انت هنا الان: الرئيسية » القسم الاكاديمي
المقالات الاكاديمية والبحثية
تصفح هذه الورقة الالكترونية بتقنية Media To Flash Paper

الحكمُ بالاقتضاء للمعنى في القرآنِ الكريم بدلالةِ السِّياق
لا يخفى على كل ذي لبّ أنّ ما تؤديه الكلمة من معنى مرتبط بما يقتضيه السياق الذي وردت فيه ، وما يحدده النظر إلى موقعها في التركيب . إذ إن للسياق أهمية كبيرة في تفسير النصوص وتعيين معانيها ؛ إذ تظهر أهميته في جملة العلاقات المعجمية والتركيبية التي تسم النص بالانسجام والترابط والتماسك ؛ لذا قالوا إن السياق هو (( كل ما يصاحب الكلمة من وقائع ، لا الكلمات التي تسبقها والتي تتلوها في النص فحسب )) . و(( السياق هو الذي يفرض المعنى المطلوب على اللفظ ، ويغلب أحد المعنيين على الآخر )) . يتجلى ذلك واضحا في ما رواه الأصمعي بقوله : (( كنت أقرأ قوله تعالى " والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله غفور رحيم ". وكان بجانبي أعرابيّ ، فقال: كلامُ مَنْ هذا؟ فقلْتُ: كلامُ الله. قال: أعِدْ. فأعدْتُ, فقال: ليس هذا كلامَ الله . فانتبهْتُ فقرأتُ " والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم " (سورة المائدة/38) فقال : أصبْتَ . فقلْتُ : أتقرأ القرآنَ ؟ قال : لا. قُلْتُ : فمِنْ أينَ عَلِمْتَ ؟ فقال : ياهذا, عَزّ فحكَمَ فقَطَعَ , ولو غفَرَ ورَحمَ لَمَا قَطَع ! )) . و يسمّى هذا في علم البلاغة ( المناسبة ) و( تشابه الأطراف ) وهو ختم الكلام بما يناسب أوَّله بدلالة السياق ، فقد أدرك هذا الأعرابيُّ بفطرته السليمة وعروبته الصميمة أنَّ ختم الكلام بـالغفور الرحيم لا يقتضي الحكم بقطع يد السارق، ولهذا قال الزمخشري (( إن الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل لإنه إغراء عليه )) . فعلاقة السياق بالمعنى ، هي أشبه ما تكون بعلاقة الإنسان بظله ، فالنص وحدة متماسكة متوالية الحلقات تدور في موضوع واحد وكلام متصل ، فكل آية في سور القرآن تتصل بسابقتها ولاحقتها بسببٍ من المواءمة والترابط المعنويّ ، وهو أمر ينسحب على ترابط سور القرآن ووجه اتصالها بما قبلها وما بعدها وماسيقت له ؛ لذا قال الإمام الصادق (ع) : (( إنَّ الآية لتنزل أولها في شيء ، وأوسطها في شيء ، وآخرها في شيء ، وهو كلام متصل يتصرف على وجوه )) .
ومن أمثلة ما يقتضيه نظم القرآن وسياقه من التنكير والتعريف قوله تعالى ))ويقتُلونَ النَّبيِّينَ بِغيرِ الحَقِّ)) (سورة البقرة :61) ، وفي (سورة آل عمران:112) : (( ويقتلونَ الأنبياءَ بغيرِ حقٍّ )) ؛ يشير سياق الآيات في سورة البقرة إلى الحق ّالذي أذِنَ الله جلّ وعلا أن تقتل النفس به ، وهو ما عبَّرت عنه ( الآية : 151 ) من سورة الأنعام : (( ولا تقتلوا النفسَ التي حرَّمَ اللهُ إلا بالحقّ)) ، فاقتضى أن يكون معرفة ؛ لأنه من الله جلّ وعلا ، في حين تشير سورة آل عمران إلى كونه نكرة ، أي بغير حقٍّ في معتقدهم ودينهم ، فالحكم بتنكير (حق) هو ما يقتضيه السياق ويطلبه وهو الأولى .
