيك) ؛ وهو العلم المختص بدراسة المعنى( ).
2. الأثر والتأثّر :
لغة : بقية ما يُرى من كل شيء ، والجمع آثار وأثور وأْتثرته وتأثَّرته : تتبّعت أثره ، والتأثير إبقاء الأثر في الشيء ، وأثرّ في الشيء : ترك فيه أثرا ، وتأثَّر به تأثُّرًا : سار على نهجه أو تطبع به( ).
واصطلاحًا : هو تركك سمةً أو علامة يقتفيها من يأتي من بعدك تدلّ عليك فتخلق مشابهة وتواصلا بين السالفين والخالفين .
ولمّا كان الفرّاء – وهو من أئمّة علماء الكوفة في اللغة والنحو - قد درس في كتابه (معاني القرآن) ألفاظ الآيات القرآنية ودلالاتها وبيَّن تفسيرها ومشكلاتها اللغوية والنحوية وشرح الغامض فيها والغريب ، وأزال اللبس والإبهام عنها بالاستعانة بكلام العرب الأقحاح ، شعرهم ونثرهم ، لذا كان من الطبيعي أن يترك أثرًا خالدًا في التفسير تناقلته الأجيال واعتمد عليه المؤلفون في ميدان الدراسات اللغوية والقرآنية ، ومن هؤلاء جار الله أبو القاسم محمود ابن عمر الزمخشريّ (ت538هـ) الذي اتّخذ من كتاب الفرّاء (معاني القرآن) دليلا ومرشدًا عند تأليف كتابه (الكشّاف) ، يفصح عن ذلك تصريحه بالنقل عن الفرّاء في غير موضع من الكشّاف( )، فضلا على احتجاجه بما احتجّ به الفرّاء من أشعار العرب وأقوالهم المأثورة عند تفسيره آيات القرآن الكريم . ومن أجل الوقوف على هذا الأثر ومعرفة حجمه لا بد من أنْ أتبيّن أولا طرائق نقل الزمخشريّ عن الفرّاء ، ومن ثم أعرض للأثر والتأثّر في أدلة الاحتجاج والدلالة ومظاهرها .
?
المبحث الأول
الأثر والتأثّر في طرائق النقل في الحقل الدلالي
تضمّن الكشّاف أساليب متنوعة انتهجها الزمخشريّ في نقل ما تأثَّره عن الفرّاء في تبيين الدلالة اللغوية للآيات القرآنية ، وفيما يأتي إجمال تلك الأساليب :
1. النقل المصرّح به :
أ‌. ما نقله الزمخشريّ في الكشّاف عن معاني القرآن للفرّاء بالنّصّ وصرّح به.
ب‌. ما نقله الزمخشريّ في الكشّاف عن معاني القرآن للفرّاء بالمعنى وصرح به.
2. النقل غير المصرّح به :
أ‌. ما نقله الزمخشريّ في الكشّاف عن معاني القرآن للفرّاء بالنّصّ ولم يصرِّح به.
ب‌. ما نقله الزمخشريّ في الكشّاف عن معاني القرآن للفرّاء بالمعنى ولم يصرِّح به.
وفيما يأتي تبيين لهذه الأساليب مشفوع بأمثلة من الكشّاف :
1. النقل المصرح به :
لقد صرّح الزمخشريّ في الكشاف بالنقل عن الفرّاء في ثمانية عشر موضعًا ، بنحو قوله : (وقال الفرّاء ، وحكى الفرّاء ، وعن الفرّاء ، وذكر الفرّاء ، وجوّز الفرّاء) ( ). وكان مجموع ما ائتثر الزمخشريّ الفرّاءَ به من تلك المواضع في حقل الدلالة اللغوية ثمانيةَ آراء ، صّرح بنسبتها إلى الفرّاء ، وسلك في إيرادها أحد سبيلين :
1. النقل بالنص .
2. النقل بالمعنى .

أ‌- ما نقله الزمخشريّ عن معاني القرآن للفرّاء بالنّص وصرّح به :
شكّلت النصوص التي نقلها الزمخشريّ عن الفرّاء في حقل الدلالة اللغوية النصيب الأوفر من الأثر ؛ إذ كان لآراء الفرّاء ومروياته عن الأعراب الأقحاح في كتابه معاني القرآن أبلغ الأثر في نفس الزمخشريّ الذي انتفع بها كثيرًا ، فنقلها بالنّص وأودعها تفسيره المسمى بـ(الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ) .
وفيما يأتي أمثلة تبيّن أسلوب نقل الزمخشريّ بالنص عن الفرّاء في حقل الدلالة اللغوية:
1. في قوله تعالى :{وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} (النحل /14) ، قال الفرّاء : " وقوله : مواخرَ فيه ، واحدها ماخرة ، وهو صوت جري الفُلك بالرياح ، وقد مخرت تمخَرُ وتمخُرُ "( ). وقال الزمخشريّ في تفسير الآية نفسها : " المخر شق الماء بحيزومها ، وعن الفرّاء : هو صوت جري الفُلك بالرياح "( ). وبالموازنة بين النصين السابقين يتضح اقتفاء الزمخشريّ أثر الفرّاء في تبيين معنى كلمة (مواخر) ونقله رأي الفرّاء بالنص مع نسبته إليه ، وهو ما يؤكد حرص الزمخشريّ على إظهار ما ينقله من نصوص بالصورة التي وضعها مؤلفوها لفظًا ومعنًى .
2. في قوله تعالى : {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} (مريم/23) ، قال الفرّاء: " أصحاب عبد الله قرؤوا (نَسْيا) بفتح النون ، وسائر العرب تكسر النون ، وهما لغتان مثل الجَسْر والجِسْر والحَجْر والحِجْر والوَتْر والوِتْر "( ). واقتفى الزمخشريّ أثر الفرّاء في تفسير الآية المذكورة آنفًا مُورِدًا قول الفراء بالنص ومصرّحا بنسبة القول إليه ، فقال :" قرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة وحفص (نَسْيا) بالفتح ، قال الفراء : هما لغتان كالوَتْر والوِتْر والجَسْر والجِسْر "( ). وهذا النقل الدقيق المنسوب إلى قائله يعضد ما ذهبنا إليه من أَنَّ الزمخشريّ يثق بعلم الفرّاء وآرائه ومروياته التي أخذت طريقها إلى تفسيره الكشّاف .
3. في قوله تعالى : { هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ }(الفجر/5) قال الفرّاء : " لذي عقل ، لذي ستر ، وكله يرجع إلى أمر واحد من العقل ، والعرب تقول إنَّه لَذُو حِجر إذا كان قاهرا لنفسه ضابطًا لها ، كأنّه أُخِذَ من قولك حجرت على الرجل"( ).
وائتثره الزمخشريّ في تفسير الآية نفسها فقال مصرِّحا باسم
الفرّاء : "... وقال الفرّاء : يقال إنَّه لَذُو حِجر إذا كان قاهرا لنفسه ضابطًا لها"( ).
وبالموازنة بين النصين السابقين يتجلى واضحًا تطابقهما في اللفظ والمعنى ، وهو ما يدل على دقة الزمخشريّ في النقل عن معاني القرآن للفرّاء بالنّص ، وحرصه على إيراد المادة المنقولة معزوّة إلى أصحابها ، فضلا عن ارتضائه الدلالة اللغوية التي أثبتها الفرّاء لقوله تعالى : (( لذي حجر)) بالاستناد إلى ما قالته العرب . وأظنّ أنّ نصوص الأمثلة الثلاثة المتقدمة آنفا كافية لإعطاء صورة واضحة عن أسلوب الزمخشريّ في النقل بالنصّ عن الفرّاء .
ب‌- ما نقله الزمخشريّ عن معاني القرآن للفرّاء بالمعنى وصرّح به :
اتّسمت أغلب نقول الزمخشريّ عن معاني القرآن للفرّاء بطابع النقل بالمعنى ، ولعلّ السبب في ذلك – من وجهة نظر الباحث – يرجع إلى عقليته الفذة ، وذهنيته المتفتحة ، ومقدرته العلمية على فهم النصوص وصياغتها بأسلوب بليغ غير مخلٍّ بالمعنى ولتبيين هذا الأثر والتأثّر أسوق الأمثلة الآتية :
1. في قوله تعالى : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (سورة البقرة/196) ، قال الفرّاء : " فإن أحصرتم : العرب تقول للّذي يمنعه من الوصول إلى إتمام حجّته أو عمرته خوفٌ أو مرضٌ ، وكل ما لم يكن مقهورًا ، كالحَبْس والسِّجْن ، يقال للمريض : (قد أُحْصر)، وفي الحبس والقهر : (قد حُصِرَ) فهذا فرْقُ بينهما ، ولو نويت في قهر السلطان أنَّها علة مانعة ، ولم تذهب إلى فعل الفاعل ، جاز لك أنْ تقول : (قد أُحْصِر الرجل). ولو قلت في المرض وشبهه : (إن المرض قد حَصَره أو الخوف ) ، جاز أنْ تقول: (حُصِرْتم) "( ).
واقتفى الزمخشريّ أثر الفرّاء فعدّ كلّ منع من عدوّ أو مرض أو غيرهما معتبرًا في إثبات حكم الإحصار مصرِّحًا باسم الفرّاء فقال : " (أُحصِرَ فلان) إذا منعه آخر من خوف أو مرض أو عجز ... و(حُصِرَ) إذا حبسه عدوٌّ عن المضي ، أو سجن ... هذا هو الأكثر في كلامهم ، وهما بمعنى المنع في كل شيء ، مثل (صدَّه) أو (أصدَّه) . وكذلك قال الفرّاء ... كل منع عنده ، من عدو كان أو مرض أو غيرهما ، معتبر في إثبات حكم الإحصار "( ).
يتضح مما تقدّم التوافق المعنوي الواضح بين نصّي الفرّاء والزمخشريّ مما يدل على دقة الزمخشريّ في الحفاظ على المعنى المنقول ، فضلا على نسبة ما نقله بالمعنى عن الفرّاء إليه .
2. في قوله تعالى : {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} (الإسراء /102) قال الفرّاء : "وقوله : (يا فرعون مثبورا) ممنوعا من الخير ، والعرب تقول : ما ثبرك عن ذا ؟ أي ما منعك وصرفك عنه ؟ "( ).
وائتثره الزمخشريّ في تبيين دلالة الآية نفسها ، فقال : " (مثبورا) هالكا ، وظنّي أصح من ظنّك ... وقال الفرّاء : (مثبورا) مصروفا عن الخير مطبوعا على قلبك ، من قولهم : ما ثبرك عن هذا؟ أي : ما منعك وصرفك ؟ "( ).
وبالموازنة بين النصين السابقين يتضح لنا جليًّا أثر السالف في الخالف في تبيين دلالة الثبور اللغوية ، فضلا على التصريح باسم من نقل عنه واعتمد رأيه في التفسير .
3. في قوله تعالى : {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا} (الكهف /52) ، قال الفرّاء : " وقوله (وجعلنا بينهم موبقا) يقال : جعلنا تواصلهم في الدنيا (موبقا) يقول : مَهْلكا لهم في الآخرة "( ).
وقد اقتفى الزمخشريّ أثر الفرّاء في تبيين دلالة الموبق اللغوية مصرحا بنسبة هذا المعنى إلى الفرّاء ، فقال : " (موبقا) ، عداوة . والمعنى : عداوة هي في شدتها هلاك ، كقوله: لا يكن حبّك كلفا ، ولا بغضك تلفًا . وقال الفرّاء : البين الوصل ، أي : وجعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكًا يوم القيامة "( ).
وبالموازنة بين النصين السابقين نجد أن الزمخشريّ قد انتفع بتبيين الفرّاء دلالة (موبق) اللغوية ، وصرّح بنسبته إليه .