ومن أمثلة ما يقتضيه نظم القرآن وسياقه من الإفراد والجمع قوله تعالى في (الرؤيا) : (( ونادَيْناهُ أنْ يا إبراهيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤيا، إنَّا كذلكَ نَجزي المُحْسِنينَ )) (سورة الصافات /104-105 ) ، إذ يشير سياق الآية إلى أن الرؤيا قد انمازت بالصدق لاقترانها بنبيّ الله إبراهيم (عليه السلام) ، فهي من صدق الإلهام القريب من الوحي ، فاقتضى السياق مجيئها مفردة دالة على التمييز والوضوح والصفاء . على حين أنَّ (الأحلام) في قوله تعالى (( بَلْ قالوا أضغاثُ أحلامٍ بل افتراهُ ، بلْ هو شاعرٌ ، فلْيأتِنا بآيةٍ كما أُرسِلَ الأولُون )) (سورة الأنبياء/ 5) ، قد انمازت بالتشويش والتخليط والكذب لاقترانها بالمتقوِّلين الطاعنين ، فالحكم بمجيئها مجموعة دالة على الأضغاث المشوشة المختلطة الكاذبة هو ما يقتضيه السياق ويطلبه .
ومن أمثلة ما يقتضيه نظم القرآن وسياقه التعبير عن الأرض الجرداء الخالية من الحياة قبل نزول المطر ، وقبل تفتقها بالنبات بأنها (هامدة) تارة ، وأنها (خاشعة) تارة أخرى ، بحسب ما يقتضيه السياق ، فجاء وصفها أنها (هامدة) في قوله تعالى : (( وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزّت وربت ...)) (سورة الحج/5) ، وسياق الآية وجوُّها يشيران إلى موقف بعث وإحياء وإخراج ، فاقتضى أن تكون الأرض (هامدة) لا حركة فيها ولا حياة ، ثم بنزول الماء تدبُّ فيها الحركة والحياة فتهتزّ وتربو . على حين أنّ الموقف مختلف مع آية (فصلت/39) إذ يقول ربنا جلَّ وعلا (( ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزّت وربَت ...)) ، فالجوُّ هنا جوُّ تعبُّد وخشوع وسجود، وسياق العبادة هذا يقتضي أن توصف الأرض أنها خاشعة ساكنة ، حتى إذا ما أتاها الماء اهتزَّت و تحركت لتشارك العابدين حركتهم وتتخلى عن سكونها ، لذا كان وضع (خاشعةً) في هذا الموضع مما يقتضيه سياق التعبد والخشوع والسجود ويطلبه كأنها مصوغة له .
ومن أمثلة ما يقتضيه نظم القرآن وسياقه التعبير عن ضرب نبي الله موسى الحجر وتحصيل الماء بفعلي ( الانفجار ) و( الانبجاس ) ؛ ليدل كل تعبير على ما يقتضيه السياق ، فسياق (الانفجار) قوله تعالى (( وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجرَ فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين )) (سورة البقرة/60) ، وسياق ( الانبجاس) قوله تعالى ( وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام)) ( سورة الأعراف/160) ؛ وبإنعام النظر في سياق الآيتين يتبين لنا أن الانفجار يوحي بمعنى كثرة الماء وغزارته ، على حين أن الانبجاس يوحي بمعنى الماء القليل ؛ يدل على ذلك أن موسى هو من طلب السقاية لقومه في آية سورة البقرة فجاء جواب ربّه مباشرًا من غير إيحاء ( أن اضرب بعصاك الحجر) فناسب الانفجار بالماء الغزير طلبه ؛ لأن سياق الآية ينتظم الجمع بين الأكل والشرب ، وذلك يقتضي الانفجار الذي هو أبلغ في كثرة الماء . أما في آية سورة الأعراف فإن طلب الاستسقاء كان من قوم موسى ، وضرب الحجر كان وحيا ، ولم يجمع لهم الأكل والشرب كما في الآية السابقة ، وذلك يقتضي الانبجاس وهو الماء القليل .