2. النقل غير المصرّح به :
من اللافت للنظر أنَّ الزمخشريّ نقل عددًا من آراء الفرّاء اللغوية في تبيين دلالة الآيات القرآنية من غير الإشارة إليه ، على الرغم من أنَّ ما نقله قد تضمن توجيهات الفرّاء ومروياته بالنصّ ، فضلا عمّا احتج به من أدلة الاحتجاج اللغوية من كلام العرب شعرهم ونثرهم. واكتفى بالقول : (وقيل) ، (وقال بعضهم) ، (وروي) ، (وقرئ) ، (وفي التفسير) ، (وعن أهل اللغة) ، (والمعنى) ( )...الخ . وبلغ مجموع ما نقله الزمخشريّ عن الفرّاء في تبيين الدلالة اللغوية ولم يصرّح بنسبته إليه (72) موضعا ، وسأجتزئ ببعض الأمثلة لتبيين ذلك الأثر والتأثّر :
1. في قوله تعالى : {لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} (سورة البقرة /136) ؛ قال الفرّاء "المعنى : لا نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى"( ).
وائتثره الزمخشريّ في تبيين دلالة الآية نفسها ، فقال : " (لا نفرق بين أحد منهم) : لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى " ( ).
وبالموازنة بين النصين السابقين يتضح جليا انتفاع الزمخشريّ بمعاني الفرّاء في تبيين دلالة الآية ، غير أنّه لم يصرّح بنسبة ما نقله عنه إليه .
?
2. في قوله تعالى : { إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} (آل عمران /55) ، قال الفرّاء : " يقال إن هذا مقدَّم ومؤخَّر ، والمعنى فيه : إني رافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا ومتوفِّيك بعد إنزالي إيّاك في الدنيا ، فهذا وجه ، وقد يكون الكلام غير مقدَّم ولا مؤخَّر ؛ فيكون معنى متوفِّيك : قابضك ، كما تقول : توفيت مالي من فلان : قبضته من فلان ، فيكون التوفي على أخذه ورفعه إليه من غير موت "( ).
واقتفى الزمخشريّ أثر الفرّاء في تبيين دلالة التوفي في الآية المذكورة آنفا ، فقال : "(إني متوفيك) أي :مستوفي أجلك ، معناه : إني عاصمك( ). من أنْ يقتلك الكفّار ؛ ومؤخرك إلى أجل كتبته لك . ومميتك حتف أنفك لا قتيلا بأيديهم ... وقيل متوفيك : قابضك من الأرض، من توفيت مالي على فلان إذا استوفيته ، وقيل : مميتك في وقتك بعد النزول من السماء ورافعك الآن "( ).
يتضح فيما تقدم أنّ الزمخشريّ قد اعتدّ بما أورده الفرّاء من دلالة التوفي بالوجهين اللذين ذكرهما غير أنّه لم يشر إلى الفرّاء واكتفى بالنقل عنه بعبارة (وقيل) .
3. في قوله تعالى : {وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} (الفتح /26) ، قال الفرّاء : " ورأيتها في مصحف الحارث بن سويد التيمي من أصحاب عبد الله (وكانوا أهلها وأحقّ بها) وهو تقديم وتأخير ، وكان مصحفه دفن أيام الحجّاج " ( ).
وأورد الزمخشريّ خبر القراءة بالتقديم والتأخير مقتفيا أثر الفرّاء في الذي رآه وأثبته في معانيه ، فقال : " و في مصحف الحارث بن سويد صاحب عبد الله : (وكانوا أهلها وأحقّ بها) وهو الذي دفن مصحفه أيام الحجّاج "( ).
يتضح مما تقدم أنّ الزمخشريّ قد انتهج أسلوبا آخر في النقل عن معاني القرآن للفرّاء ، ذلك هو أسلوب النقل المباشر من غير تصريح ، ولعل السبب في عزوفه عن التصريح بنسبة

ما نقله عن الفرّاء إليه ، يرجع إلى شهرة تلك الآراء والمرويات عن الفرّاء ، فضلا على شيوع العلم بها بين الناس ، أو أنّه أراد تدارك تزاحم أسماء من نقل عنهم في (الكشاف) ، على أنّه قد حافظ على جوهر المادة اللغوية التي نقلها عن الفرّاء جملة وتفصيلاً .

?
المبحث الثاني
الأثر والتأثّر في أدلّة الاحتجاج في الحقل الدلالي
لقد عُنِيَ علماء العربية بالشواهد عناية فائقة ، حينما جعلوا الشاهد أداة الاستقراء اللغوي في أولى خطوات مسحهم الشامل للمساحات اللغوية التي صحّ أخذ اللغة منها ، فضلا على اتخاذهم الشاهد – في الوقت نفسه – دليلا متمكنا في بناء قواعدهم وتثبيت أحكامهم ، إذ إنّ الشاهد يؤتى به لأحد أمرين : إمّا الاستدلال والاحتجاج ، وإمّا التمثيل والبيان ، وكلا الأمرين مستعمل عند الفرّاء والزمخشريّ ، إذ إنّ الثاني قد اقتفى أثر الأول فيما استدل به من شواهد قرآنية أو شواهد من كلام العرب الموثوق بعربيتهم شعرا كان أو نثرا عند تفسيره الآيات القرآنية لإزالة اللبس والإبهام عنها ، وزيادة الوضوح والتبيين .
وقد بلغ ما احتجّ به الزمخشريّ لتبيين دلالة ألفاظ الآيات القرآنية من الشواهد التي تأثرها عن الفرّاء في الحقل الدلالي (28) ثمانية وعشرين شاهدا موزعة على الأنواع الآتية : القرآن وقراءاته (8) ثمانية شواهد ، الحديث الشريف (2) حديثان اثنان ، والشعر (15) خمسة عشر بيتا ، والنثر (3) ثلاثة نصوص ، ولتبيين الأثر والتأثّر سأجتزئ ببعض من الأنواع المذكورة آنفا :
1. أدلة الاحتجاج من القرآن الكريم وقراءاته :
أ‌. في قوله تعالى : { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} (آل عمران/12) ، ذكر الفرّاء أنّ في الآية قراءتينِ( )، هما (ستُغلبون وتُحشرون) و(سيُغلبون ويُحشرون) ، ووجه معنى الآية على وفق هاتين القراءتين واستدلّ على جوازهما بشاهد من القرآن الكريم ، فقال : " تقرأ بالتاء والياء . فمن جعلها بالياء فإنه ذهب إلى مخاطبة اليهود ، وإلى أنّ الغلبة على المشركين بعد يوم أُحُد ... ومن قرأ بالتاء جعل اليهود والمشركين داخلين في الخطاب . فيجوز في هذا المعنى سيُغلبونَ وستُغلبونَ ، كما تقول في الكلام : قل لعبد الله إنّه قائم ، وإنّك قائمٌ . وفي حرف عبد الله ( قل للذينَ كفروا إنْ تنتهوا يغفر لكم ما قد سلف) ( ). وفي قراءتنا (إنْ ينتهوا يُغْفَرْ لهم ما قد سلف)" ( ).
واقتفى الزمخشريّ أثر الفرّاء فاستدل على قراءة (سيُغلبون ويُحشرون) بما استدل به الفرّاء من أدلّة الاحتجاج القرآنية ، فقال " وقرئ : سيُغلبون ويُحشرون ، بالياء ، كقوله تعالى {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ} على : قل لهم قولي لك سيغلبون "( ).
ب‌. في قوله تعالى : {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ} (يس /12) ، وجّهَ الفرّاء دلالة (ما قدموا) بما أسلفوا من الأعمال ، ودلالة (آثارهم) بما استُنَّ به من بعدهم واستدل على هذا المعنى بشاهد من القرآن الكريم ، فقال : " أمّا ما قدموا فما أسلفوا من أعمالهم ، وآثارهم ما استُنّ به من بعدهم ، وهو مثل قوله : {يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ}( ) "( ).
وأفاد الزمخشريّ من تفسير الفرّاء للآية المذكورة آنفا واعتدّ بالشاهد القرآني الذي ساقه للاحتجاج لها ، فقال : " ونكتبُ ما أسلفوا من الأعمال الصالحة وغيرها ، وما هلكوا عنه من أثر حَسَنٍ أو سيِّئ ... وكذلك كل سنة حسنة أو سيئة يستنُ بها ، ونحوه قوله تعالى : {يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} ، أي قدّم من أعماله ، وأخّر من آثاره "( ).
ت‌. في قوله تعالى : {فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} (سورة محمد (ص) /18) ، قال الفرّاء : " (ذكراهم) في موضع رفع بـ(لهم) ، والمعنى : فأنَّى لهم ذكراهم إذا جاءتهم الساعة ؟ ومثله {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى}( ) ، أي ك ليس ينفعه ذكره ، ولا ندامته "( ).
وائتثر الزمخشريّ أبا زكريا الفرّاء في تبيين معنى الآية المذكورة آنفا والاحتجاج لها بشاهد من القرآن الكريم ؛ فقال : " قوله أنَّى لهم ، ومعناه : إنْ تأتهم الساعة فكيف لهم ذكراهم، أي : تذكرهم واتعاظهم إذا جاءتهم الساعة ، يعني لا تنفعهم الذكرى حينئذٍ ، كقوله تعالى : {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى} "( ).
يتضح مما تقدّم أنّ الزمخشريّ قد أفاد من توجيهات الفرّاء لمعاني الآيات القرآنية واستدلاله عليها بشواهد من القرآن الكريم وقراءاته ، وهو أثر قد ورد في غير موضع من الكشّاف ( ).
2. أدلة الاحتجاج من الشعر :
أ‌. في قوله تعالى : {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} (الرعد /41) ، فسر الفرّاء قوله (المعقب) بالذي يكرّ على الشيء ، واحتج له ببيت لبيد ، فقال : " وقوله (لا معقب لحكمه) يقول : لا رادَّ لحكمه إذا حكم شيئا ، والمعقّب الذي يكرّ على الشيء ، وقول لبيد :
حتّى تهجَّر في الرَّوَاحِ وهاجَهُ
طلبُ المعقِّبِ حَقَّهُ المظلومُ( )