ومن أمثلة ما يقتضيه نظم القرآن وسياقه التعبير عن الشك والتوهم ، والعلم والتيقن ، بالفعل (ظنّ) ، والفيصل في الحكم للمعنى المراد هو ما يقتضيه السياق ؛ ففي قوله تعالى (( يا أيُّها الذينَ آمنُوا اجتنبُوا كثيرًا منَ الظنّ إنَّ بعضَ الظنّ إثمٌ )) (الحجرات/12) ، نرى أن معنى الظنّ هنا مبني على الشك والتخمين والتوهم ، وهو حكم اقتضاه سياق الآية بدلالة القرائن المقالية والحالية في الآية . على حين أن قوله تعالى (( الذينَ يظنُّون أنَّهم مُلاقوا ربِّهم وأنَّهم إليه راجِعون )) (سورة البقرة/46) ، ينتظم فيه فعل الظنّ معنى العلم واليقين ؛ لأن السياق يقتضي هذا المعنى بدلالة ما قبله من الآيات وما بعده ، إذ يرتبط أول الكلام بآخره ولا يعرف معناه إلا باستيفاء جميع حروفه ، فسياق الآية (45) التي قبلها مما يشعر بالمدح وهو قوله تعالى (( واستعينوا بالصبرِ والصلاةِ وإنَّها لكبيرةٌ إلّا على الخاشِعينَ )) ، وسياق الآية (47) التي بعدها يشير إلى مدحهم أيضا ، وهو قوله تعالى (( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتيَ التي أنعمْتُ عليكم وأنِّي فضَّلتُكُم على العالمين)) ، فوصفهم بالخاشعين ، وتفضيلهم على العالمين الذي أنبأ عنه سياق الآيتين المذكورتين آنفا يحكم باقتضاء فعل الظنّ معنى العلم واليقين في الآية .
ومن أمثلة ما يقتضيه نظم القرآن وسياقه كذلك التعبير عن التهييج والغليان والإغراء بالأزّ ؛ ففي قوله تعالى (( ألم ترَ أنَّا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزُّهم أزًّا )) ( سورة مريم /83) ؛ نرى سياق الآية قد جاء بالأزّ ولم يجئ بالهزّ - وهو اللفظ الشائع الاستعمال في مثل هذا المعنى - ؛ لأن السياق يقتضي الشدة والحركة والتهييج ، وهذا ما تقوم به الشياطين لتغري الكافرين بالشرِّ فيقدموا على المعاصي حتى توقعهم في النار ، وهذا المعنى لا يؤديه إلّا الأزّ . قال القرطبي(ت671ه) في تفسير ( تؤزُّهم أزًّا ) : ))قال ابن عباس : تزعجهم إزعاجا من الطاعة إلى المعصية . وعنه تغريهم إغراء بالشرّ: اِمض اِمض في هذا الأمر ، حتى توقعهم في النار )) . يزاد على ما تقدم من كلام القرطبي أنّ التوكيد بالمصدر(أزًّا) يعضد معنى إغرائهم إغراء شديدًا بالمعاصي وحثّهم عليها بما يؤدي إلى إهلاكهم ، يقال أزَّ الشيءَ يؤزّه أزًّا ، وأزيزا ، مثل هزَّه ( حرّكه شديدا ) ، إذا ضمَّ بعضه إلى بعض ، والأزّ والأزيز والهزّ والهزيز بمعنى التهييج وشدة الإزعاج ، وأصله من أزَّت القِدْر إذا اشتدَّ غليانها .