من ذلك ، لأنّ (المعقِّب صاحب الدَيْن يرجع على صاحبه فيأخذ منه ، أو من أُخِذَ منه شيء فهو راجع ليأخذه) "( ).
واقتفى الزمخشريّ أثر الفرّاء في إيراد دلالة المعقب والاحتجاج لها ببيت لبيد ، فقال : "(لا معقّب لحكمه) لا رادَّ لحكمه . والمعقّب : الذي يكر على الشيء فيبطله . وحقيقته: الذي يعقبه أي يقفيه بالردّ والإبطال . ومنه قيل لصاحب الحق : معقّب ؛ لأنه يقفي غريمه بالاقتضاء والطلب . قال لبيد :
طلبُ المعقِّبِ حَقَّهُ المظلومُ
والمعنى : أنّه حكم للإسلام بالغلبة والإقبال ، وعلى الكفر بالإدبار والانتكاس "( ).
ب‌. في قوله الله تعالى : { وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} (القصص /82) ، أورد الفرّاء في ( وَيْكَأَنَّ الله ، وَيْكَأَنَّهُ) مذاهب العرب وتوجيهاتهم في تركيبها ودلالتها واحتجّ لها بشواهد من الشعر، فقال : " وقوله (وَيْكَأَنَّ الله) في كلام العرب تقرير . كقول الرجل : أما ترى إلى صُنع الله . وأنشدني :
وَيْكأنْ مَنْ يَكُنْ له نَشَبٌ يُحْـ
ـبَبْ ومَنْ يفتقِرْ يَعِشْ عيشَ ضُرِّ( )

قال الفرّاء : وأخبرني شيخ من أهل البصرة ، قال : سمعت أعرابية تقول لزوجها : أين ابنك ويلك ؟ فقال: ويْكأنه وراء البيت ، معناه : أمَا ترينه وراء البيت . وقد يذهب بعض النحويين إلى أنَّهما كلمتان يريد وَيْكَ أنَّه ، أراد ويلك ، فحذف اللام وجعل (أنّ) مفتوحة بفعل مضمر ، كأنّه قال : ويلك اعلم أنَّه وراء البيت ... وحذف اللام من (ويلك) حتى تصير (ويك) فقد تقوله العرب العرب لكثرتها في الكلام ، قال عنترة :
ولقد شَفَى نَفْسِي وأبرأَ سُقمَها قولُ الفوارس وَيْكَ عنترَ أقدِم( )


وقد قال آخرون : إنّ معنى (وَيْ كأنّ) أن (وَيْ) منفصلة من (كأن)كقولك للرجل : وَيْ، أمَا ترى ما بين يديكَ ، فقال : وَيْ ، ثم استأنف (كأن) يعني (كأنّ الله يبسط الرزق) وهي تعجّب، و(كأن) في مذهب الظنّ والعلم ، فهذا وجه مستقيم "( ).
وأفاد الزمخشريّ من معاني القرآن للفرّاء في تبيين الآية المذكورة آنفا والاحتجاج لها بشاهدين من الشعر ، فقال : " (وَيْ) مفصولة عن كأن ، وهي كلمة تنبّه على الخطأ وتندّم ، ومعناه : أنّ القوم قد تنبهوا على خطئهم في تمنّيهم وقولهم { يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُون}( ) وتندموا ثم قالوا (كأنه لا يفلح الكافرون) أي : ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح ، وهو مذهب الخليل وسيبويه ، قال :
وَيْكأنْ منْ يكن له نَشَبٌ يُحْبَبْ ومَنْ يفتقِر يعشْ عيشَ ضُرِّ

وحكى الفرّاء أنَّ أعرابية قالت لزوجها : أين ابنك ويلك ؟ فقال ويْكأنه وراء البيت . وعند الكوفيين أنّ (وَيْكَ) بمعنى : ويلك ، وأنّ المعنى ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون . ويجوز أنْ تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى وي ، كقوله :
.... وَيْكَ عنترُ أقدِمِ


وأنه بمعنى لأنه ، واللام لبيان المقول لأجله هذا القول ، أو لأنه لا يفلح الكافرون وكان ذلك ، وهو الخسف بقارون ، ومن الناس مَنْ يقف على (وَيْ) ويبتدئ (كأنه) ومنهم من يقف على (ويك) "( ).
ت‌. في قوله تعالى : {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ} (الذاريات/59) ، فسّر الفرّاء (الذَنوب) بالدلو العظيمة في أصل كلام العرب ، وذهب إلى أنّ العرب يعبرون بها تعبيرا مجازيا عن النصيب والحظ ، فقال : " والذَّنوب في كلام العرب : الدَّلو العظيمة ، ولكن العرب تذهب بها إلى النصيب والحظ ، وبذلك أتى التفسير : فإن للذين ظلموا حظًّا من العذاب ، كما نزل بالذين من قبلهم ، وقال الشاعر :
لنا ذَنوبٌ ولكم ذَنوبُ
فإنْ أبيتم فلنا القليبُ( )


والذَّنوب يُذَكَّر ُويؤنَّثُ "( ).
وائتثر الزمخشريّ أبا زكريا الفرّاء في تبيين الدلالة اللغوية للآية المذكورة آنفا واحتجّ لها بما احتجّ به الفرّاء من الشعر ، فقال : " الذنوب : الدلو العظيمة ، وهذا تمثيل ، أصله في السقاة يقتسمون الماء فيكون لهذا ذنوب ولهذا ذنوب ، قال :
لنا ذَنوبٌ ولكم ذَنوبُ
فإنْ أبيتم فلنا القليبُ


... والمعنى : فإن الذين ظلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكذيب من أهل مكة لهم نصيب من عذاب الله مثل نصيب أصحابهم ونظرائهم من القرون "( ).
يتضح مما تقدم اعتداد الزمخشريّ بما أورده الفرّاء في تبيين دلالة الآية الكريمة واستدلاله عليها بدليل يُحتجّ به من الشعر العربي الفصيح وهو أثر واضح وجليّ يشير عن قرب إلى أثر السالف في الخالف وقد ورد مثل هذا الأثر في غير موضع من الكشّاف( ).
3. أدلة الاحتجاج من الحديث الشريف :
أ‌. في قوله تعالى : {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} (سورة البقرة /187) ، في معرض تبيين الفرّاء هذه الآية الكريمة احتجّ بحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي بيّن فيه معنى الخيط الأبيض والخيط الأسود ، فقال الفرّاء : (( قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : أَهو الخيط الأبيض والخيط الأسود ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " إنكَ لعريض القفا ؛ هو الليل من النهار "( ))) ( ).
واقتفى الزمخشريّ أثر الفرّاء في الاحتجاج بهذا الحديث في موضع تفسير الآية نفسها ذاكرا قول عديّ بن حاتم : (( عمدْت إلى عقالين أبيضَ وأسودَ فجعلتهما تحت وسادتي فكنت أقوم من الليل فأنظر لهما فلا يتبين لي الأبيض من الأسود ، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فضحك وقال : " إن كان وسادك لعريضا " ، وروي " إنَّكّ لعريض القفا " إنَّما ذاك بياض النهار وسواد الليل " ( ).
ب‌. في قوله تعالى : { فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} (سورة محمد(ص)/35) ، بيّن الفرّاء دلالة الوَتر اللغوية واحتجّ لرأيه بحديث شريف فقال : " وقوله : ( ولن يتركم أعمالكم ) من وترْت الرجل إذا قتلْت له قتيلا ، أو أخذت له مالا فقد وترْته . وجاء في الحديث : ( من فاتتْه العصر فكأنما وتر أهله وماله ) ( ) ، قال الفرّاء ، وبعض الفقهاء يقول : أوتر ، والصواب وَتَرَ "( ).
وأفاد الزمخشريّ من توجيه الفرّاء لدلالة ( الوتر ) اللغوية فضلا على ما احتجّ به من الحديث الشريف فقال في توجيه الآية نفسها : " (ولن يَتِرَكم ) من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا من ولد أو أخ أو حميم ، أو حربته ، وحقيقته : أفردته من قريبه أو ماله ، من الوتر وهو الفرد ؛ فشبه إضاعة عمل العامل وتعطيل ثوابه بوتر الواتر ، وهو من فصيح الكلام . ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : " من فاتتْه صلاةُ العصر فكأنما وتر أهله وماله " أي أفرد عنهما قتلا ونهبا "( ).
يتضح مما تقدم سير الزمخشريّ في ركاب الفرّاء وتأثّره به في تبيين دلالة الآيات القرآنية والاحتجاج عليها بأدلة الاحتجاج .
4. أدلة الاحتجاج من الأمثال العربية :
أ‌. في قوله تعالى : {يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} (النازعات /10) ، بيّن الفرّاء دلالة (الحافرة ) ، واحتجّ لها بمثلٍ قالته العرب ، فقال : " يقال : إلى أمرنا الأول إلى الحياة ، والعرب تقول : أتيت فلانًا ثم رجعت على حافرتي ، أي رجعت إلى حيث جئتُ ، ومن ذلك قول العرب : النقد عند الحافرة( ). معناه : إذا قال بعتُك ، رجعت عليه بالثمن ، وهما في المعنى واحد . وبعضهم : النقد عن الحافر . قال : وسألت عنه بعض العرب ، فقال : النقد عند الحافر ، يريد : حافر الفرس ، وكأنّ هذا المثل جرى في الخيل . وقال بعضهم : الحافرة الأرض التي تحفر فيها قبورهم فسمّاها : الحافرة . والمعنى : المحفورة . كما قيل : ماء دافق ، يريد : مدفوق "( ).
واقتفى الزمخشريّ أثر الفرّاء في تبيين دلالة ( الحافرة ) والاحتجاج لها بالمثل الذي ساقه الفرّاء دليلا على معنى الرجوع إلى الأمر الأول ، فقال : " ( في الحافرة ) في الحالة الأولى يعنون : الحياة بعد الموت . فإن قلت : ما حقيقة هذه الكلمة ؟ قلْتُ : يقال : رجع فلان في حافرته ، أي : في طريقه التي جاء فيها فحرفها ، أي أثّر فيها بمشيه فيها ... وقيل : النقد عند الحافرة ، يريدون عند الحالة الأولى ، وهي الصفقة "( ).
يتّضح مما تقدم إفادة الزمخشريّ مما أورده الفرّاء في تفسير الآية الكريمة وتبيين دلالة الحافرة والاحتجاج لها بقول العرب في المثل " النقد عن الحافرة " ، فضلا على استعمال الزمخشريّ أسلوب المناظرة المتخيلة ( الفنقلة )( ) في التفسير ، وهذا الأسلوب الذي اشتهر به الزمخشريّ في التفسير كانت جذوره الأولى عند الفرّاء ، الذي تحرّر من مذهب المتزمتين وتجاوب مع اللغويين المعتزلة( )، وربما كان هذا السبب وراء تبني الزمخشريّ معظم آراء الفرّاء .
ب‌. في قوله تعالى : {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} (الفلق/1) ، في معرض تفسيره لهذه الآية
بيّن الفرّاء دلالة الفلق وساق مثلا قالته العرب للاستدلال على أن معناه الصبح ، فقال : " الفلق : الصبح ، يقال : ( هو أبين من فلق الصبح ، وفَرق الصبح )( )"( ).
وانتفع الزمخشريّ بما أورده الفرّاء في تبيين دلالة الفلق من معنى وما ساقه من مثل ، فقال : " الفَلق والفَرق : الصبح ، لأنَّ الليل يفلق عنه ويفرق : فعل بمعنى مفعول ، يقال في المثل : هو أبين من فلق الصبح ومن فَرق الصبح "( ).
وبالموازنة بين النصين السابقين يتّضح جليًّا سير الزمخشريّ في ركاب الفرّاء وإفادته منه في تبيين الدلالة اللغوية للآيات القرآنية والاحتجاج لها بما قالته العرب من الأمثال ، وهذا أثر للفرّاء واضح يدل على عالميته وعلو شأنه وإحاطته بمختلف العلوم والآداب مما حدا بالزمخشريّ إلى اقتفاء أثره والاعتداد بآرائه في تفسيره الكشّاف .