ومن أمثلة ما يقتضيه نظم القرآن وسياقه كذلك ، رعاية الفواصل تحريا لجمال النظم ومراعاة المعنى ، فالتقديم والتأخير ، وإيثار لفظ على آخر في معناه ، كل ذلك مما يقتضيه نظام الفواصل أو رؤوس الآيات . قال الرماني (384ه) )) : وفواصل القرآن كلها بلاغة وحكمة ، لأنها طريق إلى إفهام المعاني التي يحتاج إليها في أحسن صورة يدل بها عليها )) . من ذلك قوله تعالى : (( إنَّ عليْنَا لَلهُدَى * وإنَّ لنَا لَلآخرةَ والأولى )) ، فنظم الآيتين بتقديم الخبر وتأخير المبتدأ لم يراع الفاصلة القرآنية وحدَها ، إنَّما انتظمَ مراعاة المعنى أيضا ، إذ يقتضي سياق البشرى والوعيد تقديم الآخرة على الأولى ؛ لأنَّها خيرٌ وأبقى ، وعذابَها أشدُّ وأخزى ، يعضد هذا المعنى قوله تعالى مخاطبا رسولنا الكريم (( ولَلآخرةُ خيرٌ لك من الأولى )) ، وبهذا يتضح أثر الفاصلة في مراعاة المعنى إلى جانب حسن النظم .
الخاتمة
خلص البحث إلى ما يأتي :
1. الاقتضاء: هو حكم سياقيّ نحويّ ينتظم العلاقة المعنوية بين عناصر التركيب في النص لتبيين دلالته المقصودة بما يقتضيه نظْمُهُ وسياقُهُ .
2. توزع مفهوم الاقتضاء بين علوم العربية المتعددة ، فقد ورد عند البلاغيين بما يعرف بمعنى المعنى أو المعنى الضمني . في حين ربط النحويون الاقتضاء بنظرية العامل فقالوا (( لا يكون الاسم مجرورا إلا بالإضافة وهي المقتضية للجرّ ، كما أن الفاعلية والمفعولية هما المقتضيان للرفع والنصب )) . واستعمله الأصوليون بمعنى الدلالة ، يقولون : الأمر يقتضي الوجوب ، أي يدلُّ عليه .
3. تنوعت صور الاقتضاء وأحكامه تبعا لتنوع السياقات المنتظمة له في النص القرآني من حيث التقديم والتأخير، والتنكير والتعريف ، والتذكير والتأنيث ، والعموم والخصوص ، والإفراد والتثنية والجمع ، والكثرة والقلة ، والحركة والجمود ، ومراعاة الفاصلة القرآنية وهو ما حفلت به صفحات هذا البحث .
4. كشف البحث عن أن الحكم بالاقتضاء للمعنى لا يقف عند الاكتفاء بظاهر اللفظ وما يحمله من دلالات بمعزل عن المقام وسياق الكلام ، بل إن رفع الغموض ووضوح المعنى مما يقتضيه السياق ويطلبه ؛ لأن الأصل في الكلام هو البيان ووضوح المعاني ، وهو متوقف على مراعاة العلائق والقرائن المقالية والحالية بين الألفاظ والجمل في آي القرآن الكريم .



  • وصف الــ Tags لهذا الموضوع
  • الاقتضاء، السياق، الدلالة، المعنى، نصوص القرآن الكريم

هذه الفقرة تنقلك الى صفحات ذات علاقة بالمقالات الاكاديمية ومنها الاوراق البحثية المقدمة من قبل اساتذة جامعة بابل وكذلك مجموعة المجلات العلمية والانسانية في الجامعة وعدد من المدنات المرفوعة من قبل مشرف موقع الكلية وهي كالاتي:

قسم المعلومات

يمكنكم التواصل مع قسم معلومات الكلية في حالة تقديم اي شكاوى من خلال الكتابة الينا,يتوجب عليك اختيار نوع الرسالة التي تود ان ترسلها لادارة الموقع :