?
المبحث الثالث
الأثر والتأثّر في الدلالة ومظاهرها
الدلالة : لغة ، هي مصدر دلَّ يدُلُّ دَلالةً ودِلالةً ودُلُولةً ، والفتح أعلى ، وكلها تؤدي معنًى واحدًا هو أرشد وهدى . والدليل والدالّ المرشِد إلى الطريق ( ).
واصطلاحا : هي كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيءٍ آخر ، والشيء الأول هو الدالّ ، والثاني هو المدلول ( ). ومعنى ذلك أنّ الدالَّ هو اللفظ والمدلول هو المعنى .
وعند المحدثين صار للدلالة علم خاص بها سُمِّيَ بـ( علم الدلالة ) ويعني (( دراسة المعنى )) ، أو (( العلم الذي يدرس المعنى )) ، أو (( ذلك الفرع من علم اللغة الذي يتناول نظرية المعنى )) ، أو (( ذلك الفرع الذي يدرس الشروط الواجب توافرها في الرمز حتى يكون قادرًا على حمل المعنى )) ( ).
ومهما تعددت تعريفات الدلالة فإنها لا تخرج عن تبيين علاقة الألفاظ بمعانيها ، ودلالة أي لفظ هي ما ينصرف إليه هذا اللفظ في الذهن من معنًى مدرك أو محسوس( ). والمعنى المدرك أو المحسوس لا يخرج في اشتقاقه عن الإظهار والبيان والقصد والمراد( ).
ولمّا كان الفرّاء قد أوضح في كتابه ( معاني القرآن ) معاني آيات القرآن الكريم ودلالات ألفاظه ، سواء أ كانت منفردة أم في نسق ضمن آية أو أكثر ، وبيّن جانبا من مشكلاته اللغوية ، وشرح الغامض فيها وفسّره ، وأزال اللبس والإبهام عن غريبها ؛ كان لكتابه أثر كبير لدى علماء العربية المتأخرين عنه من مفسرين ولغويين ونحويين وفقهاء ؛ ومنهم صاحب الكشّاف جار الله الزمخشريّ الذي تأثّر بمعاني القرآن للفرّاء ولاسيما في الحقل الدلالي إذ نهل منه الشيء الكثير في تبيين دلالات الآيات القرآنية والاحتجاج لها بالقرآن تارة وبكلام العرب شعرهم ونثرهم تارة أخرى .
وفيما يأتي تبيين ذلك الأثر والتأثّر في الحقل الدلالي :
1. الأثر والتأثّر في دلالة الألفاظ على معانيها :
أ‌. في قوله تعالى :{وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} ( سورة البقرة /61 ) ، بيّن الفرّاء أنَّ المراد بالفوم هو الحنطة والخبز جميعًا وعدّها لغة قديمة، ثم أشار إلى قراءة عبد الله بن مسعود ( وثومها ) بالثاء ، وعدّه أشبه المعنيين بالصواب لمشاكلة الثوم للعدس والبصل ؛ فقال: " وأمّا قوله : " وفومها وعدسها وبصلها " فإنَّ الفوم فيما ذكر لغة قديمة وهي الحنطة والخبز جميعا قد ذكرا ، قال بعضهم : سمعنا العرب من أهل هذه اللغة يقولون : فوِّموا لنا بالتشديد لا غير ، يريدون اختبزوا ، وهي في قراءة عبد الله (( وثومها )) بالثاء ، فكأنه أشبه المعنيين بالصواب ؛ لأنه مع ما يشاكله : من العدس والبصل وشبهه "( ).
واقتفى الزمخشريّ أثر الفرّاء في تبيين دلالة الآية المذكورة آنفا موردًا ما ذكره الفرّاء فيها جملة وتفصيلا ، فقال : " والفوم : الحنطة ومنه : فوِّموا لنا ، أي : اخبزوا . وقيل : الثوم. ويدلّ عليه قراءة ابن مسعود : وثومها ، وهو للعدس والبصل أوفق "( ).
ب‌. في قوله تعالى : {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} (سورة البقرة /175) ، فسّر الفرّاء دلالة الآية ورأى أنَّ فيها وجهين ، فقال : " وقوله : ( فما أصبرهم على النار ) فيه وجهان: احدهما معناه : فما الذي صبَّرهم على النار ؟ والوجه الآخر : فما أجرأهم على النار ! قال الكسائي سألني قاضي اليمن وهو بمكة ، فقال اختصم إليّ رجلان من العرب فحَلف أحدهما على حق صاحبه فقال له : ما أصبرك على الله ، فمعناه ما أصبرك على عذاب الله "( ).
وأفاد الزمخشريّ من تفسير الفرّاء المذكور آنفا بما فيه سماعه عن الكسائي بشأن قاضي اليمن ، فقال : " وقيل : فما أصبرهم ، فأيّ شيءٍ صبَّرهم . يقال " أصبره على كذا وصبَّره بمعنى . وهذا أصل معنى فعل التعجب . والذي روي عن الكسائي أنه قال : قال لي قاضي اليمن بمكة ، اختصم إليّ رجلان من العرب فحَلف أحدهما على حق صاحبه فقال له : ما أصبرك على الله ، فمعناه ما أصبرك على عذاب الله "( ).
ت‌. في قوله تعالى : {وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} (سورة البقرة /231) ، فسّر الفرّاء معنى الضرار الوارد في الآية الكريمة بتطويل مراجعة الرجل لمطلَّقته حتى يقرب انقضاء أجلها بعد الحيضة الثالثة ، فقال " كان الرجل منهم إذا طلّق امرأته فهو أحقُّ برجعتها ما لم تغتسل من الحيضة الثانية ، وكان إذا أراد أن يُضِرَّ بها تركها حتى تحيض الحيضة الثالثة ثم يراجعها ، ويفعل ذلك في التطليقة الثانية . فتطويله لرجعتها هو الضرار بها "( ).
واقتفى الزمخشريّ أثر الفرّاء في تفسير معنى ( الضرار ) الوارد في الآية الكريمة نفسها ، فقال : " ( ولا تمسكوهن ضرارًا ) كان الرجل يطلّق المرأة ويتركها حتى يقرب انقضاء عدتها ، ثم يراجعها لا عن حاجة ، ولكن ليطوّل العدة عليها ، فهو الإمساك ضرارًا"( ).
والمتأمِّل لفحوى النصين السابقين لا يحتاج إلى بذل جهد كبير ليتبيَّن أثر الفرّاء في تبيين دلالة ( الضرار ) عند الزمخشريّ في الكشّاف إذ هو أثر على طرف الثمام .
ث‌. في قوله تعالى : {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} ( آل عمران /140) ، بين الفرّاء دلالة القَرح بالفتح والقُرح بالضم وأشار إلى القراءتين ، فقال : " وقُرح . وأكثر القرّاء على فتح القاف . وقد قرأ أصحاب عبد الله : قُرح ، وكأنّ القُرح ألم الجراحات ، وكأنّ القَرح الجراح بأعيناها " ( ).
وائتثر الزمخشريّ أبا زكريا الفرّاء في إيراد معنى ( القرح ) بقراءتيه فقال : " قرئ (قرح) بفتح القاف وضمّها ، وهما لغتان كالضَّعف والضُّعف . وقيل هو بالفتح الجراح . وبالضم ألمها " ( ).
وبالموازنة بين النصين السابقين يتّضح جليًّا إفادة الزمخشريّ من معاني الفرّاء في تبيين دلالة (القرح) وإيراد رأيه بقوله : وقيل إذ أغفل التصريح بنسبة رأي الفرّاء إليه .
ج‌. في قوله تعالى : { وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً } (التوبة /16) ، بيّن الفرّاء معنى ( الوليجة )، فقال : " والوليجة : البطانة من المشركين يتخذونهم فيُفشون إليهم أسرارهم ، ويعلموهم أمورهم . فَنُهوا عن ذلك "( ).
وأفاد الزمخشريّ من معاني الفرّاء في تبيين معنى ( الوليجة ) في الآية المذكورة آنفا ، فقال : " ( ولم يتخذوا وليجة ) أي بطانة ، من الذين يُضادُّون رسولّ الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين رضوان الله عليهم " ( ).
وبالموازنة بين النصين السابقين يتّضح جليّا أثر السابق في اللاحق الذي أعاد المعنى نفسه بتلاعب يسير في الألفاظ .
ح‌. في قوله تعالى : {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} ( يوسف /20) ، فسّر الفرّاء الدراهم المعدودة بالقليلة وذكر أنها عشرون درهما ومن ثم فما قلَّ عن الأوقية منها يُعَدُّ عدًّا ، فقال : " قيل : عشرين ، وإنما قيل معدودة ليُستَدَلَّ به على القلّة ، لأنهم كانوا لا يَزِنُونَ الدراهم حتى تبلغ أوقِيَّةً ، والأوقيّة كانت وزن أربعين درهما "( ).
وائتثر الزمخشريّ أبا زكريا الفرّاء في تفسير الآية الكريمة المذكورة آنفا ، فقال : "(معدودة) قليلة تُعَدُّ عدًّا ولا توزن ، لأنهم كانوا لا يَزِنُونَ إلا ما بلغ الأوقية وهي الأربعون ويعدّون ما دونها . وقيل للقليلة معدودة ؛ لأنّ الكثيرة يمتنع من عدّها لكثرتها . وعن ابن عباس : كانت عشرين درهما "( ).
وبالموازنة بين النصين السابقين تتضح إفادة الزمخشريّ مما أورده الفرّاء في تفسير هذه الآية الكريمة بالاعتماد على التفسير بالمأثور واللغة معًا .
خ‌. في قوله تعالى : {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} ( يوسف /45) ، أوضح الفرّاء معنى ( الأمَّة ) ومعنى ( الأَمَه ) في قراءة من قرأ بالهاء ، فقال : " الأمَّةُ : الحين من الدهر . وقد ذُكِرَ عن بعضهم ( بعد أَمَهٍ ) وهو النسيان ، يقال : رجل مأموه كأنّه الذي ليس معه عقله ، وقد أَمِهَ الرجلُ "( ).
وائتثره الزمخشريّ في تبيين معنى الأمَّة والأمَه ، فقال : " بعد أمَّةٍ ، بعد مدّة طويلة... وقرئ ( بَعْدَ أمَهٍ )أي بعد نسيان ، يقال أَمِهَ يأمَهُ أَمَهًا ، إذا نَسِيَ "( ).
وبالموازنة بين النصين السابقين يتضح جليًّا مدى تأثّر الزمخشريّ بآراء الفرّاء وتوجيهاته والإفادة منها في تبيين دلالة الآية الكريمة .
د‌. في قوله تعالى :{إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ} ( الشعراء /137 ) ، أوضح الفرّاء دلالة ( خلق الأولين ) بقراءتيْها( ) واختار لنفسه قراءة خالفت قراءة شيخه الكسائي ، فقال : " قوله: خُلُقُ الأوّلين ، وقراءة الكسائي ( خَلْق الأوّلين ) ، قال الفرّاء : وقراءتي ( خُلُقُ الأوّلين)، فمن قرأ ( خَلْق ) يقول : اختلاقهم وكذبهم ، ومَنْ قرأ ( خُلُقُ الأوّلين ) يقول: عادة الأولين ، أي وراثة أبيك عن أول . والعرب تقول : حُدِّثْنا بأحاديث الخَلْق وهي الخرافات المفتلعة وأشباهها ، فلذلك اخترت الخُلُق "( ).
وانتفع الزمخشريّ بتوجيه الفرّاء دلالة ( خُلُق الأوّلين ) بقراءتيها ، فقال في تفسير الآية نفسها : " مَنْ قرأ : خَلْق الأولين بالفتح ، فمعناه : أنّ ما جئت به من اختلاق الاولين وتخرّصهم ، كما قالوا : أساطير الأولين . أو ما خَلْقنا هذا إلا خَلْق القرون الخالية ، نحيا كما حيوا ، ونموت كما ماتوا ، ولا بعث ولا حساب . ومن قرأ : خُلُق ، بضمتين ، وبواحدة ، فمعناه : ما هذا الذين نحن عليه من الدين إلا خُلُق الأوّلين وعادتهم ، كانوا يدينونه ويعتقدونه ، ونحن بهم مقتدون . أو ما هذا الذي نحن عليه من الحياة والموت إلاّ عادة لم يزل عليها الناس في قديم الدهر . أو ما هذا الذي جئت به من الكذب إلاّ عادة الأوّلين ، كانوا يلفقون مثله ويسطرونه "( ).
وبتأمّل النصين السابقين نخلص إلى نتيجة مفادها إفادة الزمخشريّ من معاني القرآن للفرّاء في تبيين دلالة الآية وكشف المراد عنها .
ذ‌. في قوله تعالى : {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} ( الزمر /42 ) ، ذهب الفرّاء إلى أن توفي الأنفس التي لم تمت في منامها يكون عِنْدَ انقضاء أجلها أو أن توفيها هو نومها وعدّه أحبّ الوجهين إليه مستدلا له بشاهد من القرآن ، فقال : " المعنى فيه يتوفى الأنفس حين موتها ، ويتوفى التي لم تَمُتْ في منامها عند انقضاء أجلها . ويقال : إنَّ توفيها نومها . وهو أحبُّ الوجهين إليّ لقوله ( فيمسك التي قضى عليها الموت ) ، ولقوله ( وَهُوَ الذي يتوفاكم بالليل ) ( )" ( ).
واقتفى الزمخشريّ أثر الفرّاء في تفسير معنى الآية المذكورة آنفًا ، فقال : " ( والتي لم تمت في منامها ) يريد : ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها ، أي : يتوفاها حين تنام ، تشبيها للنائمين بالموتى ، ومنه قوله تعالى (وَهُوَ الذي يتوفاكم بالليل ) حيث لا يميزون ولا يتصرفون ، كما أنّ الموتى كذلك "( ).
وبالموازنة بين النصين السابقين يتّضح جليًّا أثر السابق في اللاحق ، إذ اعتدّ الزمخشريّ بتفسير الفرّاء دلالة الآية وبما احتجّ به من أدلة الاحتجاج ، وهو الشاهد القرآني الذي اتّخذه الفرّاء دعامة للترجيح بقوله ( أحب الوجهين إليَّ ) .
ر‌. في قوله تعالى : {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا} ( الزخرف /45) ، بيّن الفرّاء دلالة الآية ورأى أنّ فيها وجهين ، فقال : " يقول القائل : وكيف أمر أن يسأل رسلا قد مضوا ؟ ففيه وجهان : أحدهما : أن يسأل أهل التوراة والإنجيل ، فإنّهم إنّما يخبرونه عن الكتب التي جاؤوا بها ، فإذا سأل الكتب فكأنّه سأل الأنبياء .
وقال بعضهم( ) : إنّه سيسرى بك يا محمد فتلقى الأنبياء فسَلْهُم عن ذلك ، فلم يشكك صلى الله عليه وسلم ولم يسألهم "( ).
واقتفى الزمخشريُّ أثر الفرّاء في تبيين معنى الآية المذكورة آنفًا ونسبَ ما نقله عن الفرّاء إليه ، فقال : " وقيل : إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم جمع له الأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس فأمَّهُم . وقيل له سلهم ، فلم يُشكك ولم يسأل . وقيل : معناه سَلْ أمم من أرسلنا وهم أهل الكتابَيْن : التوراة والإنجيل . وعن الفرّاء : هم إنما يخبرونه عن كتب الرسل ، فإذا سألهم فكأنّه سأل الأنبياء "( ).
وبالموازنة بين النصين السابقين يتبيّن جليًّا تأثّر الزمخشريّ بما أورده الفرّاء من توجيه في تبيين دلالة الآية ، فضلا على تصريحه بالنقل عن الفرّاء .
ز‌. في قوله تعالى : {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} ( الفتح /) ، بعد أن فسَّر (كملة التقوى ) بـ( لا إله إلا الله ) ، ذكر الفرّاء ما رآه من تقديم وتأخير في قوله تعالى ( وكانوا أحقَّ بها وأهلَها ) ، فقال : " ورأيتها في مصحف الحارث بن سويد التميمي من أصحاب عبد الله ( وكانوا أهلها وأحقَّ بها ) وهو تقديم وتأخير ، وكان مصحفه دفن أيام الحجّاج "( ).
واقتفى الزمخشريّ أثر الفرّاء في تفسير التقوى وإيراد خبر التقديم والتأخير في قوله تعالى ( وكانوا أحقَّ بها وأهلَها ) الذي رواه الفرّاء ؛ إذ فسّر التقوى بالبسملة أو الشهادة أو الوفاء بالعهد ، ثم قال : " وفي مصحف الحارث بن سويد صاحب عبد الله : وكانوا أهلها وأحقَّ بها ، وهو الذي دفن مصحفه أيّام الحجاج "( ).
وبالموازنة بين النصين السابقين يتّضح جليًّا إعتداد الزمخشريّ بما رآه الفرّاء ورواه في معانيه .
س‌. في قوله تعالى : {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} ( الطور /32 ) ، بيّن الفرّاء معنى ( الأحلام ) في هذه الآية الكريمة فعدّها العقول والألباب ، فقال : " الأحلام في هذا الموضع : العقول والألباب ".( ).
واقتفى الزخشريّ أثر الفرّاء واعتدَ برأيه في تبيين الأحلام في هذه الآية فقال :" أحلامهم عقولهم وألبابهم "( ).
وبالموازنة بين النصين السابقين يتّضح التطابق التام بينهما ، وهو دليل واضح على تأثّر الزمخشريّ برأي الفرّاء واعتداده به على الرغم من إغفال نسبته إليه .
ش‌. في قوله تعالى : {وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ } ( القلم /25 ) ، بيّن الفرّاء ما تدلّ عليه لفظة ( حرد ) في اللغة واحتجّ لها بدليل من أدلة الاحتجاج الشعرية ، فقال : " وقوله : ( وغدوا على حرد قادرين ) على جدٍّ وقدرة في أنفسهم ، والحرد أيضًا : القصد ، كما يقول الرجل للرجل : قد أقبلتُ قِبَلَكَ ، وقصدتُ قصدَك ، وحَرَدْتُ حَرْدَك ، وأنشدني بعضهم :
وجاء سيلٌ كانَ مِنْ أمرِ الله
يحرِدُ حَرْدَ الجنَّةِ المُغِلَّهْ

يريد : يقصد قصدها "( ).
وائتثر الزمخشريّ أبا زكريا الفرّاء في تبيين دلالة ( الحرد ) والاحتجاج له بدليل شعريّ ، فقال :" الحرد : من حردت السنة إذا منعت خيرها ؛ وحاردت الإبل إذا منعت درّها . والمعنى : وغدوا قادرين على نكد ، لا غير عاجزين عن النفع ، يعني أنّهم عزموا أن يتنكدوا على المساكين ويحرموهم وهم قادرون على نفعهم ، (...) وقيل : الحرد القصد والسرعة ؛ يقال: حردت حردك . وقال :
وجاء سيلٌ كانَ مِنْ أمرِ الله
يحرِدُ حَرْدَ الجنَّةِ المُغِلَّهْ

يعني : وغدوا قاصدين إلى جنتهم بسرعة ونشاط ، قادرين عند أنفسهم ، يقولون : نحن نقدر على صرامها وزيِّ منفعتها عن المساكين "( ).
وبالموازنة بين النصين السابقين يتّضح جليًّا أثر السابق في اللاحق من حيث تبيين دلالة (الحرد) والاحتجاج له بدليل من الشعر .
ص‌. في قوله تعالى :{فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} ( العلق /17 ) ، أوضح الفرّاء دلالة النادي واحتجّ لها ببيت من الشعر ، فقال :" ( فليدع ناديه ) قومه ، والعرب تقول : النادي يشهدون عليك، والمجلس ، يجعلون الناديّ والمجلس ، والمشهد ، والشاهد – القوم ، قوم الرجل. قال الشاعر( ):
لهم مجلسٌ صُهْبُ السِّبالِ أذلَّةٌ
سواسيةٌ أحرارُها وعبيدٌها
ج
أي هم سواءٌ "( ).
وأفاد الزمخشريّ من معاني الفرّاء في تبيين دلالة ( النادي ) والاستدلال عليه في موضع الآية نفسها ، فقال :" والنادي : المجلس الذي ينتدي فيه القوم ، أي يجتمعون ، والمراد أهل النادي ، كما قال جرير :
لهم مجلسٌ صُهْبُ السِّبالِ أذلَّةٌ"( ).
وبالموازنة بين النصين السابقين يتّضح أثر السابق في اللاحق من حيث تبيين معنى (النادي ) والاحتجاج له بدليل من الشعر .
نخلص من الأمثلة المذكورة آنفًا أن الزمخشري قد أفاد من علم الفرّاء واعتدّ بآرائه في تبيين معاني الكثير من الألفاظ القرآنية والاحتجاج لها بأدلّة الاحتجاج اللغوية ، وهو دليل ثابت على تأثّر اللاحق بالسابق ، وقد تكرّر مثل هذا الأثر والتأثّر في غير موضع من آيات القرآن الكريم ( ).
2. الأثر والتأثّر في الظواهر الدلالية :
1. في الأضداد :
الأضداد مصطلح يطلق على الألفاظ التي تنصرف إلى معنيين متضادين ، وفي ذلك يقول أبو الطيب اللغوي (ت351 هـ) : " الأضداد : جمع ضد ، وضد كل شيء ما نافاه ، نحو البياض والسواد ، والسخاء والبخل ، والشجاعة والجبن ، وليس كل ما خالف الشيء ضدًّا له . ألا ترى أنّ القوة والجهل مختلفان ، وليسا ضدين ، وإنّما ضد القوة الضعف وضد الجهل العلم؛ فالاختلاف أهم من التضاد ، إذ كان كل متضادين مختلفين ، وليس كل مختلفين متضادين "( ). ونفهم من هذا التعريف أن التقابل بين المعنيين في اللفظ الواحد شرط لعدّهما من الأضداد ، وبهذا تخرج من الأضداد الألفاظ التي تتقابل فيها المعاني من غير أن يتحد اللفظ، مثل النور والظلمة ، والليل والنهار ، والأسود والأبيض .
وقد ذهب ابن فارس إلى أنّ الأضداد من سنن العرب في الأسماء ، فقال : " ومن سنن العرب في الأسماء أن يسمّوا المتضادين باسم واحد ، نحو ( الجَوْن ) للأسود و( الجَوْن ) للأبيض "( ). وقد تابع الثعالبيُّ ابنَ فارس فيما ذهب إليه( ) غير أنّ عددًا من علماء العربية قد أنكر أصالة التضاد في اللغة ، وعدّ بعضهم الأضداد نوعا من المشترك اللفظي ، ومنهم الزجّاج والسيوطي وصبحي الصالح ( ). وحجّة هؤلاء أنّ التضاد ظاهرة لغوية غريبة ، إذ ليس من الطبيعي أن ينصرف اللفظ إلى المعنى وإلى ضدّه في الوقت نفسه ؛ لأن ذلك يورث اللبس والوهم ويؤدي إلى وصف اللغة بعدم الإبانة والاضطراب والغموض وهي بخلاف ذلك .
ولم يستقر مصطلح الأضداد عند الفرّاء ،إذ كان يورد المعنيين المتضادين للفظة من غير إشارة إلى أنها من الأضداد ، تاركا الاستنتاج للقارئ ، وقد تابعه الزمخشريّ في هذا النهج ؛ وفيما يأتي تبيين أثر السابق في اللاحق :
أ‌. في قوله تعالى :{بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} ( سورة البقرة / 90) ، بيّن الفرّاء أنَّ الفعل ( اشتروا ) في الآية بمعنى باعوا ، وأنَّ دلالة الشراء على البيع لغة مسموعة في تميم وربيعة ، فقال : " معناه - والله أعلم – باعوا به أنفسهم . وللعرب في شَرَوا واشتَروا مذهبان ، فالأكثر منهما أن يكون شَرَوا : باعوا ، واشتَروا : ابتاعوا ، وربما جعلوهما جميعا في معنى باعوا ، وكذلك البيع ؛ يقال : بعت الثوب . على معنى أخرجتُه من يدي، وبعتُه : اشتريتُه ، وهذه اللغة في تميم وربيعة "( ).
وأفاد الزمخشريّ مما أورده الفرّاء في تفسير الشراء بمعنى البيع ، فقال في تبيين دلالة الآية نفسها : " (ما) نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس بمعنى بئس شيئا ( اشتروا أنفسهم) والمخصوص بالذم ( أن يكفروا ) ، واشتروا بعنى باعوا "( ).
يتّضح مما تقدَّم إعراض الفرّاء والزمخشري كليهما عن الإشارة إلى انصراف (اشتروا) إلى معنيين متضادين ، وكأنهما تركا ذلك للقارئ كي يكتشفه بنفسه .
ب‌. في قوله تعالى : {إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا} (طه / 15) ، بعد أن أورد الفرّاء قراءات القرّاء بضم الألف (أُخفيها) وبفتحها أنَّ ( أَخفيها ) بفتح الألف من خفيت بمعنى أظهرت وبمعنى سترت ، - فهي من الأضداد – واحتجّ لها بشاهد شعري ، فقال : " قرأت القرّاء ( أكاد أُخفيها )( ) بالضمّ ، وفي قراءة أُبَيّ ( إنّ الساعة آتية أكاد أُخفيها من نفسي فكيف أظهركم عليها )، وقرأ سعيد بن جُبَيْر ( أَخفيها ) بفتح الألف من خفيت . وخفيت : أظهرت وخفيتُ سترْتُ ، كما قال الشاعر( ):
فإنْ تدفنوا الداءَ لا نُخْفِهِ
وإنْ تبعثول الحربَ لا نقعُدِ "( ).

واقتفى الزمخشريّ أثر الفرّاء في تبيين دلالة الآية الكريمة المذكورة آنفا والاحتجاج لمعنى ( أَخفيها ) بالفتح بشاهد شعري يؤكد معنى الضدية ( الإظهار ) فيه ، فقال :" قيل معناه أكاد أخفيها من نفسي ، ولا دليل في الكلام على هذا المحذوف ، ومحذوف لا دليل عليه مطرح. والذي غرّهم منه أنَّ في مصحف أُبَيّ : أكاد أخفيها من نفسي . وفي بعض المصاحف: أكاد أخفيها من نفسي فكيف أظهركم عليها . وعن أبي الدرداء وسعيد بن جبير : أَخفيها بالفتح ، من خفاه إذا أظهره ، أي : قرب إظهارها كقوله تعالى ( اقتربت الساعة )( ) وقد جاء في بعض اللغات : أخفاه بمعنى خفاه وبه فُسِّر بيت امرئ القيس :
فإنْ تدفنوا الداءَ لا نُخْفِهِ
وإنْ تبعثوا الحربَ لا نقعُدِ

فأكاد أخفيها محتمل للمعنيين"( ).
وبالموازنة بين النصين السابقين يتّضح انتفاع الزمخشريّ بما أورده الفرّاء من انصراف ( أَخفيها ) بالفتح إلى معنيي الإظهار والستر والاحتجاج لهذا المعنى ببيت امرئ القيس المذكور آنفا .
ت‌. في قوله تعالى :" {وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ} (الفرقان /21) ، فسّر الفرّاء ( الرجاء ) الوارد في الآية الكريمة بمعنى الخوف على اللغة التهامية وأشار إلى أنّ الرجاء ينصرف إلى معنى الخوف إذا كان معه جحد ، فقال :" لا يخافون لقاءنا ، وهي لغة تهامية : يضعون الرجاء موضع الخوف إذا كان معه جحد ، من ذلك قول الله ( ما لكم لا ترجون لله وقارا )( ) ، أي : لا تخافون له عظمة "( ).
واقتفى الزمخشريّ أثر الفرّاء فنقل عنه انصراف الرجاء إلى معنى الخوف في لغة تهامة واحتجّ له بما احتجّ به الفرّاء من شواهد القرآن الكريم ، فقال :" أي يأملون لقاءنا بالخير لأنهم كفرة . أو لا يخافون لقاءنا بالشر . والرجاء في لغة تهامة : الخوف ، وبه فُسِّر قوله تعالى ( لا ترجون لله وقارا )"( ).
يتّضح مما تقدم أنَّ العالمَينِ الجليلَينِ الفرّاء والزمخشريّ قد جعلا الرجاء بمعنى الخوف في لغة تهامة فضلا على معنى الأمل في غير اللغة التهامية ، على أنّ هناك من العلماء من أشار صراحة إلى كون الرجاء من الأضداد( ) وقد تكرر هذا الأثر في غير موضع من الكتابين( ).
2. في المجاز :
المجاز : هو استعمال اللفظ في غير معناه الحقيقي ، وقد فرَّق ابن جني (ت392هـ) بين الحقيقة والمجاز فقال :" والحقيقة ما أُقِرَّ في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة . والمجاز ما كان بضد ذلك . وإنّما يقع المجاز ويعدل إليه عن الحقيقة لمعانٍ ثلاثة ، هي : الاتساع ، والتوكيد ، والتشبيه . فإن عَدِمَ هذه الأوصاف كانت الحقيقة البتة"( ).
وحدّه الإمام عبد القاهر الجرجاني (ت471هـ) بأنّه :" كلّ كلمة أُريدَ بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول"( ).
وبذلك يكون المجاز خلاف الحقيقة ، وتجوِّزًا عنها ، إذ الحقيقة هي اللفظ الدال على موضوعه الأصليّ ، والمجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له حقيقة ، أو زيادة معنى آخر غير حقيقيّ على اللفظ بقرينة سياقية تدل عليه. وبذلك ينتقل مجال الدلالة لعلاقة بين المدلولين ، على أنّ أهم علاقات المجاز هي المشابهة والمجاورة والحالية والسببية والمحكية والزمانية والمكانية واعتبار ما كان وما سيكون وغير ذلك( ).
وقد أوقفنا الفرّاء على بعض الألفاظ في الآيات القرآنية التي انتقل مجال دلالتها في أصل الوضع إلى دلالة أخرى لتشابه بين الدلالتين أو لقرب بينهما أو لعلاقة أو مناسبة واضحة بين الدلالتين ، وكان له قصب السبق في ذلك لما يمتلك من عقلية راجحة وسعة اطلاع وقوة ملاحظة ، فضلا على كونه من علماء العربية الأوائل الذين ألفوا في معاني القرآن ، ولهذا نجد آراءه مبثوثة في كتب مَنْ وَلِيه من المفسرين كالزمخشريّ ، وفيما يأتي تبيين لأثر آراء الفرّاء في المجاز عند الزمخشريّ في الكشّاف :
أ‌. في قوله تعالى :{ فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} (الكهف/77) ، أضاف الفرّاء الإرادة التي تكون في الحيَوان المبين إلى ما ليس بفاعل له في الحقيقة وهو الجماد (الجدار ) ، وحمل ذلك على السماع في كلام العرب والحمل على النظير من أدلة الاحتجاج لعلاقة المشابهة ؛ فقال :" وقوله ( يريد أن ينقضّ ) ، يقال كيف يريد الجدار أن ينقضّ ؟ وذلك من كلام العرب أن يقولوا : الجدار يريد أن يسقط . ومثله قول الله ( ولما سكت عن موسى الغضب )( )، والغضب لا يسكت ، إنما يسكت صاحبه ، وإنما معناه سكن ، وقوله ( فإذا عزم الأمرُ ) ( )، وإنما يعزم الأمرَ أهلُه ، وقد قال الشاعر( ) :
إنَّ دهْرًا يلفّ شملي بجُملٍ
لزمان يَهُمُّ بالإحسانِ

وكذلك قول عنترة( ):
فازوَّرَ مِنْ وَقْعِ القَنَا بِلَبانهِ
وشكا إليَّ بعبرةٍ وتَحَمْحُمِ"( ).

وانتفع الزمخشريّ بما أورده الفرّاء في تبيين دلالة الآية وما فيها من مجاز واحتجّ لها بما ساقه الفرّاء من أدلة الاحتجاج ، فقال :" ( يريد أن ينقضّ ) استعيرت الإرادة للمداناة والمشارفة ، كما استعير الهمّ والعزم لذلك . (...) قال حسان :
إنَّ دهْرًا يلفّ شملي بجُملٍ
لزمان يَهُمُّ بالإحسانِ

وسمعت من يقول : عزم السّراج أن يطفأ ، وطلب أن يطفأ ، وإذا كان القول والنطق والشكاية والصدق والكذب والسكوت والتمرد والإباء والعزة والطواعية وغير ذلك مستعارة للجماد ولما لا يعقل ، فما بال الإرادة ؟ قال [ عنترة بن شداد]*.
وشكا إليَّ بعبرةٍ وتَحَمْحُمِ

[ وقوله تعالى ]* ( ولما سكت عن موسى الغضب )"( ).
وبالموازنة بين النصين السابقين يتجلّى بوضوح أثر السابق في اللاحق ، إذ بيّن الفرّاء دلالة الآية بالحمل على النظير إشارة إلى دلالتها المجازية من غير التصريح بلفظ المجاز ، وأفاد الزمخشريّ من تفسير الفرّاء فصرّح بالاستعارة وعضّدها بالحمل على النظير من الشواهد التي ساقها الفرّاء قبلُ .
ب‌. في قوله تعالى : {إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً} ( المزمل /7) ، بعدَ أنْ بيّن الفرّاء دلالة الآية على وفق قراءة الجمهور ( سبحًا ) ، ذكر القراءة الأخرى ( سبخا ) بالخاء ، وبيّن معنى التسبيخ في اللغة ، وعلى هذه القراءة يكون المعنى مجازيا ، فقال :" يقول: لك في النهار ما يقضي حوائجك ، وقرأ بعضهم : ( سبخا)( ) بالخاء ، والتسبيخ: توسعة الصوف والقطن وما أشبهه ، يقال : سبَّخي قطنكِ"( ).
وانتفع الزمخشريّ بما أورده الفرّاء في تبيين دلالة الآية على القراءتين وصرح بالقول أن القراءة بالخاء لهي من المجاز ، وفيها استعارة من سبخ الصوف وهو نفشه ونَشْرُ أجزائه للدلالة على انشار الهمّ وتفرق القلب بالشواغل في النهار ، فقال :" ( سبحًا ) تصرُّفًا وتقلّبا في مهماتك وشواغلك ، ولا تفرغ إلا بالليل ؛ فعليك بمناجاة الله التي تقتضي فراغ البال وانتفاء الشواغل . وأما القراءة بالخاء ، فاستعارة من سبخ الصوف : وهو نفشه ونَشْرُ أجزائه ، لانتشار الهم وتفرّق القلب بالشواغل : كلفه قيام الليل ، ثم ذكر الحكمة فيما كلفه منه : وهو أنّ الليل أعون على المواطأة وأشد للقراءة ، لهدوّ الرجل وخفوت الصوت : وأنّه أجمع للقلب وأضمّ لنشر الهم من النهار ؛ لأنّه وقت تفرّق الهموم وتوزع الخواطر والتقلب في حوائج المعاش والمعاد ، وقيل فراغا وسعة لنومك وتصرفك في حوائجك"( ).
وبالموازنة بين النصين السابقين يتجلى بوضوح تأثر الزمخشريّ بما أورده الفرّاء في تبيين دلالة الآية بقراءتيها المذكورتين آنفًا ، على أنّ للزمخشريّ مزية التصريح بحمل دلالة الآية بقراءة ( سبخا ) بالخاء على المجاز وهو ما لم يصرّح به الفرّاء .

?
الخـاتـمــة
? بيّن البحث بلغة الأرقام تأثّر الزمخشريّ بالفرّاء من خلال كتابه معاني القرآن إذ تنوّعت الآثار الصوتية والصرفية والدلالية للفرّاء لدى الزمخشريّ في الكشّاف بين أثر مصرّح بنسبته للفرّاء وآخر غير مصرّح به ؛ فكان مجموع ما تأثّره الزمخشريّ عن الفرّاء وصرّح بنسبته إليه (11) أحد عشر أثرا ، على حين بلغ مجموع ما تأثّره عن الفرّاء ولم يصرّح بنسبته إليه (90) تسعين أثرًا . أما أدلّة الاحتجاج اللغوية فقد بلغ مجموع ما نقله الزمخشريّ منها عن الفرّاء (30) ثلاثين شاهدًا موزعة على القرآن وقراءاته بواقع ثمانية شواهد ، والحديث الشريف بواقع شاهدين اثنين ، والشعر بواقع سبعة عشر شاهدًا ، والنثر بواقع ثلاثة شواهد . ولعل السبب في عزوف الزَّمخشريّ عن التصريح باسم الفرَّاء يرجع إلى شهرة هذه الآراء عن الفرَّاء ، وشيوع العلم بها بين الناس ، أو أنَّ الزَّمخشريّ قصد إغفال أسماء من ينقل عنهم تداركا لتزاحم الأسماء في الكشَّاف من جهة ،ودرءاً لأن يُنْعَتَ بأنّه رجلٌ جمَّاعة من جهة أخرى . ورُبَّما السبب في ذلك يعود لبصريته التي صرّح بها في غير موضع ، فكيف يُكثر من ذكر الفرَّاء وهو أحد كبار علماء الكوفة ؟! وثمة فائدة من هذا البحث أخرى أودُّ أن ألفت نظر الباحثين إليها ألا وهي تصريح الفرَّاء بأنَّ له قراءة عند إيراده قراءة عبد الله بن مسعود ] إِنَّنِي بَرَيءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ[ (الزخرف/26) إذ قال : (( ولو قرأها قارئ كان صوابًا موافقًا لقراءتنا). وحسبي أن أشير بها لمن يروم الخوض في القراءات القرآنية ومحاولة الإتيان بجديد .
? كشف البحث عن معرفة لغوية كبيرة في الحقل الدلالي تمتع بها الفرّاء تجسدت في انطلاقه من النص القرآني لتأصيل الاستعمال القرآني بما صحّ عنده من كلام العرب شعرهم ونثرهم ؛ فضلا على تأسيس الفرّاء لنهج الكوفيين في عدم إهدار جزء من اللغة لصالح القياس كما فعل البصريون . وقد كان لعلم الفرّاء الغزير أثره في الخالفين ومنهم الزمخشريّ ، إذ كان كتاب معاني القرآن موردا مهما من موارد تفسيره الكشّاف الذي أودعه الشيء الكثير من علم الفرّاء ولاسيما ما يتعلق بدلالة الآيات القرآنية وقراءاتها المختلفة وما حفظته لنا من وجوه نطق وأساليب تعبير أثرت اللغة ومنحت الناطقين بها سعة في اختيار ما يرومون النطق به من تلك الأساليب .
? برّز البحث مقدرة الفرّاء في التحليل والتفسير الدلالي المستند إلى السماع والقياس في الاستدلال للألفاظ على معانيها والاستعانة بضم الأشباه إلى نظائرها من أجل تبيين النصوص وإزالة اللبس عنها ، فضلا على ابتداعه أسلوبا راقيا في التفسير ألا وهو التفسير بأسلوب المناظرة المتخيلة ؛ فكان لهذه المقدرة في التفسير صداها الكبير لدى الزمخشريّ الذي لم تفته فرصة الإفادة من آراء الفرّاء اللغوية واقتفاء أثره في التفسير والتحليل والاستدلال . وبات أسلوب التفسير بالمناظرة المتخيلة الذي ابتكره الفرّاء – مَعْلَمًا طُبع به الزمخشريّ إذ تلقف الفكرة من الفرّاء ونضّجها حتى استوت على سوقها في مؤلفه الكشّاف ، فكثيرا ما يُقابلنا قوله : ( فإنْ قُلْتَ : سؤال ؟ قُلْتُ ) وهو ما عرف لدى اللغويين المحدثين بـ( الفنقلة ) .
? سلّط البحث الضوء على أهم الظواهر اللغوية التي ذكرها الفرّاء في معانيه كالأضداد والمجاز مما كان له الأثر عند الزمخشريّ في كشّافه ، وقد أفصحت صحف البحث عن هذا الأثر والتأثّر .
?
المــــصـــادر
القرآن الكريم
1. أساس البلاغة ، لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشريّ (ت538 هـ) ، دار الفكر ط1 بيروت 1427هـ - 2006م .
2. أسرار البلاغة ، للشيخ الإمام عبد القاهر الجرجاني ، تحقيق هـ. ريتر ، استانبول مطبعة وزارة المعارف ط2 1399هـ - 1979م .
3. الأضداد ، الأصمعي ضمن مجموعة ثلاثة كتب في الأضداد ، نشر أوجست هفنر 1811م ,
4. الأضداد في كلام العرب ، لأبي الطيب اللغوي (351هـ) ، تحقيق: عزّة حسن ، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق 1382هـ - 1963.
5. البرهان في علوم القرآن ، للإمام بدري الدين محمد بن عبد الله الزركشي ، علّق عليه وقدّم له مصطفى عبد القادر عطا ، دار الفكر - بيروت 1426هـ - 2005م .
6. حاشية المرزوقي على تفسير الكشّاف ، للشيخ محمد عليان المرزوقي ، مطبوع بهامش الكشّاف ، دار الكتاب العربي ، 1366هـ - 1947م .
7. الخصائص ، لابن جني (ت392هـ) ، تحقيق: محمد علي النجار ، دار الشؤون الثقافية - بغداد 1990.
8. دراسات في فقه اللغة ، د. صبحي الصالح ، دار العلم للملايين بيروت ط3 1388هـ- 1968م .
9. ديوان جرير ، بشرح محمد بن حبيب ، تحقيق د. نعمان محمد أمين طه ، دار المعارف - مصر 1969م .
10. ديوان لبيد بن ربيعة ، تحقيق إحسان عباس ، الكويت 1992م.
11. السبعة في القراءات ، لابن مجاهد (ت324هـ) ، تحقيق د. شوقي ضيف ، دار المعارف ، ط3 ، مصر 1988م .
12. شرح المعلقات العشر وأخبار شعرائها ، للشيخ أحمد بن الأمين الشنقيطي ، مكتبة النهضة ، بغداد 1988م .
13. الصاحبي في فقه اللغة ومسائلها وسنن العرب في كلامها ، لابن فارس (ت395هـ)، علّق عليه ووضع له حواشيه أحمد حسن بسج ، دار الكتب العلمية بيروت ط1 1418هـ - 1997م .
14. صحيح مسلم ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، القاهرة د.ت .
15. علم الدلالة ، د. أحمد مختار عمر ، مكتبة دار العروبة للنشر – الكويت ط1 1402هـ - 1982م.
16. الفائق في غريب الحديث ، للزمخشريّ ، تحقيق علي محمد البجاوي ، ومحمد أبو الفضل إبراهيم ، دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة ، ط1 1948م .
17. فقه اللغة وسر العربية ، لأبي منصور الثعالبي (ت429هـ) ، تحقيق عبد الرزاق مهدي ، دار إحياء التراث العربي – بيروت ط1 1422هـ - 2002م .
18. الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشّاف ، للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت852هـ)، مطبوع بهامش الكشّاف ، دار الكتاب عربي ، 1366هـ - 1947م .
19. كتاب العين ، للخليل بن أحمد الفراهيدي (ت175هـ) ، تحقيق د. مهدي المخزومي ود. إبراهيم السامرائي ، تصحيح أسعد الطيب ، مطبعة باقري ط1 ، 1414هـ .
20. كشاف اصطلاحات الفنون ، لمحمد بن علي التهانوي (ت1158هـ) ، وضع حواشيه أحمد حسن بسج ، دار الكتب العلمية بيروت ط1 1998م .
21. الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، للزمخشريّ (ت538هـ) ، رتّبه وضبطه وصححه مصطفى حسين أحمد ، دار الكتاب العربي 1366هـ - 1947م .
22. لسان العرب ، لابن منظور (ت711هـ) ، دار صادر للطباعة والنشر ، بيروت ط1 1997م .
23. المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ، لضياء الدين بن الأثير ، تحقيق الدكتور أحمد الحوفي والدكتور بدوي طبانه ، نهضة مصر 1379هـ - 1959م .
24. مجمع الأمثال ، لأبي الفضل الميداني (ت518هـ) ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ، دار القلم ، بيروت – لبنان د.ت .
25. المزهر في علوم اللغة ، لأبي بكر السيوطي (ت911هـ) ، شرحه وضبطه وعنون موضوعاته محمد أحمد جاد المولى بك ، ومحمد أبو الفضل إبراهيم ، وعلي محمد البجاوي ، بيروت 1986 .
26. المحتسب في تبين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها ، لابن جني ، دراسة وتحقيق محمد عبد القادر عطا ، دار الكتب العلمية ، بيروت ط1 1419هـ - 1998 .
27. مشاهد الإنصاف على شواهد الكشّاف ، للشيخ محمد عليان المرزوقي ، مطبوع بهامش الكشّاف ، دار الكتاب العربي ، 1366هـ - 1947م .
28. معاني القرآن ، لأبي زكريا الفرّاء (ت207هـ) ، تحقيق أحمد يوسف نجاتي ، ومحمد علي النجار ، ود. عبد الفتاح إسماعيل شلبي ، وعلي النجدي ناصف ، عالم الكتب ، بيروت ط3 ، 1403هـ - 1983م .
29. معاني القرآن وإعرابه ، لأبي إسحاق الزجّاج (ت311هـ) ، شرح وتحقيق د. عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب ، بيروت ط1 ، 1408هـ - 1988م .
30. المعجم العربي الأساسي (لاروس) ، تأليف وإعداد جماعة من كبار اللغويين العرب بتكليف من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، 1989 .
31. المعجم الوسيط ، قام بإخراجه إبراهيم مصطفى وآخرون (مجمع اللغة العربية – القاهرة) ط2 ، نشر مكتبة المرتضوي 1327هـ .
32. المفصّل في علم العربية ، للزمخشريّ ، تحقيق محمد بدر الدين النعساني ، دار الجيل ، بيروت ط2 1323هـ .
33. الموطأ ، للإمام مالك بن أنس (ت179هـ) ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت 1406هـ .
























  • وصف الــ Tags لهذا الموضوع
  • الدلالة، الظواهر الدلالية، طرائق النقل، أدلة الاحتجاج ، التوسع في المعنى

هذه الفقرة تنقلك الى صفحات ذات علاقة بالمقالات الاكاديمية ومنها الاوراق البحثية المقدمة من قبل اساتذة جامعة بابل وكذلك مجموعة المجلات العلمية والانسانية في الجامعة وعدد من المدنات المرفوعة من قبل مشرف موقع الكلية وهي كالاتي:

قسم المعلومات

يمكنكم التواصل مع قسم معلومات الكلية في حالة تقديم اي شكاوى من خلال الكتابة الينا,يتوجب عليك اختيار نوع الرسالة التي تود ان ترسلها لادارة الموقع :